السحر واقع وله تأثير حقيقي، وقد حذر الله ﷿ من تعاطيه، وأخبر أنه فتنة وسبب للكفر بالله ﷿، وهو من الموبقات التي تهلك صاحبها في الدنيا والآخرة عياذًا بالله! وقد سحر النبي ﷺ من قبل اليهود، فكان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولا يفعله، ثم شفي بإذن الله.
[ ٧٣ / ١ ]
باب ما جاء في السحر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في السحر].
لما كان السحر لا ينفك عن الشرك، أراد المؤلف أن يبين أن السحر مناف للتوحيد، فإنه وضع هذا الكتاب لبيان التوحيد ولذكر المضادات له أو المنقصات له؛ لأنها تنافيه.
[ ٧٣ / ٢ ]
تعريف السحر لغة واصطلاحًا
السحر في اللغة: هو الشيء الخفي الذي يصرف الصارف، والصارف يعني: الشيء الذي يكون معتادًا لخفائه، ويسمى سحرًا، وهو أنواع متعددة.
أما تعريفه في الاصطلاح: فهو رقى وعزائم وعقد وأمور من أدعية مع النفث فيها والعقد بواسطة الشيطان، وتؤثر في الأبدان والقلوب، فتمرض، وقد تميت، وتفرق بين المرء وزوجه، ولها حقيقة تؤثر، وليست خيالًا.
وهو أنواع متعددة، منها: ما هو سحر حقيقي، ومنها: ما يلحق بالسحر لخفائه، وإن كان بحيل وشعاوذ، وليس بسحر، ولكن يلحق به لأجل أنه يعمل عمله أو قريبًا من ذلك، ولهذا ألحقت النميمة بالسحر؛ لأنها تعمل عملًا كعمل الساحر، تفرق بين المرء وصاحبه وصديقه، وتفرق بين القريب وقريبه، وبين المحب ومحبه، وتجعل المحبة بغضاء، وتعمل أعمالًا تفسد المجتمع والديار، فألحقت بالسحر.
[ ٧٣ / ٣ ]
حقيقة السحر وأنواعه
السحر من أعظم المحرمات، والسحر الحقيقي -كما يقول أهل التحقيق- لا ينفك عن الشرك؛ لأنه بواسطة الشيطان، ولا يتأتى سحر إلا بواسطة الشياطين، ويكون شركًا بالله جل وعلا وكفرًا، فيجب أن يحذر وأن يتنبه منه، وللأسف أنه في وقتنا الحاضر كثر السحر في بلاد المسلمين بواسطة من يأتي من الخارج، ومن لا خلاق له، ويتخذ هذا مهنةً له، ويريد أن يتحصل على أمور معينة بواسطة هذا السحر؛ لأنهم يتعلمونه ويعرفونه، ثم السحر الذي له حقيقة ليس معناه كما يقول بعض الناس: إنه قد يغير الأعيان ويقلبها من عين إلى عين أخرى، هذا لا يمكن؛ لأنه لو كان هذا لكان السحرة ملوك الدنيا، وأغنياء الخلق، ولم يقف في وجههم شيء، ولو وقف في وجههم أحد جعلوه حجرًا أو حمارًا ولكنهم في الواقع أفقر الناس، وأخس الناس وأذلهم، يتخفون بأمرهم، ولا يظهرونه خوفًا، وتجدهم أفقر الخلق، إذًا: لا يستطيع أحدهم أن يجعل الحجر ذهبًا، فيقلب الأعيان، ولا يستطيع أن يجعل الإنسان حمارًا، هذا لا يمكن، ولكنهم يعملون أعمالهم التي تكون بواسطة الشياطين فيحصل المرض والضر، ويحصل الفساد بواسطة ما يحدث.
ومن السحر شيء تخييلي لا حقيقة له، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] يعني: الحبال والعصي التي ألقوها، فقوله: (يخيل إليه) يعني: يدلنا على أن الواقع أنه ليس كذلك، وأنها لا تسعى، وإنما هو خيال.
وقد قال بعض العلماء: إنهم فعلوا حيلة، فأخذوا العصي، ونحتوا وسطها، وملئوها زئبقًا، وكذلك الحبال لفوا عليها زئبقًا، وجاءوا إلى الأرض التي يريدون أن يلقوا عليها هذه الأشياء، وحفروا فيها خنادق ووضعوا فيها النيران لكي تحمي الأرض فألقوها، والزئبق إذا ألقي بهذه الصفة على أرض حارة صار يتحرك، فصارت الحبال والعصي تتحرك بسبب ذلك، فهذه حيلة إذا كان كذلك، وهو نوع من السحر.
وقد يكون السحر في أعين الناس، تخيل إليهم أن هذا الشيء كذا وهو ليس كذلك، مثلما يقع لبعض الناس أنه يأخذ سكينًا فيطعن بها نفسه ويخرج الدم، وقد يلقي نفسه في النار وما أشبه ذلك، وهذا يكون في عين الإنسان فقط، والواقع أنه لا يعمل شيئًا من ذلك، وهذه حيل، وبعض الأذكياء قد يعمل أعمالًا خفية، ويظهر للناس أنه يعمل أشياء ويلفت أنظارهم إلى شيء آخر، ثم يأتي بشيء خلاف ذلك بسرعة، فيخيل إليه أنه فعل شيئًا عجيبًا وغريبًا.
ثم هناك سحر من نوع آخر: بواسطة عبادة النجوم ومخاطبتها، واستنزال ما يسمونه: روحانياتها، ويزعمون أنها أرواحها أو أنها ملائكة تقوم على تدبيرها وتسخيرها، والواقع أنها شياطين تضلهم، ولهذا يبنون لها هياكل على صورها كما زعموا، وقد يضعون في هذه الهياكل أصنامًا، ثم يلبسون ثيابًا على صفة معينة، ويدخنون بأدخنة وأبخرة، ويدعون بدعوات ونداءات معينة، ويستمعون لذلك، وهي دعوات الشياطين، فتكون بواسطة الشيطان، فيأتيهم الشيطان ويقضي بعض مآربهم بواسطة أمور يعملها.
وقد يكون السحر نوعًا آخر بواسطة الشيطان، وهو الذي كثيرًا ما يقع من أن الساحر يعبد الشيطان عبادة صريحة ويدعوه، ثم إذا جاءه من يريد السحر اجتهد في دعوة هذا الشيطان، وقدم له عبادة، وصار يناديه ويتضرع له حتى يأتي إليه، فيشترط عليه شروطًا: أنك تعمل وتعمل كذا فيلقي شروطه على الذي يريد أن يسحر له، يقول: لابد أنك تذبح كذا أو تأتي بطعام على صفة كذا أو أنك تبقى في المكان الفلاني في مكان معين خالٍ من الناس فتبقى وأنت كذا وكذا فإذا امتثل ذلك أرسل ذلك الشيطان الكبير -الذي عبده وصار يتضرع له- شيطانًا آخر يجعله واسطة بينه وبين المسحور، يراقب هذا المسحور ويذهب إليه، فإذا انتهز فرصة تلبس به، وإن كان هذا المراد سحره يتحصن بالأذكار والإيمان لا يستطيع أن يأتي إليه، ويصعب عليه جدًا، وقد يراقبه وقتًا طويلًا فإذا غفل أو حصل له انفعال من غضب أو ما أشبه ذلك تلبس به فعمل فيه السحر، وقد يلقي السحر في بدنه، وقد يعمله في خارج البدن وغير ذلك، وهذا النوع كثيرًا ما يحصل، فيحس الساحر أنه وقع سحره في شيء يحفظه.
والمقصود: أن هذا كله عبادة لغير الله جل وعلا، وتقرب إلى الشيطان بما يحب من إضرار الناس، وإفساد أبدانهم وأخلاقهم وأديانهم، فلهذا يجب محاربة السحر، وسيأتي أن حكم الساحر أن يقتل.
[ ٧٣ / ٤ ]
خطر السحر
قال الشارح: [وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]].
السحر من الكبائر التي حذر منها رسول الله ﷺ، كما سيأتي أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات: فعد منها السحر)، فجعل السحر موبقًا، والموبق: هو المهلك، بمعنى: أن الساحر يكون هالكًا.
والسحر أنواع منه: ما هو كفر بالله جل وعلا وشرك، والمشرك والكافر ما ينفعه أي عمل ولو تصدق أو صلى أو صام ولو عمل أي عمل، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
وكذلك قوله عن أعمالهم: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩].
وكما قال في الآية الأخرى: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] هذه أعمال الكفار بهذه الصورة التي يمثلها لنا ربنا جل وعلا والمشركون.
والمشرك إذا مات على شركه فهو خالد في النار أبدًا، ولا يغفر له، وكذلك الكافر إذا مات على كفره فهو خالد في النار، والجنة عليه حرام، ولهذا كان الرسول ﷺ يبلغ في المجامع ويأمر مناديًا ينادي: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) حتى يعلم الناس ذلك.
والإيمان ليس كما يقول بعض الناس: الإيمان في القلب، وإنما الإيمان في القلب والجوارح والسلوك والعمل، وليس في القلب فقط، والإيمان الذي في القلب لا يكفي إذا لم يكن هناك عمل.
فالساحر يتقرب إلى الشيطان بما يصنعه من العقد التي ينفث فيها، والعزائم والأبخرة والأدعية التي يدعو الشيطان بها؛ حتى ينعقد ما أراده بإذن الله الكوني القدري، فيحصل للمسحور الأذى إما مرض وإما تغير حال، يصبح بدل الحب بغضًا أو بالعكس، أو قد يغير مزاجه، وقد يمرضه، وقد يموت، وقد ذكروا: أن السحر له أنواع متعددة، ولكن بعض الأنواع التي ذكرت ليست من السحر المحرم، وإنما هي حيل، ولهذا جاء في اللغة: أن السحر هو الصرف، يعني: أن يصرف الإنسان عن الشيء الذي يراه على غير حقيقته، ومن ذلك قولهم: (سحرت الصبي إذا خدعته واستملته) ومن ذلك ما جاء في الحديث: (إن من البيان لسحرًا) وذكر أن سبب هذا القول من الرسول ﷺ أن ابن الأهتم لما حضر مع الزبرقان وقال للرسول ﷺ عن الزبرقان: إنه لقوي العارضة، مطاع في أنديته، وإنه كذا وكذا فقال الزبرقان: والله إنه ليعلم أكثر من ذلك، ولكنه يحسدني، فقال: أنا أحسدك؟ ثم قال: والله إنه للئيم الخال، حديث المال كذا وكذا ثم قال: والله يا رسول الله! ما كذبت في الأولى ولا كذبت في الثانية، ولكني رضيت فقلت أحسن ما أعلم، وسخطت فقلت أسوأ ما أعلم، فقال ﷺ: (إن من البيان لسحرًا) يعني: أن الذي عنده مقدرة على البيان قد يصف الباطل فيجعله بصورة الحق، فيخيل للإنسان أنه حق فيسحره يعني: يصرفه عن الحق بهذه الصورة.
وهذا على مذهب المحدثين أنه على سبيل الذم، يعني هذا القول: (إن من البيان لسحرًا) على سبيل الذم، والمقصود: أن السحر في اللغة هو هذا.
أما السحر في الاصطلاح فهو -كما ذكر العلماء-: عزائم وعقد ينفث فيها كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] يعني: السواحر، عقد وعزائم ورقى وأدخنة وأبخرة يتقرب بها إلى الشيطان، فتجتمع نفس الساحر مع نفس الشيطان على أذية المسحور، بواسطة ما يفعله من الأبخرة وغيرها، أو الأدوية التي يجمعها فينعقد ما أراده بإذن الله جل وعلا القدري الكوني، فهذا هو السحر الذي يكون شركًا وكفرًا.
ولما كان السحر لا ينفك عن الشرك أراد المؤلف ﵀ أن يبين أن هذا مناف للتوحيد، وأنه يجب على الموحد أن يعرف ذلك حتى يجتنبه ولا يقع فيه.
قال الشارح: [قوله: باب ما جاء في السحر أي: والكهانة].
الكهانة سيأتي لها باب مستقل، ولكنه قال: والكهانة؛ لأنها أدخلت فيه، بل ومن أنواع السحر النميمة كما سبق، وهناك أنواع ألحقت بالسحر مثل: اقتباس علم النجوم والنظر فيها والتأثير فيها، ومثل الحيل التي يصنعها بعض الناس، ويصرف وجوه الناس عنها، ومثل قوى النفس، فقد يكون لبعض الناس تأثيرًا قويًا في نفسه فيؤثر على الآخرين بإصابة العين وما أشبه ذلك، كل هذا وغيره أدخل في السحر، ولكن الواقع أنه ليس من السحر.
[ ٧٣ / ٥ ]
السحر شيء ثابت له حقيقة
قال الشارح: [السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، ولهذا جاء في الحديث: (إن من البيان لسحرًا).
وسمي السحر سحرًا؛ لأنه يقع خفيًا آخر الليل.
قال أبو محمد المقدسي في الكافي: السحر: عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، قال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] يعني: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن في عقدهن، ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه].
هذا إشارة إلى أن بعض العلماء قالوا: إنه لا حقيقة له، وهذا في الواقع قول ضعيف جدًا، والذي قال به قلة كما ذكر الحافظ ابن حجر وغيره، وقد ذكروا أنواعًا من السحر متفق عليها، ومنه ما هو كفر، الذي هو عقد ورقى ينفث فيها الساحر، وقد يكون بغير عقد ورقى؛ بواسطة أشياء يعالجها كما سيأتي في كون النبي ﷺ سحر في مشط ومشاطة في جف طلع نخلة ذكر، ووضع في بئر يقال لها: بئر ذروان، فهذا نوع وهو، أشد السحر، وهذا يكون بواسطة الأرواح، وبواسطة العلاجات، فيؤثر على الروح والبدن، وهو أعظم السحر وأشده.
ونوع آخر وهو كفر أيضًا يكون بمساعدة الشيطان فقط، يدعوه ويخضع له ويذل له، ويكون عابدًا له، فيفعل الشيطان الشيء الذي يريده، وهذا قد يكون على الروح فقط بالتخيلات.
ونوع آخر مثل سحر أصحاب الكواكب الذين يجعلونها مؤثرات على ما في الأرض، ويزعمون أن لها روحانيات، والروحانيات: هي أرواح -حسب زعمهم- تتنزل عند عبادة خاصة يتعبدونها لهذه الكواكب، ويعبدون الكواكب السبعة السيارة: الشمس، والقمر، والمريخ، وزحل، وعطارد، والزهرة، فهذه الكواكب يزعم هؤلاء السحرة أنها روحانيات، وهم في الواقع يعبدون شياطين، فتنزل عليهم وتعمل معهم بعض الذي يريدونه، ولهذا تكون بواسطة أبخرة وأدخنة ودعوات وعبادة خاصة يتعبدون بها، فهؤلاء هم الكلدانيون الذين بعث فيهم إبراهيم، وقد ذكر الله جل وعلا أنه أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وكذلك أخبر أنهم يتبعون ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].
فهذه الآية توضح لنا أن السحر له حقيقة، وأنه يمكن تعلمه، ويمكن أن يكون الإنسان ساحرًا بالتعلم، وبواسطة الشياطين، فالشياطين هي التي تعلم الناس ذلك، وعلى القول الصحيح الذي اختاره أكثر السلف أن الملكين ببابل هاروت وماروت كانوا يعلمون الناس السحر، قال: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر).
وقد ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية روايات عن الصحابة مثل ابن عباس وغيره، وعن سعيد بن المسيب وقتادة وغيرهم: أن سليمان ﵇ أخذ كتب السحر من الشياطين ودفنها تحت كرسيه، والشياطين لا تستطيع أن تقرب إلى كرسيه، فلما مات سليمان ﵇ جاءت الشياطين واستخرجت هذه الكتب ونشرتها في الناس وقالت: هذا الذي كان سليمان يسخر به الجن والإنس والدواب، فاعتقد اليهود وأهل الكتاب الذين أخذوا ذلك أن سليمان ساحر، فلما نزل القرآن وذكر سليمان ﵇ مع الأنبياء أنكر ذلك اليهود وقالوا: سليمان ساحر، ولا يزال اليهود إلى الآن يعتقدون أنه ساحر؛ فأنزل الله جل وعلا هذه الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: بهذه الكتب التي زعمت أن سليمان هو الذي صنعها، وهو الذي يستعملها، وهي من صنع الشياطين؛ لتضل الناس بذلك، ولهذا قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] ثم ذكر: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] (الملكين) بفتح اللام عند أهل القراءات المشهورة، وقد جاء في قراءة شاذة: (الملكين)، ولكن صحت الروايات عن مفسري السلف: أنهما من الملائكة، وذلك أن الملائكة لاموا بنو آدم على ارتكابهم المعاصي، يعني: حسب الروايات التي جاءت، فقال الله جل وعلا للملائكة: اختاروا اثنين ليكون لهما التركيب الذي في بني آدم، وينزلا في الأرض فيحكمان بين الناس، فاختير هاروت وماروت، فنزلا إلى الأرض، وركبت فيهم الشهوة التي في بني آدم، والطبائع التي في بني آدم، فصارا يحكمان بالعدل وبالحق حتى جاءت إليهما امرأة جميلة، فافتتنا بها فوقعا في المعصية، عند ذلك اختارا أن يعذبا في الدنيا، فعلقا برجليهما في بئر برهوت إلى يوم القيامة، وصار عليهما أن يعلمان السحر.
وبعض العلماء أنكر ذلك وقال: لا يمكن أن الملائكة تقع في مثل هذا، وهذا يحتاج إلى دليل ثابت عن الرسول ﷺ، فأنكروا ذلك وقالوا: المعنى أن هذا نفي، يعني: والله ما أنزل على الملكين السحر، الله لا ينزل السحر الذي يتعلم الناس منه، وإنما ينزل الوحي والحق.
والمقصود: أن السحر حق ثابت وله حقائق، ومن أنكر حقيقته فهو مكابر، إلا أن يكون الإنكار للسحر الذي يقلب أعيان الأشياء كما يزعم كثير من الناس، ويتناقلون فيما بينهم حكايات وقصصًا لا حقيقة لها، ولو طلب من إنسان أن يثبت على ذلك دليلًا ما استطاع، فينقلون: أن الساحر يستطيع أن يقلب الإنسان حيوانًا أو يقلبه حجرًا أو بالعكس، وهذا ينكر؛ لأن هذا ليس له شيء ثابت.
[ ٧٣ / ٦ ]
قصة عائشة مع العجوز الساحرة بعد وفاة النبي ﷺ
روى الحاكم في مستدركه وابن جرير في تفسيره بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، أنها بعد وفاة النبي ﷺ جاءت إليها امرأة تبكي بكاءً شديدًا، وقد جاءت من دومة جندل تريد رسول الله ﷺ فوجدته قد توفي، فصارت تبكي بكاءً شديدًا، تقول عائشة: حتى كنت أرحمها لكثرة بكائها وشدته، فسألتها؟ فقالت: إني كان لي زوج قد غاب عني فاشتقت إليه، فجاءتني عجوز وشكوت أمري إليها، فقالت: إن فعلت ما أقول لك سيأتيك زوجك أو ما تريدين؟ فقلت: نعم، فذهبت فجاءتني بكلبين أسودين، فركبت واحدًا، وقالت لي: اركبي الآخر فركبت معها، وأسرعا، فإذا نحن ببابل، وإذا بئر فيها رجلان معلقان بأرجلهما، فقالا لي: اتقي الله ولا تكفري وارجعي إلى أهلك، فقلت: أريد أن أتعلم السحر، فقالا لي: اتقي الله ولا تكفري، وارجعي إلى أهلك، فقلت: لابد، فقالا لي: اذهبي إلى تلك البئر فبولي فيها، تقول: فذهبت إلى البئر فخفت واقشعر جلدي، فرجعت ولم أفعل شيئًا، فقالا لي: أبلت؟ فقلت: نعم، فقالا لي: أرأيت شيئًا؟ فقلت: لا، فقالا: كذبت لم تبولي، اذهبي إلى أهلك واتقي الله ولا تكفري، فقلت: لا، فقالا: إذًا: اذهبي إليها وبولي، فذهبت فلما وصلتها خفت واقشعر جلدي فرجعت، فسألاني أبلت؟ فقلت: نعم فعلت، فقالا: أرأيت شيئًا؟ فقلت: لم أر شيئًا، فقالا: كذبت، اتقي الله وارجعي إلى أهلك، ولا تكفري، فقلت: لابد، قالا: اذهبي للبئر وبولي، تقول: فذهبت إليها فبلت، فرأيت فارسًا خرج مني مقنعًا، فذهب حتى غاب عني في السماء، فرجعت إليهما فقالا لي: أبلت؟ قلت: نعم، قالا: أرأيت شيئًا؟ قلت: نعم، رأيت فارسًا خرج مني مقنعًا حتى ذهب في السماء وغاب عني، فقالا: ذاك الإيمان خرج منك، فركبنا على الكلبين ورجعنا، فقلت لما رجعنا للعجوز: لم أر شيئًا ولم أسمع شيئًا! قالت: بلى، أي شيء تريدين الآن يأتيك؟ خذي هذا الحب فابذري، فأخذت الحب فبذرته فنبت، ثم استوى، ثم انطحن، ثم انعجن، ثم انخبز، ثم إني والله ندمت ولم أفعل شيئًا، تقول: فسألت الصحابة فأبوا وهابوا أن يقولوا لها شيئًا.
فهذه الحكاية سندها صحيح، وبعض العلماء طعن فيها وقالوا: لا يمكن أن يقلب السحر الأشياء، فيجعل الحب ينبت في الحال، ثم يستوي، ثم يحصد فيخرج من أكمامه، ثم ينطحن، ثم ينعجن، ثم ينخبز، ثم يستوي هذا لا يمكن؛ لأنه قلب الأشياء عن حقائقها، قالوا: وإن صح السند إلى عائشة فهذه المرأة قد خرج إيمانها فلا نصدقها بقولها هذا، والصحابة هابوا أن يقولوا لها شيئًا أو أن يفتوها بشيء، مع أنها كانت نادمة وكانت تبكي بكاءً شديدًا، وتقسم أنها لا تفعل شيئًا.
فالمقصود: أن هذا من أدلة القائلين أن الساحر يمكن أن يحول بعض الأعيان إلى غير عينها، واستدلوا بهذه الحكاية فقط، وقد طعن فيها من طعن، وقالوا: إن هذه لا يعتمد عليها، وهي حكاية عن امرأة أقرت على نفسها أن الإيمان خرج منها فكيف نصدقها؟ لا نصدقها، ولو كلف إنسان من السحرة أو من غيرهم أن يقلب حيوانًا إنسانًا أو العكس ما استطاع، ولا نفتيه بشيء من ذلك، وإنما هي تخيلات تخيل على العيون، فيتخيل لبعض الناس أن ذلك كذلك وهو ليس كذلك، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦].
وستأتي قصة جندب الخير مع الساحر الذي كان يدخل في البقرة من فمها ويخرج من دبرها، ويدخل من دبرها ويخرج من فمها، ويقطع رأسها ثم يقول لها: قومي فتقوم، وهذا تخييل؛ ولهذا لما رآه جندب يصنع هذا جاء مشتملًا على سيفه وضرب عنقه وقال: إذا كنت صادقًا فأحي نفسك؟ كان يخيل الشيء للناس، فيتخيل لهم أنه يصنع هذا الشيء، وهو ليس كذلك، ولهذا إذا جاء من لا يفطن له الساحر من جهة أخرى يرى أنها طبيعية تمامًا وليس فيها شيء من التغيرات.
[ ٧٣ / ٧ ]
حديث أن النبي ﵊ سحره يهودي
قال الشارح: [وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، في مشط ومشاطة، في جف طلعة ذكر في بئر ذروان) رواه البخاري].
هذا الحديث رواه البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، ورواه مسلم في السحر، ومعروف أن مسلمًا ﵀ لم يبوب الأحاديث التي ذكرها في كتابه على التراجم، وإنما يسند الأحاديث مرتبة بدون تراجم، والتراجم التي في صحيح مسلم الآن وضعها الشراح مثل النووي والقاضي عياض والقرطبي، وليس القرطبي صاحب التفسير، فهؤلاء هم الذين وضعوا هذه التراجم، فرواه في كتاب السحر في آخر الصحيح.
ومسلم ﵀ ما كان يكرر الحديث، وإنما كان يذكر الأحاديث التي موضوعها واحد في مكان واحد، بخلاف البخاري فإنه يهتم بالتراجم أكثر من اهتمامه بمتون الحديث، ولهذا يقول العلماء: فقه البخاري في تراجمه، وقد جعل التراجم أكثر من الأحاديث؛ لأن تراجمه بلغت أربعة آلاف وثمانمائة وبضعة عشر، وأحاديثه بدون التكرار ألفان ومائتان وثلاثة عشر فقط، هذا هو المحرر الصحيح، والتراجم صارت مضاعفة؛ لأنه يكرر الحديث ويضع عليه عدة تراجم، ويكفي الإنسان أن يعرف أنه لما ذكر حديث جابر: في بيع الجمل عليه، لما غزا على جمل ضعيف، وفي رجوع الرسول ﷺ من الغزوة صار الجمل يتأخر ولا يلحق الجيش، والرسول ﷺ كان يتفقد أصحابه، فوجد جابرًا قد أنخذل عن أصحابه وتأخر، فسأله فقال: الجمل لا يسير، فزجره الرسول ﷺ وضربه، فصار يسير سيرًا حثيثًا حتى قال: كنت أقهقره لئلا يتقدم رسول الله ﷺ بعد ذلك، ثم قال له ﷺ وهو يحادثه ويؤانسه كما هي عادته ﷺ: (هل تزوجت يا جابر؟! فقلت: نعم يا رسول الله! فقال: بكرًا؟ فقلت: لا، ثيبًا، فقال: ألا بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: يا رسول الله! إن أبي توفي وترك سبع بنات، فكرهت أن آتي ببنت جاهلة مثلهن، وأردت أن آتي بامرأة عاقلة تصلحهن، فقال: أحسنت، ثم قال لي: أتبيع الجمل؟ فقلت: نعم، فاشتراه ﷺ وجعله معه، فلما وصل إلى المدينة وحط رحله جاء به إلى النبي ﷺ وقال: هذا الجمل، فوفاه وزاده -أعطاه القيمة وزاده- ثم قال له: اذهب بجملك).
هذا الحديث ذكره البخاري في ستة وثلاثين موضعًا وجعل عليه ستًا وثلاثين ترجمة، فهذا هو الفقه الذي يفيد وينفع، ويتأمله الإنسان، وهذا الكتاب لا يستغني عنه طالب العلم، ويجب أن يعتني به، ويردده ويكرره، ويتفهم التراجم مع مطابقة الأحاديث التي ذكرها البخاري، فإنه بذلك يخرج وقد علم شيئًا كثيرًا بإذن الله.
وهناك شيء آخر يجب أن يتنبه له أيضًا فعله البخاري عمدًا، وهو أنه إذا وضع ترجمة لا يأتي بالحديث الذي يدل على مضمونها دلالةً ظاهرة، وإنما يأتي بشيء فيه خفاء؛ ولهذا كثير من العلماء الشراح يعسر عليهم فهم مطابقة الحديث للترجمة؛ والسبب في هذا أنه يريد أن يدرب الطالب على الفهم والفقه، وعلى الاستنتاج، فهو في الواقع كتاب تعليم وتدريب وتفقيه، فهو كتاب عظيم جدًا، مع أنه انتقى الأحاديث المهمة التي لا يستغني عنها طالب العلم، وهذا شيء عارض، والمقصود أن الرسول ﷺ سحر.
ثم كذلك هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند في عدة مواضع، وروي عن ثلاثة من الصحابة: عائشة وأنس وزيد بن أرقم، وهناك روايات أخرى غير هذه، والحديث ثابت.
[ ٧٣ / ٨ ]
سبب إنكار بعض الناس لحديث سحر اليهودي للنبي ﷺ
هذا الحديث أنكره بعض العلماء، وسبب إنكارهم أنهم قالوا: إن هذا يقدح في عصمة النبي ﷺ، فكيف يقع هذا السحر والسحر قد يغير الفكر والنظر والمزاج؟ وفي هذا الحديث نفسه في صحيح البخاري رواية أخرى غير هذه عن عائشة أنها قالت: إنه سحر، حتى إنه يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يأته، وأنه يصنع الشيء ولم يصنعه، وهذا يقول العلماء: أشد أنواع السحر.
والقاضي عياض حاول أن يؤول هذا الكلام، وقال: معنى (أنه يخيل إليه) يعني: مثلما يحدث للإنسان في نومه أو في يقظته أنه اتصل بأهله ولم يتصل، وليس معناه أنه أثر في عقله أو في فكره صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه معصوم من ذلك، هكذا قال القاضي عياض لئلا يقع في ذلك طعن.
ومعلوم أن السحر الذي وقع عليه هو في بدنه صلوات الله وسلامه عليه، وبدنه ليس معصومًا من أن يناله الأذى، ولهذا جرح يوم أحد، وكسرت البيضة على رأسه، وكسرت رباعيته، وسقط في حفرة من الحفر التي كان يحفرها الفاسق عامر، وحصل له ما حصل، فأنزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٨].
وكذلك كان يمرض صلوات الله وسلامه عليه، فكان يصيبه صداع ويصيبه غير ذلك مما يصيب البشر، فكان بدنه كأبدان الناس، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت:٦].
أما فكره وعقله وما يوحيه الله جل وعلا إليه فمعصوم مما يخل به.
ويدلنا هذا الحديث على أن السحر قد يؤثر في أي إنسان كان، وقد لا تمنع منه التعوذات والأوراد والأذكار وقد لا تنفع، فالرسول صلى الله هو أكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقلبه دائمًا مع الله جل وعلا، وكذلك هو بنفسه دائمًا في عبادة وذكر، ومع ذلك حصل له ما حصل.
[ ٧٣ / ٩ ]
حقيقة سحر النبي ﷺ
ورد أن اليهود جاءوا إلى لبيد بن الأعصم وهو ساحر بني زريق، فجعلوا له جعلًا فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا فما أثر ذلك به، فنريد أن تسحره، فوضع السحر، فأثر به ﷺ.
وذكر الواقدي عن مدة سحره وعن وقته: أن ذلك كان بعد رجوعه من غزوة الحديبية، والمدة ذكر فيها روايتين وذكرهما تلميذه ابن سعد أحدهما: أنه بقي مسحورًا أربعين يومًا، والأخرى: أنه بقي مسحورًا ستة شهور صلوات الله وسلامه عليه، وكان في أول الأمر وكل الأمر إلى الله، وترك العلاج توكلًا على الله واعتمادًا عليه، ثم لما أثر فيه عالجه بالعلاج الصحيح وهو الدعاء، فلهذا تقول عائشة: (سحر حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء ولا يصنعه، فلما جاء عندي ذات يوم أو ليلة دعا ودعا، ثم قال لي: يا عائشة! أعلمت أن الله أفتاني؟ إنه أتاني آتيان -أو قال: ملكان- فجلس أحدهما عند رجلي، والآخر عند رأسي، فقال أحدهما للآخر: ما بالرجل؟ فقال: طب -والطب هو السحر- فقال: ومن طبه؟ فقال: لبيد بن الأعصم بمشط ومشاطة، في جف طلع نخلة ذكر في بئر ذروان، ثم إنه ﷺ ذهب إليها هو وبعض أصحابه يقول: فرأيت ماءها كنقيع الحناء، ورءوس نخلها كرءوس الشياطين -وهي بئر رجل من اليهود- فأمر بها فدفنت، فقلت: يا رسول الله! ألا استخرجته؟ فقال ﷺ: أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أفتح للناس باب شر) هذا في رواية البخاري.
وقوله: (إنه لبيد بن الأعصم) هذا يهودي من اليهود السحرة، وهو من بني زريق.
وقوله: في (مشط ومشاطة) المشط: هو الذي يمشط به الشعر، والمشاطة: هي التي تخرج عند مشط الشعر من الشعر والوسخ وما أشبه ذلك، أخذها ووضعها مع المشاطة في طلع نخلة ذكر يعني: كافور النخلة الفحل، أخذ هذا الشيء ووضعه في الكافور ثم وضع هذا الشيء في البئر، وهذا مع النفث، ومع الشيء الذي يكون بواسطة الشيطان.
وهكذا يصنع السحرة! ولهذا إذا أخرج السحر وأحرق أو أتلف فإنه يبطل سحره، ولهذا يحافظ السحرة على هذا الشيء الذي يصنعونه، وبعضهم ربما وضعه في معدن وغلق عليه برصاص فحافظ عليه كثيرًا حتى يبقى السحر؛ لأنه إذا ذهب وزال انتهى السحر.
فذكر صلوات الله وسلامه عليه أنه دعا، فاستجاب الله وشفاه، ولكن بعد ما عرف أنه سحر بواسطة الملائكة، وأن هذا هو الذي سحره.
ولم يعاقب هذا الرجل الكافر الخبيث، ومعلوم أن المعاهد إذا فعل مثل ذلك ينتقض عهده.
ولهذا استدل بعض العلماء بهذا الحديث: أنه لا يقتل الساحر، وليس كذلك؛ لأن هذا حق للنبي ﷺ يتعلق بنفسه وبجسده الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وله أن يحكم به بحكم الله، وله أن يعفو، فعفا مثل ما عفا عن اليهودية التي وضعت له السم في اللحم ولم يقتلها، مع أن الذين أكلوا معه أحدهما مات من السم، والعلماء يقولون: إذا وضع شخص سمًا لأحد حتى قتله فإنه يقتل به، فالمقصود أن هذا لا يكون دليلًا على عدم القتل، وسيأتي أن حده ضربة بالسيف حتى يموت، وفي هذا دليل على تأثير السحر بالبدن، وفيه دليل على أن السحر يشفى الإنسان منه بالأدعية والرقية بكتاب الله وبأسمائه، وهذا أمر مجرب نافع جدًا، ولكن ما وجد لكل أحد، إن كان الإنسان عنده إيمان وقوة وتصديق في ذلك فإنه بإذن الله يزول بسرعة، ويشفى كما شفي رسول الله ﷺ، ويبطل سحر الساحر بذلك، ولا سيما إذا عزم عليه بالآيات التي تناسب مما ذكر فيها السحر وإبطاله، وأن الساحر لا يفلح وما أشبه ذلك، وآيات الله كلها فيها شفاء كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢] والصواب أنه شفاء عام، شفاء للأبدان، وشفاء للقلوب، وشفاء للأمراض والشبهات والشهوات وغيرها، هو شفاء عام، لكن لا يجوز أن يستعمل الاستعمال السيئ الذي يستعمله بعض الناس، حيث يجعله طريقًا لكسب المال فقط، ثم يلبس على الناس ويصير مقصوده فقط استغلال الناس وابتزاز أموالهم، وهذا لن يشفى أحد ممن يقصده إذا كانت هذه طريقته وهذا مقصوده، ولكن قد يشفى إنسان منهم بإرادة الله، وليس بسبب علاج هذا الذي يريد الدنيا.
فهذا يدلنا على أن العصمة التي أخبر الله جل وعلا عن نبيه أنه يعصمه ليست في بدنه، وإنما هي فيما يبلغه عن الله جل وعلا، وهذا باتفاق العلماء: أن الشيء الذي يبلغه عن الله جل وعلا من الدين وغيره أنه معصوم فيه، وأنه يقع فيه شيء خلاف ما أوحاه الله جل وعلا.
[ ٧٣ / ١٠ ]