حذر النبي ﵊ من الذهاب إلى الكهنة والعرافين لسؤالهم، وبين أن هذا الفعل من أعظم المحرمات، وأنه قد يفضي إلى الكفر والعياذ بالله، فإنه لا يعلم الغيب أحد إلا الله، ويجب الحذر من تصديق هؤلاء الذين يدعون معرفة الغيب.
[ ٧٧ / ١ ]
حكم الكهانة وإتيان الكهان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الكهان ونحوهم].
الكهانة كانت كثيرة في العرب في الجاهلية، وأصلها: الاتصال بالشياطين، أن يكون الإنسان له قرين من الشياطين يطيعه ويأتيه بالأخبار التي تغيب عن الناس، ومنها: استراق السمع.
واستراق السمع هو كما أخبر الرسول ﷺ أن الله جل وعلا إذا قضى الأمر من أمره وأمر به ملائكته وتكلم بالوحي؛ حصل للسماء من ذلك رعدة ورجفة، وكذلك الملائكة الذين يحفون بالعرش يفزعون ويصعقون خوفًا من الله جل وعلا، ثم إذا فُزِّع عن قلوبهم سألهم الملائكة الذين يلونهم: ماذا قال ربنا؟ فيقولوا: قال الحق، ثم ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، ثم ينتهي الخبر إلى الملائكة الذين في العنان -يعني: في السحاب- يدبرون أمر الله فينقلونه ويتكلمون به، والشياطين يركب بعضهم بعض ليسترقوا ما تقول الملائكة، فإذا سمعوا كلمة أخذها الأعلى وألقاها إلى من تحته، والذي تحته يأخذها ويلقيها إلى من تحته، إلى أن تصل إلى الذي في الأرض، ثم يذهب بها إلى قرينه الكاهن مسرعًا، فيخبره ويزيد معها مائة كلمة كذب، فالخبر الذي يقولونه ويكون على وجهه هو من هذا القبيل، فيصدقون مرة ويكذبون مائة مرة، وقد يرسل الشهاب إليه فيقتله، وقد يذهب بفكره وعقله ويصبح بلا عقل، وقد يصيبه إصابة لا يستطيع أن يتحرك معها.
والله جل وعلا ذكر أنه جعل النجوم رجومًا للشياطين، أي: يرجمون بها عند استراق السمع.
فلما بعث رسول الله ﷺ حُرست السماء حراسة شديدة، فأصبح لا أحد من الشياطين يستطيع أن يصل إلى شيء من العنان؛ لأنهم يرجمون، فلهذا أخبر الله جل وعلا عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩] أي: لا أحد منهم يستطيع استراق السمع، وكل هذا صيانة للوحي؛ لئلا يسترق شيطان من الشياطين شيئًا من الوحي الذي يوحى إلى النبي ﷺ فيذهب به إلى الكهان؛ فيكون في ذلك فتنة للناس، ويقال: إن هذا الكاهن أخبر بما يقوله الرسول ﷺ، وما يقوله إنما هو من نوع الكهانة، فحماه الله جل وعلا، فلما انتهى الوحي بموت رسول الله ﷺ أصبحت الأمور على ما كانت عليه، يعني: أمكن الشياطين أن يستمعوا، ويأتون إلى أوليائهم من الإنس بما يخطفون ويزيدون معه، والشيطان يزيد مائة كذبة، فيلقيها على الكاهن، والكاهن كذلك يزيد فيها ويكذب، وهذا من العجائب أن يصدق مائة قول كذب من أجل كلمة واحدة!! إذًا: الكهانة نوع من السحر، ولهذا ذكرها بعده.
[ ٧٧ / ٢ ]
العرافة من الكهانة
العرافة تصدق على التنجيم، وعلى الحدس والتخمين، وعلى الاتصال بالجن أيضًا؛ لأنهم يخبرونه بالأمور المغيبة التي تكون عند بعض من يتعاطى هذه الأمور، ومنهم الذين يزعمون أنهم يقرءون على المصروع ويخرجون الصرع، فإن منهم من يكون وليًا للشياطين وللجن، فإذا جاءه المصروع يخبره الجني أنه هو الذي صرعه، وأنه صرعه من أجل ذلك، ويأمره بأمور وأشياء يفعلها حتى يخرج، ويكون في هذا فتنة.
كل إنسان له قرين من الجن، فإذا جاء هذا الذي أصيب بهذه الإصابة فقرين الكاهن الذي يتعاطى هذه الأمور يسأل قرين المصروع ما الذي صار؟ فيخبره بالواقع، وأنه صار فيه كذا وكذا، وصار له كذا وكذا، فيذهب القرين ويخبر وليه الكاهن الذي يتعاطى الأمور الغيبية، فيخبر الكاهن أصحاب المريض أو يخبر المريض بأنه صار لك كذا، وصار لك كذا، ويكون هذا فتنة؛ لأنهم يصدقونه ويقولون: إن هذا من الكشوفات التي تدل على أنه ولي، أو إن عنده أمورًا يعرف بها هذه الأشياء، وقد يشفى جراء ذلك ابتلاء وامتحانًا، وهذا قد جاء الوعيد فيه لمن يفعله، وأنه ليس من أتباع رسول الله ﷺ على دينه، كما قال ﷺ: (ليس منا من تكهن أو تكهن له أو سَحَر أو سُحِر له) وهذا نوع منه.
وكذلك كل من يتعاطى أمورًا من أمور الغيب سواءً بأسباب يذكرها وأمور يتعلل بها أو بمجرد حدس يحدسه ويظنه أو بمجرد أنه يزعم أنه يكشف له الأمر لأنه من الأولياء فهذا شرك؛ لأن أولياء الله ما يخالفون أمر الله ولا يخالفون كتابه، ولا يقول الولي للناس: اعلموا أني وليٌ، وأني أعلم كذا، وأعرف كذا، فإن هذا يريد من الناس أن يعتقدوا أنه وليّ حتى يتحسن له ما يكون في قلوبهم من المنزلة أو ما يتحصل له من أمور الدنيا، فهو دجال من الدجاجلة، فيجب أن يُحذر ويُعلم أنه ليس من أولياء الله، بل من أولياء الشيطان، فأولياء الله الذين تحدث لهم الكرامة ليس من شأنهم وليس من صنعهم أنهم يدعونها لأنفسهم، وإنما تحصل لهم إما بدعاء يدعونه الله جل وعلا لحاجة لهم أو لغيرهم فيحصل ذلك، أو بعمل يعملونه وليس لهم فيه دخل وإنما هو من توفيق الله، ثم هم لا يدعون الناس إلى أن يعتقدوا أنهم أولياء أو أنهم ينظرون إليهم، بل عندهم خوف من الله وازدراء لأنفسهم، ويود أحدهم أنه لا يكون له ذكر عند الناس أو شهرة، بل يود أن يكون مغمورًا لا يُعرف؛ لأنهم يقصدون ما عند الله، ولا يقصدون ما عند الناس.
فإذا قصد الإنسان ما عند الناس فمعنى ذلك: أنه يريد الدنيا، وهذا شرك بالله، ولا يكون من أولياء الله.
ومن ذلك أيضًا: ما سبق في الدرس الماضي من الخطوط والضرب والحصى، وكذلك ما يلتحق به ويسمونه: قراءة الكأس وقراءة الفنجان أو النظر في الأبراج أو ما أشبه ذلك، هذه كلها من أمور الجاهلية التي تدخل تحت النهي، فقد نهى الرسول ﷺ عن ذلك وقال: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ).
[ ٧٧ / ٣ ]
حكم إتيان العرافين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا)].
قوله ﷺ: (من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا)، العراف يطلق على الكاهن، ويطلق على الساحر، ويطلق على المنجم، ويطلق على الرمال الذي يخط الخطوط بالرمل، وعلى الذي يضرب بالحصى ونحو ذلك.
ومعنى ذلك: أن العراف هو: الذي يتعاطى معرفة الأشياء المستقبلية أو الأمور التي غابت عن الناس من سرقة الشيء أو كون الإنسان الغائب يحصل له كذا وكذا أو ما أشبه ذلك، فكل من كان بهذه الصفة فهو من العرافين.
وهنا يقول: (من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا) هذا الذي يأتي ويسأل لا تقبل صلاته أربعين يومًا، فكيف بالعراف نفسه؟! العراف نفسه أشد من هذا وأعظم؛ لأنه هو الذي يتعاطى هذه الأمور.
ومن المعلوم أن علم الغيب من خصائص الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٨].
فعلم الغيب خاص به جل وعلا، فهو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم كل شيء.
يقول جل وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] فهذا من خصائص الله، وعلم الغيب يجب ألا يكون لأحد من الناس، وإن اعتقد الإنسان أن أحدًا من الناس يعلم شيئًا من الغيب فقد جعل له شيئًا مما هو من خصائص الله، وهذا من هذا القبيل.
وكون هذا الذي يأتي إلى الكاهن لا تقبل له صلاة أربعين يومًا يقول العلماء: لا يلزم أن يكون مصدقًا له، حتى ولو أتاه مجرد إتيان لينظر ويسمع فإنه يدخل في هذا الوعيد، أما التصديق فإنه يلحقه به؛ لأنه يجعله راضيًا بفعله، وأنه يعتقد أنه صحيح، ومن اعتقد ذلك فهو مثله، فلا يجوز أن يأتي أحد إليه، وهذا لما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ سئل فقيل له: (إن أناسًا يأتون الكهان، فقال: لا تأتوهم) فلا يجوز أن يأتي أحد إليهم.
ومعنى كونها لا تقبل له صلاة أي: أنه لا يثاب عليها ولا يلزم إذا لم تقبل أنه يعيدها، حتى وإن أعادها فظاهر الحديث أنها لا تقبل منه، وهذا وعيد شديد على من يأتي الكهان.
ولا يجوز للمسلم أن يتساهل بأمر دينه وأمر الله جل وعلا وأمر رسوله ﷺ، فإن الأمر ما هو مجرد دنيا تؤخذ منك ثم تعوض أو لا تعوض عنها، والدين ليس شبيهًا بأمر الدنيا، فإن الله جل وعلا إذا توعد الإنسان بمثل هذا الوعيد فهو الذي يفعل ما يشاء تعالى وتقدس، ويجوز أن يكون هذا مقدمة لما هو أعظم منه وأشد؛ لأن الذنوب يجر بعضها بعضًا، وهي كما يقول العلماء: المعاصي بريد الكفر، والله جل وعلا يقول: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] والمعنى أنه إذا اكتسب الإنسان الذنوب وازدادت غطت على قلبه ثم يصبح قلبه ميتًا، لا يعرف المعروف ولا يحبه ولا يريده، بل يكون بعكس ذلك، وهذا يكون سببه أنه كسب الذنوب وأرادها.
[ ٧٧ / ٤ ]
استمتاع الجن والإنس بعضهم ببعض
قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء في الكهان ونحوهم.
الكاهن هو: الذي يأخذ عن مسترق السمع، وكانوا قبل المبعث كثيرًا وأما بعد المبعث فإنهم قليل؛ لأن الله تعالى حرس السماء بالشهب.
وأكثر ما يقع في هذه الأمة: ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس عن الأشياء الغائبة مما يقع في الأرض من الأخبار، فيظنه الجاهل كشفًا وكرامة.
وقد اغتر بذلك كثير من الناس يظنون المخبر لهم بذلك عن الجن وليًا لله، وهو من أولياء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨].
] الاستمتاع الذي ذكره الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ﴾ [الأنعام:١٢٨] استكثرتم يعني: أنكم أغويتم كثيرًا منهم، يعني: اتبعكم جُلّهم.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس:٦٢] يعني: أضل خلقًا كثيرًا.
قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] اتبعوه كلهم إلا فريق فقط.
ثم ذكر جل وعلا عن أوليائهم من الإنس فقال: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام:١٢٨] يعني: الإنس والجن جميعًا يجمعون ويلقون في النار، والاستمتاع المقصود به: طاعة الإنسي للجني أي: أنه يستمتع بطاعته وعبادته له، وقد يسجد له وقد يذبح له ذبيحة أو يقدم له طعامًا أو يفعل معصيةً بأمره، بأن يكتب آيات الله جل وعلا بالنجاسة، أو يعمل أعمالًا يكون فيها استهزاء بالدين أو بالله أو بالرسول ﷺ، فيطيعه الشيطان؛ لأنه أطاعه وفعل ما يريد.
وأما استمتاع الإنسي بالجني فإنه بالأخبار التي يأتيه بها، وما يخبره من أمور غائبة، والأمور الغائبة طريقتها مثل ما قلنا: إن بعض الجن يتصل ببعض قرناء الإنس؛ لأن كل إنسان معه قرينه من الجن، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ، فيسأل بعضهم بعضًا، ويأتون بالخبر الذي يكون غائبًا عن الإنسان، فيتصور السامع أن هذا الذي يخبره بذلك يعرف المغيبات، ويصدقه بسبب ذلك.
وأما كون السماء حرست بعد المبعث فهذا كان في وقت نزول الوحي، أما الآن فيمكن للجني أن يأتي إلى وليه من الإنس بخبر يكون فيه صدق، ولكنه يكذب معه مائة كذبة، كما قال الرسول ﷺ.
قال المصنف ﵀: [قوله: وروى مسلم في الصحيح عن بعض أزواج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا)].
هكذا في صحيح مسلم.
أما قوله: (فصدقه) فهذا خطأ من الناسخ أو من الطابع، وليس في صحيح مسلم: (فصدقه).
قوله: (من أتى عرافًا - يعني: لمجرد سؤال- لم تقبل له صلاة أربعين يومًا).
أما تصديقه فسيأتي أنه كفر: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ).
فترتب على إتيانه عدم قبول الصلاة، وهذا خطر عظيم جدًا، وكثير من الناس يغتر بهذه الأشياء، وكل من تعاطى شيئًا مما ذكر فهو داخل في ذلك، وذلك أنه يجب أن يعتقد المؤمن أن الغيب لله جل وعلا وحده، وأنه لا أحد يطلع على الغيب، والغيب قسمان: غيب مطلق لا أحد يعرف منه شيئًا إلا الله جل وعلا.
وغيب نسبي، فكل ما غاب عن الإنسان فهو غيب بالنسبة إليه، ولكن قد يطلع عليه غيره فيكون بالنسبة للمطلع ليس غيبًا، فإذا أخبر ذلك المطلع من غاب عنه ثم أخبر الذي يجهله ظن أنه يعرف المغيبات فيهلك بذلك.
[ ٧٧ / ٥ ]
هل يكفر من أتى كاهنًا أو عرافًا؟
قال الشارح ﵀: [قوله: (وعن بعض أزواج النبي ﷺ) هي حفصة، ذكره أبو مسعود الدمشقي؛ لأنه ذكر هذا الحديث في الأطراف في مسندها.
قوله: (من أتى عرافًا) سيأتي بيان العراف إن شاء الله تعالى.
وظاهر هذا الحديث أن الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره، فإن في بعض روايات الصحيح: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة).
وقوله: (لم تقبل له صلاة): إذا كانت هذه حال السائل فكيف بالمسئول؟ قال النووي وغيره: معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة بسقوط الفرض عنه، ولابد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة، انتهى ملخصًا].
وكذلك لا يدل على أنه يكون كافرًا بأنه قال: (لا تقبل منه صلاة)، ومعلوم أن الكافر لا يقبل منه أي عمل.
بقوله: (لا تقبل منه صلاة أربعين يومًا) أي: أنه ضيعها أربعين يومًا، مما يدل على أنه مسلم، ولكنه مرتب عليه هذا الوعيد.
أما العراف فله حكم آخر، وهو أنه يكون كافرًا بما أنزل على محمد ﷺ، والذي أنزل عليه هو الدين الإسلامي، ثم سيأتي أن الإتيان إليه وتصديقه بقوله أمر فوق هذا وأنه يلتحق به.
وأما كونه لابد من تأويله فهو معني بغاية: (لا تقبل له صلاة أربعين يومًا) فدل هذا على أنه مسلم باقٍ على إسلامه، إلا أنه عوقب بعدم قبول صلاته أربعين يومًا، فهذا عقاب لإتيانه إلى هذا العراف.
[وفي الحديث: النهي عن إتيان الكاهن ونحوه.
قال القرطبي: يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئًا من ذلك من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير].
يعني: الذي نُصب للاحتساب والاحتكام وطلب الأجر من الله جل وعلا، وهذا يسمى (المحتسب)؛ لأنه يعمل الأعمال احتسابًا لله جل وعلا، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذه كانت عادة السلف أنهم يحتسبون في الأمر، فإذا رأوا المنكر الذي يخالف الحق أنكروه وغيروه إما بالقول وإما بالفعل، فهذا من المنكرات الظاهرة التي يجب إنكارها، فمن استطاع أن ينكر ذلك أنكره، وإذا كان لهم مجالس يقيمهم من مجالسهم إذا كان يستطيع، وإذا كان يأتيهم الناس يمنع الذين يأتون إليهم إذا كان يستطيع.
فمعنى ذلك: أن هذا من المنكرات الظاهرة التي يجب ألا تقر ولا تترك في بلاد المسلمين، ولا يترك من يكون جاهلًا يأتي إليهم، لهذا الوعيد الذي رتب على ذلك.
[من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئًا من ذلك من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينتسب إلى العلم؛ فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور].
[ ٧٧ / ٦ ]
شرح حديث: (من أتى كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) رواه أبو داود.
] هذا الإتيان قيد بالتصديق: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ).
عندنا مسألتان: المسألة الأولى: من أتى كاهنًا لم تقبل له صلاة أربعين يومًا.
المسألة الثانية: من أتاه فسأله فصدقه فإن هذا كافر بما أنزل على محمد ﷺ.
فتصديقه سيجعله مشاركًا له في عمله، ويجعله معتقدًا صحة قوله، والواجب أن يعتقد أنه باطل وأنه ضلال، ولو صدق مرة أو مرات فإما أن يكون موافقًا للقدر فقط أو يكون عن طريق إتيان الشيطان له بهذا الخبر الذي استرقه من الملائكة؛ لأن الله يأمر ملائكته بتدبير أمور خلقه، فيأتون ويتكلمون إما بإنزال المطر وأنه سينزل في يوم كذا على مكان كذا، أو -مثلًا- بموت رجل وأنه سيموت في كذا، أو بولادة رجل لفلان، أو بأمر من الأمور وأنه سيحدث كذا وكذا، فيأتي ويسترق هذا الشيطان ما سمعه من الملك ويأتي به فرحًا إلى وليه من الإنس؛ فينشره بين الناس ويغتر الجهلة في ذلك.
والمقصود بهذا: أن مجرد الإتيان إلى الكاهن من أصله محرم ولو لم يصدق، إلا إذا أتى إليه لينكر عليه ويبين بطلان ما هو فيه، ويبين للناس لئلا يغتروا به.
ومثل هذا يأتي للإنكار وليس للموافقة، أما إذا جاء ليتفرج وليسمع ولينظر فإنه داخل في الوعيد.
أما إذا جاء يسأله فقط سواءً صدق أو لم يصدق فإنه يكون كافرًا بما أنزل على محمد ﷺ؛ لأن معنى سؤاله إقرار له، ومعنى ذلك: أن عنده شكًا، هل هو صادق أو غير صادق؟ والواجب ألا يكون عنده شك، بل يجب أن يجزم أنه باطل، وأنه ليس بشيء، وإنما هو من باب الدجل والتلبيس على الناس وإضلالهم.
قال المصنف ﵀: [وللأربعة والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما عن أبي هريرة ﵁: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ولـ أبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا].
الذي أنزل على محمد ﷺ هو القرآن والوحي مطلقًا، كل ما أوحاه الله إليه من تكليف عباده من أمرهم ونهيهم كله أنزل عليه، ومعنى (كفر بما أنزل على محمد): أنه كافر بالدين الإسلامي -نسأل الله العافية- ثم هذا الكفر هل هو كفر صريح مخرج من الدين أو أنه كفر دون كفر؟ الأفضل أنه لا يتكلم فيه، يقول الإمام أحمد: (يجب ألا نتكلم فيه، ونتركه كما قال الرسول ﷺ) وأما كوننا نقول: إنه كفر دون كفر أو إنه كفر مخرج من الدين الإسلامي فهذا فيه شيء من الخطورة، وهو أننا عينا شيئًا ما ندري هل أراده الرسول ﷺ أم أنه أراد غير ما عيناه! فيترك على ما قاله الرسول ﷺ، ونقول: إنه كفر ونسكت، وأمره إلى الله جل وعلا.
قال الشارح ﵀: [قوله: وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) رواه أبو داود، وفي رواية أبي داود: (أو أتى امرأةً -قال مسدد: امرأته- في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ).
فناقل هذا الحديث من السنن حذف منه هذه الجملة، واقتصر على ما يناسب الترجمة].
هذا الحديث قالوا: إنه ضعيف، بل قالوا: انه منكر.
والصواب: أنه ليس منكرًا؛ لأن له شواهد كثيرة، وإنما المنكر لفظ: (من أتى حائضًا).
أما إتيان المرأة في دبرها فقد جاءت الآثار عن الرسول ﷺ وكذلك عن الصحابة: أن من فعل ذلك فإنه متوعد بوعيد شديد.
وقد سئل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها؟ فقال: أتسألني عن الكفر؟! وجعل هذا كفرًا.
وكذلك جاء: (من أتى امرأةً في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ).
ومعلوم أن هذا من أعظم المحرمات، والله جل وعلا يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] ومعلوم أن محل الحرث هو الفرج وليس الحش محل النجس الخبيث، فهذا لا يجوز أن يؤتى.
وجاء في الحديث: (إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن أو في حشوشهن) فالنهي عن ذلك صحيح ثابت.
وكذلك الحائض؛ فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فهذا قول ربنا جل وعلا، وأقل ما يقال: إنه محرم من المحرمات، ولا يجوز للإنسان أن يرتكب ما نهاه الله عنه.
وأما إتيان الكاهن ففيه أحاديث كثيرة، وكونه حكم على المتن أنه منكر ليس مسلمًا، بل توجد أحاديث تعضده وتسنده، والمنكر هو: الذي يخالف الصحيح، ويخالف ما هو ثابت، وهذا لم يخالف، بل وافق ما هو ثابت عن النبي ﷺ.
قال الشارح ﵀: [قوله: وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) هكذا بيّض المصنف اسم الراوي، وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا.
قوله: من أتى كاهنًا قال بعضهم: لا تعارض بين هذا وبين حديث: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) هذا على قول من يقول: هو كفر دون كفر.
أما على قول من يقول بظاهر الحديث فيسأل عن وجه الجمع بين الحديثين!].
وجه الجمع بين الحديثين أن الأول مجرد إتيان، والثاني إتيان وسؤال، وقد ينضاف إلى السؤال تصديق، ففرق بين هذا وهذا، فإذا كان فيه سؤال وتصديق فهذا كفر، أما إذا كان مجرد إتيان فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يومًا.
قال الشارح ﵀: [وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، وكان غالب الكهان قبل النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين.
قوله: (فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) قال القرطبي: المراد بالمنزل: الكتاب والسنة.
انتهى.
وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة أم يتوقف فيه فلا يقال: يخرج عن الملة ولا لا يخرج؟
الجواب
يتوقف، وهذا هو أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ أبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا].
قال الشارح ﵀: [قوله ولـ أبي يعلى اسمه: أحمد بن علي بن المثنى الموصلي الإمام صاحب التصانيف كالمسند وغيره، روى عن يحيى بن معين وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة وخلق، وكان من الأئمة الحفاظ، مات سنة سبع وثلاثمائة، وهذا الأثر رواه البزار أيضًا ولفظه: (من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ).
وفيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب، وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضًا].
[ ٧٧ / ٧ ]
شرح حديث: (ليس منا من تطير أو تطير له)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عمران بن حصين مرفوعًا: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سَحر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: (ومن أتى) إلى آخره].
يقول العلماء: من الضوابط التي تضبط بها الكبيرة: أن يقال على فعل من الأفعال: من فعل هذا فليس منا، أو إنه ملعون، أو من فعل ذلك فأنا منه بريء، كما قال ﷺ: (أنا بريء من مسلم بات بين ظهراني المشركين).
فهذا مما يقال: إنه من الكبائر.
وقوله ﷺ: (ليس منا تطير أو تطير له).
التطير هو: التشاؤم بفعل الطيور، وقد يكون بفعل الحيوانات، وقد يكون بفعل الآدميين ورؤيتهم، فبعض الناس إذا خرج فقابله إنسان إما به عور بأحدى عينيه يتشاءم منه ويرجع، أو يرى أعرج أو مريضًا أو ما أشبه ذلك فيتشاءم بذلك ويرجع عن حاجته التي خرج من أجلها، أو يرى عكس ذلك فيذهب معتمدًا على هذا، ويعتقد أنه سيصيب بغيته.
فالتطير من الشرك؛ لأن المخلوق ما يتصرف في النفع والضر والإيجاد والإعدام، وإنما الأمور بيد الله جل وعلا، والمسلم يجب أن يكون متوكلًا على الله ولا يثنيه عن مراده ما يسمع أو يرى، فعليه ألا يلتفت إلى ذلك.
كان رجل جالسًا عند ابن عباس ﵁ فجاء غراب ينعق فقال الرجل: خير خير، فأنكر عليه ابن عباس وقال: ويحك! وأي شيء عند هذا؟ أي: أنه لا خير عنده ولا شر.
فلا يجوز أن يتعلق الإنسان بشيء من هذه الأشياء، فإن هذا من أمر الجاهلية.
قوله: (ليس منا من تَطير) يعني: فعل ذلك بنفسه، (أو تُطير له) يعني: أمر من يفعل له ذلك واستمع إليه، وكذلك: (ليس منا من سحر أو سحر له) يعني: من فعل السحر أو أمر ساحرًا أن يفعل له السحر، فإنه يكون مثله سواء.
كذلك غير ذلك من الأمور التي يشترك الفاعل والراضي بها فهما سواء، فإن الراضي بالفعل يكون شريكًا للفاعل، وهذا مطلق في كل منكر، بل وفي كل خير.
فالراضي يكون مشاركًا لمن فعله، وقد يكون مساويًا له في الإثم.
وأما كون الإنسان يتطير له، فقد يكون الإنسان لا يحسن التطير، فيأمر من يحسن ذلك أن يتطير له ويستمع له ويعمل به.
فأقل ما يقال فيه: إنه مرتكب جرمًا يستحق عليه العذاب؛ لأنه قال: (ليس منا) وإلا فظاهره أنه كفر؛ لأن الذي ليس من المسلمين فهو من الكافرين، هذا هو ظاهر اللفظ، ولكن هو مثل قوله ﷺ: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر) فنقول: نطلق هذا القول كما قاله الرسول ﷺ، ونسكت، ويجوز أن يكون المراد به الخروج من الدين، ويجوز أن يكون المراد به أقل من ذلك، والله أعلم.
والواجب أن يترك كما قاله الرسول ﷺ لأمور: الأمر الأول: أن هذا أدعى للانزجار والابتعاد عن اقتراف هذه المعاصي، بخلاف ما إذا فسرناه تفسيرًا يقلل من الإثم، فإنه قد يجترئ عليه، وهذا أمر مقصود للمتكلم، ولا يجوز تهوين الأمر على خلاف ما قاله المتكلم.
الأمر الثاني: الذي يتكلم بهذا ليس متيقنًا بالمعنى، فعنده شك، ويكون في خطورة؛ لأنه قال على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولا يجوز للإنسان أن يقول في مسائل العلم إلا عن علم واعتماد على دليل، وهذا الدليل محتمل كذا يحتمل كذا، فيتعين أن يترك على ظاهره.
فهذان الأمران يكفيان في كون الإنسان يتوقف في هذا، وهذا القول هو اختيار كثير من الأئمة.
وجمهور العلماء -كما قال النووي ﵀- يتأولون ذلك.
[قوله: (ليس منا) فيه: وعيد شديد يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، وتقدم أن الكهانة والسحر كفر.
قوله: (من تطير) أي: فعل الطيرة، (أو تطير له) أي: قبل قول المتطير له وتابعه، وكذا معنى: (أو تكهن أو تكهن له) كالذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه، وكذلك من عمل الساحر له السحر.
فكل من تلقى هذه الأمور عمن تعاطها فقد بريء منه رسول الله ﷺ؛ لكونها إما شركًا كالطيرة، أو كفرًا كالكهانة والسحر.
فمن رضي بذلك وتابع عليه فهو كالفاعل؛ لقبوله الباطل واتباعه.
قوله: (رواه البزار) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار البصري صاحب المسند الكبير.
وروى عن ابن بشار وابن المثنى وخلق، مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين].
[ ٧٧ / ٨ ]
تعريف العرَّاف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن، والكاهن هو: الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق].
يعني: الذي يتكلم بمعرفة الأمور الغائبة فهو من العرافين، وسمي عرافًا؛ لأنه يزعم أنه يعرف الشيء الغائب.
والطرق التي يأتي بها مختلفة، فبأي طريقة أتى بها سواءً باتصاله بالجن أو بضربه بالرمل أو بالحصى أو بالودع أو بالخطوط أو بالنظر في النجوم أو بالحدس والتخمين أو بغير ذلك فإن كل هذه المقدمات التي يفعلها ليس فيها دليل، وهي محرمة، وإذا تعاطى ذلك فإنه داخل في العرافة، ويشمله الوعيد الذي جاءت به النصوص.
قال الشارح ﵀: [قوله: قال البغوي إلى آخره: البغوي -بفتحتين- هو الحسين بن مسعود الفرَّاء الشافعي، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان، كان ثقةً فقيهًا زاهدًا، مات في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى.
قوله: (العراف: الذي يدعي معرفة الأمور) ظاهره أن العراف هو الذي يخبر عن الوقائع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها].
ولا يدخل في هذا القافة الذين لهم أصل في معرفة الأثر فقط؛ لأنهم يعرفون الآثار بخاصية أعطاهم الله جل وعلا إياها، فإنه إذا رأى أثر الإنسان ثم رآه عرف أن هذه أثره، ويجزم بذلك، وكذلك إذا رأى قدميه يعرف أن هذه القدم شبيهة بالقدم الأخرى أو أنها منها.
فإنه ثبت في الصحيح: أن مجززًا دخل على النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة وأسامة نائمين وملتحفين بقطيفة، وقد خرجت أقدامهما، فحضر إليهما وقال: هذه الأقدام بعضها من بعض، ففرح الرسول ﷺ بهذا، وذلك أن زيدًا كان يخالف أسامة في اللون، وكان بعض الناس يقول: إنه ليس ابنه، ولما قال ذلك فرح به رسول الله ﷺ، والرسول ﷺ لا يفرح بباطل.
فهذا في شيء معين، وليس هو كما يدعيه العراف، فالقائف إما أن يرى الأثر فيعلم إذا رأى الإنسان أنه صاحب هذا الأثر، أو يرى قدمًا أو يرى وجهًا أو ما أشبه ذلك فيجزم أن هذا قريب هذا بالشبه الذي أعطي خاصيةً في معرفته.
[ ٧٧ / ٩ ]
مدعي الولاية ليس بولي
قال الشارح ﵀: [وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف.
وقال أيضًا: والمنجم يدخل في اسم العراف وعند بعضهم هو معناه.
وقال أيضًا: والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن العرب.
وعند آخرين: هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالًا منه، فيلحق به من جهة المعنى.
وقال الإمام أحمد: العرافة: طرف من السحر، والساحر أخبث.
وقال أبو السعادات: العراف والمنجم والحازر: الذي يدعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه: عائفًا وعرافًا.
والمقصود من هذا: معرفة من يدعي معرفة علم شيء من المغيبات فهو إما داخل في اسم الكاهن وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية.
ونعني بالجاهلية: كل من ليس من أتباع الرسل ﵈ كالفلاسفة والكهان والمنجمين وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي ﷺ، فإن هذه علوم لقوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل صلوات الله عليهم.
وكل هذه الأمور يسمى صاحبها: كاهنًا وعرافًا أو في معناهما، فمن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد، وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وادعوا أنهم أولياء، وأن ذلك كرامة.
ولا ريب أن من ادعى الولاية واستدل بإخباره ببعض المغيبات فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، إذ الكرامة أمر يجريها الله على يد عبده المؤمن التقي إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها، بخلاف من يدعي أنه ولي ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن هذه الأمور قد تحصل لما ذكرنا من الأسباب، وإن كانت أسبابًا محرمةً كاذبةً في الغالب.
ولهذا قال النبي ﷺ في وصف الكهان: (فيكذبون معها مائة كذبة) فبين أنهم يصدقون مرةً ويكذبون مائة.
وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دليل على كذبه؛ لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]، وليس هذا من شأن الأولياء، فإن شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها، وخوفهم من ربهم، فكيف يأتون الناس ويقولون: اعرفوا أننا أولياء، وأنا نعلم الغيب؟! وفي ضمن ذلك طلب المنزلة في قلوب الخلق واقتناص الدنيا بهذه الأمور.
وحسبك بحال الصحابة والتابعين ﵃ وهم سادات الأولياء، أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات شيء؟ لا والله! بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن كـ الصديق ﵁، وكان عمر ﵁ يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وكان يمر بالآية في ورده من الليل فيمرض منها ليالي يعودونه، وكان تميم الداري يتقلب على فراشه ولا يستطيع النوم إلا قليلًا خوفًا من النار ثم يقوم إلى صلاته.
ويكفيك في صفات الأولياء ما ذكره الله تعالى في صفاتهم في سورة الرعد والمؤمنون والفرقان والذاريات والطور، فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء، لا أهل الدعوى والكذب ومنازعة رب العالمين فيما اختص به من الكبرياء والعظمة وعلم الغيب، بل مجرد دعواه علم الغيب كفر].
قوله: (كان يمر بالآية في ورده فيمرض فيعاد) هذا غير صحيح، ولم يثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم: أن أحدهم إذا سمع آيةً يصعق أو يغشى عليه أو يمرض، بل كان الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال، وكانت خشية الله وخوفه عندهم متأصلة، ويتأثرون بذلك كما يتأثر من جاء بعدهم، فالصحيح أنه لم يثبت ذلك عنهم.
وأما كونهم يبكون فهذا ثابت عنهم، وقد ثبت أن عمر ﵁ قرأ في صلاة الفجر سورة يوسف فلماء جاء إلى قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] صار له نشيج يُسمع من خلف الصفوف يعني: أنه رأى أنها تنطبق عليه.
وكذلك كان الرسول ﷺ في سجود وفي قراءته يُسمع في صدره أزيز.
أما البكاء بالصوت ورفعه كما يقع لبعض الناس بكاء وصراخ فهذا ما كان يحدث عندهم، وليس هذا من طريقة المؤمنين، بل كانت أعينهم تدمع، وقلوبهم تخشع، أما التصويت والنشيج والبكاء الذي يكون بأصوات فما كان يحدث لهم، فضلًا عما ذكر من أنه يمرض أحدهم، كل هذا لم يحدث لأحد منهم، وإنما هذا وقع في المتأخرين من التابعين وأتباعهم، وربما بعضهم إذا سمع آية يصعق ويموت.
وقد ذكر أن إنسانًا قرأ عند أحد الخائفين آيةً من كتاب الله فصار له صراخ حتى فقد الحركة، فنظروا إليه فإذا هو قد مات، وهذا كثر في أتباع التابعين، أما في الصحابة فلا وجود له.
ولا شك أن الصحابة أكمل الناس إيمانًا، وأتمهم علمًا، وأزكاهم عقولًا، فهم أفضل الناس بعد الأنبياء، كما قال الرسول ﷺ: (خير الناس من بعثت فيهم)، وقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وكان يحذر ﷺ من الكلام في الصحابة، كما قال ﷺ: (الله الله في أصحابي! لا تتخذونهم غرضًا بعدي)، وكان يوصي بحفظ سابقتهم وحفظ ما لهم عند الله جل وعلا.
وكذلك ربنا جل وعلا وصف الذين يأتون من بعدهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
وأخبر جل وعلا أن الذي يغيظه شأن الصحابة ليس من المؤمنين كما قال جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: أن أفعالهم تغيظ الكفار.
ولهذا يقول الإمام مالك ﵀: (من غاظه شأن الصحابة فليس له نصيب من الفيء؛ لأنه ليس من المؤمنين).
فالواجب أن يعرف حقهم؛ لكون الرسول ﷺ رباهم، وكونهم أخذوا العلم عنه، وجاهدوا بين يديه، ونشروا الدين الإسلامي، وعن طريقهم جاءنا الدين، وما عرفنا الإسلام إلا عن طريقهم؛ لأنهم هم الذين نقلوا إلينا ما بلغهم إياه رسولنا ﷺ.
قال المصنف ﵀: [فكيف يكون المدعي لذلك وليًا لله؟! ولقد عظم الضرر واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذي ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ولبسوا بها على خفافيش القلوب، نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة].
[ ٧٧ / ١٠ ]
حكم الذين يكتبون أباجاد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس في قوم يكتبون أباجاد وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق].
هذا الأثر عن ابن عباس رواه عبد الرزاق في المصنف، ومعنى ذلك: أن الذين يكتبون أباجاد وينظرون في النجوم يستدلون على الحروف بالأمور المستقبلة التي ستأتي، وهذا هو المسمى عند بعض الناس: علم الحروف، وعلوم الحروف يفعلونها دليلًا على المغيبات.
قال الشارح ﵀: [قوله: (وقال ابن عباس إلى آخره)، هذا الأثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا وإسناده ضعيف، ولفظه: (رب معلم حروف أبي جاد، دارس في النجوم، ليس له عند الله خلاق يوم القيامة).
ورواه حميد بن زنجويه عنه بلفظ: (رب ناظر في النجوم، ومتعلم حروف أبي جاد، ليس له عند الله خلاق).
وقوله: (ما أرى) يجوز فتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، ويجوز ضمها بمعنى: لا أظن.
وكتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب هو الذي يسمى: علم الحرف، وهو الذي جاء به الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به.
قوله: (وينظرون في النجوم) أي: ويعتقدون أن لها تأثيرًا، كما سيأتي في باب التنجيم: وفيه من الفوائد عدم الاغترار بما يؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣].
[ ٧٧ / ١١ ]
مسائل باب ما جاء في الكهان ونحوهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن].
يعني: قوله: (فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) فدل على أنه لا يجتمع الإيمان بالكاهن وتصديقه مع الإيمان بالله جل وعلا، وهذا يدلنا على أن المؤلف ﵀ يرى أنه على ظاهره.
[المسألة الثانية: التصريح بأنه كفر.
المسألة الثالثة: ذكر من تكهن له].
يعني: الذي يتكهن له مثل الكاهن.
[المسألة الرابعة: ذكر من تطير له.
المسألة الخامسة: ذكر من سحر له.
المسألة السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد] أي: تعلمه لأجل النظر في علم الغيب، وليس لحساب الجمل، فإن هذا لا بأس به.
[المسألة السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف].
[ ٧٧ / ١٢ ]