الأصل أن العباد كلهم متعبدون لله ﷿، ولكن وجد منهم من صرف العبادة لغير الله تعالى، وقد احتج الله على هؤلاء بأن الذين يتعلقون بهم ويصرفون شيئًا من العبادة لهم كانوا فقراء إلى الله في حياتهم -فضلًا عن حالهم بعد الموت- وأنهم ليس بأيديهم شيء من ملك الله جل وعلا، وليسوا شركاء له في الملك، ولا يملكون نفعًا ولا ضرًا، لا لأنفسهم ولا لمن يعبدوهم من دون الله.
[ ٥٠ / ١ ]
باب قول الله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًَا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًَا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١ - ١٩٢]]:
[ ٥٠ / ٢ ]
شرح قوله: (أيشركون مالا يخلق شيئًا وهم يخلقون)
في هذا الباب وهو قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًَا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًَا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١ - ١٩٢] يبين سبحانه حالة المدعو من دون الله مطلقًا، وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وأنه لو أصابه الله جلَّ وعلا بإدالة عدو أو تسليط أو ما أشبه ذلك لا يستطيع أن ينصر من يدعوه ولا أن ينصر نفسه، وهذه حال كل مدعو من دون الله، سواءً كان عاقلًا أو غير عاقل، وسواءً كان من المقربين إلى الله جلَّ وعلا: كالرسل والملائكة أو من هو أقل منهم كالأولياء، أو كان عبدًا مسخرًا خلقه الله جلَّ وعلا لعبادته القدرية: كالشمس والقمر والنجوم والشجر وغيرها، فإنها كلها بهذه المثابة.
يعني: أنها مخلوقة، الله خلقها، وإذا كانت مخلوقة فهي فقيرة من الأصل؛ لأن كل مخلوق كان معدومًا لا وجود له، فأوجده الخالق جلَّ وعلا، فهو يتصرف فيه كيف يشاء، ثم إن هذه المخلوقات لا تخلق شيئًا.
والمقصود بالخلق هنا: إيجاد الشيء من العدم، وليس الخلق الذي يطلقه بعض الناس على بعض أفعال الناس، وهو إطلاق فيه إيهام، وإنما المراد بالخلق هنا: الإيجاد.
أي: إيجاد الشيء من العدم، وهذا لا يمكن لغير الله جلَّ وعلا، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًَا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًَا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، فهذه حالة كل معبود من دون الله، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا هذا المثل؛ ليبين ويوضح للعقلاء الذين عندهم فكر وتأمل.
والشارح ﵀ أراد بهذا الباب أن يبين للذين يتعلقون بالقبور، ويتجهون إلى أصحابها، وقد صاروا رفاتًا أمواتًا، أن أرواحهم مرتَهنة عند الله، لا تستطيع أن تجيء أو تتصرف كما يزعمون، فإنهم يزعمون أن للأولياء تصرفات، وأنهم يسمعون الدعوات، ويغيثون اللهفات، وهذا كله باطل ليس لهم عليه برهان ولا دليل، وإنما هي مجرد ظنون واتباع للأهواء والآباء، والله جلَّ وعلا أصدق قيلًا، وأعلم بما يقوله جلَّ وعلا، وأعلم بما يقع في الكون، فهذا كتابه واضح جلي خاطب به عباده، وخطابه يتوجه لكل مكلف، ويجب أن يُفهم قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ولا ينبغي للعبد أن يعرض عن تعلم ما ينجيه ويخلصه من النار ثم إذا أُحضر يوم القيامة مع من يتعلق به ويدعوه، فيقول حينها: ما تعلمت، وما دريت، أو أن فلانًا أضلني، أو أني اتبعت رؤسائي وكبرائي، فإن هذا لا يجديه شيئًا، فإن الرؤساء تتبرأ منه أيضًا، وهو أيضًا يعود باللوم على رؤسائه وكبرائه من العلماء والمقدمين وغيرهم؛ ولكن لا يفيد اللوم ولا اللعن ولا غير ذلك؛ لأن الله منَّ على العبد بأن جعل له عقلًا، ثم أرسل إليه رسولًا، ثم بين له بكتابه -الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- الحق بيانًا واضحًا، وجعل فيه الهدى والشفاء، وليس لمن ابتغى الهدى من الخلق نصيب من ذلك.
هذا هو مراده في ذكر هذه الآية، ومعنى الآية على ما قال المفسرون: أن هذا الاستفهام خرج للتوبيخ.
أي: لتوبيخ المشركين وتعنيفهم، حيث عبدوا من كان مخلوقًا، ثم إنه لا يخلق، ثم إنه لا يستطيع نصر نفسه فضلًا عن أن ينصر من دعاه، وهذه الأمور يجب أن تتوافر في المعبود، وأن يكون المعبود أولًا بلا بداية، وآخرًا بلا نهاية، غني بنفسه عما سواه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]، وأن يكون مالكًا للنفع والضر، ومالكًا للنصر على العدو، والإعزار لمن تعلق به وطلب العزة منه، أما إذا فُقد شيء من ذلك فعبادته ضلال.
إذًا: هو احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، وتقريع لما فعلوه، حيث اتجهوا إلى ما اتجهوا إليه من المخلوقات حسب تنوعهم في عباداتهم، فمنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد القبور، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد الجن، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، وكلهم سواء في هذا، وكلهم ضلوا، وكلهم أشركوا بالله جلَّ وعلا، وظلموا وتنقصوا الله جلَّ وعلا، وجعلوا حقه للمخلوق الذي هو متعبَّد لله جلَّ وعلا، كما أن العابد متعبد الله.
هذا معنى ما ذكره المفسرون في هذه الآية.
[ ٥٠ / ٣ ]
توبيخ وتعنيف المشركين في عبادتهم مع الله ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ أي: في العبادة.
قال المفسرون: في هذه الآية توبيخ وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله تعالى ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًَا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]، والمخلوق لا يكون شريكًا للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وبين أنهم لا ﴿يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًَا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٢]، فكيف يشركون به من لا يستطيع نصر عابديه ولا نصر نفسه؟! وهذا برهان ظاهر على بطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله، وهذا وصف كل مخلوق، حتى الملائكة والأنبياء والصالحين، وأشرفُ الخلق محمد ﷺ، وقد كان يستنصر ربه على المشركين، ويقول: (اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل) وهذه الآية كقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًَا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًَّا وَلا نَفْعًَا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًَا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًَا﴾ [الفرقان:٣]]: يحتج الله جلَّ وعلا على المشركين بأن الذين يتعلقون بهم ويعبدونهم كانوا فقراء للرب جلَّ وعلا، وأنهم ليس بأيديهم شيء من ملك الله جلَّ وعلا، وليسوا شركاء له في الملك، ولا يملكون من دونه نفعًا ولا ضرًا، حتى قال ذلك لنبيه الذي هو أشرف الخلق، وأمره جلَّ وعلا أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًَا وَلا ضَرًَّا﴾ [الأعراف:١٨٨]، أمره أن يقول هذا للناس، وأمره أن يقول لهم أيضًا: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت:٥٠]، نذير لكم أنذركم من عند الله جلَّ وعلا، أما ملك الأشياء، وملك النفع والضر والنصر على الأعداء، وإدالة العدو على من يريد، أو نصر من يريد أو ما أشبه ذلك، فهذا كله بيد الله جلَّ وعلا، كما سيأتي في قصة أحد حينما أصابه ما أصابه.
وهذا المعنى كثير في القرآن، يبين الله جلَّ وعلا فيه بطلان عبادة غيره، وفي مقابل ذلك: وجوب العبادة له وحده، وأن تكون خالصة له، وهذا هو الذي ينجي الإنسان، فلا ينجو يوم القيامة إلَّا بالإخلاص، وهو ما أمر به جميع الأمم من أولهم إلى آخرهم من بعثة نوح ﵇أول رسول أرسله الله إلى الأرض- إلى آخر نبي ختم به الأنبياء، وهو محمد ﷺ، فكلهم يأمر بإخلاص العبادة لله جلَّ وعلا؛ كما قال الله جلَّ وعلا على لسان نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، وكذلك غيره من الأنبياء الذين بعثهم الله جلَّ وعلا إلى الأمم.
يقول جلَّ وعلا: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]
و
الجواب
أن هذا لا وجود له، بل هو افتراء من هؤلاء، ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًَا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، والطاغوت: كل ما عُبد من دون الله، وكل ما صد عن شرع الله وعبادته، فهو طاغوت؛ لأن كل ما سوى الرب جلَّ وعلا لا يجوز أن يكون له في الملك والأمر والتشريع والعبادة شيء، فمن تعدى حد العبودية صار طاغوتًا، ينازع الله جلَّ وعلا في حقه أو في ملكه، فإن كان من المعبودات فإنه ينازعه في حقه؛ لأن حق الله جلَّ وعلا على عباده هو إخلاص العبادة له، ولا يكون فيها شيء لغيره، كما قال الرسول ﷺ لـ معاذ ﵁: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ فقال: الله ورسوله أعلم.
فقال له: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا)، وهو حق أوجبه على نفسه جلَّ وعلا، وإلَّا فليس هناك أحد يلزمه بشيء ويأمره به، تعالى وتقدس، وإنما هو الذي يحق الحق ويبطل الباطل، وهو الذي يتصرف في الكون.
ليس للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائعُ إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّموا فبفضله وهو الكريم الواسعُ فله الملك كله، وله الحمد كله، وله الأمر كله، ولا يجوز أن يكون لأحد من الخلق معه شركة، ولهذا قال جلَّ وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢].
هذا عام أيضًا في جميع المدعوات، فكل مدعو من دون الله لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، استقلالًا أو مشاركة، فإذا كانت هذه المدعوات لا تملك شيئًا استقلالًا أو مشاركة فماذا بيد داعيهم غير الخيبة والخسران فقط.
ثم أخبر سبحانه أنه ليس له منهم لا معاون ولا مظاهر ولا مساعد تعالى الله وتقدس، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: من يساعده ويؤازره ويعاونه، بل هو وحده القهار الذي يملك كل شيء: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] يعز من يشاء ويذل من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء ويؤتيه من يشاء، فالأمر كله له.
وقد يتعلق المشرك بالشفاعة، فأخبر سبحانه أنها لا تنفع، فقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣].
إذًا: ماذا يبقى في يد من يدعو غيره غير الخسران والضلال والعذاب فقط، والآيات في هذا كثيرة جدًا؛ لأن القرآن نزل لإبطال الشرك عمومًا في الأرض إلى قيام الساعة، وفيه تبيان لكل شيء، وأعظم ما أوجبه الله جلَّ وعلا على عباده: توحيده وإخلاص الدعوة له، فبين هذا بيانًا واضحًا لا عذر لمن أعرض عنه، ولا حجة لمن وقع في خلافه، بعد بيان الله جلَّ وعلا وإيضاحه، وبيان الرسول ﷺ، فإنه أيضًا بين للناس ما نزل إليهم، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، ولهذا جعل العلماء هذه الآية حجة قاطعة على إبطال كل بدعة ابتدعت في الدين، وقالوا: لم بلغها الرسول ﷺ، ولو كانت دينًا لبلغها؛ لأن الله جل وعلا أمره أن يبلغ ما نزل إليه، فلم يترك شيئًا مما أُمر به إلَّا بلغه ووضحه وأبانه.
ثم كذلك أعظم ما حرمه الله جلَّ وعلا على عباده: الشرك، فلهذا جلاّه تجلية واضحة لمن يعقل، فلا عذر لمن وقع في الشرك بعد الإيضاح التام والبيان الكامل الذي بينه ربنا جلَّ وعلا في كتابه، وكذلك بينه رسوله ﷺ، فهذان الأمران من أعظم الأمور التي بينها الله في كتابه، والرسول ﷺ في سنته.
فكيف يقول قائل: إن من ترك التوحيد ووقع في الشرك، يكون معذورًا بعد هذا الأمر؟! هذا لا يقوله إلَّا جاهل بالشرع، وجاهل فيما أوضحه الله جلَّ وعلا وأوجبه على عباده، فإن هذا أمر ظاهر جدًا لا خفاء فيه.
[ ٥٠ / ٤ ]
شرح قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا)
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًَا وَلا ضَرًَّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٨] وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًَّا وَلا رَشَدًَا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًَا * إِلَّا بَلاغًَا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢١ - ٢٣]]: هذا أمر الله لنبيه ﷺ وهو أشرف الخلق أن يقول هذا القول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًَا وَلا ضَرًَّا﴾ [الأعراف:١٨٨] ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ﴾ [الجن:٢١].
(لا أملك لكم): لمن هذا الخطاب؟ للخلق عمومًا، ومن هم: ذريته، حتى بناته، حتى عماته وزوجاته لا يملك لهم شيئًا، كما سيأتي أنه قال: (يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئًا) يقول هذا القول لسيدة نساء العالمين فاطمة ﵂؛ لأنه رسول مبلغ فقط، ليس له مع الله شيء من الملك والتصرف، فالجنة بيد الله، والنار بيد الله، والعبيد كلهم عبيد الله، إذا شاء أن يعذبهم عذبهم، وليس بين العباد وبين الله صلة إلَّا الطاعة، فمن كان مطيعًا لله فهو المقرب لديه، ومن كان عاصيًا لله فهو المبعد المعذب، وإن كان ابن نبي، فنوح ﵇ ما أغنى عن ابنه شيئًا، ولا أغنى عن زوجته شيئًا، ولوط كذلك لم يغن عن زوجته شيئًا، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا بهما المثل للكافرين، فقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًَا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠]، وإن كانتا زوجتي نبيين.
أما قوله: «فَخَانَتَاهُمَا» فالخيانة: في الدين، خانتاهما في دعوتهما وفي دينهما، وليس خيانة الفراش، فما خانت زوجة نبي قط؛ لأن الله جلَّ وعلا كرم الأنبياء أن تخونهم أزواجهم في فرشهم، فخيانة زوجة لوط وزوجة نوح في دينهما ودعوتهما، فاتبعتا القوم الكافرين.
وكذلك المؤمن لا يضره قريبه، وإن كان من أفجر الناس، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا مثلًا فقال: ﴿اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًَا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم:١١]، فهي وإن كانت زوجة أخبث الناس وأشر الناس فهي مقربة عند الله ومكرمة؛ لأنها أطاعت ربها وعبدته، وليس بين الخلق وبين ربهم جلَّ وعلا صلة إلَّا الطاعة فقط، واليهود أبناء أنبياء ومع ذلك لعنهم الله، وأقسم أنه سيبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، بكفرهم وعنادهم، وتعنتهم على أنبيائهم.
إذًا: فالإنسان إذا أطاع واتبع أمر الله كان قريبًا إلى الله جلَّ وعلا؛ لأن الأصل أنهم كلهم عباد الله، فمن أبى العبادة استحق العقاب، ومن امتثل أمر ربه جلَّ وعلا وأطاعه استحق الثواب، هذا هو الأصل في الخلق كله، وإلَّا فالرب غني بذاته عن كل ما سواه، غني عن الخلق كلهم، لو كانوا كلهم على أفجر قلب رجل واحد ما ضر الله جلَّ وعلا ذلك شيئًا ولا نقص من ملكه شيء، كما جاء في الحديث القدسي الذي في صحيح مسلم، أن الله جلَّ وعلا يقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) وهذا خطاب للعباد كلهم من أولهم إلى آخرهم.
ويقول: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ورطبكم ويابسكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد ما سأله، ما نقص ذلك مما عندي إلَّا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ثم رُفع) الإبرة إذا أدخلت البحر ثم رفعت ماذا تنقص البحر؟ لا شيء؛ لأنه إذا أراد الشيء قال له: (كن) فيكون، تعالى وتقدس.
والمقصود: أنه الغني عن الخلق كلهم، إن عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوه، واجتنبوا نهيه فلأنفسهم، لا ينفعون الله، بل ينفعون أنفسهم، وإن عصوه وارتكبوا نهيه، وخالفوا أمره، فإنهم يضرون أنفسهم ولا يضرون الله شيئًا.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فكفى بهذه الآيات برهانًا على بطلان دعوة غير الله كائنًا من كان، فإن كان نبيًا أو صالحًا فقد شرفه الله تعالى بإخلاص العبادة له، والرضى به ربًا ومعبودًا، فكيف يجوز أن يُجعل العابد معبودًا، مع توجيه الخطاب إليه في النهي عن هذا الشرك؟ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًَا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]]: يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] كل شيء -ما عدا ربنا جلَّ وعلا- داخل في هذا الهلاك حتى جبريل ﵇ يموت ويهلك؛ لأنه عبد فقير إلى الله جلَّ وعلا، لا يملك شيئًا مع الله، والباقي هو الله جلَّ وعلا.
وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ليس المراد أن الوجه هو المستثنى فقط؛ ولكن من المعلوم في لغة العرب أنه إذا ذكر أشرف الشيء فإن البقية تبع له.
إذًا: المعنى: كل شيء هالك إلَّا الله، وفي هذا إثبات الوجه لله جلَّ وعلا، صفةً حقيقة له على ما أراده الله جلَّ وعلا وبينه، وهذا كثير جدًا في القرآن وفي أحاديث الرسول ﷺ، ومن أبلغ ما جاء في هذا: ما جاء في الدعاء: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) فجاء أن أفضل نعيم أهل الجنة: أن ينظروا إلى وجه ربهم جلَّ وعلا، فينسون نعيم الجنة عند ذلك.
وجاء في صحيح مسلم في تفسير (الزيادة) في قوله الله جلَّ وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] أن الحسنى هي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله جلَّ وعلا، وأنها أفضل من الجنة.
يعني: هي أعلى نعيم الجنة، ولهذا يقول جلَّ وعلا في وعد المتقين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وضدهم: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٤ - ٢٥].
ويقول في موضع آخر في هؤلاء المجرمين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فجعل الحجاب عذابًا لهم، فدل على أن رفع الحجاب لرؤية الله جلَّ وعلا من أعلى أنواع النعيم، وهذا في الكتاب والسنة كثير، والذي ينكره يكون ضالًا في هذا الباب، قد ضل وترك النصوص الواضحة الظاهرة التي تدل على إثبات الوجه لله جلَّ وعلا صفةً له.
[ ٥٠ / ٥ ]
شرح قوله: (إن الحكم إلا لله)
قال الشارح: [وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فقد أمر عباده من الأنبياء والصالحين وغيرهم بإخلاص العبادة له وحده ونهى أن يعبدوا معه غيره]: قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] يعني: الأمر والنهي.
وهذا هو الذي يكون به الحكم، الأمر والنهي الذي فيه يتصرف العباد، وكذلك الحكم القدري الذي لا يخرج الناس عنه، وهذا لا ينازع فيه أحد، وإنما نازعوا في الأول، وهو الذي نُص عليه في هذا.
وقوله: «أَمَرَ».
يعني: من الحكم الذي حكمه: (أمر ألَّا يُعبد إلَّا إياه)، وهذا عام شامل فكل عبادة يجب أن تكون له، ولا يجوز أن تكون لولي ولا لنبي ولا لملَك ولا لغير ذلك، فإن فعل الإنسان ذلك فقد خالف أمر الله جلَّ وعلا، وارتكب نهيه، واستحق عذابه.
[ ٥٠ / ٦ ]
شرح حديث: (الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به)
قال الشارح: [وهذا هو دينه الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، ورضيه لعباده، وهو الإسلام، كما روى البخاري عن أبي هريرة في سؤال جبريل ﵇، قال: (يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان) الحديث]: الإسلام هو: الاستسلام لله بالطاعة، وعدم المنازعة والمخالفة، فيكون متبعًا أمر الله، منقادًا له مذعنًا، وكذلك يبرأ من الشرك، وإلَّا لا يكون مسلمًا على الوجه الصحيح حتى يتبرأ من الشرك وأهل الشرك.
إذًا: هذا هو الإسلام الحقيقي: الاستسلام لله بالطاعة، والانقياد له، وإخلاص العبادة له، وأن يتبرأ من الشرك وأهله، وهذا ما فرضه الله جلَّ وعلا على عباده عمومًا، من أولهم إلى آخرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، الدين كله، من أول رسول أرسله الله إلى آخر رسول، إلى أن يرث الله جلَّ وعلا الأرض ومن عليها، لا يقبل الله جلَّ وعلا من العباد إلَّا الإسلام، وهو الاستسلام له بالطاعة وعدم المنازعة، والإذعان والانقياد لأمره، والخضوع له، والبراءة من أعدائه، فإذا أخل الإنسان بشيء من ذلك فقد أخل بإسلامه.
[ ٥٠ / ٧ ]
شرح قوله: (والذين يدعون من دونه لا يملكون من قطمير)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]]: هذه الآية أيضًا مما يبطل الشرك عمومًا، ويبين أن المدعو لا يملك لداعيه شيئًا: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة، إذا يبست ظهرت رقيقة، ولا نفع ولا قيمة لها، وإذا كانوا لا يملكون هذا الشيء فكيف يُدعَون؟! وهذا عام لكل مدعو: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣].
كل مدعو من دون الله لا يملك هذا المقدار، وهذا في كل مدعو سواء كان جمادًا أو كان عاقلًا؛ لأنه إذا كان عاقلًا: فهو إما شقي كافر شيطان، وإما تقي يعبد الله، ويتبرأ من أن يكون له شيء من حق الله، فيصبح معاديًا لهذا الذي يدعوه؛ لأنه خالف ربه ودينه، فهو يكتسب العداوة وإن زعم أنه يحبه، وإما جمادًا لا حول له ولا قوة، وقد جاء الشيطان لكثير من الناس بالباطل في قالب الحق، فجعل دعوة غير الله جلَّ وعلا من الأولياء والأنبياء في قالب المحبة، وقال: هذا دليل حبهم وموالاتهم! فجعل دعوتهم والتضرع إليهم وإنزال الفقر بهم، وطلب الحاجات منهم محبةً لهم وتعظيمًا.
ومن تلبيس الشيطان أيضًا أن جعل الذي ينهى عن هذا الشرك، ويأمر بأن تكون العبادة كلها لله، مبغضًا للرسول ومبغضًا للأولياء، فحمل أتباعه على أن يشنعوا على من أنكر عليهم، وهذا من تزيين الشيطان وقلبه للحقائق، فاتبعوا الشيطان على ذلك، وليس لهم على هذا من دليل، مع أن هؤلاء الذين يتجهون إليهم -إن كانوا أولياء- لو خرجوا عليهم لقاتلوهم؛ لأنهم خالفوا دينهم وخالفوا أمر ربهم، فلا يمكن أن يقرونهم عليه، ولهذا أخبر الله جلَّ وعلا يوم القيامة أنهم يتبرءون منهم، وفي هذه الآية يخبر الله أن المدعو -كل مدعو من دون الله- لا يملك لداعيه قطميرًا، ومعنى هذا أنه لا يملك شيئًا، كما سبق في الآية الأولى: (لا يملك شيئًا)، ثم بين تعالى وتقدس أن المدعو يجب أن تتوافر فيه أمور: أولًا: الملك.
والثاني: السماع.
والثالث: استطاعة الإيجاد.
وهؤلاء المدعوون من دون الله ليس معهم من الأمور الثلاثة شيئًا حتى السماع لا يسمعون، والمراد بالسماع هنا: ليس مطلق السماع -سماع الصوت- إنما المراد به السماع الذي يكون به النفع، أما مجرد السماع فإنه قد يكون لا نفع فيه، وقد استدل بهذه الآية وبغيرها من الآيات بعض الناس على أن الموتى لا يسمعون شيئًا، والواقع أن الآية لا تدل على هذا، وإنما تدل على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ، وللعلماء في تفسير قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] قولان، ولا يعرف في تفسيرها إلَّا هذان القولان: أحدهما: أنه على ظاهره، ﴿لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] سماع امتثال، أي: لا يستطيعون أن يستجيبوا لك.
والثاني: أن المقصود بالسماع هنا: السماع الذي ينتفعون به.
إذًا: الأول: أنك لا تُسمعهم مطلقًا؛ لأنهم مرتهنون وميتون ولا يسمعون.
الثاني: أنك لا تُسمعهم السماع الذي يكون فيه الامتثال والانتفاع، ولهذا قال: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:٨٠] والأصم إذا كان مقبلًا لا تستطيع أن تسمعه الدعاء، تدعوه فلا يسمع منك فكيف إذا أدبر؟! وهذا مثل ضربه الله جلَّ وعلا للكفار، فإنهم لا يستطيعون أن يسمعوا السماع الذي ينتفعون به، وإلَّا فهم يسمعون قول الرسول ﷺ ويرونه؛ ولكنهم لا يسمعونه السماع الذي ينتفعون به، ولهذا أخبر عنهم أنهم صم عمي بكم، مع أنهم يسمعون قوله ويردون عليه، ويقولون: هذه أساطير الأولين هذا سحر وكهانة وتَقَوَّله.
يعني: كذب أتى به، والمقصود أن السماع المنفي هو سماع الانتفاع.
أما الأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول ﷺ، فمنها: حديث أنس الذي في الصحيحين عن أبي طلحة أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر أمر بأربعة وعشرين من صناديد قريش، فسُحبوا وألقوا في بئر من آبار بدر، ثم أمر براحلته فركبها، فاتبعه أصحابه، وقالوا: يذهب لحاجة، فوقف عليهم وقام يناديهم: (يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: ما تنادي من قوم قد جيَّفوا؟ فقال ﷺ: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون الإجابة)، وكذلك في الصحيح عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب ﵄ أنه ذكر مثل هذا.
وفي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ قال: (إذا دفن العبد في قبره، وولى عنه أصحابه، وهو يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيجلسانه فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرسول الذي بعث فيكم؟) فأخبر أنه يسمع قرع نعالهم.
أما ما جاء أن عائشة ﵂ لما سمعت حديث ابن عمر قالت: إنما قال رسول الله ﷺ: (إنهم يعلمون ما أقول) هكذا قالت، فهذا رأي قالته، ولا يجوز أن يُترك نص الرسول ﷺ لرأيها وقولها؛ لأنه واضح وجلي، وقد روي أنها رجعت عن ذلك لما ثبت عندها، كما رواه الإمام أحمد رحمة الله عليه.
والذي يدعي الخصوصية ليس عنده دليل على ذلك؛ لأن هذا شيء قاله الرسول ﷺ، ولم يقل بعده: إن هذا خاص بهؤلاء القوم، أو إنه في تلك الساعة فقط، بل جاءت أحاديث مطلقة في أن الميت يسمع قول من يزوره ومن يتكلم عنده؛ لكنه لا يستطيع رد الجواب، وقد يكون في سماعه ما يحزنه، ولا يستطيع أن يملك شيئًا لمن يدعوه؛ لأنه مرتهن بعمله، وإنما يسمع؛ لأنه حي، ولكن حياة غير الحياة المعهودة لنا حياة برزخية؛ لأن روح الميت لا تموت ولها اتصال ببدنه، ولا تفارق البدن مفارقةً كاملة، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة في أن القبر فيه نعيم وفيه عذاب، وليس النعيم والعذاب على البدن فقط، ولا على الروح فقط، بل عليهما جميعًا، والأحاديث في هذا كثيرة جدًا، ولا يجوز أن ترد النصوص بحجة أن فيها متعلق للمخرفين الذين يتجهون إلى عبادة القبور.
فمثل هؤلاء يُبيَّن لهم الحق ويوضَّح، ويقال لهم: إن هؤلاء لو كانوا أحياءً -وهم في حال الحياة أكمل من حال موتهم- ما أغنوا عنكم شيئًا، فكيف بعد موتهم؟! بل لا يستطيعون ان يقدموا لأنفسهم حسنة واحدة أو يحطوا عن سيئاتهم، فكيف بغيرهم؟! والمقصود: أنه لو تعلق أهل الباطل بشيء مما هو حق، فليبين لهم الفهم الصحيح والحق، وأنه لا تعلق لهم بما استدلوا به.
ومثال ذلك ما يقول النصارى: من أن القرآن فيه ما يدل على التثليث في نحو: (نحن)، و(أنا) مما بدل على خطاب الجماعة، فهل نقول: علينا أن نترك هذه النصوص؛ لأن فيها متعلق للنصارى!! وكذلك غيرهم من أهل الباطل، يتعلقون بشبهات قد تنطلي على بعض الجهلة؛ ولكنها -في الحق- إذا أُرجعت إلى المحكم زال الاشتباه نهائيًا، والاشتباه الواقع لهم ليس عند أهل الحق.
وقوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤] يعني: لو قدر -وهذا على سبيل التقدير- أنهم يسمعون قولكم سماع قبول فلا يستطيعون الاستجابة، يعني: لا يستطيعون أن يجيبوكم إلى ما تطلبونه منهم، ولو سمعوا سماع الاستجابة لكم، ما استطاعوا أن يملكوا لكم نصرًا ولا نفعًا، ومثله ما سبق من أنهم لا يملكون شيئًا لعابديهم.
والآيات كلها يبين بعضها بعضًا، وكلها تدل على معنى واحد.
وقوله: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]، يقول قتادة: يعني نفسه جلَّ وعلا، وأنه خبير بالأمور كلها، ولا ينبئك منبئ مثل تنبيء الله جلَّ وعلا وإخباره، فهو الحق الذي لا يأتيه الباطل، فيجب أن يُقطَع ويؤمَن به.
[ ٥٠ / ٨ ]
عجز وضعف المدعوين من دون الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه -من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها- بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي: المُلك.
وسماع الدعاء.
والقدرة على استجابته.
فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته، فكيف إذا عُدمت بالكلية؟! فنفى عنهم الملك بقوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة: القطمير: اللفافة التي تكون على نواة التمر.
كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًَا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًَا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل:٧٣]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]، ونفى عنهم سماع الدعاء بقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]؛ لأنهم ما بين ميت وغائب عنهم مشتغل بما خلق له، مسخَّر بما أُمر به كالملائكة، ثم قال: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]؛ لأن ذلك ليس لهم، فإن الله تعالى لم يأذن لأحد من عباده في دعاء أحد منهم لا استقلالًا ولا واسطة، كما تقدم بعض أدلة ذلك.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، فتبين بهذا: أن دعوة غير الله شرك، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًَّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًَّا﴾ [مريم:٨١ - ٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٤].
قال ابن كثير: يتبرءون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].
قال: وقوله: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها، وما تصير إليه مثل خبير بها.
قال قتادة: يعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة.
قلت: والمشركون لم يسلِّموا للعليم الخبير ما أخبر به عن معبوداتهم؛ فقالوا: تملك وتسمع وتستجيب وتشفع لمن دعاها، ولم يلتفتوا إلى ما أخبر به الخبير من أن كل معبود يعادي عابده يوم القيامة، ويتبرأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًَا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٢٨ - ٣٠]].
معنى قوله: «فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ» يعني: فرقنا بينهم في المحبة؛ فأصبح كل واحد عدوًا للآخر، كل واحد يلعن الآخر ويعاديه، وإن كانوا في الدنيا يزعمون أنهم أولياؤهم وأنهم يحبونهم، فيتبين لهم يوم القيامة عكس ما كانوا يعتقدونه في الدنيا، وهذا معنى التزييل: (زيلنا بينهم)، وهو مثل الآية التي في سورة البقرة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٦]، والآية التي في قصة إبراهيم: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًَا﴾ [العنكبوت:٢٥] فالله جلَّ وعلا يذكر هذه المعاني في ألفاظ مختلفة ومتنوعة؛ حتى يفقه الناس ويعلموا ويبتعدوا عن هذه الأمور؛ لأن القرآن هو التبيان لكل شيء، وهو الموضح إيضاحًا جليًا لا إشكال فيه.
[ ٥٠ / ٩ ]
حكم لعن المعين
قال الشارح: [أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال مجاهد: ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس:٢٩] قال: يقول ذلك كل شيء كان يعبد من دون الله.
فالكيِّس يستقبل هذه الآيات -التي هي الحجة والنور والبرهان- بالإيمان والقبول والعمل، فيجرد أعماله لله وحده دون كل ما سواه ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا دفعًا، فضلًا عن غيره].
قال المصنف ﵀: [وفي الصحيح: عن أنس قال: شُج النبي ﵌ يوم أحد وكُسرت رباعيته، فقال: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨])]: قوله: في الصحيح، يعني: في صحيح البخاري، وقد ذكره البخاري في ثلاثة مواضع من صحيحه، والحديث عن أنس -وقد رواه الإمام مسلم وغيره من أئمة الحديث- فهو حديث ثابت: يقول: (شُج النبي ﷺ) والشج في الأصل هو: الجرح في الرأس، فيخرج الدم ويسيل، ثم صار يطلق على سائر ما يقع في البدن؛ ولكن الذي جاءت به اللغة: أن الشج يطلق على ما يقع في الرأس من جرح نازف.
شُج صلوات الله وسلامه عليه في وجهه، وكسرت رباعيته، كسر منها جزء وبقي أصلها، وكذلك شفته العليا -صلوات الله وسلامه عليه- شُجت فصار الدم يسيل، وكذلك أصيب في وجنته -في خده- ضربه عبد الله بن قمئة حتى دخلت حلقات المغفر في وجنته صلوات الله وسلامه عليه، فصار يسيل الدم على وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم) فجاء مالك بن سنان فأمسك حلقات المغفر بأسنانه واجتذبها، ثم ابتلع الدم الذي دخل في فمه، فقال له ﷺ: (ابتلعت؟ قال: نعم.
قال: لا تمسك النار) وهذا من رفقه برسول الله ﷺ، ثم صار يقول ﵊: كيف يفلح القوم الذين يدعوهم نبيهم إلى الله جلَّ وعلا وهم يفعلون به هذه الأفعال؟! حاولوا أن يقتلوه، واجتهدوا قدر استطاعتهم على فعل ذلك، فهذا تجرأ وكسر ثنيته، والآخر ضربه على وجهه حتى دخلت حلقات المغفر في وجنته، فصار يسيل منها الدم، وقال له ابن قمئة: (خذها وأنا ابن قمئة، فقال ﷺ: ما لك أقمأك الله؟) فسلط الله جلَّ وعلا عليه تيس الجبل، فصار ينطحه حتى قطعه إربًا إربًا، وهذا هو الوحيد الذي دعا عليه النبي مباشرة في هذه الغزوة، أما البقية فإنه كان يدعو عليهم في الصلاة.
وكان يقول: (اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا)، وجاء في الصحيح أنه كان يسميهم بأسمائهم، ويقول: (اللهم العن صفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والصحابة خلفه يقولون: آمين) يقولون ذلك في الصلاة، وبقي وقتًا وهو يقنت يدعو عليهم، فأنزل الله جلَّ وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] والمعنى: أنك عبد من عباد الله، أمرك بإبلاغ الرسالة فامضِ في دعوتك، أما هؤلاء فهم عبادي إن شئتُ عذبتهم وإن شئتُ عفوت عنهم، فعفا الله جلَّ وعلا عنهم وأسلموا، أسلم الحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وأبو سفيان، وهؤلاء هم قادة الكفار في تلك الغزوة، وغزوا نبيهم في بلده، وجاءوا بجيشهم ليقاتلوه في بلده، واجتهدوا في أن يقتلوه، وقتلوا المسلمين كعم رسول الله ﷺ وغيره.
[ ٥٠ / ١٠ ]
مسائل باب قول الله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون)
قال المصنف رحمه الله تعالى في مسائل باب: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًَا﴾ [الأعراف:١٩١]:
[ ٥٠ / ١١ ]
حكم تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم
[التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]]: يقول: من المسائل التي تؤخذ من الباب: أن تسمية الإنسان باسمه واسم أبيه في الصلاة للدعاء له أو عليه جائز؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا) وكذلك جاء في قنوته -في غير هذه القصة- أنه دعاء للمستضعفين الذين أُمسكوا بمكة، في الصلاة وكان يسميهم يقول: (اللهم انجِ فلانًا بن فلان، اللهم انجِ فلانًا بن فلان)، وفيه أيضًا جواز لعن المعين، أي: شخصًا بعينه، ومثل اللعن: التكفير، فمن ارتكب مكفرًا، وارتد عن دينه فيصح أن يقال: إن فلانًا كفر، أما التكفير العمومي فهذا يجوز حتى على أصحاب المعاصي، الذين يفعلون أفعالًا ليست كفرًا، كما جاء في الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث في أمتي من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالأنواء) وإذا جاءت مثل هذه الأحاديث فإن لفظة الكفر تكون منكرة، ويكون المقصود به: كفرًا دون كفر.
بخلاف ما إذا جاءت محالاة بـ (ال) فإنه يكون حينئذ المقصود: كفرًا مخرجًا من الملة، ومثله قول الله جلَّ وعلا: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، أي: عموم الظالمين، وكذلك قوله ﷺ: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتُقطع يده، ويسرق عود الحبل فتُقطع يده)، والسارق هنا مطلق، وليس إنسانًا معينًا، أما إذا جاء إنسان معين ووقع في السرقة فلا يجوز أن يُلعن؛ لأنه وقع في السرقة، وإنما يُلعن عموم أهل السرقة، وفرق بين العموم والخصوص، وهذا الحديث دليل على جواز لعن من استحق اللعنة بعينه؛ لأنه لعن أشخاصًا معينين.
[ ٥٠ / ١٢ ]
قصته ﵊ لما نزلت عليه قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحادية عشرة: قصة ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤].
أما قصته ﷺ لما نزلت عليه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فقد مضى شرحها، وهي: أنه صلوات الله وسلامه عليه خاف أن يكون قصر في أمر ربه؛ لأنه أمره أن ينذر، فقام يصيح في الناس: واصباحاه! حتى اجتمعوا عنده، فسألهم وقال: (أرأيتم لو أخبرتكم بخبر هل كنتم مصدقي؟ قالوا: نعم.
لم نجرب عليك كذبة واحدة، فقال: إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد، أنقذوا أنفسكم من النار وصار يخصهم بعد التعميم، يعني: يعم قريشًا كلها ثم يخصص: يا بني فلان! يا بني فلان! إلى أن وصل إلى قوله: يا فاطمة بنت محمد ﷺ أنفذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئًا)، وسبق أن هذا دليل واضح على أن العبادة والملك كله بيد الله، وأن الرسول ﷺ ليس له مع الله شيء من الإلهية أو الربوبية، بل الربوبية والإلهية كلها بيد الله جلَّ وعلا وهو من يستحقها، وتعبَّد عباده بها، فمن جعل منها شيئًا للرسول ﷺ فقد ضل ووقع في الشرك.
[الثانية عشرة: جِده ﷺ بحيث فعل ما نُسب بسببه إلى الجنون وكذلك لو يفعله مسلم الآن]: أراد أن يقول: إن فِعْله هذا الذي فعله: (من صعوده على الصفا، وصار يهتف: واصباحاه) -لأن هذه كانت عادة عند العرب، يفعلها مَن عاين الجيش أو العدو، وأراد أن يخبر قومه بذلك، قام وفعل مثل هذا الفعل- ولما سألوه: ما عندك؟ أخبرهم أنه ينذرهم عذاب الله الذي يستقبلهم، فنسبوه إلى الجنون، كما قال عمه أبو لهب: (ألهذا جمعتنا؟! تبًا لك سائر هذا اليوم) وأكثرهم قالوا: هذا مجنون؛ لأن العذاب الذي وعدهم به من قبل الله -سواءً عاجلًا أو آجلًا- استبعدوه، وصاروا يقولون: ما نرى العذاب، وعذاب الله يأتي في لحظة؛ لأنه يقول للشيء: كن فيكون؛ ولكن الإنسان ظلوم جهول، فلهذا نسبوه إلى الجنون، وقول المصنف: لو أن أحدًا قاله اليوم لنُسب كذلك إلى الجنون، يعني: لو أن إنسانًا قام في الناس، وقال: يا أيها الناس! إنكم وقعتم في المعاصي فاتقوا الله، وإن العذاب يكاد أن يصل إليكم، وصار ينذرهم بهذا الشيء، لقالوا: هذا مجنون! مثلما هو واقع للرسل، والرسل كلهم يقال لهم ذلك، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣]، وكل أمة قد قالت لرسولها: إنك مجنون، والمجنون معناه: الذي لابسه الجن، وأصبح يهذي بما لا يدري، لكونه قد غُلب على عقله؛ لأن الجن يسيطرون على عقله، وقد يتكلم الجني على لسانه، فيهذي بكلام لا يُعقل ولا يُعرف، وهذا شيء لا ينكره إلا الجهلة.
[الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: (لا أغني عنك من الله شيئًا) حتى قال: (يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئًا) فإذا صرح -وهو سيد المرسلين- بأنه لا يغني شيئًا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلَّا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم تبين له التوحيد وغربة الدين].
قصد بقوله: (خواص الناس) أن هناك علماء -ويقال لهم: علماء؛ لأنهم يكتبون ويؤلفون ويشرحون: في التفسير والحديث وسيرة الرسول ﷺ كتبًا تُنشر للناس ويقرءونها- دعاة إلى الشرك، يقولون: إنه لا فرق بين كونك تستغيث بالله أو تستغيث بالنبي ﷺ، وكلاهما سواء، فيجوز لك أن تستغيث بالرسول، كما يجوز لك أن تستشفع به وتتوجه إليه، أو تتوجه به إلى الله وتدعو الله به، أو تدعوه وتطلب منه الشفاعة؛ لأن الله أعطاه الشفاعة، وهذا كله شرك؛ لأنه ليس هناك فرق بين من يفعل هذا ويقوله وبين المشركين القدامى؛ وقد سبق لنا أن عرفنا أن شرك المشركين القدامى كان بطلبهم من أصنامهم ومن معبوداتهم -سواءً كانت من الملائكة كما سيأتي أو من الأموات أو من الأنبياء أو من الصالحين- أن يتوسطوا لهم ويشفعوا لهم عند الله فقط، هذا هو شركهم، ولا يوجد إنسان عاقل زعم أن مخلوقًا من المخلوقات شارك الله جلَّ وعلا في الخلق والإيجاد والتدبير، كخلق الجنة أو النار، أو خلق الناس أو الملائكة أو السحاب، أو إنزال المطر وإنبات النبات، ليس هناك أحد اعتقد هذا أبدًا، وإنما شركهم الذي وقعوا فيه هو أنهم جعلوا بينهم وبين الله وسائط يدعونها، وكانوا يقولون: إنها تقربنا إلى الله، وتدنينا إلى الله، وتشفع لنا إذا سألناها، وإذا دعوناها وطلبنا منها فهي بدورها تدعو الله؛ لأنها مقربة عند الله، هذا هو شركهم.
فهؤلاء الذين يقولون هذا القول -في الواقع- ليس هناك فرق بين قولهم وبين قول المشركين القدامى، وهذا مقصوده بـ (خواص الناس) يقول: إذا نظر الإنسان إلى قول الرسول ﷺ لبنته فاطمة رضوان الله عليها التي هي سيدة نساء أهل الجنة، وآمن بأنه لا يقول إلَّا الحق صلوات الله وسلامه عليه، ثم نظر إلى ما يقوله هؤلاء ستتبين له غربة الدين، ويتبين له التوحيد، وهذا هو المطلوب في هذا الباب، وسيأتي في الباب الذي بعده زيادة بيان لذلك.
[ ٥٠ / ١٣ ]