من المعلوم أن الإنسان لا يجوز له أن يفعل فعلًا أو يقدم على أمر من أمور العبادة إلا بدليل من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ، بخلاف أمور المعاملات والمطعومات والمشروبات فإن الأصل فيها الحل حتى يأتي الدليل بتحريمها، ولهذا فقد اتفق العلماء على أن العبادة مبنية على شرطين: الأول: أن تكون خالصة لله، والثاني: أن تكون على وفق ما جاء به نبينا محمد ﷺ.
[ ٤٧ / ١ ]
لا وجود للأبدال والأقطاب والأوتاد
قال المصنف ﵀: [وأما ما قالوه: إن منهم أبدالًا ونقباءَ، وأوتادًا ونجباءَ، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو: الغوث للناس، فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث أبو بكر بن العربي في سراج المريدين، وابن الجوزي، وابن تيمية ﵏.
انتهى باختصار].
يعنون: أن هذا من الكذب وليس له أصل، وإنما جاء ذكر الأبدال في بعض الآثار، وفيها نظر عند بعض العلماء، وجاء: (أن الأبدال بالشام) ومعنى الأبدال: أنه كلما ذهب واحد منهم جاء غيره بدلًا عنه، وإذا صح ذلك فإن معناه: أنهم الذين يقومون بالدعوة إلى الله، والذين يقومون بالحجة على عباد الله؛ لأن حجة الله لا تضمحل ولا تزول ولا تنتهي، وفي الحديث المشهور: (يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين)، وليس فيه أن الأبدال يُدعَون مع الله، وأنهم يغيثون.
أما الذي يسمونه: القطب، أو النجباء، أو السبعين، أو السبعة، أو الأربعة: فهذا من الكذب، ليس هناك ما يدل على هذا، لا من كتاب الله جلَّ وعلا، ولا من سنة رسوله ﷺ، ولا من أقوال الصحابة وأتباعهم، وإنما هو من الكذب، وقد بين العلماء أن هذا لا أصل له، وإذا كان هناك أولياء لله جلَّ وعلا فهم لا يرضون بأن يدعَون مع الله، بل يغضبون لذلك، ويكفرون بالداعي، ويبغضونه ويتبرءون منه، كما أخبر الله جلَّ وعلا عنهم فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًَّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًَّا﴾ [مريم:٨١ - ٨٢]، ما معنى (يكونون عليهم ضدًا)؟ أي: يكونون ضدهم يوم القيامة: بأن يتبرءون منهم، ويلعنونهم، ويكفرون بهم، كما في الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًَا﴾ [العنكبوت:٢٥]، وفي آية ثالثة: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦]، يعني: إذا جُمعوا يوم القيامة، وقيل لهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تدعونهم، فيذهبون إليهم، ويسألونهم: أأنتم الذين نستغيث بكم ونسألكم؟ فيتبرءون منهم، ويقولون: كذبتم، نحن لا نغيث أحدًا، ونحن نبرأ إلى الله منكم ومن أفعالكم، فماذا يكون مع الداعي؟! يكون معه الخيبة والضلال، وغرور الشيطان.
ومعلوم أن الإنسان لا يجوز له أن يفعل فعلًا، أو يقدم على أمر من الأمور، إلا بدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ، فالعبادة محرمة -كما يقول العلماء- حتى يأتي الدليل، بخلاف أمور المعاملات، وأمور المطعومات والمشروبات، فإن الأصل فيها الحل، حتى يأتي الدليل على التحريم، أما أمور العبادة فبالعكس، ولهذا اتفق العلماء على أن العبادة مبنية على شيئين: أحدهما: أن تكون العبادة خالصة لله جلَّ وعلا.
والثاني: أن تكون على وفق ما جاء به الرسول ﷺ، أما إذا كانت بالرأي، أو بالعادة التي وجد عليها الناس، فهي غير معتبرة وغير مقبولة، بل مردودة على صاحبها، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فهو مردود على صاحبه، فكل عمل ليس عليه أمر الرسول ﷺ لا يكون معتبرًا، ولا يكون صحيحًا.
[والمقصود: أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور الشركية التي عمت بها البلوى، واعتقدها أهل الأهواء، فلو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال الكتاب.
]: الواقع: أنه ما وقع فيها إلَّا الجُهَّال، والجُهَّال لا عبرة فيهم، ولا يجوز للإنسان أن يغتر بهم، أما العلماء فهم لا يزالون ينصحون الأمة ويحذرونها من الوقوع في مثل هذه الأمور؛ لظهورها ووضوحها، فهي واضحة، ومن المعلوم لدى المسلمين في عقائدهم أن الإنسان يُسأل عن أصول الدين في قبره: يُسأل مَن الذي تعبُد؟ وبأي شيء تعبُده؟ ومَن الذي جاءك بما تتعبَّد به؟ هذه الأسئلة الثلاثة لا بد منها لكل ميت، فإذا كان الإنسان عارفًا عالمًا بذلك، أجاب بكل سهولة وبلا تلعثم ولا تردد، فيقول: أعبد الله، ويقول: أعبده بالشرع الذي جاء به رسول الله ﷺ، وإذا قيل له: مَن؟ قال: رسول الله ﷺ عرفتُه وصدقته فاتبعته، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا عرف اسم الرسول ﷺ، واسم أبيه، واسم جده، وقال: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم أن هذا يكفي! بل لا بد أن تعرفه المعرفة الصحيحة بأنه رسول من عند الله، تعرفه بالآيات التي جاء بها، وتقتنع بذلك، وتؤمن به إيمانًا لا يعتريه الشك.
[ ٤٧ / ٢ ]
طرق معرفة رسول الله ﷺ
ومعرفته لها طرق كثيرة: ومن أهم الطرق التي يتعرف بها على الرسول ﷺ: سيرته صلوات الله وسلامه عليه، فقد جاء إلى أمة كافرة مشركة وهو وحده، فصار يقول لهم: (قولوا: (لا إله إلَّا الله) تفلحوا)، وإن لم تفعلوا فإن الله جلَّ وعلا سوف يسلطني عليكم، فأقتلكم وآخذ أموالكم، أيمكن أن يأتي رجل واحد ليس معه جند ولا قوة، إلى أمة كبيرة معادية له، فيقول لهم هذا القول وهو وحده؟! معنى ذلك: أنه يغريهم بقتله، ويدعوهم إلى ذلك، ولا يقول ذلك إلَّا من يثق بالله جلَّ وعلا من كان الله معه من كان رسولًا لله، وكذلك من المعلوم عند العقلاء أن الإنسان إذا جاء إلى الناس، وقال: أنا رسول الله، فإنه لا يخلو الأمر من شيئين: إما أن يكون أصدق الناس، وأبر الناس، وأتقى الناس، وأقرب الناس إلى الله، أو يكون أكذب الناس، وأفشل الناس، وأبعد الناس عن الله جلَّ وعلا.
وهل يلتبس هذا بهذا؟! أيمكن أن يلتبس هذا بهذا؟! لا يمكن أبدًا؛ لأن مدعي النبوة من أبعد الخلق، ومن أكذب الخلق، ومن أخبث الخلق، أما النبي إذا جاء من الله صادقًا: فهو أبر الخلق، وأصدقهم، وأقربهم إلى الله.
وهذا من الأدلة المعتبرة.
ومنها: كونه يخبر بأمور الغيب يخبر بالشيء، فيقع كما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه.
ومنها: كونه يسأل ربه فيعطيه.
ومنها: الآيات التي وقعت على يده، وهي كثيرة جدًا، ومن أعظمها: هذا الكتاب الذي جاء به من عند الله.
بهذه الطرق تكون معرفة الرسول ﷺ، وليست بمعرفة اسمه وترديده وحفظه، كما قد يغتر به من يغتر.
وكذلك معرفة الله جلَّ وعلا بالأدلة المقنِعة، وهذا أمر لا يحتاج إلى ذكر أدلة؛ لظهوره ووضوحه.
أما معرفة الإسلام فهو بالتعلُّم، فلا بد من تلقيه وتعلُّمه، وهذا أمر يتعين على العبد، فيتعين عليه أن يعرف كيف يعبد الله كيف يصلي كيف يصوم كيف يتوضأ، ولا يجوز أن يكون جاهلًا بهذه الأمور، بحيث لا يدري هل الصلاة ركعتين أو أربع أو ثلاث؟ أو لا يدري ماذا يقول ويفعل في الصلاة؟ فالشيء الذي يتعين على العبد فعله يجب عليه أن يكون حريصًا على معرفته كل الحرص، وليس عيبًا أن يسأل وأن يحرص على معرفة الحق، بل هذا يدل على اهتمامه، ويؤجر على ذلك.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [والبصير النبيل يدرك الحق من أول دليل، ومن قال قولًا بلا برهان فقوله ظاهر البطلان مخالف لما عليه أهل الحق والإيمان، المتمسكون بمحكم القرآن، المستجيبون لداعي الحق والإيمان، والله المستعان وعليه التكلان].
[ ٤٧ / ٣ ]
ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك
قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]]: هذه الآية خطاب للرسول ﷺ، ومعلوم أن الأمة تبعٌ له، فالله جلَّ وعلا نهى أقرب الناس إليه أن يدعو ما لا ينفعه ولا يضره، وهذا يصدق على كل مخلوق من المخلوقات: سواءً كان من الملائكة، أو من الرسل، أو من البشر، فضلًا عن الجمادات وغيرها، فأمره بقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [يونس:١٠٦] ثم قال: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ [يونس:١٠٦] يعني: دعوتَ من دون الله ﴿فَإِنَّكَ إِذًَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]: والظلم هنا المقصود به: الشرك، وهذا كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، وكذلك لما أخبر عن أنبيائه قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] يعني: لو أشركوا بالله جلَّ وعلا لحبطت أعمالهم، فليس بين العباد وبين الله صلة بقرابة أو ما أشبه ذلك إلَّا بطاعته، من أطاعه فهو وليه وهو الكريم عنده، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فإذا كان هذا الخطاب يوجه إلى الرسول ﷺ فكيف بمن عداه؟! وقوله: «وَلا تَدْعُ»: يدخل فيه دعاء المسألة ودعاء العبادة.
﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [يونس:١٠٦]، فكل الخلق لا ينفعون ولا يضرون، كما قال الرسول ﷺ في حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي وغيره: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لن يستطيعوا ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لن يستطعيوا ذلك)، وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه من قوله ﷺ فيما يروي عن ربه جلَّ وعلا: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك في ملكي شيئًا وفيه: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، فالأمر كله بيد الله جلَّ وعلا، فهو الذي يملك النفع ويملك الضر، ولهذا قال له: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] يعني: إذا دعوت غير الله فقد وقعت في الظلم الذي هو الشرك بالله؛ لأن الظلم أنواع، وأعظمها: الشرك، والظلم في الأصل هو: وضع الشيء في غير موضعه، ووضع العبادة لغير من يستحقها أعظم الظلم، ولا أظلم ممن يدعو مَن لا تجوز دعوته، وفي هذه الآية دليل على أن الإله المدعو يجب أن يكون مالكًا للنفع والضر، يملك ما يُدعى من أجله، وهذا لا يكون للمخلوق، ولا يكون إلَّا لله جلَّ وعلا، الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي إذا أراد نَفْعَ عبده نَفَعَه، وإن شاء ضُرَّه ضَرَّه، أما الخلق فلا يستطيعون شيئًا من ذلك، إلا إذا أراد الله جلَّ وعلا، والله لم يجعل الشرك سببًا لجلب الخير أو دفع الشر، بل هو سبب للشرور.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس:١٠٧] يعني: أن هذا منفي عن جميع الخلق، فلا يستطيع أحد أن يدفع عنك شرًا أو مصيبة قدرها الله عليك، وذلك إنما هو بيد الله، فإن شاء أزاله عنك، وإن شاء أبقاه ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] أي: أنه لا يستطيع أحد أن يمنع فضلًا أراده الله لك، فإذا أراد بعبده رحمة: من صحة وعافية وهدىً ورزق وغير ذلك، فإنه لا أحد يستطيع رد فضله، إذًا: فالأمر كله بيده، فيجب أن يُعبد وحده، وتكون العبادة خالصة له، ويكون الدعاء له وحده.
وقوله تعالى: ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس:١٠٧] أي: يصيب بفضله من يشاء، فالأمر إليه، وليس للإنسان ولا للخلق.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] الله جلَّ وعلا غفور رحيم مع كثرة الخطائين، وتجاوزهم لأمر الله جلَّ وعلا، فهو غفور لمن استغفر ورجع وتاب، ورحيم بالمؤمنين الذين يؤمنون، وإن كانت عندهم ذنوب وأخطاء، فإنه يغفر لهم ويرحمهم.
قال الشارح ﵀: [قال ابن عطية: معناه: قيل لي: (وَلا تَدْعُ)، فهو عطف على ﴿أَقِمْ﴾ [يونس:١٠٥]، وهذا الأمر والمخاطبة للنبي ﷺ] أي: أن الله جل وعلا أمره أن يقيم وجهه، ثم عُطف عليه قوله: «وَلا تَدْعُ»، فهو أمر؛ لأن قوله: ﴿أَقِمْ﴾ أمر، وكذلك قوله: «وَلا تَدْعُ» معطوف عليه، فهو أمر من الله جلَّ وعلا لرسوله ﷺ، والمقصود: أمته فهي تبع له في ذلك.
[وهذا الأمر والمخاطبة للنبي ﵌.
إذا كانت هكذا، فأحرى أن يحذر من ذلك غيره، والخطاب خرج مخرج الخصوص، وهو عام للأمة]: يعني: أن الخطاب خوطب به الرسول ﷺ والمقصود به: العموم، فكل الخلق مخاطبون بذلك.
[ ٤٧ / ٤ ]
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
قال الشارح ﵀: [قال أبو جعفر بن جرير في هذه الآية: يقول تعالى ذكره: «وَلا تَدْعُ»: يا محمد! من دون معبودك وخالقك شيئًا «لا يَنْفَعُكَ»: في الدنيا ولا في الآخرة «وَلا يَضُرُّكَ»: في دين ولا دنيا، يعني بذلك: الآلهة والأصنام، يقول: لا تعبدها راجيًا نفعها أو خائفًا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر «فَإِنْ فَعَلْتَ»: ذلك فدعوتها من دون الله ﴿فَإِنَّكَ إِذًَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] يقول: من المشركين بالله الظالم لنفسه]: قوله: يعني بذلك: الأصنام، ليس معنى هذا تخصيص الدعاء بالأصنام فقط، فإن الآيات عامة، ويدخل فيها كل مدعو، ولكنه أراد الواقع الذي نزلت فيه الآية، وقيل: لما خوطب الرسول ﷺ بذلك: كان القوم الذين قُصدوا بهذا الخطاب يدعون الأصنام، فكذلك إذا كان غيرهم يدعو مَن يقوم مقام الأصنام، مثل: صالح من الصالحين، أو ولي من الأولياء، أو نبي من الأنبياء، يدعونه الدعوة التي لا تجوز إلا لله: ككشف الضر أو جلب النفع، فإن هذا الخطاب يكون شاملًا لهم، وهذا باتفاق العلماء: أنه لا يعتبر خصوص السبب الذي نزل الخطاب من أجله، وإنما المعتبر عموم اللفظ، وهذا شيء مشهور، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، في جميع خطاب الشرع.
قال الشارح ﵀: [قلت: وهذه الآية لها نظائر: كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًَا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣]، وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًَا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٨٨]]: يعني: نظيرها في مخاطبة الرسول ﷺ بمثل ذلك الخطاب، ومعلوم أن الله جلَّ وعلا كرمه ونزهه وحماه أن تقع منه دعوة لغير الله جلَّ وعلا، وفائدة هذا: أن ينتبه الإنسان إلى خطورة الشرك، فإذا كان أشرفُ الخلق لو وقع منه ذلك لوقع عليه العذاب فغيره من باب أولى، هذا هو المقصود من الخطاب، أعني: التنبيه.
[ ٤٧ / ٥ ]
يجب الإخلاص لله في العبادة سواء كانت ظاهرة أو باطنة
قال الشارح ﵀: [ففي هذه الآيات بيان أن كل مدعو يكون إلهًا، والإلهية حق لله لا يصلح منها شيء لغيره، ولهذا قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٨٨]، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠]، وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، والدين: كل ما يُدان الله به من العبادات الظاهرة والباطنة] المقصود بالعبادات الظاهرة: كالدعاء، والقراءة والتسبيح، والتكبير، والصلاة، والزكاة، وأمثال ذلك.
أما العبادات الباطنة: فكالخوف، والرجاء، والخشية، والإنابة، أي: أفعال القلب والنيات، وهي من العبادات، ويجب أن تكون لله فقط، ليس فيها لأحد من الخلق شيء، ولا يُراد بها الدنيا، ولهذا توعد الذين يقصدون بها الدنيا، فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، فالإرادة هي: أعمال القلوب.
ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٦]: فالذين يريدون الدنيا بأعمالهم يكون هذا جزاؤهم.
والخلاصة: أن الأعمال تنقسم إلى قسمين: ظاهرة وباطنة: فالظاهرة: التي تظهر للرائي المشاهِد أو يسمعها السامع: من ذكر وتسبيح وغير ذلك، هذه تسمى ظاهرة؛ لأنها تظهر للناس، تُسمع أو تُرى.
أم الباطنة فهي: التي تكون في القلب، ولا يطلع عليها إلَّا رب العباد جلَّ وعلا.
ولهذا قد يكون ظاهر العمل أنه لله وفي الواقع هو لغير الله؛ لأن النية يُراد بها غير الله، وهذا يحاسب عليه رب العباد جلَّ وعلا، وقد جاءت الأخبار بأنه: (يأتي قوم بأعمال عظيمة يوم القيامة، فإذا جاءوا بها يقول الله جلَّ وعلا لملائكته: هذه حابطة وهم من أهل النار) لأنهم أرادوا بها غير وجه الله أرادوا بها أمورًا أخرى من أمور الدنيا وغيرها، وفي الحديث: (من عمل عملًا فأشرك فيه مع الله غيره فإن الله يتركه وشريكه) يعني: يترك العمل للشريك فقط؛ لأنه جلَّ وعلا أغنى الشركاء، فهو لا يقبل عملًا فيه اشتراك، والعمل الذي يقبله هو ما كان خالصًا له جلَّ وعلا ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًَا صَالِحًَا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًَا﴾ [الكهف:١١٠]، فقوله: (لا يشرك) هنا: يعم جميع العمل، و(أحدًا): يعم جميع الخلق.
[ ٤٧ / ٦ ]
لا يملك النفع والضر إلا الله
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفسره ابن جرير في تفسيره: بالدعاء وهو فرد من أفراد العبادة، على عادة السلف في التفسير: يفسرون الآية ببعض أفراد معناها، فمن صرف منها شيئًا لقبر، أو صنم، أو وثن، أو غير ذلك: فقد اتخذه معبودًا، وجعله شريكًا لله في الإلهية التي لا يستحقها إلا هو، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًَا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، فتبين بهذه الآية ونحوها أن دعوة غير الله كفر وشرك وضلال.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، فإنه المتفرد بالملك والقهر، والعطاء والمنع، والضر والنفع، دون كل ما سواه، فيلزم من ذلك: أن يكون هو المدعو وحده، المعبود وحده، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع، ولا يملك ذلك ولا شيئًا منه غيره تعالى، فهو المستحق للعبادة وحده دون من لا يضر ولا ينفع.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]]: هذا أيضًا خطاب الله جلَّ وعلا يتحدى فيه الكفار: بأن يدعوا أصنامهم وآلهتهم؛ لتجلب لهم شيئًا من النفع والنعم التي لم يقدرها الله جلَّ وعلا ولم يُردها، أو أن تدفع شيئًا من النقم والمصائب التي قدرها.
ويقول جلَّ وعلا في أول الآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٣٨] (قل أفرأيتم) أي: أخبروني عن هذه التي تدعونها من دون الله.
﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨]، أي: هل تستطيع -إن أرادني بمرض، أو أصابني بفقر، أو أصابني بإدالة عدو، أو ما أشبه ذلك- أن تمنع هذا وتصرفه؟!
الجواب
لا تستطيع.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨]، هل تستطيع أن تمسك رحمته، وأن تأتي إلى هذا الذي أراده الله جلَّ وعلا بالرحمة فتمنعها عنه؟! لا تستطيع.
ثم يقول: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] أي: هو كافيني، وهو الذي أعتمد عليه، وأدعوه وأعبده دون غيره.
يقول مجاهد ﵀: إن الرسول سألهم؛ لأن الله أمره أن يسألهم: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ (قل): هذا أمر من الله أن يقول لهم، فسألهم وقال لهم: (أرأيتم هذه الأصنام: هل تدفع الضر عمن أراد الله جلَّ وعلا به الضر، أو تمسك الرحمة أن تصل إلى من أراد الله به الرحمة؟ فسكتوا) يقول: سألهم فسكتوا، لماذا (سكتوا)؟ لأنهم يعلمون أنها لا تفعل شيئًا من ذلك، ولكنهم يكابرون؛ ومتمسكون بدين آبائهم! وليس لهم في ذلك حجة إلَّا أنهم وجدوا آباءهم يعبدون هذه الأصنام، مع أنهم لا يعتقدون أنها شاركت الرب جلَّ وعلا في التدبير، أو شاركته في الملك، أو شاركته في الخلق والإيجاد، ولهذا بدأ بسؤالهم عن خالق السماء: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] يعني: ليس عندهم شك أن الخالق هو الله، فهم يقرون بهذا، ومعنى هذا: أن الله يحتج عليهم بكونهم يقرون بأن الله هو الذي يتفرد بالخلق والنفع والضر ولا يشاركه أحد، فإذا كان كذلك فيجب أن يُفرَد بالعبادة، وألا يُدعَى غيره، هذا وجه التحدي ووجه إقامة الحجة عليهم، وهذا كثير جدًا في القرآن، فكل الآيات التي فيها النهي عن الشرك والأمر بالعبادة تُبنى على هذا الشيء، كقوله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًَا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًَا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، يعلمون أن الله هو الخالق وحده هو الذي خلق السماوات وخلق الأرض على هذه الصفة، وهو الذي ينزل المطر فينبت النبات، يعلمون حقًا أن الله هو المتفرد بهذا، فإذا كانوا يعلمون ذلك: فلماذا يدعون معه غيره؟! ما حجتهم وما برهانهم وما دليلهم؟!
[ ٤٧ / ٧ ]
ليس للمشركين حجة ولا برهان على شركهم
ليس لهم أي حجة ولا برهان إلَّا أنهم قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤] فقط، وهكذا يقول مَن بعدهم، إذا قيل لهم: لا تدعوا الأموات، لا تطلبوا من الأموات شيئًا، رأيتهم يسمونه توسلًا أو تقربًا أو تشفعًا، مع أن التسمية لا تغير من الواقع شيئًا، فلو سُمِّي الربا بغير اسمه، أو سُمِّي الخمر بغير اسمه، فإن الحكم لا يتغير، والمقصود: أن الناس من أول ما وقعت المخالفة فيهم، إلى آخر أمة أرسل فيهم آخر رسول صلوات الله وسلامه عليه، كلهم يقرون بأن الله جلَّ وعلا -وحده- هو الذي يخلق، وهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي ينزل المطر، وهو الذي ينبت النبات، ويدر الرزق، وهو الذي يكشف السوء، وهو الذي إذا دعاه المضطر أزال ما فيه من الضر، كلهم يقرون بهذا، فلماذا يدعون حجرًا أو شجرةً أو ميتًا؟! ليس عندهم إلَّا التقليد، وقع آباؤهم في ذلك فاتبعوهم عليه، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٢ - ٥٣] فقط، أهذا دليل؟! وكذلك يقول جلَّ وعلا في آيات أُخَر: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] (على أمة) يعني: على دين، فالمقصود بـ (الأمة) هنا: الدين، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] يقتدون بهم، هكذا جميع الأمم تقول هذا الشيء، حتى في الوقت الحاضر، فإذا رأيت الناس على شيء من المخالفات، وقلت لهم: لا تفعلوا هذا، فإن هذا لا يجوز، وجدت كثيرًا من الناس يقول لك: الناس كلهم يفعلون هذا، وهذا معنى قول الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، هو قولهم تمامًا، والمسلم لم يكلف بالنظر إلى أفعال الناس، وإنما كلف بالنظر إلى الوحي إلى الدين الذي جاء به الرسول ﷺ، هذا الذي كُلِّف الإنسان به؛ لينظر إليه ويتعرف عليه، ثم يعمل به، فإن الناس لا ينفعونه، ولهذا: فإن الإنسان إذا وُضع في قبره، وجاءه الملك الذي يختبره فيقول له: (ما دينك؟ يقول: هاه! وجدتُ الناس يفعلون شيئًا ففعلتُه) أينفعه هذا؟! لا ينفعه، وإنما ينفع الإنسانَ العلمُ الذي جاء به الوحي، وهو الذي كُلِّف به الإنسان.
والمقصود: أن الذين يدعون غير الله أو يعبدونه ليس لهم حجة وليس عندهم برهان، حتى إن الشيطان يقوم فيهم خطيبًا -إذا جُمع أهل النار في النار- ويقول: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢]، يعني: ما كان لي عليكم حجة، لا توجد حجة أحتج بها عليكم، وإنما: ﴿دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] فقط، مجرد دعوة! ثم يقول: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]، يعني: ما أنا بمنقذكم ولا بمغيثكم، لا أستطيع ذلك ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: وأنتم لا تنقذونني من العذاب، ولا تغيثونني من ذلك وأنا كذلك، إذًا: غرَّهم فضرَّهم ثم تبرأ منهم، وهذه هي المصيبة، عند أن تجتمع عليهم أنواع العذاب من جميع الجهات، فلا يبقى شيء من العذاب إلَّا اجتمع لهم.
والمقصود: أن كل من تعلق بغير الله فليس له أي حجة وأي برهان، وإنما هي شُبَه تتعلل بها الأنفس، وترد بها الحق، أما البراهين والأدلة فهي تدل على أن ما هم فيه باطل.
قال الشارح ﵀: [وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢]، فهذا ما أخبر به الله تعالى في كتابه من تفرده بالإلهية والربوبية، ونصَب الأدلة على ذلك، فاعتقد عُباد القبور والمشاهد نقيض ما أخبر به الله تعالى، واتخذوهم شركاء لله لاستجلاب المنافع ودفع المكاره: بسؤالهم، والالتجاء إليهم بالرغبة والرهبة والتضرع، وغير ذلك من العبادات التي لا يستحقها إلَّا الله تعالى، واتخذوهم شركاء لله في ربوبيته وإلهيته، وهذا فوق شرك كفار العرب القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، فإن أولئك يدعونهم ليشفعوا لهم ويقربوهم إلى الله، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك، لا شريك لك، إلَّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك]: معناه: أنهم يحجون ويتعبدون لله جلَّ وعلا ويسألونه؛ ولكنهم يشركون به، ومن المهم جدًا عند المسلم أن يعرف حقيقة الشرك الذي كان عليه المشركون؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف الباطل لم يعرف الحق، وكثير من الناس يتصور أن شرك المشركين هو السجود للأصنام، واعتقادهم أنها تعطيهم الجنة وتمنعهم من النار، وأنها ترزقهم، وكذلك تسعدهم وتضرهم، وهذا لم يكن المشركون يعتقدونه، وإنما كان شركهم: أنهم يسألونها لتشفع لهم، وهذا معنى قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: أنهم ليس بأيديهم شيء، وإنما هم وساطة لنا، فيشفعوا لنا عند من بيده النفع والضر، هذا هو شركهم، ومع ذلك صاروا من أهل جهنم، وهم يعلمون أن الأمور كلها بيد الله، حتى إن منهم مَن يؤمن بالقدر، ومنهم مَن يؤمن بالبعث، إلَّا أنه وقع في هذا الشرك، فجعل بينه وبين ربه وسائط يدعوها لتشفع له، وتقربه إلى الله زلفى، وهذه هي الشفاعة التي طلبوها، ولهذا جاءت الشفاعة في القرآن على نوعين:
[ ٤٧ / ٨ ]
أنواع الشفاعة
نوع مثبت واقع.
ونوع منفي.
فالمنفي هو: الذي يزعمه المشركون: أن أصنامهم تشفع لهم.
والمثبت هو: الذي يقع بإذن الله ولمن يوحد الله؛ لأن الشفاعة لا تكون إلَّا لأهل التوحيد: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، ولما قال أبو هريرة ﵁ للرسول ﷺ: (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: (لا إله إلَّا الله) خالصًا من قلبه) والذي يقول: (لا إله إلَّا الله) خالصًا من قلبه هذا هو الموحد، وهو الذي يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهو أسعد الناس بشفاعة الرسول ﷺ، وذلك أن الرسول ﷺ أول ما يشفع في الفصل بين الخلق يسبق المخلصون إلى الجنة، ويكونون أسعد أهل الموقف بذلك.
والمقصود: أن الإنسان عليه أن يتعرف على حقيقة شرك المشركين، ويعرف ما هو؛ لأن الذي لا يعرف الشرك يوشك أن يقع فيه وهو لا يدري، والذي لا يعرف الشرك لا يعرف التوحيد، فهذا مهم جدًا.
قال الشارح ﵀: [وأما هؤلاء المشركون فاعتقدوا في أهل القبور والمشاهِد ما هو أعظم من ذلك، فجعلوا لهم نصيبًا من التصرف والتدبير، وجعلوهم معاذًا لهم وملاذًا في الرغبات والرهبات ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٣]].
يعني: أن عباد القبور يسألون الإنسان المدفون في القبر -الذي صار لحمه ترابًا وعظامه متفتتة- كما يُسأل الفرد الصمد، تعالى الله وتقدس، فيقال له: انفعنا وأعطنا، ونحن بحسَبك، ونحن داخلون عليك، ونحن جئناك لكذا ونحن ونحن إلخ فإن قُدِّر ووقع القدر الذي قدره الله، وحصل لهم مرادهم أضافوا هذا إلى ذاك الولي، وقالوا: هذا الذي ينبغي أن يُدعى، وأن يُتَقَرب إليه، أما إذا لم يقع لهم ما يريدون فإنهم يعودون على أنفسهم ويقول: لم يكن اعتقادنا بالولي صادقًا، أو إن الولي غير راضٍ عنا؛ لأنا ما أدينا حقه الذي ينبغي، فيزدادون شركًا: سواءً حصل مرادهم أو لم يحصل مرادهم، نسأل الله العافية.
[ ٤٧ / ٩ ]