إن من أعظم معالم الدين الإسلامي: المحبة في الله، وهي التي يرجى بها الأجر والثواب من الله ﷿، لأنها لم تكن لأمر دنيوي، أو غرض شخصي.
ومن المعالم أيضًا: الولاء لأولياء الله تعالى، والبراء من كل أعدائه ﷿، وبهذا تنال ولاية الله، ولن يجد عبد طعم الإيمان -وإن كثرت صلاته وصومه- حتى يعقد الولاء لأولياء الله، والبراء من أعدائه.
[ ٨٧ / ١ ]
أثر ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا) رواه ابن جرير].
قال ابن عباس هذا وهو في آخر حياته ﵁، وقوله هذا بالنسبة لمن في وقته إلى ما كان عليه الصحابة زمن رسول الله ﷺ؛ لأنهم كانوا على جانب عظيم من محبة الله جل وعلا، ومن المؤاخاة في الله جل وعلا، قال عبد الله بن عمر: (ما كان أحدنا يرى أنه أحق بدرهمه من أخيه)، والله جل وعلا يقول في كتابه في وصفهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] أي: أنهم يقدمون غيرهم على ما يحتاجونه، ويعطونهم إياه وهم بحاجة إليه، ولكنهم يطلبون رضوان الله جل وعلا، وقوله: (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) يعني: ولو كان بهم الحاجة والفاقة إلى هذا الشيء، ومع ذلك يبذلونه حبًا لطاعة الله جل وعلا وامتثال أمره، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتحابون في الله أعظم المحبة، وكانت موالاتهم في الله وليس لشيء آخر.
وكذلك إذا أبغضوا أحدًا فبغضهم لله، فيبغضون من كان عنده كفر أو فسق، فيبغضه الواحد منهم من أجل ذلك ولو كان قريبه، وهذا أمر لابد منه، وهو من واجب الإيمان؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، ومن أقرب من الابن والأب من الناس؟! فإذا كان عدوًا لله فيجب أن تعاديه، ولا يكون بينك وبينه مودة، فالمودة إنما تكون لله جل وعلا، قال ابن عباس: ولا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولو كثرت صلاة الإنسان وصومه فلن يجد طعم الإيمان- حتى يحب لله، ويبغض لله، ويعادي لله، ويوالي لله.
فالأصل ليس كثرة الصلاة والصوم، الأصل هو الحب الذي هو العبودية لله، فلابد للعبد أن يحب من يحبه الله ويبغض من يبغضه الله، هذا شيء لابد منه؛ لأن هذه فروع محبة الله، ولا يمكن أن يقول الإنسان: أنا أحب ربي، وهو يوالي عدو الله! مستحيل أن يدعي الإنسان المحبة ويكون حليفًا لعدوه، هذا لا يمكن؛ ولهذا حذرنا الله جل وعلا كثيرًا من موالاة الكفار فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، وقد ذكر جل وعلا ما وقع من بعض الصحابة وهي واقعة قد يتصور الإنسان أنها سهلة وليست بشيء، ولكنها عظيمة جدًا أنزل الله فيها قرآنًا يتلى، وهي قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁، فلما أراد الرسول ﷺ أن يغزو قريشًا لما نقضوا العهد الذي بينهم وبينه، فدعى ربه: (اللهم عم عليهم أخبارنا حتى نبغتهم)، وصار يسأل عن الطرق التي في شمال المدينة، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا أرسله إلى قريش فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، أما بعد: فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش لا قبل لكم به.
وهذا فيه إنذار بالواقع لهم، ومع ذلك جاءه الخبر من السماء بأن كتابًا أرسل مع امرأة، وهي في مكان كذا وكذا؛ فأمر ﷺ علي بن أبي طالب والزبير وقال: (ستجدان ظعينة في روضة خاخ معها كتاب فائتياني به).
فذهبا فوجدا المرأة معها غنم، فسألاها الكتاب، قالت: ليس معي كتاب، قالا لها: والله ما كَذبنا ولا كُذبنا، والله لتخرجن الكتاب أو لننزعن الثياب -يعني: نجردك من ثيابك ونبحث، فالكتاب معك ولابد- فلما رأت الجد أخرجت الكتاب من عقيصتها -يعني: وضعت الكتاب في رأسها، وظفرت عليه شعرها- فأخرجته ودفعته إليهما.
فدعاه الرسول ﷺ، وقال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي، والله ليس بي شك، وإني أعلم أن الله سينصرك، وأن هذا الكتاب لا ينفع قريشًا، ولكني رجل غريب في قريش، وكل من معك لهم أقارب في مكة، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا مع علمي أنه لا يضرك ولا يضر المسلمين، فقال عمر: دعني أضرب عنقه، فقال له ﷺ: (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، عند ذلك ذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
والمقصود بهذه القضية: نزول قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة:١] إلى آخر الآيات، ثم ختمت السورة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣].
فبدئت السورة بالنهي عن موالاة الكفار، وختمت بالنهي عن ذلك، وفيها: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]؛فلابد أن يكون لكم أسوة في هؤلاء الأكارم الأطايب، وأن تقولوا مثلما قالوا، وهذه من آخر ما نزل من السور.
[ ٨٧ / ٢ ]
الولاء والبراء في الإسلام
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط.
قوله: (من أحب في الله) أي: أحب أهل الإيمان بالله وطاعته من أجل ذلك.
قوله: (وأبغض في الله) أي: أبغض من كفر بالله وأشرك به، وفسق عن طاعته؛ لأجل ما فعلوه مما يسخط الله وإن كانوا أقرب الناس إليه، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢].
قوله: (ووالى في الله).
هذا والذي قبله من لوازم محبة العبد لله تعالى، فمن أحب فيه، والى أولياءه، وعادى أهل معصيته وأبغضهم، وجاهد أعداءه، ونصر أنصاره.
وكلما قويت محبة العبد لله في قلبه قويت هذه الأعمال المترتبة عليها، وبكمالها يكمل توحيد العبد، ويكون ضعفها على قدر ضعف محبة العبد لربه؛ فمقل ومستكثر ومحروم.
قوله: (فإنما تنال ولاية الله بذلك) أي: توليه لعبده، و(ولاية) بفتح الواو لا غير، أي: الأخوة والمحبة والنصرة، وبالكسر الإمارة، والمراد هنا الأول، ولـ أحمد والطبراني عن النبي ﷺ قال: (لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله، ويبغض لله؛ فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاية لله)، وفي حديث آخر: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله ﷿) رواه الطبراني.
قوله: (ولن يجد عبد طعم الإيمان) إلى آخره.
أي: لا يحصل له ذوق الإيمان ولذته وسروره وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، أي: حتى يحب في الله، ويبغض في الله، ويعادي في الله، ويوالي فيه.
وفي حديث أبي أمامة مرفوعًا: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) رواه أبو داود.
قوله: (وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا) أي: لا ينفعهم بل يضرهم، كما قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فإذا كانت البلوى قد عمت بهذا في زمن ابن عباس خير القرون، فما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة؛ حتى وقعت الموالاة على الشرك والبدع والفسوق والعصيان، وقد وقع ما أخبر به ﷺ بقوله: (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ)، وقد كان الصحابة ﵃ من المهاجرين والأنصار في عهد نبيهم ﷺ وعهد أبي بكر وعمر ﵄ يؤثر بعضهم بعضًا على نفسه؛ محبة في الله وتقربًا إليه، كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، وعن ابن عمر ﵄ قال: (لقد رأيتنا على عهد رسول الله ﷺ وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم) رواه ابن ماجة].
المؤمن يجب أن يكون وليًا لله جل وعلا، فقد والى الله جل وعلا بين عباده؛ حيث جعل بعضهم أولياء للرحمن وعبادًا له، وبعضهم أولياء للشيطان وعبادًا له، والفريقان بينهما معاداة ولابد، ولا يمكن أن تكون مصالحة بين أولياء الله وأعدائه من أولياء الشيطان، وقد بين ذلك جل وعلا في آيات كثيرة، وحذر من أن يركن المسلم المؤمن إلى الذين كفروا، فإنه إذا ركن إليهم مسته النار.
والولاية هي المناصرة والمودة والإخاء، والمؤمن لا يكون مؤاخيًا لعدو الله ولا مناصرًا له ولا مساعدًا، وكان الرسول ﷺ يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك أن يكون لفاجر علي منة فيوده قلبي)، فهو يسأل ربه ألا يكون هناك سبب من الأسباب التي قد تجلب المودة للفجار، الذين هم أعداء الله جل وعلا.
وقد علم بالطبع والواقع أنه إذا كان الإنسان له صديق حميم، وهذا الصديق الحميم له عدو، فكونه يذهب يصادق عدوه فهذا منافٍِ للمحبة، ولا يمكن وجود المحبة في مثل ذلك، بل تكون المقاطعة.
وليس بين العباد وبين الله جل وعلا صلة أو نسب إلا بطاعته واتباع أمره واجتناب نهيه، وطاعته أن يكون المؤمن متوليًا لله جل وعلا والمؤمنين، يتولى الله ورسوله والمؤمنين، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥]، هذه هي الموالاة، والموالاة أن يكون الرجل مواليًا للآخر ومحبًا له ومساعدًا له ومناصرًا له، وليس للبغضاء والعداوة مدخل فيهم إلا إذا مالوا إلى الدنيا، وتركوا هذا المبدأ، عندها يأتي الشيطان.
وسبق أن الحب لله والبغض لله تابع لمحبة الله جل وعلا، يكمل بكمال محبة العبد لله، ويضعف بضعف محبة العبد لربه جل وعلا، فكلما كانت محبة العبد لله جل وعلا أكمل فإنه يحب أهل طاعته أكثر، ويبغض أهل معاصيه ومخالفاته أكثر، وينفر منهم.
فإذا وجدت من إنسان عدم المحبة للمؤمنين وأولياء الله، فمعنى ذلك: أن محبة الله لا وجود لها، أو أنها ضعيفة لا أثر لها، وكذلك بالعكس: إذا وجدت محبة أعدائه وموالاتهم، فإما أن تكون محبة الله معدومة عند الإنسان أو تكون ضعيفة ليس لها أثر، وإذا كانت ضعيفة قد تنفع وقد لا تنفع، وإذا رجع إلى ربه جل وعلا وتاب وأقلع عما هو فيه؛ فالله كريم، يقبل توبة عبده إذا تاب، أما إذا بقي على ذلك فهذه ظاهرة مخالفة لله جل وعلا، وكم جاء في القرآن التحذير من هذا، آثات كثيرة جدًا، وتقدم أن من علامة ولاية الله أن يبغض العبد كل من كان عدوًا لله ولو كان أباه أو ابنه أو زوجه أو أخاه.
هذا لو كان أقرب الناس إليه فكيف بالأبعدين؟! فهذا أمر لازم، وليس هذا من باب الاستحباب بل الوجوب الذي هو من الإيمان بالله جل وعلا، ولهذا قال الله جل وعلا الإيمان وقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢].
[ ٨٧ / ٣ ]
علاقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالولاء والبراء
كل من خالف وارتكب معاصي الله جل وعلا عمدًا فإنه ممن حاد الله، والإنسان حده أن يكون عبدًا لله، فإذا خرج عن عبودية الله فقد خرج عن حده.
فالطاعة لها حد، والمعصية لها حد، والشرع له حدود، فكلما كان الإنسان ممتثلًا لأمر الله جل وعلا فإنه واقف عند حدود الله، أي: أنه عبد لله تعالى ما فعل الواجب وترك المحرم، أما إذا فعل المحرمات وترك الواجبات فإنه قد ارتكب حدود الله، قال الرسول ﷺ: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، الحدود هي التي حرمها الله، وجعلها علامات ظاهرة.
وإذا كان الإنسان يصادق على المحرمات، ويوالي عليها؛ فمعنى ذلك أنه صار شبيهًا بالشيطان تمامًا؛ لأن الشيطان خرج عن طاعة الله جل وعلا لمعصيته، وصار يدعو إلى المعصية، وينهى عن الطاعة.
ومعلوم أن أمر الله جل وعلا الذي جاء به الرسول ﷺ ليس صعبًا على النفوس إذا اهتدت وانقادت، وإنما يصعب عليها إذا كانت مطيعة للشيطان، ومتبعة لهواها، والواقع أنه سهل، ولكن هناك أمور يزينها الشيطان، كونه يقول: لم تعادي الناس، وتكثر عليك الأعداء؟ الأفضل أنك تكثر من الأصدقاء، أما كونك تعاديهم بأن تأمرهم بشيء يكرهونه أو تنهاهم عن شيء يحبونه، فهذا مما يجلب عداوتهم، قد يخوف الشيطان العبد بهذا، ويدعي أنك إذا أمرتهم أو نهيتهم أو أخبرتهم أنك تكرههم على هذا الشيء؛ أنهم يجلبون لك الأذى، وينتقمون منك.
والناس في هذه الحياة لابد لهم من الأذى، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين؛ لأن هذه الحياة خلقت على الأكدار، ولهذا أخبر الله جل وعلا أن الناس إذا قالوا: آمنا، فإنهم يبتلون ويفتنون حتى يظهر صدق قولهم، ويكون صدقهم ظاهرًا بارزًا، أو أنهم ينتكسون ويعرف أنهم غير صادقين، ولكن العاقبة في الدنيا والآخرة للمؤمنين، لكن لا بد أن يحصل الابتلاء أولًا، فقد يبتلى الإنسان بأهله وبأولاده، وقد يبتلى بوالده وبأخيه وقريبه، وقد يبتلى بالبعيدين، فيكون ذلك تمحيصًا وزيادة لحسناته، أو انتكاسًا وفتنة، ولابد للإنسان أن يصبر على هذا، ويعلم أن الوقت ليس طويلًا، وأنه خارج من هذه الدنيا، ثم إذا كان الإنسان صابرًا على أمر فإن الله يحمد عقباه، وإذا كان بخلاف ذلك يندم ندامة لا تفيد ولا تجدي.
[ ٨٧ / ٤ ]
صفات المتحابين في الله تعالى
يجب على الإنسان أن يكون عبدًا لله جل وعلا، وعباد الله لهم صفات، منها: أنهم يتولون الله جل وعلا، ويفعلون أوامره، ويحبون أهل طاعته ويوالونهم، ويعادون أعداءه ويكرهونهم ويبغضونهم، ولا يكفي كون هذا في القلب، بل لابد أن يظهر على اللسان، وكذلك بالكلام، وكذلك بالفعل إذا أمكن.
لذا جاء أن من أعظم ما يتقرب إليه الإنسان أن يعادي أعداء الله، وفي الأثر: (أن الله جل وعلا أمر بإهلاك قرية، فقال ملك لله جل وعلا: إن فيها عبدك فلانًا، قال: به فابدأ؛ فإنه لم يتمعر وجهه فيّ يومًا قط) يعني: لم يغضب لله جل وعلا من المعاصي التي تقع في تلك القرية.
وأخبرنا الرسول ﷺ أن بني إسرائيل لعنوا على لسان أنبيائهم؛ لأنهم كانوا إذا رأى أحدهم من يرتكب منكرًا نهاه وقال: يا فلان! اتق الله، ثم لا يمنعه كونه رآه على منكر أن يكون جليسه وأكيله وصاحبه، فلما رأى الله جل وعلا فعلهم ذلك ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم، ثم قال ﷺ: (كلا والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليفعلن الله بكم كما فعل بهم).
والأمر بالمعروف معناه: موالاة الله جل وعلا، ومعاداة أعدائه، وليس انتصارًا للنفس أو انتقامًا من الغير، هذا لا يجوز أن يكون، وإنما هذا اتباع لأمر الله، يفعل الإنسان ذلك لأن الله أمره بهذا، وهو يرجو هدايتهم ويفرح بذلك، فمعاداته على طريق صحيح، ليس لأجل هوى النفس أو انتقام أو لأنه من آل فلان أو من غيرهم، بل كل ما يكون من الحب والبغض هو لأجل امتثال أمر الله، ولأنه يحب الله ويحب طاعته، فمن اتصف بهذا أحبه ووالاه وصار عطوفًا عليه، وإن كان من أبعد الناس عنه نسبًا، وإن كان بعكس بذلك كرهه وأبغضه، ويجب أن يظهر ذلك بفعله من قول وغيره، وليس معنى ذلك أنه يصبح مقاطعًا له مقاطعة كاملة بحيث لا يكون هناك بينهما أي معاملات، فالبيع والشراء والإيجار وما أشبه ذلك شيء آخر، يصح أن يكون بين الكافر والمؤمن وبين التقي والشقي؛ لأن هذه مبادلة بالمال، وليس لأحد فيها منة، وإنما الممنوع المؤاخاة والمصادقة والمودة التي تجلب الألفة، وليست لأجل مبادلة المال، فالمحبة لأجل الله جل وعلا لا يجوز أن تكون إلا بين المؤمنين فقط.
وقد أخبر الله جل وعلا بالعاقبة إن لم يحصل هذا، وذلك لما أخبر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ثم أخبر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض، قال بعدها جل وعلا: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]، لما حصل ذلك من المؤمنين وجدت الفتنة والفساد الكبير، والفتنة فتنة في الدين، وانحراف عن الصراط المستقيم، وعند ذلك حري أن تقع عليهم العقوبة، وأن يصابوا بعذاب يغدقهم، والفتنة إذا جاءت لا تخص بل تعم؛ لأن الفساد العام العريض الكبير -مثل هذا- يعم، وإن كان في النتائج والنهايات كل محاسب على قدر نيته وعمله.
ففي الصحيح أن النبي ﷺ أخبر أن جيشًا يغزو مكة، فإذا كانوا في بيداء من الأرض خسف بهم، ولا يبقى فيهم إلا من يخبر عنهم، فقالت عائشة: أيخسف بهم وفيهم أسواقهم؟ قال: (نعم يخسف بهم ثم يبعثون على نياتهم) يعني: يأخذهم العذاب عمومًا، ثم بعد ذلك يحاسبون على نياتهم وأعمالهم، فمن هو عاجز وكاره لا يكون مثل الطائع القادر.
والمقصود: أنه يجب على المؤمن أن يتميز بطاعة الله وبموالاة الله وموالاة المؤمنين ومودتهم، وبكراهة الكافرين وبغضهم ومعاداتهم، وهذه هي ملة إبراهيم التي جاء بها رسول الله ﷺ، وقد قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] يعني: لا مصالحة ولا مودة بل بغض ومعاداة إلى أن يؤمن الكفار.
أما قول الله جل وعلا: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، فهذا من الإحسان الدنيوي؛ إذا كان هناك من الكافرين من له صلة بك فلا مانع من أن تحسن إليه بالمال وغيره، وأما المودة فلا؛ ولهذا قال جل وعلا عن المودة: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة:٧]، فالمودة قد تكون منهم بأن يؤمنوا، أما المؤمن فلا يحصل منه مودة للكافرين أبدًا إلا أن يزول منه الإيمان والعياذ بالله، قال الله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: أن هذا غير موجود، فمن وادّ الكفار فإيمانه إما ضعيف جدًا أو منتفٍ، وإذا كان الإيمان ضعيفًا فلا أثر له، وحينها لا يمنع الإنسان من ارتكاب المعاصي، ولا يحمله على فعل الطاعات، فيكون أثره ضعيفًا، وإنما الإيمان النافع الذي يمنع من ارتكاب المعاصي، ويحمل على فعل الطاعات، وهو الإيمان القوي.
[ ٨٧ / ٥ ]
قوله تعالى: (وتقطعت بهم الأسباب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، قال: المودة] الأسباب التي تتقطع بهم يوم القيامة هي المودة، ومعلوم أن الناس ليس معهم حينئذ إلا أسباب العمل فقط، أما الأموال والمناصرات في الأمور التي تكون في الدنيا فهي منتهية، وكل الخلق يأتون الله فرادى كأنهم خرجوا من بطون أمهاتهم، لا كسوة ولا نعال ولا طعام ولا أي شيء، يخرجون هكذا من بطون القبور عراة حفاة غرلًا، ولهذا يقول الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]، فأين شركاؤكم؟ وأين نصراؤكم؟ وأين أولياؤكم؟ كل واحد ليس معه إلا عمله: إن كان من الفجار والكفار فعمله كما قال الله جل وعلا: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، وقوله: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، الرماد إذا ذري في اليوم العاصف هل يمسك منه شيء؟! هذا دليل على أن المودة والإخاء إذا كان على غير طاعة الله فهي الأسباب التي تتقطع بهم، كما قال الله جل وعلا عن خليله إبراهيم ﵇: «إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا»، الأوثان التي يتولونها ويعبدونها ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥] هذه هي الحقيقة التي تكون يوم القيامة، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص:٦٢]، ماذا يقولون؟ يقولون: (ضلوا عنا) يعني ذهبوا فما ندري أين هم، ولا يوجد شركاء ينصرونهم، والشركاء هم الأولياء الذين يزعمون أنهم يتولونهم في الدنيا، ويقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥] يعني: الأموات، فهم الذين لا يستجيبون لأحد إلى يوم القيامة، وكذا الغائبين.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يعني: يكفرون بهم ويقولون: كفرنا بقولكم وبدعوتكم وبعبادتكم، وتبرأنا إلى الله منكم، فماذا تكون حالتهم عندئذٍ؟ الذين كانوا يظنون أنهم سينفعونهم وسيشفعون لهم هم أسوء حالًا منهم، وهذه هي المودة والأسباب التي تتقطع، يقول ابن عباس في الأسباب: هي المودة، يعني: المودة التي على غير طاعة الله، كل مودة على معصية أو على غير طاعة الله فإنها تنقطع وتنتهي بل تكون عذابًا ووبالًا على أصحابها، أما الإخاء في الله والموالاة في الله فهذا الذي ينفع، كما قال جل وعلا: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، كل خليل عدو لخليله إذا كان في غير طاعة الله إلا المتقي الذي يحب لله ويوالي في الله؛ فإن هذا هو الذي يظله الله جل وعلا في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في الحديث الصحيح: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: اثنان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه).
هذا هو الذي يفيد وينفع أما ما عدا ذلك من المعاداة والموالاة فإنها تكون عداوة وبغضاء وحسرة وندامة، حتى إن الله أخبرنا بالحقائق التي تكون؛ فالداعي لهؤلاء يصبح خطيبًا فيهم إذا اجتمعوا في جهنم، يقوم الشيطان يخطب فيهم بعد أن استقر أهل الجنة بالجنة، وأهل النار بالنار، يقوم الشيطان خطيبًا في أصحابه وأتباعه وأوليائه فيقول في خطبته التي أخبرنا الله بها: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: ليس عندي حجة ولا برهان لما دعوتكم، إنما هي مجرد دعوى ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، يعني: مجرد دعوى خالية من الدليل، ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أرجعوا اللوم لأنفسكم؛ لأني ليس لي عليكم سلطان أقهركم به، ولكن أنتم لما سمعتم الدعوة استجبتم لها، وانقدتم إليها طواعية.
ثم يقول: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: ما أنا بمغيثكم ولا مغني عنكم شيئًا ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] ولا أنتم تنفعوني، فكل واحد لا ينفع الثاني، ثم يقول: ﴿إني كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، يكفر بطاعتهم وعباداتهم، ولهذا يقول الله في مثل الضال الكافر: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر:١٦]، وهذا هو الواقع، ويوم القيامة يتبرأ الأول من الثاني ويلعن كل واحد الآخر، ومع ذلك يقرن كل واحد مع شيطانه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] يعني: كل واحد يزوج مع نظيره ويقرن معه حتى يتم العذاب لهما، وينظر إلى عدوه وبغيضه لأنه يصبح أعدى الأعداء وأبغض الأشياء إليه، فيقرن معه حتى يتم العذاب لهما بالحسرة؛ لأن الشر والخبث كله يجمع في جهنم.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، قال: المودة، هذا الأثر رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.
قوله: (قال: المودة) أي: التي كانت بينهم في الدنيا خانتهم أحوج ما كانوا إليها].
يعني: المودة على معاصي الله هي التي تتقطع بهم وتخونهم أحوج ما كانوا إليها، وتصبح عليهم وبالًا.
[ ٨٧ / ٦ ]
تبرؤ الكفرة من بعضهم يوم القيامة
قال الشارح ﵀: [وتبرأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥].
قال العلامة ابن القيم في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٦]: فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى، وأتباعهم ادعوا أنهم على طريقهم ومناهجهم، وهم مخالفون لهم سالكين غير طريقهم، ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم؛ فيتبرءون منهم يوم القيامة؛ فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله.
وهذا حال كل من اتخذ من دون الله وليجة وأولياء؛ يوالي لهم، ويعادي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه.
إذ لم يجرد موالاته ومعاداته وحبه وبغضه وانتصاره وإيثاره لله ورسوله، فأبطل الله ﷿ ذلك العمل كله، وقطع تلك الأسباب، فينقطع يوم القيامة كل سبب وصلة ووسيلة ومودة كانت لغير الله، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وربه، وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريده عبادته لله وحده ولوازمها من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة والتقريب والإبعاد، وتجريد متابعة رسول الله ﷺ تجريدًا محضًا بريئًا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلًا عن الشرك بينه وبين غيره، فضلًا عن تقديم قول غيره عليه.
فهذا السبب هو الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهي آخيته التي يجول ما يجول وإليها مرجعه، ولا تتحقق إلا بتجريده متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم وما عرفت إلا بهم، ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فهذه هي الأعمال التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه يجعلها الله هباءً منثورًا، لا ينتفع منها أصحابها بشيء أصلًا، وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة: أن يرى سعيه ضائعًا، وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم.
انتهى ملخصًا].
معنى الآية: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) يقول: هؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى، والتابعون كانوا على الضلالة، والآية أعم من هذا: فإذا كان المتبع على الهدى فإنه لا يرضى أن يكون تابعه يتبعه وهو على ضلالة، وفي الحقيقة أنه ليس تابعًا له وإنما هو تابع لهواه ونفسه، وإنما الآية ظاهرها: أن الكفار وعوامهم يتبرءون من سادتهم وقادتهم؛ لأنهم أتباعهم، ويتمنون أن يكون لهم رجعة فيتبرءون منهم، وكل واحد من الفريقين يتبرأ من الآخر، ويكفر به، فالآية نظير الآية التي في سورة العنكبوت وغيرها، يعني: أن كل رئيس في معصية الله، وكل من هو مرءوس؛ يصبح هذا عدوًا للآخر متبرئًا منه، كما هو صريح قوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥]، كل واحد يكفر بالثاني، وكل واحد يلعن الثاني، وليس بعضهم مؤمنًا وبعضهم كافرًا، بل كلهم على طريقة واحدة.
أما إذا كان المتبع قد اتبع من هو مهتدٍ ولكنه اتبعه على غير ما كان عليه من الهدى، فهذا أمر آخر، وقد يقع مثل هذا، وهو يشير إلى أنه وجد من المقلدين الذين يقلدون بعض العلماء، ويوالون على التقليد ويعادون عليه، وإذا قيل لهم: إن الرسول ﷺ يقول كذا، والله جل وعلا يقول كذا، قالوا: الإمام أعلم منكم، والإمام أدرى، لو كان هذا صحيحًا ما خالفه الإمام، فهو يشير إلى مثل هؤلاء، وهؤلاء قلة بالنسبة لما ذكره الله جل وعلا في الآية؛ لأن الآية عامة في الخلق كلهم، وكل الناس معروف أن بعضهم يتبع بعضًا، وهذه سنة متبعة، ولهذا يقول الكفار للرسل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] يعني: وجدناهم على ملة ودين ولن نترك ملتهم ولا دينهم، هؤلاء هم الذين يتبرأ بعضهم من بعض، وكذلك لما جاء موسى ﵇ إلى فرعون، قال فرعون لما حاجه في تجاهل العالم يقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] لا أنه لا يعرف رب العالمين، بل يعرفه ولكن هذا جحود منه، فقال له: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشعراء:٢٤] إلى أن قال فرعون: (فما بال القرون الأولى) يعني: الذين مضوا لماذا كانوا على الشرك والكفر؟ يعني: لنا فيهم قدوة وأسوة، فهذه حجة تدل على كثرة العالم الذين يكونون على هذه الطريقة، فهم الذين يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم ببعض.
[ ٨٧ / ٧ ]
مسائل باب قول الله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله)
[ ٨٧ / ٨ ]
تفسير قوله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل الأولى: تفسيره آية البقرة].
آية البقرة هي قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، مضى أن معناها: أن من الناس من يحب حب الخوف والذل والخضوع كحب المخلوق، وهذا الحب والتعظيم والذل والعبودية لا يجوز أن يكون لمخلوق، فهم يحبونهم هذه المحبة التي تقتضي ذلهم وخضوعهم وتعظيمهم، وهذا الحب يجب أن يكون لله، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:١٦٥]، والند هو المثل والنظير ولو في صفة من الصفات، فيكون الند مماثلًا لنده من كل وجه، وجعلهم أندادًا لله لأنهم صاروا يحبونهم حبًا كحب الله، ولهذا لما قال رجل للنبي ﷺ: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندًا؟!) يعني: في الجمع بين مشيئة الله ومشيئته بالواو، والجمع بالواو يقتضي المساواة.
فمن الشرك أن يلحق مخلوقًا من المخلوقات في شيء من حقوق الله التي يجب أن تكون له خالصة أو في صفة من صفاته، فإذا فعل الإنسان ذلك فقد اتخذه ندًا، وما زال الكلام على الآية.
[ ٨٧ / ٩ ]
تفسير قوله: (قل إن كان آباؤكم)
[المسألة الثانية: تفسير آية براءة].
آية براءة وهي: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، هذه الآية فيها: أن من رضي بالدنيا بما فيها مما ذكر من هذه الأصناف الثمانية: الآباء والأبناء والأزواج والأموال والتجارات والمساكن الطيبة الواسعة الفسيحة وغيرها، إذا كانت هذه الأمور أحب إلى الإنسان من الله ورسوله فلينتظر عذاب الله، فهذا وعيد معجل؛ لأنه قال: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي: من كان أولئك عنده أفضل وأحب من الله فهو من الفاسقين الخارجين عن طاعة الله جل وعلا، وهو مهدد بعذاب الله عاجلًا قبل الآجل.
[ ٨٧ / ١٠ ]
وجوب تقديم محبة النبي على كل محبة
[المسألة الثالثة: وجوب محبته ﷺ على النفس والأهل والمال].
يعني: أن تكون محبته مقدمة على محبة النفس والأهل والمال، وهذه المحبة محبة إيمانية، وهي تابعة لمحبة الله جل وعلا، وإذا كان الإنسان حبه لرسول الله ﷺ أقل من محبته لنفسه ولولده ووالده وللناس أجمعين؛ فهو لم يؤمن الإيمان الواجب الذي ينجيه من عذاب الله.
فإن كان ليس على هذه الصفة فلا يلزم أن يكون الإيمان منتهيًا نهائيًا، بل يجوز أن يكون عنده إيمان ناقص، ونقصه هذا يستلزم أن يعذب عليه إن لم يتب منه، وهذا يعني أن الذي لا يحب الرسول ﷺ أكثر من محبته لنفسه وماله وأكثر من محبته لولده ولزوجه ووالده وإخوته والناس أجمعين؛ أنه من أصحاب الكبائر، ويكون من الفسقة أصحاب المعاصي الذين يستوجبون عقاب الله، وهذا معناه: أنه ترك ما يجب عليه.
[ ٨٧ / ١١ ]
نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام
[المسألة الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام].
نعم، لا يدل على الخروج من الإسلام، ولكنه يدل على نقص الإيمان الواجب، وذلك يقتضي أن يعذب على نقصه، وهذا مما يدل على أن الإنسان يكون كافرًا، ولايلزم ذلك أن يكون مؤمنًا، ولكن إيمانه ضعيف ناقص.
فما ارتكب المحرمات وترك الواجبات أو بعضها، إلا لضعف إيمانه، وإذا عفا الله جل وعلا عنه فهو فضله وإحسانه، وربما أخذه الله جل وعلا وعاقبه إن لم يتب من ذلك، ويرجع إلى ما أمره الله به، وتكون محبة الله جل وعلا هي أعظم شيء لديه؛ ثم تكون محبة الرسول ﷺ على هذه الصفة لأنها تابعة لمحبة الله، وتقدم أن علامة محبة الرسول ﷺ أن يكون الإنسان مقتفيًا سنته، مبتعدًا عما نهاه عنه.
[ ٨٧ / ١٢ ]
للإيمان حلاوة حقيقية
[المسألة الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها].
حقيقية وليست عقلية كما يقول بعض الناس، فالحلاوة حقيقية يجدها المؤمن، ويلتذ بها أعظم من الالتذاذ بالأكل والشرب الحسي؛ لأن التذاذ الروح والقلب أعظم من ذلك بكثير.
[ ٨٧ / ١٣ ]
الأعمال التي تنال بها ولاية الله
[المسألة السادسة: أعمال القلب الأربعة التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها].
وهي: الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، وهي كلها تابعة لمحبة الله؛ لأنها لوازم ومكملات لمحبة الله، فهذه هي التي يتحصل بها العبد على ولاية الله وأما بغيرها فلا.
[ ٨٧ / ١٤ ]
عاقبة المؤاخاة على أمر الدنيا
[المسألة السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا].
يقصد قول ابن عباس: (وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا)، ويقصد بقوله: (على أمر الدنيا) الأموال والمشاركة فيها وما أشبه ذلك، ولكن المشكل إذا كانت المؤاخاة على المعاصي والبدع والكفر فهذه أعظم مما ذكره ابن عباس، ويوجد بكثرة أناس يتآخون ويتصاحبون على المعاصي، ويساعد بعضهم بعضًا عليها، ويؤز بعضهم بعضًا عليها، فهم من أشباه الشياطين، قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] يعني: تؤزهم على المعاصي والكفر بقوة وبسرعة وبلهف.
[ ٨٧ / ١٥ ]
نفع محبة الله وضرر محبة المشركين يوم القيامة
[المسألة الثامنة: تفسير ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦].
المسألة التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبًا شديدًا].
هذا على القول الصحيح، فإنهم يحبون أندادهم كحب الله، يعني: أن الحب عندهم صار مقسمًا بين الأنداد وبين الله، وهذا هو الشرك الذي حرم الله جل وعلا على صاحبه الجنة إذا مات عليه؛ لأن الحب يجب أن يكون لله، وليس هذا هو الحب الطبيعي.
وسبق أن قسمنا الحب إلى أقسام: منه ما هو حب خاص، وهو الذي يقتضي الذل والتعظيم والخضوع؛ فهذا يجب أن يكون لله وحده ولا يجوز أن يكون لغيره، وهذا هو الذي أشرك فيه المشركون؛ لأنهم يخافون من معبوداتهم، ويودونها، وينتصرون بها، ويطلبون نصرها، كما قال أبو سفيان لما كان مشركًا يوم أحد، لما انتهت الوقعة وصار يصوت بأعلى صوته: أفيكم فلان؟ أفيكم فلان؟ إلى أن قال: أعل هبل، أعل هبل، أعوذ بالله! فقال لهم الرسول: (أجيبوه، قالوا: ماذا نجيب؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل)، ثم قال: العزى لنا ولا عزى لكم.
هكذا يعتزون بأوثانهم وأصنامهم، وقال الرسول ﷺ: (أجيبوه، قالوا: ماذا نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم)، والعزى لا تفيد أحدًا، فالمقصود أنهم كانوا يودونها ويعظمونها ويجعلون لها من الحب ما هو لله جل وعلا، ويحبون الله ولكن حبهم لله لا يفيدهم، وتوزيع حب الله بين الله وبين غيره من المخلوقات من الشرك الأكبر، وهذا الحب يجب أن يكون خالصًا لله ليس لأحد فيه شيء، والذي أوجبه جل وعلا هو حبه وحده محبة الذل والتعظيم والخضوع، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، وهذه الكلمة هي التي يدخل بها الإنسان الإسلام، ومن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة، هذا إذا كان يعرف معناها وقالها بصدق.
[المسألة العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه].
لأنه قال جل وعلا: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فمن كانت هذه الثمانية أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله فإنه متوعد بالعذاب العاجل، وهو الذي دل عليه قوله: (فتربصوا) يعني: انتظروا، (حتى يأتي الله بأمره) يعني: بعذابه الذي يصيبكم به، وكذلك هو من الفاسقين؛ لأنه قال جل وعلا: (والله لا يهدي القوم الفاسقين).
[المسألة الحادية عشرة: أن من اتخذ ندًا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر].
[ ٨٧ / ١٦ ]