السحركبيرة من الكبائر العظام، وهو أنواع كثيرة: منه ما هو كفر، وهو السحر الذي يكون عن طريق التقرب إلى الشياطين، ومنه ما هو كبيرة من الكبائر كالحيل ونحوها.
ومن السحر -وليس بكفر- النميمة؛ لأنه يحصل بها ما يحصل بالسحر من الفرقة والشقاق والفساد.
[ ٧٥ / ١ ]
ضرورة تحقيق معنى الشهادة
قال الشارح ﵀: [قوله: (الشرك بالله) هو أن يجعل لله ندًا يدعوه ويرجوه ويخافه كما يخاف الله، بدأ به؛ لأنه أعظم ذنب عصي الله به، كما في الصحيحين عن ابن مسعود سألت النبي ﷺ: (أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) الحديث.
وأخرج الترمذي بسنده عن صفوان بن عسال قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال له صاحبه: لا تقل: نبي إنه لو سمعك لكان له أربع أعين، فأتى رسول الله ﷺ فسأله عن تسع آيات بينات، فقال النبي ﷺ: (لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنةً، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت، فقبّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي) الحديث، وقال: حسن صحيح.
] قالا: نشهد أنك نبي ولكنهما لم يؤمنا، فبقيا على يهوديتهما، وهذا يدلنا على أن الكفر عند اليهود -نسأل الله السلامة- متأصل، وأن قلوبهم مملوءة بالحقد وبغض الإسلام والمسلمين، وإلا فهم مثل ما أخبر جل وعلا يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم ولكن الحسد منعهم من متابعته، فهم يحسدون الناس على فضل الله الذي آتاهم؛ لأنهم يريدون أن يحصروا فضل الله فيهم.
والحسود عدو النعم، وليس له علاج -نسأل الله العافية- إلا الهلاك، يحرقه حسده في الدنيا قبل أن يصل إلى النار.
والمقصود أن هؤلاء يشهدون أنه نبي ومع ذلك يكفرون به ولا يتابعونه، بل يبغضونه ويبغضون من يتابعه، فأي شهادة هذه؟ إن هذه الشهادة وبال عليهم نسأل الله العافية.
[ ٧٥ / ٢ ]
خلاف العلماء في توبة القاتل
قال الشارح ﵀: [قوله: (السحر) تقدم معناه، وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة.
وقوله: (وقتل النفس التي حرم الله) أي: حرم قتلها، وهي نفس المسلم المعصوم.
قوله: (إلا بالحق) أي: بأن تفعل ما يوجب قتلها كالشرك، والنفس بالنفس، والزاني بعد الإحصان، وكذا قتل المعاهد كما في الحديث: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة).
واختلف العلماء فيمن قتل مؤمنًا متعمدًا هل له توبة أم لا؟ فذهب ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما إلى أنه لا توبة له، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣].
وقال ابن عباس: (نزلت هذه الآية وهي آخر ما نزل وما نسخها شيء).
وفي رواية: (لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ، وما نزل وحي).
وروي في ذلك آثار تدل لما ذهب إليه هؤلاء، كما عند الإمام أحمد والنسائي وابن المنذر عن معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا).
وذهب جمهور الأمة -سلفًا وخلفًا- إلى أن القاتل له توبةً فيما بينه وبين الله، فإن تاب وأناب وعمل صالحًا بدل الله سيئاته حسنات، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] الآيات.
قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء:٩٣] قال أبو هريرة وغيره: (هذا جزاؤه إن جازاه)].
في هذه المسألة خلاف كما سمعنا، من العلماء من قال: لا توبة له، فقاتل النفس ليس له توبة، ولابد أن يعاقب على هذا القتل، وقد توعده الله جل وعلا بالنار فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].
كذلك الحديث الذي ذكره: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا) يعني: أن هذا لا يعفى عنه، وهذا قول بعض العلماء، وقال الجمهور: إن له توبة، والتحقيق في هذا: أن قتل النفس يتعلق فيه ثلاثة حقوق: حق لأولياء المقتول، وحق لله جل وعلا، وحق للمقتول نفسه.
فأما حق أولياء المقتول فإنه يسقط بالقصاص أو بدفع الدية، وأما حق الله جل وعلا فإنه يسقط بالتوبة، ويبقى حق المقتول لابد من أدائه، ولابد أن تؤدى الحقوق إلى أصحابها، لأنه يأتي يوم القيامة ممسكًا قاتله فيقول: يا رب! اسأل هذا فيم قتلني؟ فهل يضيع حقه؟ لا.
لن يضيع حقه.
وهذا وجه استدل به الذين يقولون: إنه لا توبة له.
يعني: أن هذا لا يمكن حتى يؤدي حق المقتول يوم القيامة.
وكيف يؤدي حقه؟ التأدية في ذلك اليوم بالحسنات والسيئات فليس هناك غيرها، ومن كان له حق على الآخر فلابد أن يستوفيه ولكن من حسناته، فإن لم تف حسناته بذلك فإنه يؤخذ من سيئات صاحب الحق ويطرح عليه حتى يستوفي، حتى إذا لم يبق له حسنة طرح في النار.
فمن هنا قال من قال: إنه لا توبة له.
يعني: إن هذا غير ممكن، وأما فيما بينه وبين الله فله التوبة، ويجوز أن الله جل وعلا يرضي المقتول عن القاتل في ذلك الموقف إذا شاء، ولهذا جاء: (أن المقتول يأتي ممسكًا بالقاتل يقول: يا رب! اسأل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله جل وعلا للقاتل: تعست)، ومن تعس في ذلك اليوم خسر وهلك.
وقد ثبت في الصحيح: أن الرسول ﷺ ذكر رجلًا ممن سبق كان مسرفًا على نفسه، يعني: كان قتالًا سفاكًا للدماء، قتل تسعة وتسعين رجلًا، فذهب يلوم نفسه لماذا هذا التمادي في الضلال؟ فذهب يسأل الناس: دلوني على عالم؟ فدلوه على رجل عابد فسأله: هل لي من توبة؟ فقال: لا.
فالإنسان إذا قتل نفسًا واحدة فكأنما قتل الناس جميعًا، كيف وقد قتلت تسعة وتسعين نفسًا؟ فقال: ما دام أنه ليس لي توبة إذًا أكمل بك المائة، فقتله، وبعد ذلك أراد الله به الخير، وسار يسأل ويبحث جادًا: دلوني على عالم من أهل الأرض؟ فدلوه على رجل عالم، فذهب وسأله فقال: قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ قال له: نعم.
ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنك من بلد أهله مسرفون، ولكن اخرج إلى البلد الفلاني فأهله أهل خير وصلاح فاذهب واعبد الله معهم، فتاب وذهب إلى ذلك البلد، وفي أثناء الطريق قبل أن يصل البلد أدركه الموت، فجاءته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كل يريد أن يقبضه ويتولاه، وملائكة الرحمة يقولون: جاء تائبًا صادقًا في توبته، وملائكة العذاب يقولون: إن هذا ما فعل خيرًا قط، وهو سفاك للدماء، فنحن أولى به، فبعث الله جل وعلا إليهم ملكًا ليحكم بينهم فتحاكموا إليه، فقال: قيسوا ما بين البلدين فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها؟ فقاسوا فوجدوه أقرب إلى بلد الخير بشبر أو ذراع فقبضته ملائكة الرحمة.
وجاء في رواية: إنه وهو يكابد الموت كان ينوء بصدره يريد أن يقرب ويريد أن يسير، ينوء بصدره ويعجز عن المسير؛ فدل ذلك على صدقه وصدق إقباله.
وجاء في رواية: أن الله أوحى إلى البلد الطيب أن تقاربي وإلى البلد الخبيث أن تباعدي، فقبضته ملائكة الرحمة.
إذا جاء شرع من قبلنا يوافق شرعنا فهو شرع لنا، أما إذا جاء مخالف له فمعلوم أن شرعنا مهيمن على الشرائع كلها وقاض عليه، وقد حذر الله جل وعلا من القتل، والمقصود: أن قاتل النفس تكون عليه هذه الحقوق الثلاثة: حقان يسقطان، ويبقى حق، وهذا مدار الكلام هل له توبة أم لا؟ فالذي يقول: ليس له توبة معنى ذلك: أنه يقول: لابد من استيفاء حق المقتول، وهذا حق لابد من استيفائه.
قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء:٩٣] قال أبو هريرة وغيره: هذا جزاؤه إن جازاه.
] هذا تأويل، (إن جازاه) ويجوز ألا يجازيه، والمعنى أنه يجوز أن يعفو عنه رب العالمين، وإلا إن جازاه فهذا جزاؤه الذي يستحق.
قال الشارح ﵀: [وقد روي عن ابن عباس ما يوافق قول الجمهور، فروى عبد بن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيد: أن ابن عباس ﵄ كان يقول: (لمن قتل مؤمنًا توبة)، وكذلك ابن عمر ﵄.
وروي مرفوعًا: (أن جزاؤه جهنم إن جازاه)].
[ ٧٥ / ٣ ]
من الكبائر أكل الربا
قال الشارح ﵀: [قوله: (وأكل الربا) أي: تناوله بأي وجه كان، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨٠] قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك.
] والربا سبق بيان معناه، وأنه من أعظم المحرمات، وقد أخبر الله جل وعلا أن الذي لا ينتهي عن أكله بعد ما كان جاهلًا وجاءه العلم أنه يكون حربًا لله ولرسوله.
والربا قسمان: ربا يسمى: ربا النسيئة وآخر: ربا الفضل.
فالنسيئة -مثلًا- أن يقرض شيئًا لأجل، فإذا جاء ذلك الأجل يرد عليه أكثر مما قدمه، فالزائد ربا.
وأما ربا الفضل فهو: أن يبيع شيئًا بشيء من جنسه متفاضلًا، وكله من أعظم المحرمات، ويجب على المسلم أن ينتهي عن ذلك، وقول ابن دقيق العيد ﵀: إنه مجرب لسوء الخاتمة، يعني: بتجربة أحوال الناس عند الموت، فصاحب الربا لا يستطيع أن يتلفظ بالشهادتين، ويسود وجهه، وتظهر عليه آثار العذاب وهو بين الناس، نسأل الله العافية.
ومعنى سوء الخاتمة: ألا يختم له بما يدل على رضا الله جل وعلا، ومعلوم أن الذنوب كلها خطرة؛ لأنها معاصٍ لله جل وعلا، ومن عصى الله جل وعلا فهو على خطر، فهذه الذنوب تحول بينه وبين ما يرضي الله جل وعلا عند آخر عمره، فيكون مختومًا له بسوء الخاتمة، ولكن الذنوب بعضها أعظم من بعض، ومن أعظمها وأكبرها: أكل الربا؛ لأنه أكل لأموال الناس بلا حق ولا مقابل، ومن أعظم المحرمات: حقوق الناس التي تناولها المرابي وإن كان يزعم أنه تناولها بصنعته وبطريقه وبكسبه، ولكن إذا حرم الله جل وعلا شيئًا فيجب الانتهاء عنه.
[ ٧٥ / ٤ ]
من الكبائر: أكل مال اليتيم
قال الشارح ﵀: [قوله: (وأكل مال اليتيم) يعني: التغذي به، وعبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]].
أكل مال اليتيم مثل أكل الربا، ليس لازمًا أن يأكله في بطنه، بل لو أخذه وانتفع به فبنى به بيتًا أو اشترى به أثاثًا أو اشترى به أي حاجة ينتفع بها فهو في حكم الأكل، فإذا انتفع به بأي وجه من وجوه الانتفاع فهو آكل له شرعًا، وإنما عبر بالأكل لأن هذا هو الغالب الذي يقصد به في الغالب، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فإذا وضعوه على ظهورهم فإنهم يضعون على ظهورهم نارًا، وكذلك إذا اُنتفع به بأي انتفاع آخر فإن المعنى واحد، إذ لا فرق بين الأكل وبين الانتفاع.
[ ٧٥ / ٥ ]
من الكبائر التولي يوم الزحف
قال الشارح ﵀: [قوله: (والتولي يوم الزحف) أي: الإدبار عن الكفار وقت التحام القتال، وإنما يكون كبيرةً إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف لقتال، كما قُيد به في الآية].
الفرار من الزحف: هو أن يفر من أمام الكفار، فإذا أقبل الكفار في صفوفهم على المسلمين في صفوفهم، وولاهم ظهره مدبرًا فإنه يكون قد فعل موبقًا من الموبقات، كما نص الله جل وعلا على ذلك، ولكن هذا إذا لم يكن متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة، أما إذا لم يكن كذلك فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم، نسأل الله العافية؛ وذلك لأنه يرغب في الدنيا عن الآخرة.
[ ٧٥ / ٦ ]
فضل الشهادة في سبيل الله
المؤمن الصادق يتمنى لقاء العدو من أجل أن يكون شهيدًا؛ لأن الشهادة أشرف الموت، ولا موت أشرف من موت الشهداء، والذي يقدم على ذلك يكون مصدقًا لله ولرسوله بما يترتب على ذلك من الجزاء ومن الأمور التي ذكرها الرسول ﷺ، ومنها: أن الشهيد يؤمن فتنة القبر، وهذه خصلة عظيمة.
ومنها: أن زوجاته الحور العين تحضره عند موته.
ومنها: أن الله جل وعلا يبيح له التمتع بالجنة قبل القيامة، وتجعل روحه في حوصلة طير تعلق من شجر الجنة، وروحه تتمتع بالجنة كيف يشاء، ويعلق في الجنة بأي شجرة يريد.
ومنها: أنه يشفع في سبعين من أهله، قال الرسول ﷺ: (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت أدخله الله الجنة هاجر أو جاهد أو مات في بلده الذي ولد فيه فقالوا: ألا نبشر الناس يا رسول الله؟! قال: إن الله أعد للمجاهدين في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجة والأخرى مثل ما بين السماء والأرض) يعني: أن المجاهدين لهم مائة درجة في الجنة، والدرجة معناها: المنزلة، فكل درجة جنة، وما بين كل واحدة والأخرى مثل ما بين السماء والأرض، فلا يجوز التفريط في ذلك لمن يؤمن بهذا ويصدق به، بل عليه أن يتسابق إلى هذه الأشياء.
وجاء أنه ﷺ قال: (وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل) يعني: يقتل ويحيا أربع مرات؛ لما في الشهادة من الفضل، وكل ميت من المؤمنين إذا رأى جزاءه لا يود أن يرجع إلى الدنيا وإن كان ما كان، إلا الشهيد فإنه يود أن يحيا ثم يقتل؛ لما يرى من عظم كرامة الله جل وعلا له.
ولما بكى جابر بن عبد الله على أبيه الذي قتل في أحد قال له الرسول ﷺ: (أما أبوك فإن الله كلمه كفاحًا، وقال له: يا عبدي! تمنى علي، قال: ماذا أتمنى وأنا أرى ما أرى؟ فلما أكثر الله جل وعلا عليه طلب التمني، قال: يا رب! أريد أن تعيدني مرةً أخرى إلى الدنيا فأقتل، فقال: أما هذه فلا) لأن الله قضى ألا يعاد الميت مرةً أخرى إلى الدنيا.
وكذلك جاء في الشهداء الذين قتلوا في مسيرهم عند أن سيرهم الرسول ﷺ لتعليم بعض من كذب على النبي ﷺ بأن قومه آمنوا، ثم اجتمعوا عليهم وقتلوهم غدرًا، ولم يعلم بهم أحد، فأخبر الله جل وعلا عنهم نبيه، فقال النبي ﷺ: (إن الله قال لهم: يا عبادي! تمنوا علي -ولما هم فيه مما يشاهدون من الفضل العظيم- قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا مرةً أخرى فنقتل في سبيلك) وهكذا الشهيد يتمنى أن يتحصل على شهادة أخرى.
فإذا فر الإنسان عن قتال الكفار فمعنى ذلك أنه قدم الدنيا على الآخرة، ورغب بالدنيا عن الآخرة؛ ولهذا توعد بهذا الوعيد إلا إذا كان متحرفًا لقتال، ومعنى المتحرف للقتال: أنه يفر أمامهم ليريهم الفرار خدعة، ثم يكر عليهم من جهة أخرى فيكون ذلك أشد تنكيلًا فيهم، كما يفعله من يفعله من الشجعان، فإنه يُري العدو أنه منهزم حتى يتمكن منه ثم يرجع إليه فيتمكن من قتله ومن التنكيل به، أو أن يذهب إلى جهة أخرى ليساعد إخوانه من المسلمين الذين في الجانب الآخر على القتال، فلما كان هذا قد يظن أنه يكون فرارًا بيَّن الله جل وعلا أنه ليس توليًا؛ لأنه يريد أن يتصرف في قتال العدو بما هو أنفع للمسلمين وأشد تنكيلًا بالعدو.
[ ٧٥ / ٧ ]
القذف كبيرة من الكبائر
قال الشارح ﵀: [قوله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، وهو بفتح الصاد: المحفوظات من الزنا، وبكسرها: الحافظات فروجهن منه، والمراد بالحرائر: العفيفات، والمراد رميهن بزنًا أو لواط، والغافلات أي: عن الفواحش وما رمين به، فهو كناية عن البريئات].
قذف المحصنات يعني: أن يقذفهن بالفاحشة، كأن يقول: هذه فعلت الفاحشة وهو كاذب، فإن هذا من المهلكات الموبقات، وإذا لم يقم عليه الحد في الدنيا سوف يقام عليه يوم القيامة، وحتى إن أقيم عليه حد القذف الذي هو ثمانون جلدة فإن هذا لابد فيه من التوبة، ولابد أن يبين أنه كاذب، وأن من رماه بريء من ذلك، فإن لم يفعل فلا يبرأ حتى وإن أقيم عليه الحد؛ لأنه متوعد بهذا الجرم، وهذا من حقوق المسلمين، وحقوق المسلمين أمرها عظيم، وسمي: قذفًا؛ لأنه كأنه قذفه بالحجارة، وقذف الكلام في الناس أصعب من القذف بالحجارة، فإذا كان بفواحش فهذا أصعب.
معنى قوله: (بزنًا أو لواط) يعني: إن قذفت بأنها أُتيت من القبل أو من الدبر فكله سواء.
قال الشارح ﵀: [والغافلات أي: عن الفواحش وما رمين به، فهو كناية عن البريئات؛ لأن الغافل بريء عما بهت به، والمؤمنات أي: بالله تعالى احترازًا من قذف الكافرات].
[ ٧٥ / ٨ ]
قتل الساحر جاء عن عدة من الصحابة
قال الشارح ﵀: [وعن جندب مرفوعًا: (حد الساحر ضربه بالسيف) رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف.
قوله: عن جندب ظاهر صنيع الطبراني في الكبير أنه جندب بن عبد الله البجلي لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، فإنه رواه في ترجمة جندب البجلي من طريق خالد العبد عن الحسن عن جندب عن النبي ﷺ.
وخالد العبد ضعيف.
قال الحافظ: والصواب أنه غيره، فقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين عن الحسن عن جندب الخير: أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره.
وجندب الخير: هو جندب بن كعب، وقيل: جندب بن زهير، وقيل: هما واحد كما قاله ابن حبان.
أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي، وروى ابن السكن من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: (يضرب ضربةً واحدة فيكون أمةً واحدة).
قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) وروي بالهاء والتاء، وكلاهما صحيح.
وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة فقالوا: يقتل الساحر، وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز، ولم ير الشافعي القتل عليه بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر، وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن أحمد، والأول أولى للحديث ولأثر عمر، وعمل به الناس في خلافته من غير نكير].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة)، قال: فقتلنا ثلاث سواحر].
قال الشارح ﵀: [هذا الأثر رواه البخاري كما قال المصنف ﵀ لكن لم يذكر قتل السواحر.
قوله: (عن بجالة) بفتح الموحدة بعدها جيم ابن عبدة بفتحتين التميمي العنبري بصري ثقة.
قوله: (كتب إلينا عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة)، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك؛ لأن علم السحر لا يزول بالتوبة، وعن أحمد: يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وبه قال الشافعي؛ لأن ذنبه لا يزيد عن الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته؛ ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم].
قال المصنف رحمه الله تعالى: وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت.
وكذلك صح عن جندب.
هذا الأثر رواه مالك في الموطأ.
وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب، تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة، وماتت سنة خمس وأربعين.
قوله: (وكذا صح عن جندب) أشار المصنف بهذا إلى قتل الساحر، كما رواه البخاري في تاريخه عن أبي عثمان النهدي قال: (كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه، فعجبنا! فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله)، ورواه البيهقي في الدلائل مطولًا وفيه: فأمر به الوليد فسجن، فذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة.
قال المصنف ﵀: [قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ) أحمد: هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، قوله: (عن ثلاثة) أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ، يعني: عمر وحفصة وجندبًا.
والله أعلم].
[ ٧٥ / ٩ ]
مسائل باب ما جاء في السحر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة].
آية البقرة هي قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].
سبق بعض الكلام عليها.
[ ٧٥ / ١٠ ]
تعريف الجبت
[الثانية: تفسير آية النساء].
وهي قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] فالجبت قيل: هو السحر، والإيمان به: فعله، فكون الإنسان يفعل الجبت، أو يأمر غيره أن يفعل له ذلك، فإنه يكون داخلًا في هذا، والجبت يطلق على السحر، ويطلق على الشيطان، وعلى طاعة الشيطان، ويطلق على الشرور.
[ ٧٥ / ١١ ]
الفرق بين الجبت والطاغوت
[الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما].
سبق الفرق بين الجبت والطاغوت، فالجبت: يطلق على الساحر والسحر، ويطلق على الكاهن والكهانة، ويطلق على الشر.
وأما الطاغوت: فهو مأخوذ من الطغيان وهو: التجاوز، وهو الذي ينازع الله جل وعلا في ربوبيته أو في شرعه أو في حكمه، فكل من كان منازعًا لله جل وعلا في شيء من ذلك فإنه طاغوت؛ ولهذا يقول العلماء: الطواغيت كثيرون جدًا، ولكن رؤساؤهم خمسة: إبليس لعنه الله، وهو أولهم، ومن عبد وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئًا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله، هؤلاء هم رؤساء الطواغيت.
[ ٧٥ / ١٢ ]
الكبائر ليست محصورة في سبع
[الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي].
السبع الموبقات سبق الكلام عليها، وهي الشرك، والسحر، وقتل النفس بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات.
وسبق أنه ليس معنى قوله ﷺ: (اجتنبوا السبع) أنها تنحصر الموبقات في هذه السبع، بل هناك موبقات كثيرة يجب أن تجتنب؛ ولهذا جاءت نصوص أخرى في كل واحد منها الإخبار بأن هذه من الموبقات أو من أكبر الكبائر أو من الأمور التي تستوجب لعنة الله وغضبه وسخطه أو تستوجب النار، وهي كثيرة.
وسبق أن الجواب الصحيح عن هذا: أن الرسول ﷺ يذكر في كل مقام ما يناسبه، وما ينفع المتكلم، وما يكون المخاطب محتاجًا إليه.
فالرسول ﷺ كان يخاطب الناس بالشيء الذي هم بحاجة إليه، ويقتصر على الشيء الذي ينفعهم ويحتاجون إليه.
وتختلف أحوال الناس، والمجلس قد يكون فيه غير الذين سبق أن خاطبهم أولًا، فاختلفت خطابته على هذا الأساس.
[ ٧٥ / ١٣ ]
الطواغيت لا يختصون بالإنس فقط
[الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن وقد يكون من الإنس].
أي: أن الطاغوت قد يكون شيطانًا من شياطين الإنس وقد قد يكون شيطانًا من شياطين الجن.
والضابط في هذا: أن كل من فعل شيئًا من هذه الأفعال التي ذكرت فهو طاغوت.
[ ٧٥ / ١٤ ]
استتابة الساحر قبل قتله
[السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب].
هذا هو ظاهر النصوص: أنه يقتل ولا يستتاب، فـ عمر ﵁ لم يأمر باستتابة السواحر، وكذلك جندب لم يقل للساحر: تب وإلا قتلتك، بل اخترط السيف وقتله، وكذلك حفصة ﵂ لما دبرت مملوكةً لها فاستعجلت المملوكة عتقها فسحرت حفصة مولاتها؛ حتى تموت فتعتق، فأمرت بقتلها، وهذا من سنة الله أن من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
فالدلائل تدل على أنه لا يستتاب، وهناك ذنوب لا يستتاب صاحبها، حتى ولو تاب ما تقبل، مثل الذي يسب رسول الله ﷺ أو يسب الله، فمثل هذا لو قال: أنا تبت، لا يقبل منه، ويجب على ولي الأمر أن يقتله.
[ ٧٥ / ١٥ ]
السحر وجد في القرون المفضلة
[الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف بعده؟!].
يعني: أن السحر كان موجودًا في وقت الخلفاء الراشدين، وذلك الوقت هو خير الأوقات، والناس في ذلك الوقت هم خير الناس؛ لنص حديث رسول الله ﷺ: (بعثت في خير القرون) وفي رواية: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته إلخ).
وفي حديث أنس الذي في الصحيح: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، سمعت ذلك من نبيكم ﷺ)، وجاءت أحاديث كثيرة في هذا الباب، واتفقت الأمة على أن أفضل القرون قرن الصحابة رضوان الله عليهم، فهم خير الناس بعد الأنبياء؛ لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ، وتلقوا الإيمان والعلم والأدب منه، وصاروا يعملون بطاعته ويتسابقون إلى مرضاته.
فالذي صحب النبي ﷺ لا يكون مثل الذي لم يصحبه، وإن عمل أي عمل.
والصحابي هو: الذي لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، أما الذي لقيه وهو كافر فلا يكون صحابيًا، وكذلك الذي ارتد -نسأل الله العافية- ومات على الردة لا يكون صحابيًا، والصحابة ذكر الله جل وعلا أنه رضي عنهم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.
والمقصود: أن زمنهم هو أفضل زمن، فإذا كان هذا يوجد في زمنهم ففي الأزمنة المتأخرة يكون أكثر من باب أولى، والسحر في وقتنا صار أكثر من غيره، وصار في المسلمين من يتعاطى السحر، والذي لا يصنعه يطلب من الصانع أن يسحر له، ويكون الجرم كله سواء على الساحر وعلى الذي سُحر له، وهذا يدل على الجهل وعلى قلة الإيمان، نسأل الله العافية، فكثير ممن يتعاطاه يجهل حكم السحر وكونه موبقًا، أو أنه يريد أن يتحصل على نفع معين بهذا المحرم الذي لا يجوز استعماله بحال من الأحوال.
[ ٧٥ / ١٦ ]