حديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه) من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها، ولا معرفة معناها، ولا الإقرار بها عاصمًا للدم والمال، إلا إذا صاحب ذلك الكفر بما يعبد من دون الله تعالى.
[ ٣٣ / ١ ]
الكفر بما يعبد من دون الله
قال المصنف ﵀: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه وحسابه على الله)].
هذا الحديث يبين معنى لا إله إلا الله بيانًا شافيًا؛ فهو من جنس الآيات السابقة، والباب يقول فيه: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
فهذا الحديث يفسر شهادة أن لا إله إلا الله؛ وذلك لأنه لم يكتف الرسول ﷺ بقول لا إله إلا الله، بل قيد الأمر بشيئين: الأول: قول لا إله إلا الله.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فإذا حصل أحدهما وتخلف الآخر لم يحصل المقصود الذي قصده الرسول ﷺ، والكفر بما يعبد من دون الله معناه: بغضه والابتعاد عنه بعد التخلي عنه نهائيًا، قال الله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] فهذا هو معنى الكفر بما يعبد من دون الله، أول شيء يتخلى عنه إذا كان يعمل شيئًا منه، ثم يبغضه ويعاديه، ويبغض ويعادي من يفعله، ويتبرأ منه، وإذا لم يحصل ذلك فمعنى ذلك أنه لم يأت بالكفر المطلوب، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فقدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، مما يدل على أن هذا شرط في صحة قول لا إله إلا الله.
فإذا لم يكفر الإنسان بما يعبد من دون الله لا ينفعه قول: لا إله إلا الله، وهذا قيد من القيود التي قيدت به هذه الكلمة، والقيود التي قيدت بها هذه الكلمة كثيرة، ومنها أن يعلم معناها، فيقولها عن علم، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وشهادة الحق هي شهادة أن لا إله إلا الله، وقوله جل وعلا: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) جملة حالية، يعني: حالة كونهم يعلمون ما يشهدون به.
وأيضًا الإخلاص فقد جاءت مقيدة به كما قال الرسول ﷺ: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)، فالإخلاص ينافي الشرك والرياء.
أيضًا اليقين الذي ينافي الشك والتردد.
والانقياد بحيث إن الإنسان يقولها وينقاد لما دلت عليه، أما أن يقولها ويأبى أن يعمل، فهذا لا يفيد.
ومنها الاستسلام والتسليم.
ومنها: الرضا بما دلت عليه.
ومنها: المحبة، أن يحب ذلك ويرضاه، فإذا وجدت هذه القيود فيمن يقول: لا إله إلا الله فهذا الذي يموت مخلصًا، ويلقى الله جل وعلا خالصًا ليس معه شيء من الشرك، ويكون من الذين يسلكون إلى الجنة؛ لأنه إذا قالها بهذه القيود لا يمكن أن يقوم به شرك من الأعمال.
[ ٣٣ / ٢ ]
الرغبة فيما عند الله
ما ذكره المؤلف قبل هذا يدلنا على أن العبد يجب في عبادته أن يحب الله وأن يخشاه، وأن يكون في عبادته طالبًا للنجاة من الله جل وعلا، طالبًا لثوابه وجزائه، هاربًا من عقابه، وليس كما يقول من يقوله من المغرورين: أنا لا أعبد الله ولا أحبه لأجل جنته أو خوفًا من ناره، فإن هذا غرور وجهل بالواقع، فالإنسان ضعيف، ولو أن الإنسان أصيب بعذاب فإنه سوف يظهر ضعفه بسرعة، وسوف يتنصل مما يقول، وقد ذكر عن بعض السلف الذين كانوا معروفين بالتصوف -وهو الشبلي ﵀- أنه كان يقول: أنا لا أعبد الله طلبًا لجنته، فابتلي بحبس البول، انحبس البول فصار يمشي إلى الصبيان ويقول: استغفروا لشيخكم الكذاب، فإنه تبين كذبي؛ إذ إني لا صبر لي على العذاب.
وهذه موعظة وعظ بها.
أما ما ذكر عن رابعة العدوية أنها كانت تقول: أنا لا أعبده لجنته ولا خوفًا من ناره، وإنما أعبده لحبه، فهذا لا يصح عنها، وإنما هو من قول الذين لهم شطحات ممن هم غير عارفين بالشرع، وإلا فالله جل وعلا قد أكثر من ذكر الجنة وذكر النار في كتابه، حتى يكون هذا حاديًا على العبادة الرغبة والرهبة، وقد أخبر عن سادات أوليائه الذين هم الأنبياء أنهم كانوا يعبدونه رغبًا ورهبًا، رغبًا في ثوابه، ورهبًا من عقابه جل وعلا، ولا تستقيم العبادة إلا بهذا، فلا صبر للعبد على عذاب الله، كما أنه لا غنى له عن رحمته، فهو ضعيف مسكين محتاج إلى ربه جل وعلا، والله جل وعلا غني عنه من كل وجه، وطاعة الطائعين لا تنفع الله، كما أن معصية العاصين لا تضر الله جل وعلا، وإنما الطائعون يطيعون لأنفسهم، ويجتنبون المعاصي وقاية لأنفسهم من عذاب الله، وإلا فقد قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل سائل مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر).
والمقصود بالمخيط الإبرة، فالإبرة إذا أدخلت في البحر ثم نزعت هل تنقص من البحر شيئًا؟ لا، ذلك أنه جل وعلا إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، وكل شيء في ملكه.
ثم يقول الله جل وعلا في آخر الحديث: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه)، فالعمل لأجل النجاة، والرسول ﷺ يقول: (كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) كيف يبيعها ويعتقها؟ بائع هنا معناه مشتري، بائع نفسه يعني: مشتريها، إما أن يشتريها بطاعة الله جل وعلا، واجتناب المعاصي، فيعتقها من عذاب الله، أو يبيعها في طاعة الشيطان فيوبقها، وإباقها كونه يعمل بالمعاصي ثم يجزى شرًا.
فلا غنى للعبد عن محبة الله وعبادته، ومحبة الله تكون خوفًا من عذابه، ورجاءً لثوابه، العبادة مبناها على الخوف والرجاء، فيجب أن يكون العبد خائفًا راجيًا دائمًا.
أما إذا عبد الله جل وعلا بالخوف وحده فإنه -كما قال السلف- يكون حروريًا، والحروري معناه: الخارجي، فالخوارج يكفرون المسلمين بمجرد الذنوب، ويخلدونهم في النار، فمن فعل ذنبًا من الذنوب قالوا: إنه كافر يجب قتله، وإذا مات فهو خالد في جهنم؛ لأنهم عبدوا الله بالخوف.
وإذا عبد الإنسان ربه بالرجاء صار مرجئًا، والمرجئة أضل من هؤلاء، فإنهم تركوا الأعمال وقالوا: يكفي الإيمان القائم في القلب، فلا بد للعبد أن يكون ممتثلًا لأوامر الله جل وعلا مع ما يقوم في قلبه من حب الله وتعظيمه والذل له والإخلاص له، ويقصده بالعمل كله.
[ ٣٣ / ٣ ]
شرح حديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله)
قال الشارح ﵀: [قوله: في الصحيح: أي: صحيح مسلم، عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ فذكره، وأبو مالك اسمه سعد بن طارق، كوفي ثقة، مات في حدود الأربعين ومائة، وأبوه طارق بن أشيم - بالمعجمة والمثناة التحتية وزن أحمر - ابن مسعود الأشجعي صحابي له أحاديث، قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه].
الصحابة رضوان الله عليهم كثيرون جدًا،ليس كل صحابي عرف اسمه، أو عرفت روايته أو نقل عنه، المنقول عنهم قلة، والذين عرفوا ما يتجاوزون اثني عشر ألفًا من الصحابة الذين رويت عنهم الأحاديث، وقد قال أبو زرعة: الذين اجتمعوا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع أكثر من ثلاثمائة ألف، فيكون كلهم من الصحابة، وهؤلاء أكثرهم لم يعرف اسمه، ومعرفة الأسماء تكون برواية الأحاديث، والأحاديث دونت وسجلت بعد ذهاب الصحابة رضوان الله عليهم، ثم هم رضوان الله عليهم ما كانوا يحرصون على التحديث كثيرًا كما جاء في الصحيح أن رجلًا صحب الزبير من المدينة إلى مكة فقال: ما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ، فسأله فقال: إن الحديث عن رسول الله ﷺ عظيم، فقد سمعته يقول: (من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار) هم يقولون: (متعمدًا) والله ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (متعمدًا) يعني: أنه ذكر هذا مطلقًا، فامتنع من التحديث من أجل ذلك، ولكن إذا وجب الأمر لا بد أن يذكروا ذلك، إذا احتاجوا إلى ذكر العلم ذكروه ولا يكتمونه.
ثم هم رضوان الله عليهم كانوا يهتمون بالعمل أكثر؛ ولهذا كانت دعوتهم بأعمالهم أكثر من دعوتهم بأقوالهم.
وقد سبق أن قول: لا إله إلا الله شرط في صحة الإسلام، وأن الإنسان ما يدخل دين الإسلام إلا بقول: لا إله إلا الله، والقول وحده لا يكفي.
وهذا الحديث بين المراد من الأحاديث الأخرى التي فيها أن الرسول ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) وما في معنى ذلك، وأنه ليس المراد مجرد القول، وإنما يجب أن ينضاف إلى القول العلم والاعتقاد الجازم، ويتبع العلم العمل.
وكذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإذا اختل شيء من هذه الأمور في الإنسان لم يصح دينه وإسلامه، فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله، وأن يقولها عن علم واعتقاد، وأن يعمل بمقتضاها وما دلت عليه، وأن يكفر بالمعبودات التي تعبد من دون الله جل وعلا.
[ ٣٣ / ٤ ]
تفسير هذا الحديث لمعنى لا إله إلا الله
هذا الحديث بيان وشرح لقول لا إله إلا الله؛ لأنه قال: (وكفر بما يعبد من دون الله)، والكفر بما يعبد من دون الله يقتضي مجانبته وبغضه وكراهيته، ويتبرأ منه ومن عابده، فلا بد أن يكون الإنسان عاملًا بذلك حتى يصح دينه ويسلم، ويتحصل على الموعود الذي وعد به من قال: لا إله إلا الله بأن يدخل الجنة.
وبهذا يتبين أن الذين يتعلقون بغير الله جل وعلا، ويزعمون أنهم لم يأتوا بمخالفٍ مغرورون، قد اغتروا بجهلهم؛ لأن الرسول ﷺ بيّن غاية البيان، ووضح الأمر، فلا عذر لهم؛ لأنهم لم يعتنوا ببيانه الذي كلفه الله جل وعلا به، وقام به كما ينبغي صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا تجد كثيرًا من الناس يتعلق بالصالحين أو بقبورهم أو بغير ذلك، ويزعم أنه لم يأت بمخالف؛ لأنه يعد هذا توسلًا، ويقول: التوسل مشروع، وقد سبق أن التوسل الذي أمر الله به هو فعل الطاعة ابتغاء الوسيلة إلى الله، فيطيع الله جل وعلا ويتبع رسوله ﷺ، أما التعلق بغير الله جل وعلا فهو تأله، والتأله يجب أن يكون لله وحده، ولا يجوز أن يتعلق القلب بغير الله تعالى، فإن وجد التعلق بغير الله جل وعلا فإما أن يكون ذلك منافيًا للتوحيد بالكلية، أو منقصًا له وخادشًا له، ويصبح الإنسان معرضًا لعذاب الله جل وعلا.
يعني: إذا كان التعلق من نوع الشرك الأكبر فهو منافيًا للتوحيد، ومن مات على الشرك الأكبر فهو من أهل النار بلا تردد قطعًا؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨] أما إذا كان ليس من الشرك الأكبر كتعليق التميمة، وطلب البركة من موضع أو ما أشبه ذلك، فإن هذا قد يكون أكبر وقد يكون أصغر كما سيأتي، ويكون بحسب ما يقوم بقلب الإنسان، ويترتب عليه النقص أو المنافاة بما جاء به الرسول ﷺ.
والواجب على العبد أن يخلص دينه لله جل وعلا، وأن يكون الدين خالصًا لله جل وعلا، وتعلق القلب كله بالله جل وعلا، وألا يتعلق بشيء من المخلوقات التي لا تنفع ولا تضر، فكلها مخلوقة ضعيفة، والله جل وعلا يتصرف فيها كيف يشاء، وكل مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره دفعًا ولا نفعًا، ولكن كثير من الجهال يغترون بالأوضاع التي يجدون عليها أهل زمانهم، والأوضاع ليست دليلًا على الدين، الدين هو ما جاء به رسول ﷺ، فعلى الإنسان أن يتعرف على ذلك ويحرص عليه.
[ ٣٣ / ٥ ]
رواية: (من وحد الله)
قال الشارح: [وفي مسند الإمام أحمد عن أبى مالك قال: وسمعته يقول للقوم: (من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿) ورواه الإمام أحمد من طريق يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن أبيه، ورواه أحمد عن عبد الله بن إدريس قال: سمعت أبا مالك قال: قلت: لأبى: الحديث، ورواية الحديث بهذا اللفظ تفسير: لا إله إلا الله] وذلك أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم ماله ودمه) فدل على أنه لا يحرم مال الإنسان ودمه على المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله إلا بذلك، قال الله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣]؛ لأن الفتنة هي الشرك، فلا يحرم ذلك حتى يوجد هذا الذي ذكر في الحديث، فالفتنة التي ذكرها الله جل وعلا هي الشرك، وإذا وجد الشرك فإنه قد أمر بقتالهم، وأموالهم تكون حلالًا، ودماؤهم كذلك، ويشرع قتلهم حتى يحصل ما شرطه الرسول ﷺ.
ولهذا يتبين أنه لو قال: لا إله إلا الله وهو يعبد غير الله ويتعلق بغيره، أنها لا تنفعه لا إله إلا الله، وإنما تنفع الذي يقولها عن علم، ويعمل بما دلت عليه، ويكفر بما يعبد من دون الله جل وعلا، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فبين أن الكفر بالطاغوت واجب متعين على المسلم، والطاغوت كل ما عبد من دون الله، فكل المعبودات من دون الله طواغيت؛ لأن الطاغوت مأخوذ من الطغيان وهو تجاوز الحد، والمخلوقات كلها حدها أن تكون خاضعة ذليلة لله، ما تكون معبودة وما تكون آلهة، فإذا كانت آلهة فقد تعدت حدها، وتجاوزت طورها، فأصبحت من الطواغيت، فالحديث دل على ما دلت عليه الآية من أنه لا بد من الكفر بما يعبد من دون الله، ولا بد من الكفر بالطواغيت كلها، أما إنسان يقول: أنا لا أكفر بالطاغوت ولا أتبرأ منه، وإنما أعبد الله، فهذا لا تفيده عبادته؛ لأن هذا شرط لا بد منه، وإذا قال ذلك فإن ماله ودمه لم يحرم؛ لأنه لم يأت بالعاصم الذي يعصم دمه وماله.
[ ٣٣ / ٦ ]
مجرد التلفظ بلا إله إلا الله لا يعصم الدم والمال حتى يكفر بما يعبد من دون الله
قال الشارح ﵀: [قوله: (من قال: لا إله إلا الله وكفر يما يعبد من دون الله) اعلم أن النبي ﷺ علق عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين: الأول: قول: لا إله إلا الله عن علم ويقين كما هو قيد في قولنا في غير ما حديث كما تقدم والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لابد من قولها والعمل بها.
قلت: وفيه معنى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] قال المصنف رحمه الله تعالى: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع! قلت: وهذا هو الشرط المصحح لقوله: لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذا الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلًا].
الخمس هي: الأول: القول، أن يقول: لا إله إلا الله.
الثاني: العلم، أن يكون عالمًا بمعناها.
الثالث: العمل، أن يعمل بما دلت عليه.
الرابع: الإقرار؛ لأنه قد يقول الإنسان هذا الشيء عن علم، ولكن يجحده بلسانه ظاهرًا، وإن تيقن قلبه، فلا بد من الإقرار والانقياد والإذعان.
والخامس: الكفر بما يعبد من دون الله، فلا بد أن يجمع الإنسان هذه الأمور الخمسة، وإلا لا يصح إسلامه، فإذا اجتمعت فيه فهذا هو المراد الذي أراده الرسول ﷺ، وإلا فاليهود يقولون: لا إله إلا الله، ويعلمون أنه لا إله إلا الله، وقد لا يقع منهم شرك، ومع ذلك لا تنفعهم لا إله إلا الله؛ لأنهم لم يكفروا بما يعبد من دون الله، ولم يتبرءوا منه؛ ولأنهم لم يقروا للرسول ﷺ بالرسالة، ولم يتابعوه، فلا بد من اجتماع هذه الأمور الخمسة.
[ ٣٣ / ٧ ]
وجوب العمل بما دلت عليه كلمة الإخلاص
قال الشارح ﵀: [قلت: وهذا هو الشرط المصحح لقوله: لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذا الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلًا، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣] وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)].
وهذا أيضًا من أعظم ما يبين شهادة أن لا إله إلا الله ويشرحها ويوضحها إذ إن المقصود ليس مجرد التلفظ بها، فالتلفظ بلا عمل لا يفيد شيئًا.
وإنما المقصود العمل بمعناها الذي دلت عليه، ومعناها: هو أن يكون التأله كله لله، وتكون العبادة لله وحده، ولا يكون شيئًا منها لغيره، فإن وجد من الإنسان عبادة لغير الله جل وعلا فهو لم يأت بما دلت عليه لا إله إلا الله.
وقد علم أن المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ، وبعث بلسانهم، وجاءهم بلغتهم؛ أنهم طلبوا من الرسول ﷺ مطالب منها: أن يسكت عنهم، ولا يقدح في دينهم وفي دين آبائهم، ويسكتوا عنه، وما يتعرضوا له بشيء، فأبى صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وذكر أنه لا بد من بيان فساد دينهم والتبرؤ منه، والكفر به، وبغضه، ومعاداته، ومعاداة أهله، فلا بد من ذلك، الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]؛ لأن هذا من معنى لا إله إلا الله.
وأخبرنا ربنا جل وعلا أن لنا أسوة في إبراهيم والذين معه، فإبراهيم تبرأ من قومه وما يعبدون، واستثنى من ذلك ربه جل وعلا فقال: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] يعني: الذي خلقني، وهو الله، وهذا يدل على أن قوم إبراهيم يعبدون الله، ويعبدون معه غيره، فتبرأ من المعبودات غير الله، واستثنى ربه جل وعلا؛ لأنه هو الذي يجب أن تكون له العبادة وحده.
وكل الأنبياء جاءوا بهذا الأمر، يدعون قومهم إلى أن يخلصوا عبادتهم لله وحده.
والشأن في معرفة العبادة ما هي؟ ومعرفة الإله ما هو؟ وما معنى الإله في اللغة؟ فالإله هو الذي يؤله ويعبد، كل ما ألهه القلب بالحب والخوف والذل فهو إله، فيجب هذا أن يكون لله وحده.
والعبادة أنواعها كثيرة جدًا، منها الدعاء، ومنها الذبح، ومنها النذر، ومنها طلب البركة، ومنها الخوف والرجاء، وغير ذلك من أنواع العبادة، وكلها يجب أن تكون لله وحده، وكلها دلت عليها كلمة لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله دلت على أن العبادة يجب أن تكون لله وحده، فإذا وجد شيء من العبادة لغير الله فإن الإنسان لم يأت بالعبادة لله، فالذي يقول ذلك أو يفعله لم يأت بما دلت عليه لا إله إلا الله، ولم يصحح إيمانه، بل لم يدخل في الإسلام وإن زعم أنه مسلم؛ لأن الإسلام كلٌ لا يتجزأ، إذا وجد بعض منه وبعض تخلف فكأنه لم يأت بشيء، فالله هو أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معه شيئًا من المخلوقات فإنه يكون لذلك الشريك، والله بريء منه كما أخبر الرسول ﷺ بذلك.
قال الشارح: [وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)].
حق لا إله إلا الله هو كل واجب جاء به الرسول، كل ما وجب في دين الإسلام فهو من حق لا إله إلا الله، وإذا ترك الإنسان الواجب فمعنى ذلك أنه يقاتل حتى يأتي به سواء الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، بل حتى ولو ترك قوم الأذان الذي هو من الأمور الكفائية في الشرع، فلو اتفق أهل بلد على ترك الأذان فإنهم يقاتلون حتى يلتزموا ذلك ويأتوا به باتفاق العلماء؛ لأن هذا من حق لا إله إلا الله، فليست المسألة مجرد قول لا إله إلا الله، ثم يصبح الإنسان يفعل ما يريد كما يغتر بذلك كثير من الجهال، ويظنون أن من قال: لا إله إلا الله فهو موعود بدخول الجنة ويكفي، وقد يترك الصلاة وقد يترك الصوم، وقد يعبد غير الله، بأن يتعلق بالمقبورين، ويسألهم النفع ودفع الضر، أو يتبرك بقبورهم، أو يقدم لهم النذور أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا من الشرك الأكبر الذي ينافي قول لا إله إلا الله، وسبب وقوع ذلك هو جهل الإنسان بمعنى لا إله إلا الله، وكذلك جهله باللغة التي خاطبنا رسول الله ﷺ بها، ولو عرف ذلك لفهم؛ لأنه من المعلوم أن الرسول ﷺ لما قال للمشركين: لا إله إلا الله، أبوا ونفروا، وليس المراد عرفوا أنه ليس المراد مجرد التلفظ بها، بل قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، و﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف:٧٠]، لأنه كان يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
وهكذا جميع الرسل جاءت بهذا، فلا خير في إنسان مسلم يكون الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله، يجب أن يكون عالمًا بمعناها وما دلت عليه، وكذلك بما ينافيها ويناقضها أو ينقص ما دلت عليه من توحيد الله جل وعلا.
الإنسان إذا ما عرف الشر لم يعرف الخير، والأمور قد تتبين بأضدادها، فاعتماد هذا الأمر مهم جدًا على المسلم، لأن الله جل وعلا أخبرنا أن الإنسان إذا مات على الشرك فهو غير مغفور له، ويجوز للإنسان أن يقع في شيء يظنه عبادة مرضية لله وهي شرك، يجوز أن يقع الإنسان في مثل هذا إذا لم يتعرف على الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ، وبهذا خسر الإنسان نفسه، ومعنى ذلك أنه هلك الهلاك الذي لا يرجى معه سعادة أو صلاح أبدًا.
ليست المسألة مجرد ذنب من الذنوب، إذا كان الإنسان لا يعبد إلا الله فأمر الذنوب سهل، ولكن المشكل أن يقع الإنسان في الشرك؛ لأن الشرك قطع الله جل وعلا رجاء من وقع فيه نهائيًا إذا مات عليه، وأخبر أنه يكون خالدًا في النار وما هو بخارج منها، وأن الجنة عليه حرام، إذا كان الأمر هكذا فإن من أشد ما يتعين على الإنسان ويجب عليه أن يعتني به ويتعرف عليه؛ الشرك وأنواعه وأقسامه حتى يتجنبه، وبضدها تتبين الأشياء.
ولهذا لما كان الصحابة رضوان الله عليهم قد عرفوا الشرك تمامًا صاروا من أبعد الناس عنه، وصاروا يبغضون الشرك أشد البغض، وينفرون منه أشد النفرة، بخلاف الذي يجهله، فإنه قد يقع فيه ويظنه عملًا صالحًا، كما وقع فيه كثير من الناس، بل وقع فيه بعض خواص الناس ممن يفسر كتاب الله ويشرح حديث رسوله ﷺ؛ بسبب البعد عن عهد النبوة، والجهل باللغة، وإلف الشيء الذي وجد عليه الآباء والأجداد وأهل البلد، فيستبعد أن يكون هذا شركًا فيقع فيه، والإنسان لا يعذر بذلك، لا يقال: إنه جاهل؛ لأن الله جل وعلا قطع الحجة وقطع العذر بإرسال الرسول ﷺ، وإنزال القرآن، يقول جل وعلا: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة؛ لأن عليه أن يتعرف على معانيه وما دل عليه، وليس المراد منه أن يقرأه مجرد ألفاظ يتلوها وما يدري ماذا تدل عليه، فهذا لا يجدي شيئًا، ولا يفيد شيئًا، وليس هذا مطلوبًا ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]، فالقرآن أنزل للتدبر والعمل.
ويجب على الإنسان أن يعتني بهذه الأمور كثيرًا؛ ولهذا نرددها ونكررها لأهميتها، وعظم الحاجة إليها.
[ ٣٣ / ٨ ]