لقد تعبدنا الله ﷿ بجميع العبادات، فلا يجوز صرف أي نوع منها لغيره سبحانه، ومن تلك العبادات الخوف والذل، والحب والتعظيم، والاستغاثة، فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله فإنه يكون قد اتخذ ندًا مع الله، يحبه كحب الله أو أشد حبًا، وهذا هو الشرك بالله.
[ ٣١ / ١ ]
قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) وما جاء فيها من تفصيلات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: وقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]].
هذه الآية سبق أن بينا أنها في النصارى واليهود، وأن الأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد، وأن طاعة المخلوق في المعصية تكون عبادة له، ويكون ذلك المطاع ربًا لهذا المطيع.
قال الشارح: [الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، وهذه الآية قد فسرها رسول الله ﷺ لـ عدي بن حاتم، وذلك أنه لما جاء مسلمًا دخل على رسول الله ﷺ فقرأ عليه هذه الآية قال: (فقلت: إنهم لم يعبدوهم.
فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم) رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق].
ظن عدي أن العبادة هي السجود أو الركوع، أو الخضوع والذل، فبين النبي ﷺ أنها أعم من هذا، وأنه يكفي في العبادة أن يكون المخلوق مطاعًا في معصية الخالق، فمن أطيع في معصية الخالق تكون تلك عبادة له.
قال الشارح: [قال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله.
فظهر بهذا أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله، وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله، وأطاعه في معصية الله، واتبعه فيما لم يأذن به؛ الله فقد اتخذه ربًا ومعبودًا، وجعله لله شريكًا، وذلك ينافي التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الإخلاص: (لا إله إلا الله)، فإن الإله هو المعبود، وقد سمى الله تعالى طاعتهم عبادة لهم، وسماهم أربابًا كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران:٨٠] أي: شركاء لله تعالى في العبادة ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠] وهذا هو الشرك، فكل معبود رب، وكل مطاع ومتبع على غير ما شرعه الله ورسوله، فقد اتخذه المطيع المتبع ربًا ومعبودًا كما قال تعالى في آية الأنعام: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، وهذا هو وجه مطابقة الآية للترجمة.
ويشبه هذه الآية في المعنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] والله أعلم.
قال شيخ الإسلام في معنى قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا -حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله- يكونون على وجهين: أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين -مع علمه أنه خلاف للدين- واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركًا مثل هؤلاء الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الطاعة في المعروف) ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام، إن كان مجتهدًا -قصده اتباع الرسل لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع- فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه، ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول، ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول؛ فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باليد واللسان، مع علمه أنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه.
ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال وإن كان عاجزًا عن إظهار الحق الذي يعلمه، فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كـ النجاشي وغيره، وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣] وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٥٩] وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما قدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة.
وأما من قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا، كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار.
وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال ومنعه من عبادة الله وطاعته؛ صار عبدًا له، وكذلك هؤلاء.
فيكون فيهم شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك، وفي الحديث: (إن يسير الرياء شرك) وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير الذنوب.
انتهى].
[ ٣١ / ٢ ]
أن يكون المتبع عالمًا بما يفعله المتبوع من مخالفات
في هذا التفصيل الذي ذكره الشيخ ﵀ أقسام المتبوع والتابع، فالمتبوع إذا كان عالمًا بأن ما فعله أو قاله كفر بالله ومخالف لدين الله، وأحل ما هو حرام في الشرع، أو حرم ماهو حلال في الشرع، مع علمه بأن الله حرم هذا وأحل هذا، وخالف ذلك لغرض من الأغراض التي يريدها، فإن هذا يكون كفرًا مخرجًا من الدين الإسلامي.
والذي يتبعه فهو على التفصيل الذي ذكر، إما أن يكون المتبع عالمًا بأن الذي فعله هذا المتبَع مخالف للدين، ومخالف لنصوص الله جل وعلا، فإنه يكون كافرًا خارجًا من الدين الإسلامي لاتباعه هذا الشخص الذي حرم الحلال وحلل الحرام، وهذا هو معنى الآية التي تلاها رسول الله ﷺ على عدي بن حاتم، وهي التي استشهد بها المؤلف في هذا، وهي قوله جل وعلا في أهل الكتاب من اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة:٣١] فالأرباب جمع رب، فالرب من خصائصه التحليل والتحريم، والأمر والنهي الذي يجب فيه الاتباع، فمن فعل ذلك فقد نازع الله جل وعلا فيما هو من خصائصه؛ فاستحق بذلك أن يكون مبعدًا من الله جل وعلا.
[ ٣١ / ٣ ]
أن يكون المتبع جاهلًا بما يفعله المتبوع من مخالفات
إذا كان المتبع جاهلًا بأن متبوعه على باطل، وإنما اتبعه على حسن نية وقصد، ويظن أنه لم يخالف أمر الله في التحليل والتحريم، فهذا يكون آثمًا عاصيًا يستحق العقوبة، ولكنه لا يكون خارجًا من الدين الإسلامي؛ لأنه قصر في التعرف على دين الله جل وعلا؛ لأن الله جعل في الإنسان عقلًا وفكرًا ونظرًا، وأناط التكليف في عقله ونظره وفكره، فهو يميز بذلك، فإذا اتبع غيره في هذه الأشياء فهو مقصر يستحق العقوبة، ويكون مثل أصحاب الجرائم من الكبائر وغيرها، فإن شاء الله جل وعلا عفا عنه دون عقاب، وإن شاء أخذه بعقابه.
والمتبوع الذي يفعل الخطأ إن كان مجتهدًا وهو أهل للاجتهاد، فإنه يعذر، والاجتهاد لا يكون لكل أحد، لكن يكون جاهلًا بشيء، ولم يأل جهدًا فخفي عليه الصواب، فإذا فعل ذلك فإنه غير معاقب بل يثاب على اجتهاده فقط، وخطؤه الذي أخطأ فيه يكون معفوًا عنه؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر) وهذا يكون في الحاكم الذي يكون أهلًا لذلك.
[ ٣١ / ٤ ]
المقلد لغيره في الباطل أو الحق
المقلد الذي يقلد غيره: إما أن يكون المقلد يستطيع أن يميز بين الأمر والنهي، ويستطيع أن يعرف الدليل؛ فهذا لا يجوز له التقليد، ويجب عليه أن يعرف الحق بنفسه إلا في الأمور التي لا يستطيع لها، فهذا منوط بالتكليف، فإن الله جل وعلا لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والوسع هو الطاقة والاستطاعة، فالله لا يكلف الإنسان ما لا يستطيعه، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] لأنه لا يستطيع أن يعرف الأدلة، ويعرف مناط الحكم، ويعرف مراد الله في هذا النص، أو أنه يدخل هذا الحكم في هذا النص أو غير ذلك، فهو يلجأ إلى أهل العلم يسألهم عن ذلك.
وعليه أن يتقي الله في هذا، ويبحث عن الأعلم والأتقى، فما اطمأنت إليه نفسه فإنه يكلف به.
[ ٣١ / ٥ ]
أن يقلد عالمًا لأنه قال ما يهواه
المقلد الذي يتبع شهواته فيسأل هذا، فإذا أفتاه بشيء لا يلائمه ذهب يسأل الآخر، حتى يجد من يفتيه بالشيء الذي يريده هو، فهذا معناه أنه يطلب هوى نفسه، وهو ليس معذورًا في هذه الأمور، بل هو مأزور وعليه أن يتقي الله، وإذا أفتي بما ظاهره الحق وعليه الدليل فعليه أن يعمل بذلك؛ لأن الله جل وعلا أمر بسؤال أهل العلم، وأهل الذكر هم أهل العلم.
فهذا وهذا كلاهما سواء، لكنه ربما اتبع هذا لغرض، وأعرض عن هذا لغرض آخر، فمثل هذا هو الذي يكون مثل الجاهلية؛ لأنه يتبع ما تهواه نفسه، ولأنه ينتصر لمن يحبه ويريده، وإن كان الثاني مساويًا له في العلم والتقى، فعلى الإنسان أن يكون اتباعه ونظره طلبًا للحق، وطلبًا لمتابعة الرسول ﷺ، فكلما تبين له ذلك فرح به وشكر من حصل على يده البيان.
فهذه في الواقع أمور يجب على الإنسان أن يعتني بها؛ لأن كثيرًا من الناس يخطئ فيها، والمسألة في هذا أن الله جل وعلا بعث رسوله ﷺ، وأنزل كتابه بجوامع الكلم، وبالكليات العامة الشاملة التي يدخل في الجملة منها أحكام كثيرة، فليس كل أحد يستطيع فهم هذه المسألة من هذا النص أو من هذه القاعدة أو من هذه الكلية؛ لأن الله فاوت بين العباد في الفهوم والإدراكات، وهذا هو سبب اختلاف العلماء، فاختلاف الفقهاء من أهل السنة لاختلاف إدراكاتهم وفهومهم؛ لأن الحوادث التي تجري على أيدي الناس والأفعال والأعمال التي يعملونها ما يمكن أن يأتي الشرع بالنص على كل واحدة منها، فهذه صلاة حكمها كذا، وإخراج زكاة هذا حكمها كذا، وهذا العمل حكمه كذا، يعني: لا يكون منصوصًا عليه، وإنما أتت الكليات فأصبحت محلًا للنظر والاجتهاد الذي يسميه العلماء مناط الحكم؛ فلهذا اختلفوا هذه الاختلافات، وعلى الإنسان أن يتقي الله.
[ ٣١ / ٦ ]
أحوال الناس في انتفاعهم بالعلم
جاء في حديث أبي موسى الذي في الصحيح عن النبي ﷺ أنه مثل أمته وما بعثه الله به مثل الغيث-المطر- يقع على الأرض، فتكون على طوائف ثلاث: طائفة منها تربتها طيبة، فقبلت الماء وأنبتت الكلأ، فرعى الناس وانتفعوا.
وطائفة أخرى من الأرض لا تنبت، ولكنها أمسكت الماء، فورد الناس واستقوا وانتفعوا بالماء.
وطائفة أخرى لا تقبل الماء ولا تمسكه، مثل: السباخ، لا نبات ولا إمساك، فهذه أحوال الذين لا يهتمون بالدين الإسلامي، ولا يرفعون به رأسًا، وهم أكثر الناس.
أما الأولى فهي مثل الفقهاء الذين إذا علموا نصًا للنبي ﷺ استنتجوا منه الأحكام الكثيرة، التي ينتفعون بها وينفعون بها غيرهم، والطائفة التي تمسك الماء مثل الحفاظ الذين حفظوا على الأمة النصوص والأحاديث عن النبي ﷺ، فحفظوها وأدوها إلى من هو أفقه منهم، فنفعوا بهذا الحفظ.
أما الطائفة الثالثة: فهي لا تنتفع في نفسها ولا تنفع غيرها، فهؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة، وأما الناجون فهم الطائفة الأولى والثانية.
فالمقصود اختلاف الناس في الفهوم والحفظ، وبسبب ذلك حدثت الخلافات بين المسلمين.
ويجب على الإنسان أن يتقي الله إذا كان له إمام أو شيخ فقال قولًا خالف الحق، وتبين لمتبوعه أنه مخالف للحق، فإنه يجب عليه ألا يتبع شيخه أو إمامه؛ لأنه تبين له أنه خالف الحق؛ لأن الإنسان مكلف باتباع ما جاء به الرسول ﷺ، لا بقول فلان ولا بقول فلان، وإنما استعانوا بأقوال العلماء إلى الوصول إلى الحكم الذي حكم به الله جل وعلا، وحكم به رسوله، وهذا من أصول العقيدة التي يجب على العبد أن يهتم بها، وذلك التحليل والتحريم من خصائص الله جل وعلا، فمن جعل هذا إلى مخلوق من الناس فقد اتخذه مع الله ربًا يحكم ويأمر وينهى، ويحلل ويحرم، فلهذا عدي بن حاتم لما سمع الرسول ﷺ يتلو هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] قال: إنهم لم يعبدوهم، يعني: النصارى، فقال: (بلى، ألم يحللوا لهم الحرام فيتبعوهم على ذلك، ويحرموا لهم الحلال فيتبعوهم على ذلك؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم) فليست العبادة تكون فقط بالسجود والركوع والاستغاثة بهم، ودعوتهم لتفريج الكروب وما أشبه ذلك، بل أي نوع من أنواع العبادة إذا صرف إلى مخلوق من الناس صار معبودًا له وصار ربًا له.
كذلك الذي يتبع عالمًا لأنه قال ما يهواه، أو لأنه وافق طائفته التي ينتمي إليها قال: يكون هذا مثل عابد الدينار والدرهم، ومثل الذي يجاهد في سبيل الله في الظاهر أو يتصدق أو يؤدي أعمالًا في ظاهرها خالصة، ولكنه يريد نفعًا معينًا، إن حصل له ذلك النفع استمر في عمله وإلا نكص وفشل وترك العمل، وهو يشير بهذا إلى حديث أبي هريرة الذي في صحيح البخاري أن الرسول ﷺ قال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) ثم ذكر رجلًا آخر يكون مقابلًا تمامًا لمن عبد الدينار والدرهم الذي إن أعطي رضي، وإن منع سخط، إذا أعطي ما أراد من الدرهم والدينار والخميصة والخميلة رضي واستمر في عمله، أما إذا منع ذلك فإنه يسخط ويترك العمل، فهذا معناه أنه يعمل للدينار والدرهم، ويعمل للباسه ولمفروشه، ولما ينتفع به دنيا، فيكون بذلك عابدًا له وإن لم يسجد له ويدعوه ويركع له، هل يوجد أحد عاقل يسجد للدينار والدرهم؟! لا، وإنما قصد بذلك أنه يعمل من أجله؛ لأن المسلم يجب أن يكون عمله لله وحده، يرجو به ثواب الله جل وعلا، ويخاف لو لم يعمل أن يعاقبه الله جل وعلا والذي يقابل هذا هو ما ذكره في آخر الحديث، قال: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن شفع لم يشفع له، وإن أذن لم يؤذن له)، يعني: أنه لم يبالِ عرفه الناس أم لم يعرفوه، بل يحب أنهم لا يعرفونه؛ ولهذا لو شفع عندهم ما شفعوا له، ولو استأذن على الكبراء والأمراء لا يأذنون له؛ لأنه غير معروف، وليس له قيمة، فهو يعمل لله جل وعلا، وهكذا كل من كان قصده وجه الله لا يلتفت إلى رضا الناس ولا سخطهم، ولا يبالي بهم، فعند ذلك لا يعرفونه.
وقوله: (إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة) يعني: أنه أي مكان وضع فيه أدى العمل الذي أنيط به كما ينبغي ولا يبالي؛ لأن قصده وجه الله، والفوز برضاه، بخلاف الأول تمامًا، وبضدها تتبين الأشياء.
لهذا يأتي في القرآن ذكر أهل الجنة وصفاتهم، ثم بعد ذلك يأتي ذكر أهل النار وصفاتهم، أو يأتي -مثلًا- ذكر صفات أهل النار وأعمالهم وجزائهم، ثم يأتي بعد ذلك ذكر أهل الجنة وصفاتهم وجزائهم، فمثلًا: يذكر الله جل وعلا أنه إذا جمع العباد بعد النفخ في الصور أنهم ينقسمون إلى قسمين: كفار يؤتى بهم، ويقررون بأعمالهم، فيقرون ويعترفون، ثم يساقون إلى جهنم، ويعترفون أنهم يستحقونها، فيقال لهم: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١].
والفريق الثاني: الذين اتقوا ربهم يساقون إلى الجنة زمرًا، فإذا جاءوها استقبلتهم الملائكة فيها، وصاروا يدخلون عليهم من كل باب يسلمون عليهم ويقولون لهم: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] هذا جزاؤكم بما صبرتم.
ثم ذكر بعد هذا أن الله جل وعلا قضى بين الخلق عمومًا بالحق، حتى الملائكة: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥] هذا هو آخر شيء، قضي بين الفجار وبين المتقين وبين الملائكة (وقيل) هذا يدل على أن الخلق كلهم قالوا هذا القول: الحمد لله رب العالمين على قضاء الله وحكمه، حتى أهل النار يحمدون الله جل وعلا على ذلك؛ لأن هذا هو مكانهم الذي يستحقونه ولا يستحقون غيره، والله هو أحكم وأعدل الحاكمين، فالذي يعبد الدنيا، ويكون عمله لها سوف يلقى جزاءه، والدنيا ستذهب كلها ومن عليها، فيصبح قد خسر العمل، وأصبح عمله حسرات عليه.
[ ٣١ / ٧ ]
قوله تعالى: (وتجعلون له أندادًا)
قال الشارح: [قال أبو جعفر بن جرير ﵀ في معنى قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾ [فصلت:٩] أي: وتجعلون لمن خلق ذلك أندادًا -وهم الأكفاء من الرجال- تطيعونهم في معاصي الله.
انتهى قلت: كما هو الواقع من كثير من عباد القبور].
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾ [فصلت:٩] الند: هو المثل والنظير ولو بوجه من الوجوه، لا يلزم أن يكون مثله من كل وجه، فهذا ما يقوله أحد من الخلق، لا يوجد أحد من خلق الله فيه شيء من العقل يقول: إن الصنم أو المقبور مثل الله من كل وجه، لا أحد يقول هذا، لكنهم جعلوه ندًا بوجه من الوجوه، مثل: الدعاء، فهذا ند له في الدعوة، ومثل الحب، فهذا المحبوب يكون ندًا له في المحبة، والمحبة تقتضي التعظيم والإجلال، ومثل الخوف، وهو الذي يسمونه خوف السر، وهو الخوف الغيبي، يخافه وهو في قبره، يخافه وهو بعيد عنه، من وقع له شيء من ذلك فقد عبد ذلك المخوف؛ لأن الخوف يجب أن يكون لله وحده، فهو الذي يطلع على ما في القلوب، وهو الذي لا يخفى عليه شيء، وهو الذي يكون مع الإنسان أينما كان، في جماعة أو في سر وحده أو ما شابه ذلك، وليس هذا لأحد من خلق الله، فمن جعل للمخلوق شيئًا من ذلك فقد جعله ندًا لله جل وعلا.
فالمقصود أن قوله: (الأكفاء من الرجال) معناه: أنه جعل الرجال أكفاء لله، والله ليس له كفؤًا تعالى وتقدس، والأكفاء في هذا يكون في مسألة من المسائل فقط، وليس في كل شيء؛ لأنه لا أحد يقول: إن رجلًا من الناس مثل الله من كل وجه، مثله في الخلق، مثله في الرزق، مثله في العلم، مثله في القدرة، مثله في الاطلاع، هذا لا يقوله عاقل، فعلم بهذا أن المقصود بالند أنه يكون في مسألة من مسائل العبادة.
ولهذا ذكر الله عن الكفار أنهم يلعن بعضهم لبعض وهم في النار بعد التبكيت واللوم والتقريع من بعضهم لبعض لأنه من تمام العذاب أن يجعل كل واحد عدوًا للآخر، وكل واحد يلعن الآخر، يقول بعضهم لبعض، التابع يقول للمتبوع والعابد يقول للمعبود: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] يعني: يقسمون بالله، (تالله): معناها والله، (لقد كنا في ضلال مبين) متى؟ ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٨] وقت تسويتنا لكم برب العالمين، كنا في ضلال مبين، أي: بين واضح، والتسوية ليست في الخلق والقدرة، ليست في التدبير، ليست في الملك، بل في المحبة فقط، أحبوهم كما أحب المؤمنون الله، كما في الآية التي ذكرها المؤلف: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] فبين أن الندية في الحب فقط، يحبونهم كحبهم لله، فهذا تنديد، وهو جعل المخلوق كفؤًا لله جل وعلا في هذا الشيء.
ومثله أن يدعوه، ومثله ما لو ذبح له أو نذر له أو استغاث به أو طلب منه أن يخلصه من مشكلة من المشكلات التي يقع فيها، يطلب منه وهو في قبره، يطلب منه وهو غائب، قد يقع في مشاكل ثم يلجأ إلى من يعتقد أنه ولي ويسأله أن يخرجه من تلك المشكلة، فهذا سواه برب العالمين في هذا الدعاء وهذه الاستغاثة، وهذا هو التنديد الذي قصد في مثل هذه الآية: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢].
[ ٣١ / ٨ ]