من أصول أهل البدع تعلقهم بمتشابه القرآن للطعن في الدين، وزعزعة الإيمان في قلوب عامة المؤمنين، ولذا فقد حذر العلماء من مجالسة أهل الأهواء والبدع واستماع شبهاتهم، وصنف أئمة أهل السنة كتبًا نفيسة تدفع زيغ أهل الأهواء وشبهاتهم.
[ ٢٣ / ١ ]
موقف أهل السنة وأهل البدع من المتشابه في القرآن والسنة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: في الدرس الماضي تكلمنا عن التحذير من الخوض في متشابه القرآن، وقلنا: إن الله ﵎ أوحى بكلامه إلى نبيه ﵊ عن طريق جبريل ﵇، فكان من كلام الله المتشابه، ومن كلامه ﷾ المحكم الذي لا يلحقه تأويل ولا نقص.
وعقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالمتشابه: الإيمان به دون خوض فيه.
وفيما يتعلق بالمحكم كعقيدة غيرهم أنهم لا يتأولونه من باب أولى، بل يعملون به.
وقلنا أيضًا: إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالمتشابه كما جاء، ويمرونه على المعنى اللائق بالله ﷿، وذلك إذا كان هذا خاصًا بصفات المولى ﵎.
أما أهل البدع فإنهم يطنطنون ويدندنون حول متشابه القرآن، ويشككون عامة المسلمين في دينهم، وفي كلام ربهم من واقع هذه الآيات التي يبدو فيها التشابه، ويقولون: هذا اضطراب في كلام الله؛ ولذلك يعتبرون هذا حجة على أن هذا ليس من عند الله ﷿، والأمر ليس كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، أي: فلما لم يكن فيه أدنى اختلاف؛ دل على أنه كلام الله ﷿، وكذا كلام الرسول ﷺ، فإذا صح الحديث عن النبي ﵊، وكان بينه وبين حديث آخر -على هذا النحو- في الظاهر تعارض؛ فإنما ذلك مرده إلى العقل الذي يتعامل مع هذين النصين، فإذا صح النصان فلا بد من الجمع بينهما، ومشكاة الوحي واحدة: قرآن، وسنة، ولذلك قال حسان بن عطية ﵀: كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالحديث كما ينزل عليه بالقرآن، والله تعالى زكى كلام نبيه فيما يتعلق بالوحي، فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، سواء كان ذلك في القرآن أو في السنة.
وعادة أهل البدع دائمًا أنهم يقفون عند المتشابه من القرآن ومن السنة على خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة.
فأردنا أن نذكر أمثلة متممة ومبينة وموضحة فيما يتعلق بتعلق أهل البدع بمتشابه القرآن، إذ إن أهل البدع جعلوا التعلق بالمتشابه بوابة للطعن في كلام الله ﷿، وزعزعة الإيمان في قلوب عامة المؤمنين والمسلمين.
وقد اخترنا رسالة فيها نماذج طيبة، وهي منسوبة للإمام أحمد بن حنبل، وعنوانها: الرد على الزنادقة الجهمية.
وفيها: الجزء الأول: الرد على الزنادقة، ثم بعد أن فرغ من شبه الزنادقة رد على شبه الجهمية، قال عبد الله بن الإمام أحمد: هذا ما أخرجه أبي ﵀ في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن، وتأولته على غير تأويل، أي: صرفوا هذه الآيات عن ظاهرها، وعلى غير ما أراد الله تعالى منها.
قال الإمام: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم! هؤلاء العلماء ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس يشبهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتن المضلين.
انتهت مقدمة الإمام.
[ ٢٣ / ٢ ]
قوله تعالى: (بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب)
ثم يبدأ في المسائل التي أثارها الزنادقة: المسألة الأولى: قال أحمد في قول الله ﷿: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت وأبدلهم جلودًا غيرها، فلا نرى إلا أن الله يعذب جلودًا لم تذنب حين يقول: (بدلناهم جلودًا غيرها)! فشكوا في القرآن، وزعموا أنه متناقض.
قال الإمام: إن قول الله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، ليس معناه: جلودًا غير جلودهم، وإنما معناه: جددنا لهم نفس الجلود، أي: أن جلودهم التي احترقت أحياها الله تعالى وأعادها مرة أخرى، فهي نفس الجلود التي كانت تكسو عظامهم في وقت ارتكابهم للذنوب، واستحقوا بموجبها العذاب والحرق، فكلما احترقت جلودهم أرجعها الله ﷿، وجددها لهم مرة أخرى.
وهناك مسألة أخرى لم يذكرها الإمام، وهي: أن العذاب ليس على الجلود فقط، بل على الجلود والأبدان والنفوس والأرواح، وكما أن عذاب القبر يقع على هذا كله، فكذلك عذاب جهنم من باب أولى.
[ ٢٣ / ٣ ]
قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون) وقوله: (عند ربكم تختصمون)
المسألة الثانية: قوله ﷿: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥ - ٣٦].
ثم قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١].
ففي الآيتين الأوليين أثبت أنه لا كلام ولا خصومة مطلقًا، وفي الآية الثالثة: أثبت أن الخصومة قائمة، فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟! فزعموا أن هذا الكلام ينقض بعضه بعضًا؛ فشكوا في القرآن.
قال الإمام: أما تفسير: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات:٣٥]، فهذا أول ما تبعث الخلائق، أي: لا ينطقون ولا يتكلمون بكلمة واحدة، بل هم يدعون ويبعثون من قبورهم، فهذا أول ما جمعت الخلائق على مقدار ستين سنة، فلا ينطقون ولا يؤذن لهم في الاعتذار بين يدي الله ﷿ حتى يقدموا المعذرة، ثم يؤذن لهم في الكلام فيتكلمون، فذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، أي: الآن أبصرنا العذاب وعقلناه؛ فارجعنا إلى الدنيا فإننا سنعمل صالحًا، فإذا أذن الله ﷿ لهم في الكلام فتكلموا اختصموا في ذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١]، أي: عند الحساب وإعطاء المظالم، ثم يقال لهم بعد ذلك: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق:٢٨]، أي: انتهت الخصومة الآن، فكل منكم يلوم الآخر ويلقي بالملامة عليه، فإن العذاب مع هذا القول سار، والنبي ﵊ يقول: (من نوقش الحساب عذب).
[ ٢٣ / ٤ ]
قوله تعالى: (عميًا وبكما وصمًا) وقوله: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة)
وأما قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧]، وفي آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠].
ففي الآية الأولى: أنهم عمي وبكم وصم.
وفي الثانية: ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، فقالوا: كيف يحشرهم الله يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا، وفي موضع آخر ينادي بعضهم على بعض؟! أي: موضع لا كلام فيه، وموضع فيه كلام، كيف يكون ذلك؟ فشكوا في القرآن من أجل ذلك.
قال الإمام أحمد: أما تفسير: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، مع قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠]، فإنهم أول ما يدخلون النار يكلم بعضهم بعضًا، وينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم:٤٤]، ويقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهم يتكلمون حتى يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، أي: اسكتوا، ولا يتكلم منكم أحد؛ فصاروا فيها عميًا وبكمًا وصمًا، أي: يتكلمون أولًا، ثم يضرب عليهم البكم والصم والعمى، وينقطع الكلام ويبقى الزفير والشهيق؛ فهذا تفسير ما شك فيه الزنادقة من قول الله تعالى.
[ ٢٣ / ٥ ]
قوله تعالى: (ولا يتساءلون) وقوله: (يتساءلون)
وأما قوله: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، وفي آية أخرى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠].
فالآية الأولى: أثبتت أنه لا أنساب بينهم، وأنه لا يسأل أحدهم الآخر.
والآية الثانية: أثبتت هذا التساؤل: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠]، فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟! فشكوا في القرآن من أجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله ﷿ وعلا: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، فهذا عند النفخة الثانية إذا قاموا من القبور، فلا يتساءلون ولا ينطقون في ذلك الموطن، فإذا حوسبوا ودخلوا الجنة والنار؛ أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ٦ ]
قوله تعالى: (ما سلككم في سقر) وقوله تعالى: (فويل للمصلين)
المسألة الثالثة: قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣]، وقال في آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤].
فقالوا: إن الله قد ذم قومًا كانوا يصلون، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، وقال في قوم: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم لم يكونوا يصلون؛ فشكوا في القرآن من أجل ذلك.
وانظروا إلى أهل البدع كيف يشككون في القرآن؟! وما علموا أن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] مرتبطة بما بعدها، لكنهم أخذوها فقط، فقالوا: الصلاة إما مذمومة وإما ممدوحة، فقلنا: هي ممدوحة، فقالوا: فلم يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]؟ ووقفوا عند هذه الآية، ولم يذكروا قوله بعدها: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥]، وإنما اجتزءوا من السورة هذه الآية فقط! و(ويل) هو وادٍ في جهنم كما هو معلوم من أقوال كثير من المفسرين.
ثم قالوا: إذا كانت هذه الصلاة ممدوحة فلم جعل الله تعالى للمصلين الويل، وإذا كانت كذلك فلم جعل الله تعالى لهم دركة من دركات النار وهي وسقر، فقال: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣].
فقالوا: الله تعالى عذب المصلين في كل الأحوال، فإما أن يدخلهم سقر؛ لأنهم لم يصلوا، وإما أنه أدخلهم الويل لأنهم كذلك قد صلوا، فيقولون: هذا ليس من الكلام المحكم لله ﷿.
وهذه طريقة أهل البدع دائمًا، أي: أن طريقة أهل البدع الخيانة في العلم، وترك الأمانة في العلم، فإذا أرادوا أن يستدلوا لشبهتهم ولأهوائهم بدليل من الكتاب أو من السنة، أو حتى من أقوال أهل العلم؛ إنما يأخذون من الكلام ما يتفق مع بدعتهم ولو في الظاهر، ويتركون سياق الكلام الذي يخدم القضية برمتها.
فقال الإمام: أما قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، فعنى بها المنافقين، ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥]، أي: يؤخرون الصلاة حتى يذهب وقتها.
قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٦]، أي: إذا رءوهم صلوا، وإذا لم يروهم لم يصلوا، فهم لا يصلون إلا رياءً وسمعة.
وأما قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣]، أي: من الموحدين المؤمنين.
فهذه ردود على هذه الشبهة.
[ ٢٣ / ٧ ]
قوله تعالى: (خلقكم من تراب)، وقوله: (من طين)
المسألة الرابعة: قول الله ﷿: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠]، ثم قال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١]، ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، ثم قال: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦]، ثم قال: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤].
فهم يشكون في كلام الله ﷿ فيقولون: هذه ملابسة، أي: هذا الكلام مشكل متشابه، ينقض بعضه بعضًا.
قال الإمام: هذا بدء خلق آدم، فقد خلقه الله من تراب، ثم من طينة حمراء وسوداء وبيضاء، من طينة طيبة وسبخة، وكذلك ذريته: طيب وخبيث، أسود وأحمر وأبيض، ثم صار ذلك التراب طينًا؛ فذلك قوله: (من طين)، فلما لصق الطين بعضه ببعض صار طينًا لازبًا، أي: متماسكًا.
ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، أي: مثل الطين إذا عصر انسل من بين الأصابع.
فأنت إذا أخذت قطعة من الطين فجعلتها في يدك، ثم عصرتها؛ انسل الطين من بين أصابعك.
ثم نتن هذا الطين فصار حمأً مسنونًا.
أي: خلق الله الخلق من الحمأ، فلما جف صار صلصالًا كالفخار، يقال: صار له صلصلة، أي: جرس كصلصلة الفخار، وله دوي كدوي الفخار، فهذا بيان خلق آدم.
وأما قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨]، فهذا بدء خلق ذريته من سلالة، أي: النطفة إذا انسلت من الرجل لا من آدم؛ لأن آدم لم يخلق من نطفة، وإنما خلق من طين.
[ ٢٣ / ٨ ]
قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب)، وقوله: (رب المشرقين)
المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل:٩]، وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠]، فشكوا في القرآن وقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم لله ﷿؟! أما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء:٢٨]، فهذا اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، فقد أقسم الله بمشرقه ومغربه؛ لأنكم تعلمون أن الأيام والليالي على مدار السنة يطول فيها النهار ويقصر فيها الليل، أو يقصر فيها النهار ويطول فيها الليل، فقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل:٩]، أي: رب مشرق هذا اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، فيكون النهار اثنتي عشرة ساعة، ويكون الليل اثنتي عشرة ساعة، فأقسم الله تعالى بهذا اليوم، والله تعالى يقسم بالعظيم من مخلوقاته، بخلاف المخلوق، فلا يقسم إلا بالله أو بأسمائه أو صفاته.
وأما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، فهذا أطول يوم في السنة وأقصر يوم في السنة.
فإذا قلنا: إن أيام السنة ولياليها تدور بين الطول والقصر؛ فلا بد أن هناك يومًا هو أقصر أيام السنة، ولا بد أن هناك ليلًا هو أقصر ليالي السنة.
ففي هذا الموطن أقسم الله تعالى بأقصر أيام السنة، أو بأطول أيام السنة.
وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠]، أي: مشارق السنة ومغاربها.
وهذا ما شكت فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ٩ ]
قوله تعالى: (وإن يومًا عند ربك)، وقوله: (تعرج الملائكة والروح إليه)
المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، أي: في أيامكم، وهذا يوم يساوي ألف سنة مما نعد.
وقال في آية أخرى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، فهذا أيضًا يوم يساوي ألف سنة مما نعد.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤].
فأثبت أن اليوم عند الله ﷿ يساوي ألف سنة مما نعد، كما أثبت أن الملائكة والروح تعرج إليه في يوم يساوي خمسين ألف سنة، فقالوا: كيف يكون هذا الكلام محكمًا وهو ينقض بعضه بعضًا؟ قال الإمام في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، أي: أن هذه الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض كل يوم كألف سنة.
وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥].
قال: ذلك أن جبريل ﵇ كان ينزل على النبي ﷺ ويصعد إلى السماء في يوم كان مقداره ألف سنة، وذلك أنه من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، فهبوطه خمسمائة وصعوده خمسمائة، فذلك ألف سنة.
وأما قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، قال: لو ولي حساب الخلائق غير الله ﷿ ما فرغ منه في يوم مقداره خمسين ألف سنة، لكن الله تعالى يفرغ منه في نصف يوم من أيام الدنيا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، أي: سرعة في الحساب.
[ ٢٣ / ١٠ ]
قوله تعالى: (والله ربنا ما كنا مشركين) وقوله: (ولا يكتمون الله حديثًا)
المسألة السابعة: قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢]، إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، أي: أنهم أنكروا عند الله ﷿ أنهم اتخذوا شركاء وأندادًا له ﷾.
وقال في آية أخرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢].
فهذه الآية صرحت أنهم لا يستطيعون إنكار ما كانوا عليه من شرك، بل يحدثون الله تعالى بما كانوا عليه من الشرك.
وعليه فالزنادقة شكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض.
قال الإمام: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، وذلك أن هؤلاء المشركين إذا رءوا عفو الله عن أهل التوحيد يقول بعضهم لبعض: إذا سألنا نقول لم نكن مشركين، فلما جمعهم الله وجمع أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دونه قال لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢]، ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣].
فلما كتموا الشرك ختم الله على أفواههم وأمر الجوارح فنطقت بذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
وانظر إلى الإمام فإنه يقول: هذا تفسير ما شكت، ولم يقل: ما تأولت، ولا ما توهمت، ولا ما جهلت، وإنما يقول: هذا تفسير ما شكت؛ لأن عادة أهل البدع الشك، كما قال المخبول طه حسين: الأصل عندي في كتاب الله الشك حتى يتميز لي، أي: أنه يشك في كلام الله؛ لأنه تربى على منهج الملاحدة والزنادقة.
[ ٢٣ / ١١ ]
قوله تعالى: (إن لبثتم إلا عشرًا) (ما لبثوا غير ساعة) (إن لبثتم إلا يومًا)
أما قوله ﷿: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥]، أي: يوم تقوم الساعة ويبعث الناس من قبورهم يقسم المجرمون أنهم ما لبثوا في القبر غير ساعة واحدة، وقالوا: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٣]، أي: يتهامسون فيما بينهم يقول بعضهم لبعض: ما لبثتم أكثر من عشر، فطائفة تقول: ساعة، وطائفة أخرى تقول: عشرًا، وقال: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤]، وقال: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، ومن أجل ذلك شك الزنادقة كم لبثوا؟ يومًا عشرًا ساعة قليلًا يومًا.
فقوله تعالى: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٣] يقولون ذلك إذا خرجوا من قبورهم، وذلك إذا نظروا إلى ما كانوا يكذبون به من أمر البعث؛ لأن أول شيء تقع عليه أعينهم حين يبعثهم الله من قبورهم أنهم يرون ما كانوا يكذبون به في الحياة الدنيا، فيتجادلون ويختصمون ويتكلمون فيما بينهم، ويقول بعضهم لبعض: إن لبثتم في القبور إلا عشر ليال، ثم استكثروا العشر، فقالوا: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤]، أي: في القبور، ثم استكثروا اليوم فقالوا: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، ثم استكثروا القليل فأقسموا ما لبثوا غير ساعة من نهار، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ١٢ ]
قوله تعالى: (قالوا لا علم لنا) وقوله تعالى: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم)
وأما قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، أي: ماذا كان موقف الأمم منكم؟ ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة:١٠٩]، هذا رد الأنبياء والمرسلين على الله ﷿ لما سألهم عن العلاقة التي كانت بينهم وبين أقوامهم.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود:١٨]، فقالوا: كيف يكون هذا، يقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة:١٠٩]، ثم يقولون: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود:١٨]، فزعموا أن القرآن متناقض ينقض بعضه بعضًا.
يقول الإمام: أما قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، فإنه يسألهم عند أول زفرة لجهنم، فيقول: ماذا أجبتم في التوحيد؟ فتذهل عقولهم عند زفرة جهنم، فيقولون: لا علم لنا.
والذي يترجح لدي: أن الأنبياء إنما قالوا: لا علم لنا؛ تأدبًا مع الله ﷿.
ثم ترجع إليهم عقولهم من بعد فيقولون: «هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ»، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ١٣ ]
قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة)، وقوله تعالى (لا تدركه الأبصار)
المسألة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال في آية أخرى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣].
فقالوا: كيف يكون هذا؟ يخبر أنهم ينظرون إلى ربهم، وقال في آية أخرى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فشكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض لأجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، من النضرة والحسن والبياض والبهاء، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، أي: تعاين ربها ﷿ في الجنة، فهي تنظر إليه بأعينها، وهذا خاص بالمؤمنين دون غيرهم، وعلى هذا إجماع أهل السنة كما في قول النبي ﵊: (هل ترون القمر ليلة البدر، ليس دونه غيم؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترون الشمس في رابعة النهار؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته).
وفي رواية: (لا تضارون في رؤيته)، أي: لا يحصل لكم ضيم ولا غيم ولا اختلاف دون رؤيته، فكما أنكم ترون القمر في ليلة البدر حقًا مستديرًا نيرًا مضيئًا؛ فكذلك سترون الله ﷿، وليس هذا تشبيهًا لله ﷿ بالقمر، وإنما هو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا تشبيه للمرئي بالمرئي، وهذه جزئية في غاية الأهمية، ودائمًا أهل السنة يدندنون حول هذا الأمر.
قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر)، تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي وهو الله ﷿ بالمرئي وهو القمر، فالله تعالى ليس كالقمر، ولا نقول: إنه كالقمر، بل ذات الله تعالى وصفاته لا يعلم كيفيتها إلا هو، فنحن نؤمن بها ونثبتها لله كما أثبتها لنفسه كما يليق بجلاله وكماله ﷾.
وأما التشبيه والتكييف والتمثيل فلا نقول به، كما لا نقول بالتعطيل والتحريف والتأويل من باب أولى.
أما قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فالإدراك بمعنى الإحاطة، فأنت عندما تنظر إلي لا تدركني؛ لأنك تراني من أحد جوانبي، ولا تراني من كل جوانبي.
وإذا حملنا الإدراك على الرؤية فنقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أي: في الدنيا، فلا تستطيع العين أن تنظر إلى الله تعالى، والله تعالى مرئي، لكن في الآخرة وليس في الدنيا، ولذلك لما سأل موسى ﵇ ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولم يقل: أنا لا أُرى، وإنما قال: لن تراني، أي: لن تراني يا موسى وأنت في هذه الحياة الدنيا، ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، لكن الجبل لم يستقر، بل ﴿جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وهذه آية من آيات الله ﷿، لو قال الله تعالى لموسى: أنا لا أُرى؛ لكان هذا نفيًا للرؤية في الدنيا والآخرة، لكنه قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: لن تراني الآن وأنت في هذه الحياة، لكنك بعد موتك وبعثك ستراني يوم القيامة، وكذا تراني في الجنة.
فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أي: لا تحيط به الأبصار حتى بعد أن تراه في الآخرة.
ومن فسر الإدراك بالرؤية حمل الآية على: لن تراني، أو لا تراه الأعين والأبصار في الدنيا.
فلا تعارض بين قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وبين قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
و(يومئذ) هو يوم القيامة باتفاق المفسرين وباتفاق أهل السنة.
ولم يختلف أهل السنة والجماعة في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة، أما الكافرون والمشركون فإنهم لا يرونه، بل يحجبون عن رؤيته.
ووقع خلاف بين أهل العلم من أهل السنة في رؤية المنافقين لله ﷿: فبعضهم يقول: يرون الله تعالى رؤية ذل وصغار، أي: يعاقبهم الله ﷿ فينظرون إليه، ويسمح لهم بالنظر إليه تحسرًا على ما كان منهم من نفاق.
ومنهم من يقول: بل هم كالكفار؛ لأنهم حقيقة كفار، فهم لم يؤمنوا بالله ولا برسوله، وهذه المسألة مما لا يبدع فيها المخالف.
فقال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أي: في الدنيا دون الآخرة، وذلك أن اليهود قالوا لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [النساء:١٥٣]، فماتوا وعوقبوا لقولهم: «أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً»، وقد سأل مشركو قريش النبي ﷺ فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللّ
[ ٢٣ / ١٤ ]
قول موسى: (وأنا أول المؤمنين) وقول السحرة: (إن كنا أول المؤمنين)
المسألة التاسعة: قول موسى: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣].
وقال السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١].
فإذًا موسى قال: (أنا أول المؤمنين)، والسحرة قالوا: (إن كنا أول المؤمنين).
وقال النبي ﵊: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣]، فقالوا: كيف قال موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقد كان قبله إبراهيم مؤمنًا ويعقوب وإسحاق؟! وقالت السحرة وهم الذين آمنوا بموسى: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١]، وكيف جاز للنبي أن يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣]، وقد كان قبله مسلمون كثيرون مثل عيسى ومن تبعه؟ فشكوا في القرآن وقالوا: إنه متناقض.
و
الجواب
أن قول موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولا يراني أحد في الدنيا إلا مات، أي: صعق.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: أول المصدقين أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: من هذا السؤال، فلا أسألك الرؤية مرة أخرى؛ لعلمي باستحالتها في الدنيا في حق المخلوقين.
أما في الآخرة فالعقيدة قائمة وثابتة أنه يراه أهل الإيمان، ويحجب عنه الكافرون.
وأما قول السحرة: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١]، أي: أول المصدقين برسالة موسى ﵇، فالإيمان بمعنى: التصديق، وهذا معناه اللغوي، ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، أي: بمصدق لنا.
وهذا بخلاف تفسير الإيمان عند أهل السنة والجماعة، إذ إنه قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح.
ولذلك اغتر المرجئة بتعريف الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق فقط.
والجهمية قالوا: الإيمان هو العلم.
ومنهم من قال: الإيمان هو المعرفة.
ولا شك أن تعريف الإيمان على هذا النحو لا يصدق مع مذهب الاستقامة عند أهل السنة والجماعة؛ لأنهم -أي: المرجئة- يخرجون العمل عن مسمى الإيمان وحقيقته، كما أن الجهمية يجعلون إبليس من المؤمنين؛ لأنه كان يعلم ويعرف ربه حق المعرفة، فهم يقولون: الإيمان هو المعرفة، أو الإيمان هو العلم، لكن إبليس يعلم أن الله تعالى رب، ويعرف حقيقة الله ﷿، ويعلم ذلك تمام العلم، فهل يصير بذلك مؤمنًا؟! لذلك كانت هذه التعريفات للإيمان من جهة الاصطلاح كلها تعريفات منابذة لتعريف أهل السنة والجماعة.
وأحيانًا الواحد منا يدخل في تحد، أو في مسابقة، أو غير ذلك، وهذا الكلام من كلام العرب، فيقول: لو أنك يا بني نجحت في الامتحان، وأتيت بدرجة (١٠٠%)؛ فأنا أول من يمنحك هدية، لكن سبقك إلى الإهداء غيرك، وكذلك قولي: لو أنكم فعلتم كذا وكذا لكنت أنا أول المطبقين، فلا يلزم أن أكون أول المطبقين على الإطلاق، لكن يلزم أنني من أوائل المطبقين لهذا الكلام، وغير ذلك من الأمثلة كثير، والمقصود هنا: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: أنا أكون أول من يؤمن بهذا، ولا يلزم من ذلك الأسبقية المطلقة في الإيمان والتصديق، وإنما ذلك مثل ما تقول بالضبط: لو أنك يا فلان ذهبت إلى زيارة والديك فسوف تجدني أول من يدخل بيتك، ويحملك إلى والديك، وآخر مات أبوه وأمه فقال: الذي يمنعني من زيارتهما هو عدم وجود المواصلات، فقلت له: لو أنك مستعد لزيارة والديك فستجدني أول من ينتظرك بسيارتي عند بابك ليحملك إلى والدك، وعليه فإذا أبدى الموافقة فلا يلزمك أنك تكون أسبق الناس إليه، بل ربما سبقك غيرك.
إذًا معنى كلامي: لو أنك مستعد لزيارة والديك ستجدني على أتم استعداد لحملك.
وهكذا قول الأنبياء: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقول السحرة ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١]، أي: من أوائل المؤمنين المتابعين المصدقين لهذا الوحي الذي نزل من السماء.
وأما قول النبي ﵊: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣]، أي: من أهل مكة، أو يحمل على كلامنا السابق، وهذا تفسير ما شك فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ١٥ ]
قوله تعالى: (أدخلوا آل فرعون)، وقوله: (فإني أعذبه عذابًا)
المسألة العاشرة: قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥]، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].
قالوا: هذه الآيات كلها متناقضة؛ فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
كيف يقول الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، أي: معناه أن فرعون ومن معه في أشد دركات العذاب، ثم يقول: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥] ثم يثبت الله تعالى أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فكيف يكون فرعون ومن معه في أشد دركات العذاب؟ ثم كيف يكون المنافقين في الدرك الأسفل من النار؟ والمعلوم أن فرعون لم يكن منافقًا، بل كان كافرًا كفرًا بواحًا صريحًا.
قال الإمام: قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، أي: أشد العذاب في ذلك الباب الذي يدخلون فيه.
ولذلك نحن قلنا: إن الجنة لها ثمانية أبواب، والنار لها سبعة أبواب، ولكل باب منها دركات، وفرعون ومن معه يدخلون من باب واحد، فهم يدخلون أشد دركات العذاب من هذا الباب، والمنافقون يدخلون من باب آخر، لكنهم يكونون في هذا الباب الذين يدخلون منه في الدرك الأسفل من النار.
فهل بقي هناك شك؟ ليس هناك شك في ذلك.
قال: وقوله: ﴿عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥] وذلك أن الله تعالى مسخهم خنازير؛ فعذبهم بالمسخ ما لم يعذب سواهم من الناس.
وأما قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]؛ لأن جهنم لها سبعة أبواب: جهنم، ولظى، والحطمة، وسقر، والسعير، والجحيم، والهاوية، أعاذنا الله وإياكم منها.
[ ٢٣ / ١٦ ]
قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) وقوله: (شجرة الزقوم طعام الأثيم)
أما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦]، أي: أن الضريع هو طعام أهل النار، ثم بين أنهم كذلك يأكلون من شجرة الزقوم، فقال: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤].
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦]، أسلوب حصر بإلا.
يفيد حصر الطعام لأهل النار في الضريع، لكن كيف يقول مرة أخرى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٥]، فأخبر أن لهم طعامًا غير الضريع؟! فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦]، أي: ليس لهم طعام إلا من ضريع في ذلك الباب الذي دخلوا منه -كما قلنا تمامًا في المسألة الأولى- وهذا الضريع ليس في الباب الآخر، وإنما الذي في الباب الآخر هو الزقوم، وهكذا كل باب له طعام، وهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ١٧ ]
قوله تعالى: (أن الكافرين لا مولى لهم)، وقوله: (ثم ردوا إلى الله مولاهم)
المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]، وهم مشركون كافرون، فكيف أثبت أن الله مولاهم الحق في الآية الثانية، وفي الآية الأولى قال: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]؟ إن هذا تناقض يرد به القرآن، فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:١١]، فالمولى هنا بمعنى: الناصر والمعين، أي: أن الله ناصر الذين آمنوا، «وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ»، أي: لا ناصر لهم.
وأما قوله: «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ»؛ لأنهم في الدنيا اتخذوا أربابًا وآلهة باطلة أولياء من دون الله ﷿؛ فكان أحدهم يوالي من يعبده من غير الله ﷿، فيتخذه وليًا وحميمًا وناصرًا ومولى؛ فبين الله ﷿ لهم في الآخرة أنه لا مولى على الحقيقة إلا هو ﷾، وهذا مما شكت فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ١٨ ]
قوله تعالى: (إن الله يحب المقسطين)، وقوله: (وأما القاسطون)
المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥]، فكيف يجعل الله تعالى القاسطين لجهنم حطبًا، مع أنه أخبر أنه يحبهم؟! حتى تعلم أن أصحاب البدع دائمًا جهلة بأصول اللغة، فهم أجهل من دوابهم التي يركبونها؛ لأن المقسط غير القاسط، فالله ﷿ أثبت أنه يحب المقسطين، وأثبت أن القاسطين هم حطب جهنم، فهم قالوا في هذا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ واعلم أنه ما من صاحب بدعة يجتهد عليك، ويشكك فيما أنت فيه إلا من واقع هذه الأمثلة، وإذا كان الحق واحدًا، فالذي تسمعه في القرن الأول الهجري ستسمعه في اليوم الذي يسبق قيام الساعة، والكلام الذي نقوله نحن الآن أخذناه من أسلافنا، وليس من أقوالنا نحن.
وكذلك أنتم تبلغونه عني، وغيركم يبلغه عنكم، وهكذا؛ لأن الحق واحد لا يتعدد.
وأهل الباطل كذلك لهم شبهات وأهواء ومشارب فاسدة يتلقونها واحدًا عن واحد، وخلفًا عن سلف، ولذلك انظر لأي إنسان من أهل البدع والأهواء، وقل له: هات ما عندك، فوالله لا يستطيع ولا يقوى أن يذكر لك شبهة لم يقل بها أحد من أسلافه، بل لا بد أن يذكر ما تقدمه به أسلافه، فلا تزال الشبة هي هي، ولا يزال الحق هو هو، فهذا له أبناؤه، وذاك له أبناؤه.
ولذلك عمد العلماء من أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان ألا يجيبوا عن أسئلة أهل البدع إذا كان ذلك الأمر يطرح على الملأ، وقد سأل واحد من أهل الأهواء والبدع مالكًا في مسألة فأطرق ولم يرد، فأعاد عليه، فأطرق ولم يرد، فأعاد عليه؛ فقال: يا فلان! سل تعلمًاَ ولا تسأل تعنتًا، أي: أن الذي يمنعنا من الرد عليك ليس هو العي والجهل والعجز، وإنما أمرنا أن نضع العلم في أهله، فإن كان صاحب هوى لا يتكلم إلا في الفتن والشبهات وغير ذلك؛ فهذا خليق وجدير بأن لا يعلَّم، ودولة الحق إلى قيام الساعة، والباطل عمره ومدته ساعة من زمان، فلا يصبر عليه صاحبه، وإنما تمل نفسه سريعًا، ولذلك أنا دائمًاَ أوصي نفسي والآخرين على القوة والمتانة في حمل الحق والدعوة إليه بالليل والنهار؛ لأن أهل الباطل في هذا الزمان انتفشوا بصورة لم يسبق لها مثيل؛ لغياب الحاكم بهذا الدين وبهذه الشريعة، فتكلم كل ناعق بما عنده، ونضح كل قدر بما فيه، وأهل الحق قلَّ منهم من يتكلم، وهذه مفارقة عجيبة جدًا، جديرة بأن تنزل عليهم من السماء صاعقة، لا أصحاب الباطل فحسب، بل تبدأ هذه الصاعقة بنا أهل الحق؛ لأن كثيرًا منهم يعرف الحق ولا يتبعه، ويعلم أن هذا منكر ولا يجتنبه.
قال الإمام: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥]، أي: العادلون بالله الجاعلون له عدلًا من خلقه، فيعبدونه مع الله؛ ولذلك المقسط هو العدل، يقال: أقسط يُقْسِط فهو مقسط إذا عدل، وقسط يَقْسِط فهو قاسط إذا جار، فالقسط هو الجور والعدول عن الحق، والقاسطون هم الجائرون المائلون العادلون عن الحق.
وكنا من قبل نسمع: (يد القاسط في النار وإن عدل)، وهو حديث موضوع.
وليس في كتب الموضوعات، بل نحن الذين وضعناه، فالذي وضعه شخص منا، ومعناه في الحقيقة: وإن عدل عن الحق، فالكلام في هذا المتن مستو، لكن السند إلى النبي ﵊ غير صحيح.
فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، أي: العادلين القائمين بالحق وعلى الحق.
وقوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٥]، أي: المائلون عن الحق، وبذلك تنتهي هذه الشبهة.
[ ٢٣ / ١٩ ]
قوله تعالى عن المؤمنين: (بعضهم أولياء بعض) وقوله: (ما لكم من ولايتهم من شيء)
المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١].
وقال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فكان عند من لا يعرف معناه ينقض بعضه بعضًا.
قال الإمام: أما قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فالولاية هنا بمعنى: الإرث؛ لأن النبي ﵊ جعل الأمر في أوله إخاءً بين المهاجرين والأنصار؛ فكان إذا مات أحد المهاجرين ورثه الأنصاري، وإذا مات الأنصاري ورثه المهاجري.
فكان الميراث يوزع على أساس الأخوة في الإيمان، وكان هذا أول الأمر، ثم نسخ في شريعة النبي ﵊ بأن رد إلى الأنساب بعد ذلك.
وكان في ذلك الوقت من آمن وبقي في مكة ولم يهاجر ليس له حق في الميراث، فلا يأتي شخص مثلًا آمن ثم يبقى في مكة، وله أخ آمن وهاجر، فإذا آخى النبي ﷺ بين هذا المهاجري وبين أحد الأنصار فمات المهاجري؛ فليس لأخ المهاجر في مكة إرث، بل إرثه لأخيه الأنصاري، دون من ترك الهجرة وبقي في مكة.
فكان هذا هو الأصل في أول الأمر، حيث ترتب على هذه المؤاخاة حقوق منها: الإرث، أي: ثبوت الإرث بإخوة الإيمان بين المهاجرين وبين الأنصار، وهذا حكم نسخ بقول الله ﷿: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦].
فقال: «بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ»، فهذه الآية نسخت قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ﴾ [الأنفال:٧٢]، أي: من إرثهم، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فانتهت بذلك هذه الشبهة.
[ ٢٣ / ٢٠ ]
قوله تعالى لإبليس: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وقول موسى: (هذا من عمل الشيطان)
المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢].
وقال موسى حين قتل النفس: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]، وشكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض؛ لأن موسى من عباد الله المخلصين، فكيف قتل هذه النفس، مع أن هذا من تسلط الشيطان، والشيطان لا سبيل له على المتقين؛ لقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]؟ والذي أريد أن أقوله: إن موسى قتل النفس قبل أن يكون نبيًا، وهذا كفيل بإزالة الإشكال، وأهل الجاهلية منهم الصالح ومنهم الفاسد، وعلى أي حال فـ ابن كثير ﵀ قد نقل الخلاف في هذه القضية، والذي ترجح لدى القرطبي وغيره: أن قتل النفس كان قبل البعثة، وأنه لم يرتكب نبي كبيرة قط بعد بعثته، وهذا الذي يترجح لدي؛ لإجماع أهل السنة والجماعة على ذلك؛ لأنكم تعلمون أن الأنبياء معصومون في تلقي الوحي، وفي تبليغ الوحي، ومعصومون من الكبائر، وليسوا كذلك فيما يتعلق بالصغائر، وهذا مذهب أهل الحق.
وانظر إلى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أما قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، أي: الذين استخلصهم الله لدينه، ليس لإبليس عليهم سلطان أن يضلهم في دينهم أو عبادة ربهم، لكن يصيب منهم من قبل الذنوب.
أما الشرك فلا يقدر إبليس أن يضلهم عن دينهم؛ لأن الله تعالى استخلصهم لدينه وعبادته.
وأما قول موسى: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]، أي: من تزيين الشيطان، كما زين ليوسف ولآدم وحواء وهم عباده المخلصون؛ فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ٢١ ]
قوله تعالى: (اليوم ننساكم كما نسيتم)، وقوله (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى)
المسألة الخامسة عشرة: قول الله تعالى للكفار: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، واليوم هو يوم القيامة، وقال في آية أخرى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢].
فأثبت الله تعالى في هذه الآية أنه لا ينسى، وفي الآية الأولى أثبت أنه ينسى.
قال الإمام: أما قوله تعالى: «الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا»، فالنسيان بمعنى الترك في النار، فيكون التقدير: فاليوم نقذفكم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم، والإيمان بهذا اليوم.
وأما قوله: «فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى»، أي: لا يذهب من علمه ولا حفظه، ولا ينساه المولى ﷿؛ لأن النسيان صفة نقص لا تليق إلا بالمخلوق، أما العلم التام الكامل المطلق فهو صفة من صفات الله ﷿.
[ ٢٣ / ٢٢ ]
قوله تعالى: (ونحشره يوم القيامة أعمى) وقوله تعالى: (فبصرك اليوم حديد)
المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥]، أي: كنت أبصر بعيني في الدنيا، فلم حشرتني هنا أعمى؟ وقال في آية أخرى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، فكيف يحشره الرب أعمى؟ وكيف يثبت أن بصره في ذلك اليوم حديد؟ قالوا: كيف يكون هذا من كلام الله المحكم؟ فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
قال الإمام: قوله تعالى: «وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى»، أي: أعمى عن حجته؛ لأن العمى نوعان: عمى البصر، وعمى البصيرة، وعمى البصيرة أشد من عمى البصر، فعبر الله ﷿ عن عمى البصيرة في يوم القيامة بالعمى.
وقال: «رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى»، أي: لم حشرتني أعمى عن حجتي، وقد كنت بصيرًا بها، أي: بحجتي، مخاطبًا بها؛ فذلك قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص:٦٦]، أي: ضلت عنهم، والأنباء هي الكتب، فهم لا يتساءلون.
وأما قوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، ذلك أن الكافر إذا قرب من قبره شخص ببصره، ولا يصرف بصره قط حتى يعاين جميع ما كان يكذِّب به من أمر البعث.
فلما عاين ببصره الذي ركبه الله تعالى فيه على نحو معين يدرك به الحقائق التي كان يكذب بها؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢]، أي: بعد أن عاين الكافر ما كان يكذِّب به؛ قال الله تعالى كالمبكِّت له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، أي: كشفنا عنك غطاء الآخرة، فبصرك حديد لا يصرف حتى تعاين وترى جميع ما كنت تكذب به من أمر البعث؛ فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
[ ٢٣ / ٢٣ ]
قوله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى)، وقوله: (إنا معكم مستمعون)
المسألة السابعة عشرة: قول الله تعالى لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥]، فقالوا: كيف قال: «إِنَّنِي مَعَكُمَا»، وقال: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾؟ فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥]، فهذا من مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: إنا سنجري عليك رزقك، بصيغة الجمع، فيحمل على التعظيم، ومثله: قول الرجل للآخر: نحن نحبك في الله، وهو واحد، وإنما يقصد بذلك التعظيم.
وأما قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فكذلك جائز في اللغة، يقول الرجل الواحد للرجل: سأجري لك رزقك، أو سأفعل بك كذا وكذا.
هذه المسائل التي اختارها الإمام للرد على الزنادقة، وأما رده على الجهمية فهو رد طويل لا داعي له الآن، خاصة وأن الإمام يدخل في قضية خلق القرآن.
لكن الإمام هنا يقول: إذا سمع الجاهل قول هؤلاء الزنادقة؛ يظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله.
وهذا دائمًا مذهبهم، حتى يكسبوك للجهمية، وهم في الحقيقة معطلة ونفاة، إذ إنهم يقولون: نحن لا نثبت لله وجهًا ولا عينًا ولا يدًا ولا ساقًا؛ لأننا لو أثبتنا نكون بذلك قد شبهنا الخالق بالمخلوق، فنحن ننزه الخالق عن مشابهته المخلوقين.
فهم الآن عطلوا الله ﵎ عن صفاته تحت ما يسمونه بالتنزيه، أي: نزهوا المولى ﷿ أن يشابه مخلوقاته؛ فوقعوا في شر من ذلك وهو التعطيل.
ومثلهم الأشاعرة ومن معهم من المتأولين، فقد أولوا الصفات.
أما الفريق الذي يقابلهم فهم الممثلة والمشبهة الذين يقولون: يد الله تعالى كأيدينا، ووجه الله تعالى كوجوهنا، وساق الله تعالى كسوقنا؛ حتى شبهوا الخالق بالمخلوق، لكنهم تأدبوا شيئًا ما، فقالوا: الله تعالى أفضل وأجمل ما يكون في المخلوق؛ فجعلوا الله ﵎ رجلًا جميلًا؛ لأنهم أثبتوا هذه الصفات على الحقيقة.
وأهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا: نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات والأسماء، لكننا نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فنثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﵊، لكن على وجه لا يليق قط أن يكون بالمخلوقين، بل يليق بجلال الله تعالى وكماله وعظمته.
يقول الإمام: فإذا سمع الجاهل قوله؛ يظن أنه من أشد الناس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنه إنما يعود قوله إلى ضلالة وكفر، ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله ﷿.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
[ ٢٣ / ٢٤ ]
الأسئلة
[ ٢٣ / ٢٥ ]
الرد على شبهة أن قبر النبي وصاحبيه داخل المسجد
السؤال
كنت أنصح شخصًاَ من إخواني بعدم الصلاة في المساجد التي فيها قبور، فأثار شبهة وهي: وجود قبر النبي ﵊ وصاحبيه: أبي بكر وعمر في مسجد المدينة، ومع هذا لا قائل بترك الصلاة في هذا المسجد من علماء الأمة، فما ردكم على هذه الشبهة؟
الجواب
هذا كلام صحيح أنه لا قائل قط بترك الصلاة في مسجد المدينة، بل لا يقول ذلك إلا إنسان جاهل لا علم عنده.
أما الجواب عن هذه الشبهة: فإن القبر لم يبن في المسجد، ولم يبن عليه المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
والمسلمون لم يتخذوا قبر النبي ﷺ مسجدًاَ ابتداءً، والعلماء يفرقون بين بناء المسجد على القبر، وبين أن يبنى المسجد أولًا، ثم يبنى بداخله القبر، فلا هذا ولا ذاك في قبر النبي ﵊.
لكن الوليد بن عبد الملك ﵀ لما أراد توسعة المسجد النبوي، ونحن لسنا في حاجة إلى توسعة مسجد ما، بخلاف حاجة المسلمين عامة في العالم كله إلى توسعة هذه المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال: المسجد النبوي، والأقصى، والمسجد الحرام.
فهذه المساجد في أمس الحاجة إلى توسعة في كل فترة من الزمن، ولذلك يقوم كل واحد في زمانه بتوسعة هذه المساجد شيئًا ما؛ لحاجة الناس.
ولك أن تتصور الآن أن النبي ﵊ حج في حجة الوداع أو في عام الوداع -وهي حجته الوحيدة- وكان معه (١١٤٠٠٠) من المسلمين، وهذا عدد مهول في ذلك الزمان، ولا يزال العدد الآن في ازدياد؛ حتى وصلوا إلى ثلاثة ملايين.
وبلا شك لو كان المسجد الحرام على هيئته الأولى في زمن النبوة؛ فإنه لا يكفي لهذا العدد، ولذلك كانت هذه التوسعة أمرًا لازمًا ضرويًا للحفاظ على حياة الناس، وأنت ترى في كل عام من مواسم الحج آلاف القتلى من الزحام، فلك أن تتصور أن هذه الأماكن النسكية كانت على هيئتها الأولى، فماذا كان سيصنع الناس؟! أقول هذا الكلام كالمقدمة إلى الضرورة الملحة التي جعلت الوليد بن عبد الملك بن مروان يوسع المسجد النبوي، ورغمًا عنه دخل القبر في المسجد بسبب التوسعة، لكن بغير قصد، وائتني بمسجد من مساجد المسلمين عامة دخل فيه القبر بغير قصد، قبر الحسين دخل مسجد الحسين بقصد.
وهكذا كل المساجد التي فيها قبور دخلت القبور فيها بقصد، بل بوصية مكتوبة أو شفهية.
أما الذي حدث بقبر النبي ﵊ فليس بقصد، فضلًا أن هذا المسجد له مكانة عظيمة، وهو محفوظ بحفظ الله.
والنبي ﵊ قد دعا فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد).
فلا زلنا إلى يومنا هذا لا نرى عابدًا لقبر النبي ﵊، بل ولا تجد شخصًا مثلًا يأخذ ترابًا ويضعه على رأسه مثل ما يفعل مثلًا عند قبر الإمام الشافعي، وأنتم تعرفون أن قبر الإمام الشافعي إلى الآن له يوم في السنة يزوره الناس، فيأتي إليه عباد القبور من شرق الأرض وغربها، حتى رأيت أناسًا من أوربا وأمريكا يأتون ليشتروا التراب من كنس المسجد في هذا اليوم بمائة دولار؛ لأنهم يعتقدون في هذا التراب! فهل رأيتم ما الذي يجري حول هذه القبور من الاستغاثة والنذر والذبح والاستعاذة والتضرع والذل والطواف؟ وهل رأيتم مثل هذا عند قبر النبي ﵊؟ ثم إن الأصل تحريم الصلاة في المساجد التي فيها قبور لنفي شبهة الشرك، وليست هذه الشبهة قائمة عند قبر النبي ﵊، وهذا فارق من الفوارق بين مسجد النبي ﷺ وبين غيره من المساجد.
الفارق الثاني: أن هذا القبر محفوظ أن يكون وثنًا، وهناك فرق كبير جدًا بين القبر وبين الوثن، فالوثن: هو ما عبد من دون الله، أما القبر فلا، ولذلك مكان دفن الموتى هو القبور لا المساجد، ثم وجود القبر في مسجد على هذا النحو الذي نراه يحوله من قبر إلى وثن؛ لوجود هذه العبادات حوله، وكلنا يعرف ما يحصل في القبور بشكل واضح، فهذه ليست قبورًا وإنما هي أوثان، فالنبي ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد).
وأنتم تعلمون أن دعاء النبي ﷺ مستجاب، فسيبقى قبره ﵊ قبرًا فقط، لا وثنًا إلى قيام الساعة؛ بدعوته ﵊.
الفارق الثالث: أن هذا المسجد له خاصية، تختلف عن بقية المساجد، فشد الرحال إليه -أي: إلى المسجد النبوي- مشروع في الإسلام، والصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٢٣ / ٢٦ ]