النذر عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله تعالى، ومن نذر لغير الله من ولي أو نبي أو قبر فقد أشرك بالله، وهو مخلد في النار إن لم يتب قبل موته.
والنذر أنواع منها ما هو مشروع، ومنها ما هو غير مشروع، وكفارة النذر كفارة يمين.
[ ٤٤ / ١ ]
النذر لغير الله وأحكامه
[باب: من الشرك النذر لغير الله] بعد أن ذكر في الباب الذي قبله أنه لا يجوز الوفاء بنذر لله جل وعلا إذا خصص له مكانًا كان يعبد فيه غير الله، أو كان فيه من طقوس الجاهلية وأوضاعهم التي كانوا يتعارفون عليها، أراد هنا أن يبين أن النذر يكون عبادة، وأن العبادة إذا صرفت لغير الله جل وعلا يكون ذلك من الشرك بالله.
وسبق أن الشرك بالله ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر يخرج من الدين الإسلامي، وإذا مات عليه الإنسان يكون من أهل النار خالدًا فيها، وإن كان يصوم ويصلي ويحج، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، فأخبر جل وعلا أن الجنة حرام على المشرك بالله، وكذلك جاء في الآيات الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فجعل مشيئة المغفرة لمن لم يشرك بالله، أما المشرك فقطع الأمر فيه قطعًا أن الله لا يغفر له.
وهذا هو أعظم الذنوب، وهو الذي جاءت الرسل تحذر منه وتخوف العباد بالنار لمن فعله، وكل رسول يأتي إلى قومه يبدأ دعوتهم بالنذارة من الشرك، ويقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] فالأمر بعبادة الله نهي عن عبادة غيره، والعبادة سبق أنها تشمل كل ما أمر الله جل وعلا به ورضيه، وأحبه، أو أمر به رسوله ﷺ، وكذلك ترك كل ما نهى عنه وأبغضه.
فأراد أن يبين أن النذور التي تقع من كثير من الناس في بلاد المسلمين أنها من الشرك، مثل النذور التي تقدم إلى أصحاب القبور والتي توضع عند الأضرحة، ويقال: إن هذه للولي الفلاني، وللأسف إلى الآن يستمرون على هذا الشرك في كثير من بلاد المسلمين حتى شابه الناس في بعض البلاد المشركين الأوائل الذين أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم: ﴿َجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] يعني: أنهم يجعلون من حروثهم، ومن أنعامهم نصيبًا للشركاء، فما أطارت الريح من الزرع والسنابل أو غيرها إلى نصيب الأصنام والأوثان تركوه وقالوا: الله غني وهذه فقيرة.
وأما إذا كان العكس ردوه، فإذا أطارت الريح شيئًا من نصيب الأصنام إلى ما هو مجعول لله ردوه، قالوا: الأصنام فقيرة والله غني عنه.
وهؤلاء وللأسف الآن يجعلون من زروعهم نصيبًا للبدوي أو غيره، بل يجعلون من أولادهم نصيبًا له، فإذا تزوجت البنت مثلًا جاء بشيء من صداقها ووضعه في صندوق البدوي وقال: هذا نصيبك يا سيد بدوي! ونحو ذلك.
ويجعلون له في السنة ثلاثة موالد يجتمع فيها من الخلق ما الله به عليم، ويحصل من الفساد والاختلاط والشرك بالله جل وعلا ما هو مشاهد، ولا ينكره منكر، وكذلك غيره في بلاد كثيرة، حتى أصبح كثير من الناس لا يعرف إلا السادة، فإذا ضاقت به الضوائق، وحدثت به الحوادث اتجه إلى رفات مقبور تحت التراب، يدعوه ويتضرع إليه يقول: يا سيد فلان أنقذني! وينسى رب العالمين.
هذا ما كان شرك المشركين -شرك أبي جهل وأضرابه- يصل إليه، فشركهم أقل من هذا الشرك؛ لأنهم كانوا إذا حدثت لهم الضوائق والكربات اتجهوا إلى رب العالمين، ونسوا ما كانوا يشركون به، وإذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين، ولكن إذا جاءت العافية، وذهبت الكربات عادوا إلى شركهم، فهذا أقل شركًا من شرك هؤلاء الذين يزعمون أنهم مسلمون.
ومن المؤسف أن العلماء يشاهدونهم ويرونهم في شركهم، وربما شارك بعضهم الناس في الشرك أو يسكت عنهم، والساكت عن الباطل كفاعله، وكل هذا من تقصير المسلمين بعضهم مع بعض.
فهم قصروا في طلب العلم، قصروا في معرفة الله، وقصروا فيما أوجب الله جل وعلا عليهم، مع أن هذا لا يعذر فيه إنسان مهما كان، لا يعذر إنسان في كونه يتجه إلى مقبور يسأله ويتضرع إليه، يقول: أنا جاهل أحتاج إلى تعليم، لأن الرسول ﷺ كان التوحيد أصل دعوته، والمسلم يجب أن يعرف ما الذي دعا إليه رسول الله، وإلا كيف يكون مسلمًا وهو لا يعرف ما جاء به الرسول ﷺ.
[ ٤٤ / ٢ ]
أصول الإسلام المتفق عليها
ولهذا اتفق العلماء على أن الإسلام مبني على أصول ثلاثة، وأن الذي لا يعرف هذه الأصول الثلاثة ليس مسلمًا.
[ ٤٤ / ٣ ]
معرفة العبد لربه ﷾
الأصل الأول: أن يعرف يقينًا أن الله هو المعبود وحده، لأن الدلائل على هذا واضحة وشاهدة في نفسه وفيما حوله من المخلوقات من السماء والأرض والنبات والجبال، والليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم وغير ذلك، كلها تشهد على أن الله هو الخالق، وإذا كان الله هو الخالق المدبر فيجب أن يكون هو المعبود وحده، وهذا لا يحتاج إلى أفكار وفلسفات، بل يدركه من صرف نظره إلى ذلك.
[ ٤٤ / ٤ ]
معرفة العبد لدينه
الأصل الثاني: أن يعرف أن الدين الذي جاء به الرسول ﷺ هو عبادة الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، فيعرفه عن يقين ومعرفة في القلب ليس عن عادة وجد عليها الناس، فإنه لو وجدهم على خلاف ذلك لفعل الشيء الذي يجدهم عليه.
[ ٤٤ / ٥ ]
معرفة العبد لنبيه
الأصل الثالث: معرفة من جاء بالدين، وهو الرسول ﷺ، وليس معنى معرفته أن يقول: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم إلى آخر نسبه.
بل معرفته ﷺ أن يعرف حقًا بأنه رسول فيعرفه بحالته وبآياته التي دلت على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، بحيث لا يرتاب بأنه رسول من الرسل.
وهذه الأصول الثلاثة التي بني عليها الدين هي التي يسأل عنها الميت في قبره، كل ميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان فيسألانه عن هذه الأمور الثلاثة، فدل هذا على أن الإنسان لا يعذر بالجهل في ذلك، فليس هؤلاء الذين يعملون هذه الأعمال الشركية معذورين في أفعالهم كما يقوله من يقوله، لأن هذا أمر ظاهر وواضح، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣] فإن هذا الميثاق أخذه الله جل وعلا على بني آدم كلهم، وهم في صلب أبيهم، استخرجهم كأمثال الذر، ثم استشهدهم فشهدوا أن الله ربهم، أي: معبودهم الذي لا يجوز أن يعبد غيره، ثم فطرهم على هذا، وصار الإنسان منهم يولد على الفطرة، وهي: الميل إلى عبادة الله وحده، مثل كونه يميل ويطلب ثدي أمه بدون أن يعلمه معلم.
كذلك دين الله! وإنما تتغير هذه الفطرة بالتعليم والتربية، إذا علم وربي على خلاف ذلك، ظهر عليه.
[ ٤٤ / ٦ ]
أسباب الشرك في النذر
ولهذا كان الشرك من الأمور الظاهرة الجلية التي لا تحتاج إلى إقامة براهين، ولا تحتاج إلى أدلة دقيقة يعرفها العلماء، بل هو أمر ظاهر جلي فلا يعذر إنسان فيه بجهل.
ومعلوم أن الإنسان إذا سمع بالنبي ﷺ وجب عليه أن يتعرف على ما جاء به، كما جاء في قوله ﷺ: (والله لا يسمع بي أحمر أو أبيض ثم لا يؤمن بي إلا أقحمه الله النار) وجعل الأمر يتعلق بمجرد السماع، وفي القرآن: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] أي: من بلغه القرآن فقد تمت نذارته، وليس البلاغ هو الفهم، وإنما البلاغ أن يسمع بالكلام فقط، فإذا سمع به فقد بلغه؛ فعليه بعد ذلك أن يتفقه.
[ ٤٤ / ٧ ]
نذر الأموال للمقبورين في تحصيل مرغوب أو دفع مرهوب
أراد المؤلف ﵀ أن يبين أن هذه الأمور التي تقع لكثير من الناس أنها من الشرك الأكبر الذي ينافي التوحيد نهائيًا، كونهم ينذرون أموالهم للمقبورين ليتقربوا بذلك إليهم إما في تحصيل مرغوب، أو في دفع مرهوب، إذا فعلوا ذلك فقد أشركوا؛ لأن في ظنهم أن هذا الميت يتصرف، وأنه يستطيع أن ينفع ويدفع، مع أن الأمر الضروري الذي عرفه من وقاه الله جل وعلا شر الانحراف وشر الشرك أن الميت لا ينفع ولا يتصرف، بل هو مرتهن بعمله، لا يستطيع أن يستزيد حسنة واحدة، ولا أن يحط من سيئاته سيئة واحدة، وهو كذلك لا يملك شيئًا؛ لأنه ميت، فالحي أقدر منه على التصرف، وأقدر منه على النفع والضر.
[ ٤٤ / ٨ ]
جعلهم الأمور الغيبية الخاصة بالله لغيره
الأمر الثاني: أنهم جعلوا الأمور الغيبية التي هي محض حق الله لهذا المخلوق المسكين الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الدود الذي يأكل لحمه، فهذا من الشرك الذي يجعل الإنسان إذا مات عليه من المشركين.
فهو أراد أن يبين هذا الشيء بالنذر فأثبت أولًا أن النذر عبادة في ذكر الآيات كقوله جل وعلا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] الآية تدل على الثناء على هؤلاء؛ لأنه لما ذكر أن: ﴿الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٥ - ٦] يعني: هذه التي تمزج للأبرار تخلط لهم خلطًا يشربها أولئك الأبرار خالصة ليس فيها كدر.
ثم ذكر الثناء عليهم، فقال: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) يعني: كان هذا عملهم في الدنيا، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٧ - ٨] إلى آخره.
والله جل وعلا لا يثني على أحد إلا على فعل الواجب أو المستحب، أو ترك المحرم والمكروه، ولا يثني على أحد بكثرة أكله أو كثرة نومه أو ما أشبه ذلك، فالشيء الذي ليس عبادة لا يثني الله جل وعلا على الإنسان به، وإنما يثني عليه بما هو عبادة.
وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠] ومعنى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ في ضمنه الجزاء أي: أنه في علم الله مدخر لكم، وسوف يجازيكم عليه.
وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أمر بالوفاء بالنذر، والله لا يأمر بشيء مباح، وفي الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: (خير القرون قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون) فهذا من القدح فيهم، (ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن) يعني: أنهم يرغبون في الدنيا أكثر، فيظهر السمن فيهم؛ لكثرة المشتهيات وكثرة المأكولات، ونحو ذلك.
المقصود أنه بيّن أن من أوصافهم التي يذمون عليها أنهم لا يوفون بالنذر؛ فدل على أن النذر عبادة، وأن الوفاء به مطلوب، فإذا كان الوفاء به مطلوبًا فهو عبادة، فإذا تبين أنه عبادة فصرفه لغير الله جل وعلا يكون شركًا بالاتفاق، فصرف العبادة التي أوجب الله جل وعلا فعلها وأثنى على فاعلها لغيره يكون شركًا، هذا أمر متفق عليه، وهذا هو وجه الاستدلال بالآيات.
[ ٤٤ / ٩ ]
النذر الذي يكون محرمًا وشركًا
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك النذر لغير الله تعالى].
قال الشارح: [أي: لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله، فيكون النذر لغير الله تعالى شركًا في العبادة.
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] الآية دلت على وجوب الوفاء بالنذر، ومدح من فعل ذلك طاعة لله، ووفاءً بما تقرب به إليه.
وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠].
قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات، من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين به ابتغاء وجهه.
إذا علمت ذلك: فهذه النذور الواقعة من عباد القبور، تقربًا بها إليهم ليقضوا لهم حوائجهم، أو ليشفعوا لهم، كل ذلك شرك في العبادة بلا ريب، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦]].
معنى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾: أنهم إذا جمعوا هذا النصيب من الحرث -الزرع- أو من التمر أو من غير ذلك، ثم حصل أنه اختلط ما جعلوه لله مع ما هو لشركائهم فإنهم يتركونه لشركائهم، ويقولون: الله غني، وإن قدر أن ما لشركائهم ذهب منه شيء لما جعلوه لله فإنهم يردونه ويقولون: الشركاء يحتاجون والله جل وعلا غني عنه.
هذا كله في زعمهم الكاذب، وإلا فالله ليس له شركاء تعالى وتقدس، وكل شيء ملك لله جل وعلا، ولكنها أوضاع وجدوا عليها آباءهم، فقلدوا آباءهم فجعلوها دينًا وهو شرك بالله، حتى في الربوبية وفي الأمور الظاهرة أشركوا مع الله جل وعلا غيره، وهؤلاء شابهوا أولئك وزادوا عليهم ما أربى على شرك المشركين القدامى بكثير.
قال الشارح: [قال شيخ الإسلام: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كلاهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قال النبي ﵌: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله).
وقال فيمن نذر للقبور أو نحوها دهنًا لتنور به -ويقول: إنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين- وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاء به] الدهن: المقصود به الإسراج عليها بالليل، وهذه أمور بدائية كما هو معروف، يسرجون على القبور بالدهن والزيت فينذرون شيئًا للإيقاد، فينور القبر مثلما تنور المساجد، وهذا محادة لله جل وعلا، أما الآن فأصبحت مصابيح الكهرباء بدلًا عن ذلك، كما هو مشاهد الآن.
[وكذلك إذا نذر مالًا للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن فيهم شبهًا من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله.
والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢]].
الواقع أن المجاورين لها شياطين يريدون أكل أموال الناس، ووجدوا ناسًا شبه بهائم إذا رأوا أن سوقهم قد كسد أوجدوا من الموالد الشيء المعروف، ولهذا يجعلون في السنة ثلاثة موالد، إنسان ولد في السنة ثلاث مرات، ثلاث موالد يجعلونها في السنة حتى تكثر النذور والعطايا التي تأتي من هؤلاء، وهم الذين يسحبون ما في هذه الصناديق، فالميت الرفات ما له علم بذلك، ولا يدري ماذا يجري عنده، قاصر عن هذا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] لا يدرون إلا حين يحشرون، وإذا حشروا وسئلوا قيل لهم: أنتم عبدكم الناس في كذا وكذا، فهناك يتبرءون ويكفرون بعبادتهم.
أما الآن فلا يشعرون بالشيء الذي يفعلونه، وإنما هؤلاء الشياطين السدنة هم الذين يوجدون هذه الأمور حتى تدر عليهم الأرزاق، فيأكلون منها ويكونون لهم تجارات ثم يوجدون الأمور والحكايات التي تكثر لهم الأموال في هذا السبيل، وربما ابتلي الإنسان بشياطين تتسلط عليه وتثبت هذا الشرك في قلبه كما هو معروف، وكثيرًا ما تحدث الأحوال الشيطانية عند القبور، فإنها تكون حاضرة تدعو إلى هذا وتزينه.
وربما يدعو الإنسان بدعاء فيبتلى فيستجاب، فيظن أن الميت هو الذي أجابه إلى ذلك؛ لأن الله جعل له عهدًا؛ أنه إذا سأل شيئًا أعطيه، هكذا يقولون.
ثم ينزلون بهم حاجاتهم وفقرهم، ويسألونهم الرزق والأولاد إذا لم يكن لهم أولاد، ويسألونهم كذلك الشفاعة في الآخرة، وكل هذا ضلال، الله ما جعل بينه وبين عباده وسائط، بل الله جل وعلا أينما دعوته في أي مكان وفي أي وقت، فهو قريب منك؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة:١٨٦] هذا شيء.
الشيء الثاني: إن الله علام الغيوب، ومطلع على كل شيء، لا يخفى عليه شيء، ولا يفوته شيء من الكلام، فليس بحاجة إلى من يوكل إليه حاجات العباد، فهذا من التشبيه الذي يكون شركًا بالله جل وعلا، وكونهم يقولون: هذا وسيلة نسأله، ثم هو يسأل لنا الله، يكون ذلك أقرب إلى الإجابة، وهذا هو أصل شرك المشركين.
على كل حال: مثل هذه الشبه لا تنطلي على المسلم، فإنها شبه شركية قديمة، جاء القرآن بإبطالها، والرسل أبطلتها وبينت بطلانها، والعقل كذلك يدل على بطلانها.
[ ٤٤ / ١٠ ]
ابتلاء الله للعباد الناذرين لغيره
قال الشارح: [والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] والذين اجتاز بهم موسى ﵇ وقومه، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨] فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد التي في الهند والمجاورين عندها.
وقال الأذرعي في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء، أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك -وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة- تعظيم البقعة والمشهد، أو الزاوية، أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه، أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع بها البلاء، ويستجلب بها النعماء، ويستشفى بالنذر لها من الأدواء، حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر].
يقبل النذر يعني: أنه يحصل لهم ما أرادوا إذا نذروا، إذا مرض الإنسان فنذروا له يشفى، وإذا غاب إنسان فنذروا أن يأتي هذا الغائب جاء وما أشبه ذلك، هذا معنى (يقبل النذر)، يعني: أنه يقبل العبادة ويتصرف فيغيثهم ويعطيهم ما طلبوا، ويمنعهم مما رهبوا وخافوا، يعني: أنه يتصرف مع الله، فهذا الحجر يفعل شيئًا من ذلك، وهذا كان كثيرًا جدًا في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد كانت هناك حجارة وأشجار ونيران وكثيرًا ما ينذر لها، كان بين الدرعية والعيينة غار يسمونه غار بنت الأمير، يقصدونه من كل جانب وينذرون له، ويتقربون إليه، والسبب فيه أنهم يقولون: إن بنت أمير من الأمراء سارت في هذه الطريق، فأتاها فجار يريدون نفسها، فلجأت في هذا الغار فحماها الغار، وكلها ترهات وحكايات يحكيها شيطان من الشياطين.
وفي العيينة نفسها كان هناك نخلة من النخل، وكانت المرأة إذا تأخر الزواج عنها جاءت إليه وسمت وقالت: يا فحل الفحول! أريد زوجًا قبل الحول، وإذا تأخرت الولادة أو لم يأتها ولد جاءت إليه وقالت: يا فحل الفحول! أريد ولدًا قبل الحول، وهكذا! شجر وحجارة وقبور ونيران، وأشخاص يمشون على وجه الأرض، يقولون إنهم سادة، ينذرون لهم ويعبدونهم، يعني: أن شرك الجاهلية القديمة عاد إليهم، بل أكثر من ذلك.
ولكن الله طهر ذلك كله بسبب دعوة هذا الرجل جزاه الله خيرًا، فإنه جاء بنور النبوة، ولهذا يقول بعض العلماء: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي أثر رؤية الرسول ﷺ عندما قال: (رأيت مهاجرة بلاد ذات نخل، فظننت أنها اليمامة، فإذا هي يثرب) وقال: قوله: (وظننت أنها اليمامة) من أثر قوله هذا ظهور هذا الرجل في هذه البلاد، وقيامه بالدعوة التي قام بها رسول الله ﷺ، وقريبًا منها هو أثر هذه الرؤية.
وعلى كل حال: لا تزال هذه الدعوة -والحمد لله- آثارها باقية وقائمة، وقد تأثر بها كثير من المسلمين في الشرق والغرب والشمال وسائر البلاد.
[ ٤٤ / ١١ ]
أنواع النذر وأحكامه
قال الشارح: [ويقولون: القبر الفلاني، أو المكان الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك: أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض، أو قدوم غائب وسلامة مال، وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه، بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقًا].
[ ٤٤ / ١٢ ]
نذر المجازاة
النذر أنواع منه: نذر مجازاة، وهو أن يعلق النذر على شيء يحصل له، فإذا قال: إن جاء فلان الغائب فقد نذرت لله عليّ كذا، أو إن شفي مريضي فلله عليّ كذا، فهذا يسمى نذر مجازاة؛ لأنه علقه على حصول شيء، كأنه شرْط شرطه، فإذا وجد الشرط الذي فرض وجب عليه الوفاء به إذا كان نذر طاعة.
أما إذا كان نذر معصية فلا يجوز الوفاء به مطلقًا.
[ ٤٤ / ١٣ ]
نذر التبرر
وقد يكون نذر تبرر يعني: تقرب وطاعة، كأن يقول مثلًا: لله عليّ صوم، لله عليّ حج، لله عليّ اعتكاف، فهذا أيضًا يجب الوفاء به مطلقًا، وإذا لم يستطع ذلك بقي في ذمته.
والنذر الذي جاء النهي عنه هو نذر الجزاء، أما نذر الطاعة فالله جل وعلا أمر بالطاعة مطلقًا، إذا نذر الإنسان أن يفعل طاعة وجب أن يفعلها، وليس الأمر كما قال بعض العلماء: إن الطاعة إذا لم يكن لها أصل واجب في الشرع فإنه لا يجوز النذر فيها كقول الإمام أبي حنيفة ﵀، فإن الحديث يدل على خلاف هذا، ومعنى ذلك أنه يقول: إذا نذر الإنسان أن يعتكف فإن هذا ليس له في الشرع أصل ثابت يجب؛ لأن الاعتكاف ليس واجبًا، وإنما هو مندوب إليه، وكذلك غيره من الطاعات التي ليست واجبة في أصل الشرع، بخلاف الصلاة والصوم والحج والصدقة، فإنها في أصل الشرع واجبة.
ولكن إذا كان طاعة فكما قال الرسول ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) هذا مطلق، ولم يأت التفصيل فيه بأنه لابد أن يكون أصله واجبًا، أو ليس أصله واجبًا، بل هو حديث مطلق دل على وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة مطلقًا، وهذا هو الصواب من أقوال العلماء.
[ ٤٤ / ١٤ ]
النذر المكروه والمباح
قد يكون النذر مكروهًا: كأن ينذر مثلًا أن يطلق زوجته، فمثل هذا ينبغي له أن يكفر كفارة يمين ولا يفعل، أو ينذر مثلًا أن يذهب إلى المكان الفلاني وليس له فيه غرض معين، وليس له فيه أيضًا معصية، فمثل هذا يكون مباحًا، وإذا ذهب إليه فهو مخير بين أن يذهب إلى المكان وبين أن يكفر.
والكفارة تكون كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، هذه الأمور الثلاثة الإنسان مخير فيها، فإن لم يجد ينتقل إلى الصيام، وكثير من الناس يبدأ بالصيام أولًا وهو يستطيع أن يطعم، فهذا لا يجزئه الصيام وهو يستطيع الإطعام؛ لأن الله جل وعلا رتب الصوم على عدم الاستطاعة في الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة.
[ ٤٤ / ١٥ ]
النذر المحرم
كذلك من النذر ما هو محرم، مثل إذا نذر أن يضرب فلانًا بلا سبب، أو نذر أن لا يصلي أو نذر أن يشرب خمرًا أو ما أشبه ذلك، فإن هذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به.
واختلف العلماء هل تلزم الناذر الكفارة؟ فمن العلماء من يقول: لا يلزمه شيء، ولا يجوز أن يفي به، ومنهم من قال: يلزمه كفارة يمين؛ لأنه جاء في الحديث الذي في رواية الطحاوي: (وعليه كفارة يمين) وابن القطان يقول: أنا في شك من هذه الزيادة، هل هي ثابتة عن الرسول ﷺ أم لا.
ولكن جاء في حديث آخر رواه أهل السنن أن من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وعليه كفارة يمين.
[ ٤٤ / ١٦ ]
النذر المستحب
وكذلك النذر قد يكون مثلًا مستحبًا، وهذا في الأمور المستحبة، فالمقصود أن النذر تجري فيه الأحكام الخمسة، فيكون واجبًا، ويكون محرمًا، ويكون مستحبًا، ويكون مكروهًا، ويكون مباحًا يستوي فعله وتركه، ونذر المجازاة هو الذي جاء النهي عنه، وأنه لا يأتي بخير، أما نذر الطاعة فلا يقال: إنه ينهى عنه، نذر الطاعة مطلوب ومأمور به، وإنما النذر المنهي عنه نذر الجزاء وذلك إذا رتب عليه حصول شيء، فإنه قد يوقع الإنسان في حرج، فالأمر كما قال الرسول ﷺ (النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) فهو لا يقدم حياة أحد ولا يؤخر موته، فإنه إنما يستخرج به من البخيل.
وقد يقع الإنسان في حرج كأن ينذر ثم لا يستطيع أن يفي بنذره، فيبقى آثمًا في ذلك، قد ينذر مثلًا أن ينفق كذا وكذا أو ينحر كذا وكذا، ثم إذا حصل له ما علق النذر عليه يتساهل بذلك ويفعله، فيكون آثمًا، هذا هو معنى النهي عن نذر الجزاء.
[ومن ذلك: نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر الخليل ﵇، ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء].
وهذه أمور وهمية، وإلا فالخليل له آلاف السنين، فلا يدرى أين قبره، مثل البلد التي يسمى الآن الخليل يعبد فيها القبر، ويتقرب إليه ويقولون: هذا قبر إبراهيم خليل الرحمن، كلها أمور وهمية ليس عليها من دليل.
[ ٤٤ / ١٧ ]
حرمة نذر المعصية بالاتفاق
قال الشارح: [قوله: (في الصحيح) أي: في صحيح البخاري.
قوله: (عن عائشة) هي أم المؤمنين، زوج النبي ﷺ، وابنة الصديق ﵄، تزوجها النبي ﷺ وهي ابنة سبع سنين، ودخل بها وهي ابنة تسع، وهي أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة ففيها خلاف.
ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح ﵂.
قوله: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، أي: فليفعل ما نذره من طاعة الله، وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه، كإن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا ونحو ذلك، وجب عليه إن حصل على ما علق نذره على حصوله.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم الوفاء إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع كالصوم، وأما ما ليس كذلك كالاعتكاف فلا يجب عليه الوفاء به.
قوله: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) زاد الطحاوي: (وليكفر عن يمينه)، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية].
قول النبي ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) الطاعة: هي كل أمر أحبه الله جل وعلا وأمر به، يعني: شرعه على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم، وقد تكون الطاعة غير واجبة على الإنسان.
والنذر: هو إلزام الإنسان نفسه شيئًا غير لازم شرعًا، وسبق أن النذر منهي عنه في الأصل، وأنه لا يغير من قدر الله شيئًا، وإنما قد يستخرج به من البخيل كما قال النبي ﷺ.
وقد يوقع النذر الإنسان في أمر غير محمود عقباه؛ كأن يلزم نفسه -مثلًا- بنذر لله جل وعلا على حصول شيء يتوقعه، فإذا حصل تراخى وتساهل، ثم لم يوف بذلك؛ فيقع في الإثم؛ لأنه إذا نذر طاعة وجب الوفاء مطلقًا، إلا إذا نذر شيئًا لا يملكه، كأن جعل النذر بأن يعتق أو يتصدق بمال فلان، فهذا مر الحديث أنه لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولكن هذا كما قال العلماء: يلزمه كفارة، والكفارة هي كفارة يمين.
ففي هذا الحديث وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (فليطعه) والأمر إذا جاء من الرسول ﷺ حمل على الوجوب إلا أن يصرفه صارف، ولم يأت في هذا، فإذًا الوفاء بالنذر الذي هو طاعة واجب.
وأما قوله في الشطر الآخر: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) فهذا يدلنا على أن الإنسان لو نذر نذر معصية أنه يحرم عليه أن يفي بنذره، فلا يجوز له أن يفي بنذره، فهذا مثال للنذر الذي يحرم الوفاء به، وهو مثل أن ينذر أن يشرب خمرًا، أو ينذر أن لا يصلي، أو ينذر أن لا يكلم أخاه فلانًا بدون مناسبة، أو ما أشبه ذلك فهذا يسمى نذر معصية.
كذلك إذا نذر أن يذبح للولي الفلاني، أو أن يجعل مالًا في صندوق النذور الذي يوضع عند الضريح، فهذا نذر لا يجوز الوفاء به؛ لأنه نذر معصية.
[ ٤٤ / ١٨ ]
كفارة نذر المعصية
قال الشارح: [قال الحافظ: اتفقوا على تحريم النذر في المعصية، وتنازعوا: هل ينعقد موجبًا للكفارة أم لا؟ وتقدم.
وقد يستدل بالحديث على صحة النذر في المباح، كما هو مذهب أحمد وغيره يؤيده: ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأحمد والترمذي عن بريدة: (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال أوفي بنذرك)].
هذه المرأة نذرت لما غزا الرسول ﷺ في بعض غزواته إذا رجع أن تضرب على رأسه الدف، والضرب بالدف إذا لم يصحبه مزمار أو غناء أو طرب أو ذكر محاسن النساء أو ذكر مثالب الناس، أو إطراء في المدح وخروج عن الواقع فإنه يكون مباحًا، أما إذا صحب بشيء من هذه الأمور فهو يخرج من الإباحة إلى المحرم.
فلما رجع أخبرته بأنها نذرت أن تضرب على رأسه الدف إذا رجع، فقال: (أوفي بنذرك) وهذا أمر مباح.
فإذًا يدل ذلك على أن النذر يصح لأمر مباح، مثل أن ينذر أن يخرج ليتفرج في الجبال والأودية أو في البحر، وينذر مثلًا أن يأكل كذا وكذا أو ينذر أن ينام كذا وكذا في ساعة كذا في مكان كذا إذا لم يتضمن ترك واجب فإنه يكون مباحًا، فالعلماء يرون أن مثل هذا لا يلزم الوفاء به، وإنما يباح الوفاء به، ولو ترك ليس عليه شيء، ولهذا قسموا النذر إلى أقسام خمسة: واجب الوفاء به، ومحرم الوفاء به، ومستحب أن يفي به، ومكروه أن يفي به، ومباح مستوي الطرفين، ومثلوا للمباح بمثل هذا.
أما الواجب والمحرم فسبق كما في الحديث، وأما المستحب فما كان فعله مستحبًا وليس لازمًا، وأما المكروه فما كان فعله مكروهًا، مثل أن ينذر أن يطلق زوجته بدون مناسبة فهذا مكروه، والمكروه والمحرم عند بعض العلماء إذا لم يف به ففيه كفارة يمين، وكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد ذلك انتقل إلى الصيام، فالصوم لا يذهب إليه إلا إذا لم يجد الكسوة أو الإطعام أو العتق، أما أن يصوم من أول الأمر وهو يقدر فصيامه غير صحيح ولا يكون ذلك مكفرًا عن يمينه ولا عن نذره، لأنه ترك ما أمر الله جل وعلا به، فإن الله جل وعلا أمر أولًا بالعتق أو الكسوة أو الإطعام، قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] فجعل الصيام مرتبًا على عدم الوجود.
[ ٤٤ / ١٩ ]
نذر اللجاج وأحكامه
قال الشارح: [وأما نذر اللجاج والغضب: فهو يمين عند أحمد، فيخير بين فعله وكفارة يمين، لحديث عمران بن حصين مرفوعًا: (لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين) رواه سعيد بن منصور وأحمد والنسائي.
فإن نذر مكروهًا كالطلاق استحب أن يكفر ولا يفعله].
اللجاج: هو أن يستلج على الإنسان نظره في العاقبة، فيكون بدون تفكير وبدون نظر في العاقبة، بل غضب غضبًا أخرجه عن حاله الطبيعي العادي، إذا وقع الإنسان في مثل هذه الحالة ونذر فإنه ليس عليه شيء، ولكن يلزمه كفارة في قول بعض العلماء.
[ ٤٤ / ٢٠ ]
مسائل باب من الشرك النذر لغير الله
قال المصنف: [وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجوب الوفاء بالنذر].
النذر إذا كان طاعة يجب الوفاء به، أما إذا كان معصية فيحرم الوفاء به.
[المسألة الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غيره شرك].
وقد ثبت أن النذر عبادة فإذًا: النذر لغير الله كالنذر لولي أو لضريح أو ما أشبه ذلك، من الشرك الأكبر الذي لو مات الإنسان عليه يكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] والشرك أمره عظيم، يجب أن يحذره الإنسان؛ لأن الله جل وعلا أخبر أنه لا يغفره لصاحبه قطعًا، وأن الذنوب ما عدا الشرك كلها تحت مشيئته جل وعلا، إذا شاء أن يغفرها غفرها، ولو لم يتب الإنسان منها، يعني: إذا مات عليها فإنها تكون تحت مشيئة الله جل وعلا، أما الشرك فلا بد من التوبة منه، والإقلاع عن فعله قبل أن يموت الإنسان، أما إذا مات وهو على الشرك فإن الله جل وعلا أخبر أنه لا يغفر للمشرك، وأخبر في الآية الأخرى أن المشركين مأواهم النار، وأن الجنة عليهم محرمة، وكذلك في آيات أخر أخبر أن الجنة حرام على المشرك.
فإذًا: يجب على الإنسان أن يبحث عن الشرك ويسأل عن الشرك ما هو؛ خوفًا من أن يقع فيه وهو لا يدري.
وكثير من الناس من يخفى عليه مسائل كثيرة من مسائل الشرك قد تلتبس وتخفى عليه؛ لأن الإنسان إذا ابتعد عن العلم، وعن معرفة معاني كتاب الله، ومعاني أحاديث الرسول ﷺ، ولم يتبصر في دعوة النبي ﷺ، فإنه يجهل أشياء كثيرة من أمور دينه التي يجب أن يكون عارفًا بها.
[المسألة الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به].
[ ٤٤ / ٢١ ]