الجبت أنواع كثيرة، ومنها: العيافة والطرق والطيرة، وقد حذر منها العلماء، وحذروا أيضًا من النظر في النجوم للتنجيم، وحذروا من تعلم السحر، والتشبه بالسحرة في عقد الخيوط والنفث فيها.
[ ٧٦ / ١ ]
السحر أنواع كثيرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيان شيء من أنواع السحر].
لما ذكر ﵀ السحر ذكر أن السحر أنواع متعددة؛ منها: ما هو سحر حقيقي، ومنها: ما هو ملحق بالسحر؛ لأنه يعمل عمل السحر، ومنها: ما يكون أيضًا ملحقًا به ولو من جانب يسير.
فأراد أن يبين بعض الأشياء التي يكثر وقوعها في المسلمين، والمصنف أراد بيان شيء من أنواع السحر، وليس كل الأنواع التي تقع، وإنما التي تكون ملتبسة على كثير من الناس، بل قد تنعكس القضية؛ ويصبح الذي عنده شيء من السحر يُعتقد أنه ولي من الأولياء، وهذا من أكبر الخطأ ومن أعظم الجهل والتخليط والتلبيس.
وهناك أشياء كثيرة تقع من كثير من الناس ويعتقد بعض الجهال أنها كرامة، وهي في الواقع إهانة؛ لأنها سحر أو طاعة للشيطان.
والكرامة لا تكون لصاحب السحر، وليست مخالفة العادة التي يعتادها الناس أو يرونها دليلًا على أن من وقعت على يده يكون من أولياء الله أو أنه كريم على الله، كلا، بل قد يكون كافرًا، وقد يكون عدوًا لله جل وعلا ولرسوله، فبعض من الناس قد يطير في الهواء ويمشي على الماء ويأتيه ما يريد من المال ومن المتاع وقد تأتيه امرأة فيفجر بها أو يأتيه صبي فيفجر به، وكل هذه الأشياء لا تكون إلا بواسطة الشياطين، وبواسطة السحر.
وقد يأخذ كوزًا فيملأه ذهبًا، وقد يأخذ حجرًا ويري الناس أنه ذهب، وقد يأخذ ترابًا ويُري الناس أنه طعام، وقد يمد يده إلى الشيء فيموت ذلك الشيء، وما أشبه ذلك مما يصنعه أعداء الله وأعداء دينه من الذين يعبدون الشياطين ويتلبسون بهم، ولهذا كثير من هؤلاء تجده وسخًا، وله رعشة خفيفة، وقد يأكل الحيات والعقارب، وقد يتلبس بالنجاسات ولا يتطهر، وقد يكون مصاحبًا للكلاب؛ لأن هذا هو الذي يريده الشيطان، فالشياطين تحب النجاسات، ومأواها الحمامات وأماكن النجاسات والقاذورات، فهم يريدون من أوليائهم أن يكونوا كذلك، ومع ذلك فكثير من الناس يقول: هذا ولي من الأولياء، وهو لا يصلي، بل بعضهم يكتب آيات الله بالنجاسة، فيكتب أسماء الله بالنجاسة ثم يعطيها الذي يأتي إليه ليشربها؛ لأن الشيطان يأمره بهذا ويحب هذا؛ وهذا فيه إهانة لأسماء الله جل وعلا ويكفر من يفعلها، والإنسان الذي يبتلى قد يحصل له شفاء من ذلك؛ لأن الشيطان يذهب إلى وليه فيصنع له هذا الشيء فيشفى.
والسحرة أعمالهم كثيرة، فمنهم من يدخل النار بحيلة ولا تضره، وقد يُشاهد أنه يطعن نفسه بسكين أو ما أشبه ذلك ولا تضره، أمور من هذا القبيل يلبس بها على الناس، وقد يكون هذا التلبيس بواسطة الشيطان ويزعم أن هذه ولاية وأنها كرامة، وهي في الواقع من أعمال الشياطين، ولهذا يقول العلماء: لا يجوز للإنسان أن يغتر بمن يقع على يده الخوارق حتى تسبر حالته ويعرف وقوفه مع كتاب الله ومع سنة رسوله ﷺ، كما جاء عن الشافعي أنه قال: (لا تغتر بالإنسان وإن مشى على الماء أو طار في الهواء حتى تسبر حاله مع كتاب الله ومع سنة رسوله ﷺ).
فهذه الأشياء ليست دليلًا على الولاية، بل الدليل الفارق هو تقوى الله، ووقوف الإنسان عند المحرمات، وفعله للواجبات، وابتعاده عن المكروهات طاعةً لله جل وعلا، وخوفًا منه، هذا هو الفارق بين الولي والعدو، والله جل وعلا يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] وهذا وصف الأولياء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].
وليس من شرط الولي أن تجري على يده شيء من الكرامات، وإنما هذا قد يحدث وقد لا يحدث، ولهذا باتفاق أهل العلم أن أفضل الأمة هم الصحابة، ومع هذا لم تكن الكرامات عندهم كثيرة، بل كانت قليلة، وهي في التابعين واتباع التابعين أكثر منها في الصحابة، وليس معنى ذلك أن التابعين وأتباعهم أفضل من الصحابة.
فالكرامة تكون لحاجة الإنسان، وإذا كانت لحاجته فلا كرامة؛ لأنها قد تكون شيء عجل له من عمله.
والمقصود: أن المؤلف أراد أن يبين لنا شيئًا من ذلك؛ لئلا نغتر بما يغتر به كثير من الناس، فمن الناس من يظهر أنه من الأولياء بفعل شيء خارق للعادة، وأولياء الله لا يمكن أن أحدهم يقول: انظروا إلي فإني من الأولياء، فإن هذا ولي ولكن للشيطان، وليس وليًا لله جل وعلا، فأولياء الله لا يدعون إلى تعظيم أنفسهم، وإلى التعلق بهم، وإلى الفخر على الناس والتكبر عليهم، بل يخافون الله جل وعلا، وتجد أحدهم دائمًا خائفًا مشفقًا على نفسه، ويريد أن يخفي عمله، وألا يظهر عمله لأحد؛ لأن أهم ما لديه بل قصده كله هو طاعة ربه، والتحصل على رضاه، ولا يهمه فعل الناس أو قولهم، بل إذا أوذي أحب إليه من أن يمدح؛ لأن مدح الناس يكون فيه فتنة للنفس وإعجاب، وقد يكون في ذلك تكفير لسيئاته؛ لأنه يدل على أنه ما قام بما يجب لله جل وعلا، فسلط الله جل وعلا عليه من يؤذيه بسبب ذلك.
[ ٧٦ / ٢ ]
شرح حديث: (العيافة والطَّرق والطيرة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حيان بن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه: أنه سمع النبي ﵌ يقول: (إن العيافة والطَّرْق والطيرة من الجبت).
قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض].
هذا الحديث رواه الإمام أحمد، ورواه كذلك أهل السنن: أبو داود والنسائي، وإسناده جيد كما قال الحافظ ابن حجر ﵀، وقال عن حيان بن العلاء: إنه مقبول، وقال عن قطن بن قبيصة: إنه صدوق.
وعوف الأعرابي فسر العيافة والطَّرْق في قوله: (إن العيافة والطرق من الجبت) فقال: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض.
والعيافة: من عاف يعيف، وقد يسمون العيافة طيرة؛ لأنها نوع من الطيرة والتطير، وهي: أن يتطير أو يتشاءم بفعل الطيور أو بأسمائها وذواتها، فمثلًا: إذا رأى المتطير عقابًا قال: هذا يدل على العقاب، أو رأى غرابًا قال: يدل على الغربة والكربة وهكذا، وهذه كانت عادتهم، والطيور ليس عندها علم الأمور المستقبلة، وليس لها من التصرف في الكون من الضر والنفع شيء، وإنما هي أوهام يلقيها الشيطان في نفوس بعض الناس، ثم قد يبتلى الإنسان بالوهم الذي يلقى في نفسه ابتلًاء واختبارًا من الله جل وعلا؛ ولأن من تعلق قلبه بشيء فإنه يميل إليه، وقد يوكل إليه.
فإذا تعلق قلب الإنسان بمخلوق يوكل إلى ذلك المخلوق، ومن يوكل إلى مخلوق فقد وكل إلى ضعف.
أما الذي يتعلق قلبه بالله جل وعلا فإنه لا يلتفت لا إلى طيور ولا إلى حيوانات ولا إلى غيرها، بل يعلم أن ربه جل وعلا هو المتصرف في كل شيء، وأنه لا يكون حركة أو سكون إلا بإرادته ومشيئته، وأن كل أمر قد كتب على الإنسان، ولا يصيبه إلا ما كتبه الله عليه، وأما هذه المخلوقات فهي مدبرة مسخرة لله جل وعلا، لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن تملكه غيرها، فكيف يتعلق العاقل بشيء وهمي لا حقيقة له؟! وسيأتي الكلام عن الطيرة وأنها من الشرك.
وأما الخط فذكر أنه خطوط تُخط، ومن الناس من يتخذ هذه الأشياء ويستدل بها على شيء في المستقبل، فيأتي ويخط خطوطًا بسرعة، ثم ينحى اثنين واثنين واثنين، فإذا بقي اثنان قال: إنه سيكون كذا وكذا من الأمور المحبوبة له أو لمن أمره أن يخط له، وإن بقي واحد أخبر بأنه سيكون شيء مكروه، وأنه سيكون خلاف ما توقع وما أراد، أو أنه سيفعل كذا وكذا، ومن هذا القبيل ما يسميه بعض الناس قراءة الفنجان، أو مناجاة الفنجان أو ما أشبه ذلك من الأمور المستحدثة، وكلها أوهام من أوهام الشيطان.
وقد تغير أسلوب الكهنة والسحرة في هذه الأيام، فصاروا يسمون بعض هذه الأمور: التنويم المغناطيسي، وقد يسمونه: تحضير الأرواح، وما أشبه ذلك من الأمور التي هي محرمة، بل هي شركية من الشرك.
ومن ذلك ما يفعله بعض الجهلة من النساء وغيرهن وهو داخل في الطرق: الضرب بالحصى وأو الضرب بالودع وما أشبه ذلك، وصورته: أن يكون عندها شيء معين ثم تلقي من هذه الأشياء وتنظر ما الذي يكون، وهل هو زوجي أو فردي أو ما أشبه ذلك؟ ثم تحدس حدسًا وظنًا، وقد يتصل بها شيطان من شياطينها ويخبرها بشيء يعرفه ذلك الشيطان، فيقع بعض هذا المخبر به أو يصبح مطابقًا للواقع الذي مضى خبرها عنه؛ فيفتتن بها من يفتتن، وهذا نوع من أنواع السحر.
فالواجب على العبد أن يجتنب كل محرم حرمه الله جل وعلا وحذر منه رسولنا ﷺ من هذه الأمور، وإن كانت هذه يفعلها الجهال أو يفعلها الذين يتكسبون بالأمور الوهمية ويدجلون على الناس فيجب أن تُمنع، وأن يُتنبه لها، وأن يُعلم أنها ضلال وباطل، وأن الغيب بيد الله جل وعلا، والتصرف بيده، ولا أحد يملك من ذلك شيئًا، والإنسان قد يستعجل الشيء الذي يتوقعه كالخبر عن غائب مسافر أو خبر عن أمر يريده لنفسه أو ما أشبه ذلك فيذهب إلى هؤلاء الطرقية أو السحرة فيستخبرهم، ويكون حكمه حكمهم؛ لأنه رضي بفعلهم وصدقهم، كما قال ﷺ: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، وهذا مناف للتوحيد؛ لأن التوحيد هو: أن يعتقد الإنسان أن التصرف بيد الله جل وعلا، وأنه النافع الضار الذي لا يقع شيء إلا بإذنه، وقد أعلمنا جل وعلا أنه اختص بالغيب، وأن الغيب لا يعرفه إلا فاطر السماوات والأرض تعالى وتقدس، وقد يُطلع بعض عباده على أمر مغيب، فيكون الغيب في هذا الأمر بالنسبة إليه معلومًا؛ لأن الغيب قسمان: غيب نسبي وغيب مطلق، فالنسبي في الأمور التي غابت عن الإنسان، ولا يجوز له أن يتكلم فيها، وإذا كان الإنسان يعرف منها شيئًا فهذا ليس غيبًا، وإنما هو حاضر ومشاهد.
أما الغيب الذي يكون من الأمور المستقبلة والحوادث التي تحدث فإن هذا لا يعلمه إلا الله، ومن تعاطى شيئًا من ذلك فقد أبطل دينه، إذ إنه تعلق على شيطان ونازع الله جل وعلا في علم الغيب، وهو خصائصه، ومن نازع الله في خصائصه فإنه يكون محاربًا لله جل وعلا، بل لا يكون عبدًا لله، وإنما يكون عبدًا للشيطان الذي أطاعه.
أما الجبت فقد فسره بأنه رنة الشيطان، فقال: والجبت: رنة الشيطان، ورنة الشيطان: هي صوته وأنينه، فإذا صوت متحزنًا متألمًا فإنه يعمل عملًا قدر ما يستطيع أن يضل الإنسان به، ويبعث جنوده لإضلالهم، ومن ذلك: أمره إياهم بأن يعلموا الناس الطرق والعيافة، وأن يحملوهم على ذلك.
وقد جاء أنه رن رنات: الأولى رن يوم لعنه الله؛ لأنه كان من المتعبدين أولًا، فلما عصى ربه وأبى السجود لآدم وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] لعنه الله جل وعلا، وجعله شيطانًا رجيمًا مرجومًا ملعونًا.
الثانية: رن لما أهبط؛ لأنه كان في ملكوت السماء فأهبط إلى الأرض، وحرست السماء منه ومن جنوده.
الثالثة: لما ولد رسول الله ﷺ؛ لأن ولادته مقدمةً لإبطال دينه، وما يدعو الناس إليه من الشرك.
الرابعة: يوم أنزلت فاتحة الكتاب؛ لأن فيها من الخير والفضل الذي أرغمه وأحزنه.
فالشيطان إذا رن اجتمعت عليه جنوده، فإذا اجتمعت أمرهم بالاجتهاد في إفساد عقائد الناس وأعمالهم، فكلما رن رنة انبعث من رنينه اجتهاد منه ومن جنوده وحرص على إفساد أديان الناس وكسبهم إليه.
وجاء عن ابن عباس أيضًا: أنه رن لما فتحت مكة، فمعنى رنة الشيطان: أن الشيطان يأمر بالطرق وبالعيافة وبالسحر، فهذا ناتج عن ذلك.
[ ٧٦ / ٣ ]
ترجمة رجال سند حديث: (إن العيافة والطرق)
قال الشارح ﵀: [قوله قال أحمد: هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل.
ومحمد بن جعفر هو المشهور بـ غندر الهذلي البصري ثقة مشهور مات سنة ستين ومائتين.
وعوف هو ابن أبي جميلة العبدي البصري المعروف بـ عوف الأعرابي ثقة مات سنة ستين أو سبع وأربعين وله ست وثمانون سنة.
وحيان بن العلاء هو بالتحتية ويقال: حيان بن مخارق أبو العلاء البصري، مقبول].
قوله: (مقبول) هو قول الحافظ ابن حجر في التقريب، وهو اصطلاح له، فهذا منقول من كلام الحافظ ﵀.
[وقطن بفتحتين أبو سهل البصري صدوق، قوله عن أبيه: هو قبيصة -بفتح أوله- ابن مخارق -بضم الميم- أبو عبد الله الهلالي صحابي نزل البصرة].
إذا كان الخبر فيه المقبول والصدوق فإنه يرتقي إلى درجة الحسن، فإن انضاف إلى ذلك شواهد ومتابعات فإنه قد يرتقي إلى درجة الصحة.
[ ٧٦ / ٤ ]
معنى: الطيرة والطرق
قال الشارح ﵀: [قوله: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت) قال عوف: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادات العرب، وكثر في أشعارهم].
ممرها أي: مرورها، وقد كانوا ينظرون إلى الطائر: فإن ولى الإنسان ميامنه سموه: البارح، وإن ولاه مياسره سموه: السامح، ولكنهم كانوا يتشاءمون بما كان عن اليسار ويتفاءلون بما كان عن اليمين، أما إذا جاء من المقابل فكانوا يسمونه: الناطح أو النطيح، وهذه كلها اصطلاحات كانوا يتعارفون عليها؛ لأنهم يتعلقون بها، وهذا من الشرك؛ لأن الطيرة من الشرك كما سيأتي.
قال المصنف ﵀: [يقال: عاف يعيف عيفًا إذا زجر وحدس وظن.
قوله: (والطرق): الخط يخط بالأرض، كذا فسره عوف وهو كذلك، وقال أبو السعادات: هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء.
وأما الطيرة فسيأتي الكلام عليها في بابها إن شاء الله تعالى].
الطرق كما قلنا: إنه قد تغير الآن، ولا يزال موجودًا بالطريقة السابقة عند الكثير من النساء وأشباه النساء والدجالين، ولكن قد تغيرت الطرق الآن عند ناس من المثقفين كما يزعمون، فيكتبون جداول ويذكرون الحوادث التي تحدث في هذا البرج: يوم كذا يكون كذا وكذا، ومن كان مولده في اليوم الفلاني يحدث له كذا وكذا، وهذه كلها من الضلال، ولا يجوز أن يُنظر فيها؛ لأنها حدس ورجم بالغيب، وليس عندهم أي دليل على ما يقولونه، وإنما هو تضليل وأكل لأموال الناس بالباطل.
قال الشارح ﵀: [قوله: (من الجبت) أي: السحر، قال القاضي: والجبت في الأصل: الفشل الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله، وللساحر والسحر].
[ ٧٦ / ٥ ]
معنى: رنة الشيطان
قال الشارح ﵀: [قوله: قال الحسن: رنة الشيطان، قلت: ذكر إبراهيم بن محمد بن مفلح أن في تفسير بقي بن مخلد: أن إبليس رن أربع رنات: رنةً حين لُعن، ورنةً حين أُهبط، ورنةً حين ولد رسول الله ﷺ، ورنةً حين نزلت فاتحة الكتاب.
قال سعيد بن جبير: لما لعن الله تعالى إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورن رنةً، فكل رنة منها في الدنيا إلى يوم القيامة.
رواه ابن أبي حاتم].
قوله: (كل رنة منها إلى يوم القيامة) يعني: الرنين الذي هو ممنوع شرعًا مثل البكاء والنياحة، ومثل الأصوات التي تدل على الفجور أو الفسق، ومثل الصوت عند النعمة والصوت عند الفجيعة؛ التي تكون أصواتًا تدل على السخط للمقدور الذي وقع، أو تدل على التأسف والحزن على ذلك؛ لما يفوته من حظوظه، أو لأنه يطرب ويفسق ويظهر خلاف ما أمر به، وهو أن يكون شاكرًا لأنعم الله، فكل ما خالف الحق وخالف الشرع فهو باطل، والباطل من أمر الشيطان.
قال الشارح ﵀: [وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة رن إبليس رنةً اجتمعت إليه جنوده) رواه الحافظ الضياء في المختارة.
الرنين: الصوت، وقد رن يرن رنينًا وبهذا يظهر معنى قول الحسن رحمه الله تعالى].
وليس المعنى: أنه رن وانتهت القضية، بل إذا رن واجتمعت إليه جنوده أمرهم بالحرص على إضلال بني آدم، ووجههم وأعطاهم الأوامر والتوجيهات التي يضلون بها بني آدم، فينتج عن رنينه بلاء، ومن ذلك السحر؛ لأن السحر من الشيطان، وكذلك التطير والطرق وكل ما خالف الشرع، فينتج عن رنينه فساد في الأرض بسبب إرضاء الشياطين، وشياطين الجن تتصل بشياطين الإنس فتتعاون وتتساعد على ذلك.
وقد أخبرنا رسولنا ﷺ: أن كل واحد منا معه قرين من الشياطين، وقرين من الملائكة، فهذا الشيطان يأمره بالفساد وبالفجور وبكل ما يخالف الحق ويغريه بذلك، والملك ينهاه عن ذلك ويأمره بالخير، فلهذا لمه، ولهذا لمه، فإذا وجد الإنسان من نفسه الشيء الذي يغريه بالشر ويدفعه إليه ويزينه له فهذا من الشيطان، فيجب عليه أن يستعيذ منه، وإذا وجد من نفسه دافعًا يدفعه إلى الخير ويزينه له ويحثه عليه فهذا من الملك، والنفس أيضًا قد تكون مع هذا وقد تكون مع هذا، فإما أن تكون أمارة بالسوء وإما أن تكون مطمئنة.
ولما قال الرسول ﷺ للصحابة: (كل واحد معه قرينه من الجن -والجن المراد الشياطين أولاد إبليس- قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟! قال: حتى أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلمَ -وروي: فأسلمُ) بضم الميم، وروي بفتحها، وإذا كان بضم الميم فمعناه: أسلم أنا من شره، وإن كان بالفتح فمعناه: أنه أسلم، أي: دخل في الإسلام وانقاد له، ولكن المعنى الأول هو الصحيح، لأن الشيطان لا يسلم، ولو أسلم لما كان قرينًا يقابل قرين الملك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ أبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه: المسند منه.
قال الشارح ﵀: ولم يذكر التفسير الذي فسره به عوف، وقد رواه أبو داود بالتفسير المذكور بدون كلام الحسن].
[ ٧٦ / ٦ ]
حكم النظر في النجوم والتنجيم
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من اقتبس شعبةً من النجوم فقد اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) رواه أبو داود، وإسناده صحيح].
قوله ﷺ: (من اقتبس شعبةً من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) الاقتباس: هو الأخذ والاكتساب في العلم والنظر، والشعبة: هي الطائفة من الشيء، فيقال: هذا من شعب الإيمان، فالإيمان له شعب، والكفر له شعب.
وشعبة من النجوم، يعني: أن من يقتبس شيئًا يستدل به، كأن يقول: اقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني يدل على كذا، أو اقتران النجم بالقمر يدل على كذا، أو كون النجم الفلاني يكون في المكان الفلاني في وقت كذا يدل على كذا وهكذا يقول المنجمون.
والتنجيم ينقسم إلى أقسام ثلاثة كما سيأتي: قسم يكون سحرًا وشركًا بالاتفاق، وهو الاعتقاد بأن النجوم هي التي تدبر الكون وتصرفه، وهي التي تُخاطب وتُعبد وتُدعى ويُسبح لها كما يفعله الكنعانيون الذين بعث فيهم إبراهيم ﵇، فإنهم كانوا يبنون هياكل على صور الكواكب التي يرونها، ويجعلون بيوتًا لها، ويضعون فيها الصور، ثم يتقربون إليها بالدعاء، ويلبسون لباسًا معينًا، ويبخرون عندها، ويتقربون إليها بالقرب، ويزعمون أنهم إذا صنعوا ذلك نزلت روحانياتها، وهذه الروحانيات التي يزعمون أنها روحانيات الكواكب هي الشياطين التي تنزل عليهم، وقد تخاطبهم، وقد تقضي حوائجهم، وتفعل لهم بعض الشيء الذي يريدونه؛ لأنهم فعلوا ما ترضاه الشياطين، فخدموها وعبدوها، فيأتون إليهم ببعض النفع، كما كانت الشياطين تكلم المشركين من داخل الأصنام، فالشيطان كان يخاطبهم ويكلمهم، وقد يجيبهم، وكان الصنم إما شجرة وإما حجرًا أو شيئًاَ معمولًا من الطين، وما أشبه ذلك.
القسم الثاني: الاستدلال بالأحوال الفلكية من الاقتران والطلوع على الأمور التي تحدث في الأرض، وهذا أيضًا كفر بالله جل وعلا؛ لأن المصرف للأمور كلها هو الله، وهو مسخر الكواكب الذي خلقها وسيرها ودبرها، وليس للكواكب أي تصرف مع الله جل وعلا، ولا تدل على ما يحدث، وإنما هي كما قال الله جل وعلا: ﴿عَلامَاتٍ﴾ [النحل:١٦] أي: علامات يهتدى بها في البر والبحر، وهي كذلك رجوم للشياطين، وزينة للسماء.
فخلق الله جل وعلا الكواكب لأمور ثلاثة: الأمر الأول: علامات يهتدى بها، والعلامات قد تكون علامات في المسير في البر والبحر، وتكون علامات على أن المتصرف والخالق هو الله جل وعلا؛ لأنها مسخرة ومدبرة.
الأمر الثاني: أنها زينة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك:٥].
الأمر الثالث: أنها رجوم للشياطين، كما في هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، فمن نظر شيئًا للأحوال التي تجري في الكون وعلقها بالكواكب فإنه يكون مشركًا بالله جل وعلا.
القسم الثالث: هو الذي يعرف الآن بعلم الفلك، وهو: النظر إلى أبعاد الكواكب وأجرامها ومسيرها وأفلاكها واختلاف ذلك، وكذلك النظر في وقت طلوعها وأفولها والاستدلال بذلك على الزمن وتغيره، وأنه -مثلًا- في الوقت الفلاني إذا طلع هذا الكوكب يكون قد مضى كذا من الوقت، وإذا غرب يكون قد مضى كذا من الوقت، وكذلك النظر في منازل القمر التي قال الله جل وعلا عنها: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، والنظر كذلك في بروج الشمس التي كل يوم تنزله الشمس، ومنازل القمر معينة، كل ليلة يكون في واحدة منها، وهي ثمانية وعشرون منزلة، يكون دائمًا على سطح الأرض يراها الرائي أربعة عشرة، كلما غرب واحد خرج مقابله، وهي التي سيأتي أن العرب كانوا يضيفون إليها نزول المطر، يستسقون بها، وهي الأنواء.
وقد قال الرسول ﷺ: (أربع من أمر الجاهلية في هذه الأمة لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة على الميت).
وأمر الجاهلية مخالف لأمر الإسلام.
والمقصود: أن معنى قوله: (من اقتبس شعبةً من النجوم) يعني: أنه جعل طلوع النجم أو كونه يكون في هذا المكان أو كونه يقترن بالنجم الفلاني أو بالقمر يكون دليلًا على أنه يقع كذا وكذا، هذا من الكفر بالله جل وعلا.
وقوله: (اقتبس شعبةً من السحر) السحر: هو الباطل والكفر الذي يأمر به الشيطان، وليس معنى ذلك أنه يسحر غيره بهذا، ولكنه يكون أمرًا خفيًا، وقد يظهر شيء من الحوادث التي يخبر بها موافقةً، فيوافق قوله القدر؛ فيكون فيه فتنة وافتتان، وقد يعتقد السامع أنه صادق، فيكون هذا نوعًا من السحر لخفائه ولطافته.
والسحر كله باطل سواءً كان السحر الصناعي العملي الذي يعمل عمله في المسحور، وقد سبق أن هذا يكون بواسطة الشياطين وهو أنواع، ويكون بالنفث الذي ينفثه الشيطان؛ لأن الشيطان الإنسي الساحر يتصل بشيطانه الجني، فيأخذ خيوطًا ثم يعقدها عندما يريد أن ينعقد أمرًا من الأمور، ثم ينفث عليها ويخرج شيئًا من ريقه الخبيث -وقد انعقد نفثه مع ريقه الخبيث وتكيف مع نفث الشيطان ومراده- فينعقد أمر بإرادة الله الكونية، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:١ - ٤] والنفاثات: السواحر اللاتي تعقد إحداهن العقد وتنفث فيها لينعقد ما تريده من الضر أو ما تريد حصوله.
وقوله: (زاد ما زاد) يعني: كلما زاد اقتباس شيء من النجوم زاد إثمًا وسحرًا وابتعادًا عن الله جل وعلا.
[رواه أبو داود بإسناد صحيح، وكذا صححه النووي والذهبي، ورواه أحمد وابن ماجة.
قوله: (من اقتبس) قال أبو السعادات: قبست العلم واقتبسته إذا علمته.
اهـ.
قوله: (شعبة) أي: طائفةً من علم النجوم، والشعبة: الطائفة، ومنه الحديث: (الحياء شعبة من الإيمان) أي: جزء منه.
وقوله: (فقد اقتبس شعبةً من السحر) المحرم تعلمه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر، وقال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩].
قوله: (زاد ما زاد) أي: كلما زاد من تعلم علم النجوم زاد الإثم الحاصل بزيادة الاقتباس من شعبه، فإن ما يعتقده في النجوم من التأثير باطل، كما أن تأثير السحر باطل].
[ ٧٦ / ٧ ]
شرح حديث: (من عقد عقدة ثم نفث فيها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: (من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه)].
إذا كان النظر لأجل الاستدلال على أمور تقع فإن هذا من الشرك بالله جل وعلا، ومن السحر الذي هو محرم.
أما إذا كان النظر في النجوم لأجل الاستدلال على الجهات -جهات القبلة أو جهات المسير- أو الاستدلال على أن هذه آيات على خالقها جل وعلا، ويتفكر في بعدها وكبرها ومسيرها؛ فهذا لا بأس به، والنجوم مختلفة على حسب اختلاف الأفلاك؛ لأن لكل نجم فلكًا يدور به، وبعضها قد يكون دورانها عكسي، يعني: بعضها يدور عكس دوران البعض الآخر، فإذا كان النظر فيها من هذا القبيل فإنه جائز ولا بأس به، بل يحمد فاعله على ذلك.
وكذلك إذا كان النظر في معرفة منازل القمر بأعيانها؛ لأن الله أخبر أنه قدره منازل، وكل ليلة بينها وبين الأخرى مسافة محددة، وما بين المنزلة والمنزلة ثلاثة عشر يومًا في الطلوع أو الغروب، وتنتهي بانتهاء السنة، يعني: طلوعًا وغروبًا، فإذا كان ينظر ذلك لمعرفة المنازل ومعرفة الوقت والزمن ويستدل بها على وجود الله وآياته وعظمته فلا بأس بتعلم هذا، وما عدا ذلك فإنه لا يجوز النظر فيه؛ لأنه داخل فيما ذكر من السحر.
وأما الحديث الذي ذكره: (من عقد عقدةً ونفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه) فهذا يشمل حتى الإنسان الذي لا يحسن السحر، فإذا كان يتشبه بالساحر فهو داخل في هذا، كما يصنعه بعض الجهلة، إذا أراد شيئًا جاء بخيوط ثم تكلم بكلام ويقول: لا يكون هذا -أي: الذي لا يريد أن يكون- فيعقد عقدة، ثم يتفل عليها ليؤكد ذلك، فيكون بهذا التشبه بالساحر ساحرًا، ولو لم يكن ساحرًا، فيدخل في قوله: (من عقد عقدةً ونفث فيها فقد سحر)؛ لأنه فعل فعل السحرة، وإن لم يكن محسنًا للسحر.
ومعروف أن عقد السحرة على هذا المنوال نوع من السحر، وقد أمر ربنا جل وعلا بالاستعاذة منهم.
والسحر أنواع متعددة وسبق ذكر بعض أنواعه وهذا نوع منه.
قوله: (ومن سحر فقد أشرك) هذا دليل على أن السحر لا ينفك عن الشرك، وأن كل ساحر مشرك؛ وذلك لأن السحر لا يكون إلا بواسطة الشيطان، وقد أخبر الله جل وعلا عن ذلك فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢].
فأخبر أن الشياطين هي التي تعلم السحر، فلا يكون السحر إلا بواسطتهم، وللأسف فإن السحر قد كثر في الناس اليوم، وكثير منهم يتعاطاه؛ وذلك لانعدام الإيمان عند الكثير منهم، فلما انعدم الإيمان عندهم أصبحوا يتعلقون بالشياطين التي تعلمهم السحر.
قوله: (ومن تعلق شيئًا وكل إليه) التعلق: هو من القلب عادةً، تعلق بالشيء، أي: كأن قلبه تعلق به، إذا تعلق بالسحر أو تعلق بالعقد التي يعقدها وكل إليها، ومن تعلق بمخلوق وكل إلى ذلك المخلوق، ومن تعلق بصنعة من صنعته أو عمل من عمله وكل إليه، ومن تعلق برب العالمين جل وعلا فإنه يكفيه ويقيه من كل سوء كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣].
فالتعلق: فعل القلب، ويتبعه أعمال الجوارح، وهذا خبر عن رسول الله ﷺ يبين أن الذي يتعلق على شيء يوكل إلى ذلك الشيء.
ومعلوم أن الذي يوكل إلى المخلوق يوكل إلى ضياع وإلى ضعف؛ لأن المخلوق ضعيف لا يستطيع أن يجلب لنفسه النفع، فمن تعلق بمخلوق وكل إلى ضياع وإلى عجز وإلى ضلال؛ فيهلك في أي وادٍ كان، وإنما يجب على العبد المؤمن أن يتعلق بربه جل وعلا، ومن تعلق قلبه بربه وتوكل عليه فإنه يكفيه ويقيه كل شر.
[ ٧٦ / ٨ ]
عقد السحرة للخيوط ونفثهم فيها
قال الشارح ﵀: [هذا الحديث ذكره المصنف من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي، وقد رواه النسائي مرفوعًا، وحسنه ابن مفلح.
قوله: (وللنسائي) هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن صاحب السنن وغيرها، روى عن محمد بن المثنى وابن بشار وقتيبة وخلق، وكان إليه المنتهى في العلم بعلل الحديث، مات سنة ثلاث وثلاثمائة، وله ثمان وثمانون سنة رحمه الله تعالى.
قوله: (من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر)، اعلم أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط ونفثوا على كل عقدة حتى ينعقد ما يريدون من السحر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] يعني: السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث: هو النفخ مع الريق، وهو دون التفل، والنفث: فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقدة نفخًا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نَفَسٌ ممازج للشر والأذى مقارن للريق الممازج لذلك، وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيصيبه بإذن الله الكوني القدري لا الشرعي، قاله: ابن القيم رحمه الله تعالى.
قوله: (ومن سحر فقد أشرك) نص في أن الساحر مشرك؛ إذ لا يتأتى السحر بدون الشرك كما حكاه الحافظ عن بعضهم.
قوله: (ومن تعلق شيئًا وكل إليه) أي: من تعلق قلبه شيئًا بحيث يعتمد عليه ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشيء، فمن تعلق على ربه وإلهه وسيده ومولاه رب كل شيء ومليكه؛ كفاه ووقاه وحفظه وتولاه، فنعم المولى ونعم النصير، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
ومن تعلق على السحرة والشياطين وغيرهم من المخلوقين وكله الله إلى من تعلقه فهلك.
ومن تأمل ذلك في أحوال الخلق ونظر بعين البصيرة رأى ذلك عيانًا، وهذا من جوامع الكلم.
والله أعلم].
[ ٧٦ / ٩ ]
شرح حديث: (ألا أنبئكم ما العضه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: (ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس) رواه مسلم].
العضه: من البهت والكذب، ومنه ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١]، يعني: جعلوه -كذبًا منهم وزورًا- سحرًا أو شعرًا أو كهانةً أو حسب ما قالوا، أو أنهم جعلوه أجزاءً مجزأة، أو ما أشبه ذلك.
فالعضه في اللغة يقصد به: الكذب والبهت، والعضه هنا في هذا الحديث المقصود به: النميمة، والنميمة: هي نقل حديث الغير على وجه الإفساد، كأن يأتي إلى إنسان ويقول: سمعت فلانًا يقول فيك: كذا وكذا، يريد الإغراء بينه وبين الآخر، وأن يفسد العلاقة التي بينهما، وليس على وجه النصح، أما إذا كانت نصيحة فلا تدخل في هذا، وأما إذا كان مجرد نقل كلام، وأن فلان يقول كذا وقال كذا فهذه تسمى: نميمة، من نمى الكلام ينمه وينميه، ولا تسمى: نميمة إلا إذا أراد بها الإفساد، أما إذا كانت مجردة عن إرادة الإفساد وليس فيها مصلحة فتسمى: غيبة، والغيبة: هي ذكر الغائب بما يكره عند الغير، فإن كان فيه ما يقول فهي غيبة، وإن كان كاذبًا ليس فيه ما يقول فهي كذب وبهت وزور أكبر من أن تكون غيبة.
والقالة بين الناس انتشرت بين الناس مع أنها إثم كبير، وهي من أسباب إحباط العمل، نسأل الله العافية، ومن أسباب عذاب القبر، وأكثر عذاب القبر -نسأل الله العافية- منها ومن عدم التنزه من البول، كما جاء صريحًا في الحديث.
والنميمة شبيهة بالسحر، ولهذا جاء: أن النمام يفسد في الساعة ما لا يفسده الساحر في سنة؛ وذلك لأنه يفرق بين الأحبة ويغري الصدور بفعله، فشبهت بالسحر وألحقت به من هذا القبيل؛ لأن فيها الإفساد والتفريق بين الأحبة، فقد تفرق بين المرء وزوجه، وبين الصديق وصديقه، وبين الأخ وأخيه، وهذا فعل الساحر، فصارت النميمة شبيهةً بالسحر بالفعل، ولكن السحر يفارقها أنه كفر، وأنه تعلم من الشيطان، وهذه ليست كذلك، وهي من المحرمات.
وقد جاء في صحيح مسلم: (لا يدخل الجنة نمام)، فهي من أكبر الذنوب وأعظمها.
[قال: وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي: النميمة القالة بين الناس) رواه مسلم.
قوله: (ألا هل أنبئكم): أخبركم، والعضه: بفتح المهملة وسكون المعجمة.
قال أبو السعادات: هكذا يروى في كتب الحديث، والذي في كتب الغريب: (ألا أنبئكم ما العِضَه) بكسر العين وفتح الضاد، قال الزمخشري: أصلها العضهة فعلة من العضه وهو: البهت، فحذفت لامه كما حذفت من السنة والشفة، وتجمع على عضين].
[ ٧٦ / ١٠ ]
خطر النمام والكذاب
قال الشارح ﵀: [ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في الساعة ما لا يفسد الساحر في سنة).
وقال أبو الخطاب في عيون المسائل: (ومن السحر: السعي بالنميمة والإفساد بين الناس).
قال في الفروع: وجهه: أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة أشبه السحر، وهذا يعرف بالعرف والعادة أنه يؤثر، وينتج ما يعمله السحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسويةً بين المتماثلين أو المتقاربين.
لكن يقال: الساحر إنما يكفر لوصف السحر، وهو أمر خاص ودليله خاص وهذا ليس بساحر].
قوله: (بوصف السحر) أي: بفعل السحر، أما كونه يوصف فلا يكفي في الكفر، وإنما يكفر بكونه يفعله.
[قال: وإنما يكفر لوصف السحر، وهو أمر خاص ودليله خاص، وهذا ليس بساحر، وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة.
انتهى ملخصًا.
وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة، وهو يدل على تحريم النميمة وهو مجمع عليه.
قال ابن حزم ﵀: اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة.
وفيه دليل على أنها من الكبائر.
قوله: (القالة بين الناس) قال أبو السعادات: أي: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس، ومنه الحديث: (فشت القالة بين الناس)].
[ ٧٦ / ١١ ]
سحر البيان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهما عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (إن من البيان لسحرًا)].
قوله ﷺ: (إن من البيان لسحرًا) عرفنا أن السحر محرم، وإذا كان شيء من البيان يكون سحرًا فمعنى هذا: أنه مذموم، وهذا البيان هو الذي يقصد به تغطية الحق وإظهار الباطل وتحسينه.
وقد يكون الإنسان يخفى عليه ذلك فيغتر بالفصاحة والبلاغة والبيان، ويلتبس الحق عنده فيتبع الباطل؛ لأن هذا البيان شبيه بالسحر، هذا هو الصواب في معنى هذا الحديث، وليس كما يقول أهل الأدب: إن هذا من باب المدح، وبعضهم يقول: هذا هو السحر الحلال، والسحر ليس فيه شيء حلال، بل السحر كله حرام، والسبب الذي ذكر في هذا الحديث يبين هذا ويوضحه، وذلك أن رجلًا تكلم عند رسول الله ﷺ وأثنى على نفسه وقال: هذا الرجل يعرف ذلك مني، فتكلم ذلك الرجل بكلام لم يعجب القائل، فقال: والله! إنه يعرف أكثر من هذا، ولكنه يحسدني، فتكلم كلامًا يدل على أن ذلك الرجل عنده من النقص ومن الخلل الشيء الذي قاله، فقال المتكلم: والله! ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الثانية، ولكنني لما رضيت قلت أحسن ما أعرف، ولما غضبت قلت أسوأ ما أعرف، فقال ﷺ: (إن من البيان لسحرًا) يعني: أن الإنسان قد يكون عنده من البلاغة والفصاحة ما يغطي في كلامه على حق الآخر فيبطله ويستولي عليه، فيكون هذا نوعًا من السحر، ولهذا جاء: (أن الله جل وعلا يكره البليغ الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها).
فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث.
[ ٧٦ / ١٢ ]
هل البيان ممدوح أو مذموم؟
قال الشارح ﵀: [البيان: البلاغة والفصاحة.
قال صعصعة بن صوحان: (صدق نبي الله، فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق).
وقال ابن عبد البر: (تأولته طائفة على الذم؛ لأن السحر مذموم.
وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان.
قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة فأحسن المسألة فأعجبه قوله، قال: هذا والله! السحر الحلال) انتهى].
هذا الكلام فيه نظر، ولا يثبت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: هذا والله! السحر الحلال، فالسحر ليس فيه شيء حلال، بل هو كله محرم.
فإذا ألحق الكلام بالسحر فهو يدل على ذمه ولا يدل على مدحه.
[والأول أصح، والمراد به: البيان الذي فيه تمويه على السامع وتلبيس، كما قال بعضهم: في زخرف القول تزيين لباطله والحق قد يعتريه سوء تعبير مأخوذ من قول الشاعر: تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحًا وذمًا وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير قوله: (إن من البيان لسحرًا) هذا من التشبيه البليغ؛ لكون ذلك يعمل عمل السحر، فيجعل الحق في قالب الباطل، والباطل في قالب الحق، فيستميل به قلوب الجهال حتى يقبلوا الباطل وينكروا الحق، ونسأل الله الثبات والاستقامة على الهدى.
وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره ويبطل الباطل ويبينه فهذا هو الممدوح، وهكذا حال الرسل وأتباعهم، ولهذا علت مراتبهم في الفضائل، وعظمت حسناتهم.
وبالجملة فالبيان لا يحمد إلا إذا لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، وتغطية الحق وتحسين الباطل، فإذا خرج إلى هذا فهو مذموم، وعلى هذا تدل الأحاديث كحديث الباب، وحديث: (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها) رواه أحمد وأبو داود].
[ ٧٦ / ١٣ ]
مسائل باب بيان شيء من أنواع السحر
[ ٧٦ / ١٤ ]
من أنواع الجبت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت].
العيافة هي: زجر الطير والتشاؤم في طيرانها ومرورها، ومن ذلك أيضًا كون الشخص إذا خرج من بيته سمع كلمه أو رأى شخصًا يتشاءم بهذا، ويقول: سيقع كذا وكذا، وهذا من الطيرة التي سيأتي أنها شرك.
وأما الطرق فهو: الخط في الأرض طلبًا لمعرفة المغيب، أو الضرب بالحصى طلبًا لذلك، أو قراءة الكأس -كما يقولون- وصوت الكأس أو فنجان القهوة أو ما أشبه ذلك، وكلها أوهام ووساوس لا تدل على شيء، ولكن الإنسان إذا تعلق بشيء ونسب ذلك الشيء إلى ما تعلق به فإنه يكون مخطئًا، وقد يكون مشركًا؛ لأنه معلوم أن الأمر إنما بتصريف الله، والغيب عند الله جل وعلا لا أحد يعرفه.
[ ٧٦ / ١٥ ]
المنجم لا يفلح
[المسألة الثانية: تفسير العيافة والطرق.
المسألة الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر].
يعني: اقتباس علم النجوم هو نوع من السحر لخفائه أو لمقارنته للباطل، فالسحر باطل، وقد أخبرنا أن الساحر لا يفلح، وكذلك المنجم لن يفلح.
[ ٧٦ / ١٦ ]
التشبه بالساحر حرام
[المسألة الرابعة: العقد مع النفث من ذلك].
يعني: كونه يعقد عقدًا ثم ينفث فيه هذا من السحر، وهذا من المحرمات، سواءً كان الإنسان ساحرًا أو يتشبه بالساحر.
وقد يفعل ذلك بعض الجهال تشبهًا بالساحر، فإذا رأى أن الساحر يفعل كذا فيريد أن يفعل مثله، ومن هذا ما يسمونه عقد الرجل عن زوجته؛ لأنه يكون بعقد، أو يتكلمون بكلام يريدون به منعه عن الوصول إلى زوجته فيعقدون عقدة، ثم يتكلمون كلامًا يقولونه للمنع أنه لا يصل إليها ولا يقربها فيعقدون عقدة وينفثون عليها، وهكذا حتى تكمل العقد التي يريدونها، وقد ينعقد ذلك الأمر كما ذكر ابن القيم: بمساعدة النفوس الخبيثة -نفوس الجن ونفوس الشياطين- مع هذا الفعل، فيتقرب الإنسي إلى الجني بطاعته، ويتقرب الجني إلى الإنسي بمساعدته على السحر، ثم ينعقد الشيء الذي قدره الله كونًا، وليس لهم في ذلك إلا أنهم وافقوا القدر، إلا أنه كان سببًا، وعقد هذا الأمر وحله بيد الله جل وعلا، فعلى الإنسان أن يلجأ إلى الله بالدعاء والاستعاذة من شر هؤلاء، فإنه ينحل.
[المسألة الخامسة: أن النميمة من ذلك].
أي: لا تجوز.
[المسألة السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة].
وهذا واضح.
[ ٧٦ / ١٧ ]