لا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، فإذا عمل المرء عملًا يريد به الدنيا غير ملتفت إلى الله، فهو عمل باطل، وصاحبه آثم، وقد يجزيه الله عليه في الدنيا، ويكون في الآخرة من الخاسرين.
[ ٩٦ / ١ ]
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا].
فإن قيل: ما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟ ف
الجواب
بينهما عموم وخصوص، فإرادة الدنيا أعم من الرياء، فقد يعمل الإنسان أعمالًا خالصة لله ولكنه يريد بها حماية نفسه بالصحة وحماية ماله بالتنمية، فيعمل لأجل هذا ويقطع نظره عن كونه يطلب بهذا العمل الجنة والهرب من النار، وكذلك يدخل فيه ما إذا عمل أعمالًا من القرب مثل الأذان وتعلم القرآن وتعلم العلم لأجل الوظيفة وحتى تكون مصدر رزق له، فإذا عمل العمل من أجل ذلك فقد أراد الدنيا بعمله، وهو داخل في الوعيد الذي يأتي ذكره في الآية.
وقد يعمل أعمالًا ظاهرها الإخلاص وفيها شيء من إرادة الدنيا وإرادة وجوه الناس، مثل الحج، فيحج لأجل أن يحصل على مال يدفع له من أجل الحج، كأن يعطيه أحد الناس مالًا ويقول: لتحج عن فلان، فهو يحج لأجل هذا المال فقط ولو لم يأته المال ما حج، فهذا عمله من أجل الدنيا ولا خير فيه.
ولهذا يقول العلماء في مثل هذا: إذا كان الإنسان يحج ليأخذ المال فهذا لا خير في عمله، أما إذا كان يأخذ المال ليحج، أي أنه يتقوى به على الحج؛ لأنه لا يستطيع أن يحج بلا مال، فهذا هو الذي يجوز فعله، أما إذا كان يحج لأجل أن يتاجر بالحج فيأخذ المال من أجل ذلك، فهذا عمل للدنيا وهو داخل في الوعيد، وغير ذلك من الأمور التي سيذكرها الشارح في هذا الباب.
قال المصنف: [باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)].
قوله ﵀: (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا): المقصود بالعمل العمل الذي يكون للآخرة، فمن عمل عملًا للآخرة مثل الصلاة والصوم والحج والصدقة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك من القربات التي رتب الله عليها الجزاء وهو يريد به الدنيا، فإنه داخل في وعيد هذه الآية.
[ ٩٦ / ٢ ]
إرادة الدنيا أنواع
وإرادة الدنيا أنواع: فقد يريد بها أن يجزيه الله مقابل عمله جزاءً عاجلًا في هذه الدنيا فقط، ويقطع النظر عن الآخرة، فلا تهمه الآخرة وإنما يريد الدنيا فقط، فمثل هذا يجزى بعمله الذي عمله إذا كان صالحًا في هذه الدنيا، ولكن الجزاء في الآخرة حابط والعمل باطل فهو من الخاسرين.
وقد يعمل عملًا من الأعمال التي وضعت قربات يتقرب بها إلى الله، ولكنه يريد وجوه الناس مراءاة حتى يُحبُّوه أو يثنوا عليه أو يمدحوه وما أشبه ذلك، فهذا أيضًا أراد الدنيا، ولكن الذي قبله أعقل منه؛ لأن الذي قبله أراد نفعًا خاصًا به، أما هذا فيريد خيالًا ليس له حقيقة، وقد يعمل الذي يريد الدنيا أعمالًا يتقرب بها، ولكنه على عمل يكفره، أو على بدعة تخرجه من الدين الإسلامي كاليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، فإنهم قد يتصدقون ويحسنون إلى الناس حبًا للإحسان وطلبًا للجزاء.
ومعلوم أن اليهود النصارى يؤمنون بالله جل وعلا ويؤمنون بالبعث؛ ولكنهم يعتقدون أنهم على دين صحيح وهو الدين الذي جاء به موسى وجاء به عيسى صلى الله عليهما وسلم؛ فهؤلاء إذا عملوا أعمالًا صالحة من صدقة وإحسان وما أشبه ذلك، يجزون بأعمالهم في الدنيا فقط، أما الآخرة فحابط عملهم وباطل.
وقد يعمل العامل للدنيا عملًا صالحًا مثل طلب العلم وحفظ القرآن وإتقانه، ولكنه يريد بذلك وظيفة من الوظائف التي يتعيش بها، فقصده من التعلم والحفظ والتلاوة هو هذه الوظيفة، فهذا أيضًا داخل في الآية.
وقد يحج الإنسان عن غيره فيكون بالنسبة له تطوعًا، ولكن يكون في مقابل ذلك مال فيكون حجه لأجل أخذه المال وليس لأجل أنه يذهب إلى المشاعر المعظمة ويطوف ويدعو الله، ويعمل ما يعمله الحجاج الذين يتعرضون لنفحات الله وكرمه وجوده؛ وإنما يفعل ذلك لأجل المال فقط، ولو لم يحصل له مال ما حج ولا طلب الحج، فمثل هذا ليس له من عمله ومن حجه إلا هذا المال الذي أخذه، وأعماله حابطة نسأل الله العافية.
هؤلاء كلهم يدخلون في هذه الآية، وقد ذكر السلف من المفسرين ﵏ هذه الأنواع، وذكروا غيرها عند هذه الآية.
[ ٩٦ / ٣ ]
تفسير آية هود: (من كان يريد الحياة الدنيا)
ثم إن معنى قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: ينويها ويقصدها بعمله ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي: نجزيهم جزاء أعمالهم في هذه الدنيا إما بصحة أبدان أو وفرة مال وكثرته أو ما أشبه ذلك من مقاصدهم التي يريدها الله؛ لأنه ليس كل من صنع هذا يلقى جزاءه تمامًا، قد يكون خسران فلا تتحصل له الدنيا ولا الآخرة؛ وتكون هذه الآية مقيدة بقوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، فقيد المعجل بالشيء الذي يشاؤه جل وعلا ولمن يريده من هؤلاء وليس كل واحد ولا هو كل شيء، ولهذا يقول المفسرون: إن هذه الآية مقيدة بآية سورة الإسراء فيكون التعجيل لما يشاء الرب جل وعلا من الجزاء، ويكون لمن يريده ممن يعمل هذه الأعمال فليس كل واحد وليس كل عمل يكون مجزيًا به في الدنيا.
وبعض المفسرين يقول: إنها منسوخة بآية الإسراء ومقصوده بالنسخ التقييد؛ لأن النسخ في لسان السلف لم يكن معناه أن يزال الحكم بحكم متأخر عنه كما هو اصطلاح المتأخرين، بل يطلقون النسخ على التقييد وعلى البيان كما قالوا في قول الله جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، نزلت هكذا ثم نسخت بقوله: ﴿مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وهذا إيضاح وليس نسخًا، ولكنهم يجعلونه نوعًا من النسخ، أي: أن تقييد المطلق وتفسير المبهم وما أشبه ذلك يدخل في النسخ عند السلف.
ثم بعد ذلك يتوعدهم جل وعلا في الآخرة: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) أي: جزاء أعمالهم (فيها)، أي: في الدنيا: (وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ)، أي: لا يظلمون شيئًا من عملهم فالله يجزيهم إياه في هذه الحياة، إما بصحة أبدانهم أو بإعطائهم مالًا أو بإعطائهم أولادًا أو بإعطائهم مناصب أو ما أشبه ذلك، فيكون هذا جزاء أعمالهم، وقد يعطيهم فوق أعمالهم ثم يعاقبهم الله جل وعلا يوم القيامة، مع أن كل نعمة في الإنسان من الإيجاد والحياة والسمع والبصر والأيدي والأرجل والأكل والشرب وغير ذلك، كلها من الله جل وعلا، فالإنسان لا يستطيع شيئًا بدون تسخير الله جل وعلا وإقباله عليه، ولهذا يحاسب الإنسان على ذلك يوم القيامة كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
فيسأل الإنسان عن سمعه وعن بصره وعن نياته وأعماله ومراداته وعزائمه وفؤاده وهو القلب، وفي الحديث الذي عند الترمذي وصححه وكذلك صححه الحاكم في المستدرك عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه هل عمل به).
فالساعات التي يعيشها قد يضيعها وقد يحفظها، فيسأل عنها: هل استعملها في طاعة الله جل وعلا، أو استعملها في المعاصي، أو أنها ضاعت عليه سدى، وإضاعة الوقت معصية يسأل عنها الإنسان.
وكذلك قوته التي أعطاها الله جل وعلا إياه في شبابه يجب أن تستغل فيما ينفع، ولا يجوز أن تضيع، لهذا فإنه يسأل عنها يوم القيامة.
وكذلك المال يسأل عنه: من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وكذلك هل عمل بما علم؟ هذه المسائل الأربع كل واحدة يسأل عنها يوم القيامة، والسؤالات تختلف يوم القيامة ففي موقف يسأل عن هذه، وفي موقف يسأل فيقال: ماذا أجبتم المرسلين؟ وماذا كنتم تعبدون من دون الله؟ ولابد للسؤال من جواب، فإذا كان الإنسان حافظًا نعم الله عليه، وإلا فسوف يعاقب يوم القيامة؛ لأن الله جل وعلا أمره أن يستعملها في الطاعة.
[ ٩٦ / ٤ ]
الأعمال سبب للثواب وليست موجبة للجنة بذاتها
جاء في مستدرك الحاكم وصححه هو وغيره عن النبي ﷺ، (أنه ذكر له جبريل ﵇: رجلًا ممن كان في الأمم قبلنا كان في جزيرة عمرها خمسمائة سنة وهو يعبد الله منعزلًا لا يشتغل بالناس ولا يشتغل بالدنيا ولا بغيرها، فأخرج الله جل وعلا له من البحر عينًا عذبة، وشجرةً تخرج له كل يوم عذقًا يأكله ويشرب من الماء ويعبد ربه، فسأل ربه أن يقبضه ساجدًا فقبضه الله جل وعلا وهو ساجد، وإذا كان يوم القيامة، يؤتى به بين يدي الله فيقول الله جل وعلا لملائكته: اذهبوا بعبدي وأدخلوه الجنة برحمتي، فيقول: لا يا رب! بل أدخل الجنة بعملي! فيقول الله جل وعلا: ردوه، فيحاسبه الله جل وعلا؛ يقول له: من الذي أوجدك ولم تكن شيئًا؟ من الذي أعطاك السمع؟ ومن الذي أعطاك البصر؟ ومن الذي أعطاك الأيدي والأرجل؟ ومن الذي أخرج لك عينًا عذبة من الماء المالح؟ ومن الذي أخرج لك من الشجرة كل يوم عذقًا وهي لا تثمر في السنة إلا مرة؟ ومن الذي قواك على عبادة خمسمائة سنه؟ وهو يقول: أنت يا رب.
عند ذلك يقول جل وعلا: حاسبوه على النعم مقابل عبادتي، فتوزن نعمة البصر أو قال نعمة السمع خمسمائة سنه، ثم يقول الله جل وعلا: اذهبوا به إلى جهنم، فيصيح: يا رب أدخلني الجنة برحمتك يا رب أدخلني الجنة برحمتك، فيقول الله جل وعلا: ردوه وأدخلوه الجنة برحمتي).
ولا أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله جل وعلا، فيجب على الإنسان أن يعرف نعم الله عليه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فكل ما يعمله الإنسان في هذه الدنيا فإنه لا يقابل شيئًا من نعم الله! ثم إنه يجزى بذلك، ولو لم يكن الأمر ظاهرًا للناس جليًا، فهو في الواقع مجزي به، وهكذا كل عامل لا يريد بعمله الآخرة، يعجل له جزاء عمله في الدنيا، ثم يوافي يوم القيامة ربه مفلسًا، ليس له حسنة يقابل بها ربه فيجزيه عليها، فلهذا يقول جل وعلا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦].
ثم قد سبق أن الفرق بين هذا الباب وباب الرياء الذي قبله أن هذا أعم، فذاك خاص بالرياء والسمعة فقط، أما هذا فهو عام يدخل فيه الرياء ويدخل فيه الأعمال التي يراد بها جزاء عاجل وهي من القربات التي لا يجوز أن يطلب بها شيء من أمور الدنيا، وإنما يطلب بها الثواب من الله جل وعلا والنجاة من عذابه يوم القيامة والفوز بثوابه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟ قلت: بينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة، وهو ما إذا أراد الإنسان بعمله التزين عند الناس، والتصنع لهم والثناء، فهذا رياء كما تقدم بيانه، كحال المنافقين، وهو أيضًا إرادة للدنيا بالتصنع عند الناس وطلب المدحة عندهم والإكرام، ويفارق الرياء بكونه عمل عملًا صالحًاُ أراد به عرضًا من الدنيا كمن يجاهد ليأخذ مالًا، كما في حديث: (تعس عبد الدينار)] أي: أنه لا يرائي، ولكنه يأخذ شيئًا عاجلًا ولا يريد التظاهر بالعمل، ولكن يريد الدنيا، فبهذا خالط الرياء، فصار هذا أعم من الرياء، كذلك الأمثلة التي ذكرنا تفارق الرياء ولكنها شرك بالله؛ لأنه قصد الدنيا وما قصد وجه الله حتى يثيبه الله جل وعلا، بخلاف المؤمن المخلص فإنه يقصد بالعمل الصالح وجه الله، وإن حصل له شيء من الدنيا فإنما هو تبع لا يريده قصدًا، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا جاهد أو عمل أعمالًا ترتب عليها منافع دنيوية، أن هذا داخل في الرياء أو داخل في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود:١٥]؛ لأن العمل الذي عمله المؤمن عمله لله جل وعلا، وإذا جاءه شيء من الدنيا فهي تبع، وليس مقصود العمل من أجلها وإنما تأتي تبعًا لذلك العمل، وإذا جاءت تبعًا فلا بأس بها، فقد يتفضل الله جل وعلا على عبده المؤمن بنعمة في الدنيا، من مال وصحة وغير ذلك، ولكن أجره محفوظ له في الآخرة.
المقصود هنا من يقطع رجاءه في الآخرة فلا يريد ثواب الآخرة إنما يريد بعمله الدنيا، فهذا يكون مشركًا، ومعلوم أن مثل هذا هو المتوعد بجهنم، وأن عمله يكون حابطًا، ولا يكون هذا شركًا أصغر غير مخرج من الدين الإسلامي.
[ ٩٦ / ٥ ]
طلب الدنيا بالقربات شرك موجب لجهنم
قال الشارح: [أو يجاهد للمغنم، أو لغير ذلك من الأمور التي ذكرها شيخنا عن ابن عباس ﵄، وغيره من المفسرين في معنى قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥]].
المقصود بقوله: (شيخنا) جده محمد بن عبد الوهاب؛ لأن صاحب الكتاب عبد الرحمن بن حسن، تلميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهو حفيد الشيخ ابن ابنه، وهو يقول (شيخنا) لأنه أدرك شيئًا من أيامه، ولو قال: والدنا وإمامنا لكان أفضل، ولكن هكذا عادة العلماء، ثم إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ سئل عن معنى هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود:١٥]؟ فأجاب جوابًا خاصًا وذكر تحته أربعة أقسام، مما ذكر الصحابة والمفسرون أنه يدخل في هذه الآية وقد أطال الجواب، وسيذكره الشارح ملخصًا عن جواب الشيخ.
قال الشارح: [وأراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة وما بعدها، أن العمل لأجل الدنيا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرًا من هذا وهذا.
قال المصنف: (وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]).
ذكر في معنى هذه الآية حديث أبي هريرة المشهور وهو حديث صحيح، عن شفي بن ماتع قال: (قدمت المدينة فإذا الناس مجتمعون على رجل، وسألت من هذا؟ فقيل لي: هذا أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، حتى إذا ذهب الناس وانصرفوا، أقسمت عليه بحقي -يعني: حق المسلم على المسلم- أن يحدثني حديثًا سمعه عن رسول ﷺ، فقال: نعم سوف أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ في هذا البيت، ليس فيه غيري وغيره، ثم نشج نشجة ثم مال وكاد يغمى عليه، ثم قال: لأحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ في هذا البيت ليس فيه غير وغيره، ثم نشج نشجة ثم مال وغشي عليه طويلًا، ثم لما أفاق قال: سأحدثك، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: يؤتى يوم القيامة بثلاثة، مجاهد ومتعلم ومتصدق، فيقال للمتصدق: ماذا عملت؟ بعد ما يقرر بنعم الله عليه فيقر بها فيقول: بذلت المال في كل وجه تحبه، فيقول الله: كذبت.
وتقول الملائكة: كذبت، ولكنك بذلته ليقال هو جواد وقد قيل، ثم يأمر به إلى النار.
ثم يؤتى بالمتعلم أو قال: بالقارئ فيقرر بنعم الله جل وعلا فيقر بها، فيقول الله جل وعلا: ماذا عملت؟ فيقول: تعلمت فيك العلم وعلمته، فيقول الله جل وعلا: كذبت.
وتقول الملائكة: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقد قيل، يعني أنك قد لقيت جزاءك من قول الناس هذا الذي قصدت، ثم يؤمر به إلى النار.
ثم يؤتى بالمجاهد الذي قتل في سبيل الله في الظاهر، فيقرر بنعم الله فيقر بها فيقول الله: ماذا عملت؟ فيقول: يا رب! بذلت نفسي حتى قتلت في سبيلك، فيقول الله: كذبت.
وتقول الملائكة: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال هو شجاع، هو جريء، وقد قيل، ثم يؤمر به إلى النار.
قال رسول الله ﷺ لـ أبي هريرة: هؤلاء الثلاثة هم أول من تسعر بهم النار، فيقول شفي: قدمت الشام، فدخلت على معاوية وحدثته بهذا الحديث فبكى بكاءً شديد حتى أشفقوا عليه وقال من عنده: لقد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم بعد ذلك مسح دموعه وقال صدق الله وصدق رسوله ﷺ، قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥]، وأكمل الآيتين).
يعني الشارح أن هذا الحديث مطابق للآيتين؛ لأن هؤلاء الثلاثة ليسوا ثلاثة نفر فقط، ولكن المقصود ثلاثة أصناف من الناس، فكل من كان هذا صنيعه وهذا عمله فهذا مصيره وتلك نهايته، وهي مصيبة كبرى، فهو في الظاهر يعمل أعمالًا صالحة من أفضل الأعمال، لأنها إما صدقة وإما علم وتعليم، وإما جهاد في سبيل الله، ثم كانت النتيجة أنهم أول من توقد بهم النار، نسأل الله السلامة! في الظاهر أنه يعمل أعمالًا صالحة من أفضل الأعمال: فإنها إما صدقة، أو علم تعلمه وعلمه، وإما جهاد في سبيل الله، ثم بعد تلك النتيجة أنه تسعر به النار قبل عباد الأوثان والمشركين، نسأل الله العافية، لماذا؟ لأن هؤلاء مشركون في الواقع، وهم يريدون أعراضًا لا طائل تحتها، يريدون مدح الناس وثناءهم، ففي الواقع هم يعبدون أهواءهم وشهواتهم.
فهذه يخشى منها كثيرًا، وهي أن يعمل الإنسان العمل وهو يريد النفع الخاص، بأن يكون مقدمًا في الناس، محبوبًا لديهم، مثنىً عليه، وهذه مكانة تكون هي جزاء عمله، سواء يثني عليه بأنه شجاع ومقدام أو أنه يفعل ويفعل أو أثني عليه بأنه جواد متصدق، يحب الخير ويرغب فيه، أو أثني عليه بأنه عالم، وأنه يستطيع أن يرد على فلان ويعمل ويعمل وما أشبه ذلك، فهذا الشيء الذي ناله وتحصل عليه هو جزاؤه، وأعماله في الآخرة حابطة وفاسدة، ويكون من أهل جهنم نسأل الله العافية! وفي الحديث الآخر الصحيح: (أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في جهنم فتندلق أقتابه -أي: تخرج أمعاؤه- فيدور حولها في جهنم كما يدور الحمار بالرحى، ويصيح حتى يتأذى به أهل النار، فيجتمعون عليه ويقولون: يا فلان مالك؟! ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) يعني: هذا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أمام الناس، ولكنه إذا غاب واختفى فعل المنكر وترك المعروف، وإنما: يرائي الناس فقط والعياذ بالله.
والأحاديث واضحة في أن الله جل وعلا خلق عباده ليعبدوه وحده، وتكون أعمالهم مقصودًا بها وجه الله والخلاص من اليوم العسير الذي ينتظرنا، بل هو أمامنا ونحن سائرون إليه، بلا شك أن كل يوم يقربنا إلى هذا اليوم، وإن كان الإنسان قد لا يهتم بهذا كثيرًا بسبب الغفلة وطول الأمل وحب الدنيا، ولكنه في الواقع إذا رجع إلى نفسه وعقله علم أنه لابد من ذلك اليوم، فيجب أن يكون مقصود الإنسان أنه عبد لله جل وعلا، يعمل الأعمال حسب أمر الله ومرضاته، وأنه سائر إلى ربه يرجو أن يثيبه ربه جل وعلا، ويعفو ويتجاوز عن الخطأ، وما فعله مخالفًا لأمر الله، فيثيبه بالعمل القليل الجزاء الكثير، هذا شأن المؤمن أنه يكون بهذه الصفة، أما إذا قصر همته ومقصده على الدنيا، فالدنيا ستنتهي ثم تكون العاقبة الوخيمة السيئة، نسأل الله العافية.
[ ٩٦ / ٦ ]
عاقبة من أحب الدنيا وقدمها على مرضاة الله
قال الشارح ﵀: [قال ابن عباس ﵄: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: ثوابها ﴿وَزِينَتَهَا﴾ أي: مالها: ﴿نُوَفِّ﴾ نوفر إليهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في المال والأهل والولد ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] أي: لا ينقصون، ثم نسختها: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] الآيتين رواه النحاس في ناسخه].
معنى نسختها: قيدتها، والمقصود بالنسخ هنا التقييد؛ لأن هذه التي في سورة هود مطلقة عامة، والآية التي في سورة الإسراء قيدها جل وعلا بإرادته، وبمن يريد أن يعجل له، فصارت أخص منها، والخاص يقيد العام.
[قوله: ثم نسختها أي: قيدتها، فلم تبق الآية على إطلاقها.
وقال قتادة: من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاءً، وأمَّا المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة.
ذكره ابن جرير بسنده].
إذا جوزي في الدنيا نقص جزاؤه في الآخرة، كما نصت على ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ: (الغزاة إذا غنموا تعجلوا الشيء من جزائهم، وإذا لم يغنموا شيئًا وفر لهم جزاء غزوتهم كاملًا يوم القيامة)، ليس معنى ذلك: أنهم يدخلون فيمن يريدون الدنيا، ولكن الله يجزيهم، فقد يكون الجزاء معجلًا أو بعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا.
[ ٩٦ / ٧ ]
حديث أبي هريرة في أول من تسعر بهم النار
قال الشارح: [ثم ساق حديث أبي هريرة عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح.
قال: حدثني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان، أن عقبة ابن مسلم حدثه، أن شفي بن ماتع الأصبحي حدثه: أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت: أنشدك بحقي وبحق الله لما حدثتني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت، ما فيه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة ﵁ نشغة، ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت ما فيه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة ﵁ نشغةً أخرى، ثم مال خارًا على وجهه، واشتد به طويلا، ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله ﷺ: (أن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة نزل إلى أهل القيامة ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب! قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذاك! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب! قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك! ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة).
].
نشغ أبو هريرة، وغشي عليه ﵁ خوفًا من أن يدخل في عمله شيء كهؤلاء؛ لأنه أبو هريرة ﵁ وصاحب رسول الله ﷺ، فخاف على نفسه حتى صار يغشى عليه من شدة الخوف، وذلك لأن آفات الأعمال والعوارض التي تعرض للعبد كثيرة، فيجب أن يحرص الإنسان على تطهير عمله من إرادة وجوه الناس وإرادة الدنيا، وأن يكون خالصًا لله جل وعلا، وكل إنسان مهما كانت حالته يريد من الآخر نفع نفسه فقط، بصرف النظر عن نفعك.
كل الناس يريدونك لهم ولكن الله جل وعلا يريدك لك، إذا عملت عملًا وفاك إياه وزادك، فإن الله لا تنفعه الطاعة كما أنه لا تضره المعصية جل وعلا، فإذا أمر عبده بشيء فهو لمصلحة العبد فقط، وليس لمصلحة الله، الله جل وعلا لا مصلحة له من طاعة الناس، ولا من أمرهم ولا من معصيتهم، فإذا تعدوا حرمات الله فلن يعجزوه جل وعلا، وسوف يأخذهم في الوقت المناسب الذي يريده جل وعلا، ويلقيهم في جهنم ولا يبالي؛ لأنهم عبيده وملكه، يتصرف فيهم كيف يشاء، ولأنهم عصوه، فما أهون أهل النار على الله جل وعلا؟! لأنهم يتضاغون فيها، ويصيحون حتى تنقطع بهم نفوسهم، ولكن لا يفيد الصياح شيئًا.
جاء في التفسير عند قوله جل وعلا: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]: أن الجواب يأتي بعد آلاف السنين، ويقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، وكذلك الآية الأخرى: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، إلى قوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، أخرجنا منها فإن عدنا يعني: أخرجنا إلى الدنيا مرةً أخرى لنعمل الأعمال الصالحة ونطيع، وبعد فتره طويلة جدًا يأتيهم الجواب، يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، عند ذلك انقطع الرجاء نهائيًا، وتصبح ليس فيها إلا زفير وشهيق دائمًا، فأي هوان أهون من هؤلاء على الله جل وعلا؟ قد هانوا غاية الهوان، ومقتهم الله جل وعلا وعذبهم.
أما يخشى الإنسان من هؤلاء؟ لهذا كان بعض السلف يبكي بكاءً شديدًا؛ ثم إذا لامه أهله، قال: كيف تلوموني وقد توعدني ربي جل وعلا إن عصيته أن يلقيني في جهنم؟ والله لو توعدني أن يسجنني في حمام لحق لي أن أبكي ولا تبقى لي دمعة! ولكن الناس يغفلونَ عن ذلك، ولهذا إذا حضر الإنسان الموت يتغير حاله تغيرًا عظيمًا جدًا، وقد يجزع جزعًا هائلًا، ولكن الناس لا يعرفون عنه شيئًا، والإنسان ما دام صحيحًا فإن أمامه المجال والفسحة، وعليه أن يستعتب ربه ويطلب العتبى من ربه -يعني: يتوب عليه- ويعتذر إلى ربه ويعمل؛ لأنه لا يدري متى يبغته الموت، فإنه يأتيه الموت في أي وقت، فالإنسان ما عنده ضمان في أنه يعيش عشر سنوات أو عشرين سنة أو سنة أو يومًا، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، هل غدًا يكون مريضًا أو يكون صحيحًا؟ أو يكون في عداد الأموات؟ فإذا قيل: فلان مات، انتهى وانقطع العمل والأمل، وأهل الدنيا ينسونه، يعني: آخر خبر به يوم صلي عليه ودفن، يذكرونه أيامًا ثم ينسى، وانتهت القضية، من الذي يصلي له؟ من الذي يصوم له؟ قد طبع على عمله وانتهى، إن كان عمل صالحًا فيرتبط بالعمل ويفرح، وإن كانت أعماله فاسدة فما أكثر الحسرات؟! فالإنسان إذا شاهد هذه القبور يراها ساكنة وفيها البلاء، وفيها أمور هائلة جدًا، والإنسان سيصير عما قريب إلى ما صار إليه أولئك الذين تقدموه، وهذا في كل وقت، وإلى الآن يصلى على عدد من الجنائز، فالناس الذين تراهم الآن معك لن يبقى بعد مائة سنة منهم على وجه الأرض عين تطرف، كلهم يكونون تحت الأرض، ويأتي آخرون مكانهم وهكذا إلى أن ينتهوا.
فالأمور سائرة بسرعة، ولكن شأن الإنسان وأمره قصير؛ لأن كل الوقت الذي يكون مزرعة له هو عمرهُ فقط، والعمر -كما هو معلوم- أكثره ضائع، بعضه في المجالس قيل وقال، وبعضه في الأكل، وبعضه في النوم، وبعضه في المشي وإضاعة الوقت والتفرج، والذي يعمل فيه لله جل وعلا هو القليل، فلو تبصر الإنسان حق التبصر لطرأ له حالة أخرى غير هذه الحالة، والله المستعان.
[ ٩٦ / ٨ ]
أنواع الأعمال التي يفعلها الناس من العبادات
قال الشارح: [وقد سئل شيخنا المصنف ﵀ عن هذه الآية فأجاب بما حاصله: ذكر عن السلف فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه، فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله، من صدقة، وصلاة، وصلة، وإحسان إلى الناس، وترك ظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصًا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب، وهذا النوع ذكره ابن عباس.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية: أنها نزلت فيه، وهو أنه يعمل أعمالًا صالحةً ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة].
صالحة يعني فيما يظهر للناس، وإلا فهي في الباطن فاسدة؛ لأن النية فاسدة.
[النوع الثالث: أن يعمل أعمالًا صالحةً يقصد بها مالًا، مثل أن يحج لمال يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية].
هذا إشارة إلى سبب الحديث الذي قاله الرسول ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يقول العلماء: سبب هذا القول أن رجلًا خطب امرأة في مكة يقال لها: أم قيس، فأبت وقالت: ما أثيبك إلا أن تهاجر، فإن هاجرت فلا بأس، فهاجر من أجل ذلك، فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: (إنما الإعمال بالنيات إلى آخره)، يقولون: هذا سببه، وإن كان هذا السبب فيه ضعف، كما قاله ابن رجب أنه ضعيف، ولكن يكفي قوله: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها -أو قال: يتزوجها- فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يعني: ليس له من الهجرة إلا ذلك، ومعروف أن الهجرة من أفضل الأعمال، ولهذا حق للمهاجرين أن يقدموا على غيرهم بالفضل لهجرتهم؛ لأن الهجرة هي هجر البلد الذي عاش فيه، وفيه ماله وأهله؛ إلى بلد آخر يكون فيه الإسلام ظاهرًا وعزيزًا، ومحاربًا للكفر والفساد.
[وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد كما هو واقع كثيرًا.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله، مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة].
مثل الذي يكون من المسلمين في العمل ولكنه على بدعة تكفره، كأن يعبد أصحاب القبور ويدعوهم، ويطوف عليها، ويتقرب إليهم، وهو يقول: لا إله إلا الله، ويصلي ويصوم، فمثل هذا أعماله فاسدة باطلة؛ لأنه لم يخلص في العبادة ولم يعبد الله وحده، بل عبد معه صاحب القبر، فإن هذا عمله يجزى به في الدنيا فقط.
[ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع أيضًا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منه.
قال: بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
ثم قال: بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس، والزكاة، والصوم، والحج ابتغاء وجه الله، طالبًا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالًا قاصدًا بها الدنيا، مثل: أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا، كما هو واقع فهو لما غلب عليه منهما، وقد قال بعضهم: القرآن كثيرًا ما يذكر أهل الجنة الخلص، وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين: وهو هذا وأمثاله].
يعني: إذا كان الغالب عليه الإخلاص والتقى، فيكون ناجيًا بإخلاصه وتقاه، وإذا كان الغالب عليه المراءاة وإرادة الدنيا، فيكون هالكًا، فهو خاضع لما غلب عليه بالعمل، وهو ما يختم له به؛ لأنه قد يختم للإنسان بعمل صالح يكفر عنه ما سبق، كما قال الرسول ﷺ: (إنما الأعمال بالخواتيم)، وقد ينعكس الأمر فيختم للإنسان بأعمال سيئة يموت عليها، وتكون خاتمته أنه مات على أسوأ أعماله، نسأل الله العافية!
[ ٩٦ / ٩ ]