الله ﷾ هو خالق الخير والشر؛ لأنه لا يكون شيء في هذا الكون إلا بإرادة الله ومشيئته النافذة، وإذا أراد الله تعالى شيئًا وقدره كان ولابد، ومن ذلك خلق الولد وتكوينه في رحم أمه، فمهما حاول الرجل بشتى الأسباب ألا يكون له ولد -كأن يعزل عن امرأته ونحو ذلك- والله تعالى قد قدر وأراد أن تحمل المرأة ويكون الولد، فإن قدر الله تعالى هو الكائن لا محالة، فإنه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ﷾.
[ ٥٢ / ١ ]
باب الإيمان بأن الله ﷿ إذا قضى من النطفة خلقًا كان وإن عزل صاحبها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثالث -أي: من كتاب القدر- باب الإيمان بأن الله ﷿ إذا قضى من النطفة خلقًا كان وإن عزل صاحبها، ومن رد ذلك فهو من الفرق الهالكة].
أي: لو أراد الله ﷿ للنطفة التكوين والخلق مع محاولة صاحبها ألا تكون لكانت؛ لأن إرادة الله تعالى غالبة، وهو القادر على كل شيء، القادر أن يخلق الأشياء بغير سبب، القادر ألا يخلق الأشياء وإن اتخذ الناس الأسباب.
فلو أن رجلًا عزل عن امرأته وقذف ماءه خارج رحمها، وأراد الله ﷿ مع ذلك أن تكون النطفة علقة كانت مهما حاول صاحبها، وإذا أراد الله ﷿ ألا يخلق تلك النطفة وإن لم يعزل صاحبها مائة عام لا تكون.
[ ٥٢ / ٢ ]
حديث أبي سعد الخير: (ما يقدر الله ﷿ في الرحم فسيكون)
قال: [قال أبو سعد الخير: (سأل رجل من أشجع رسول الله ﷺ عن العزل.
فقال: ما يقدر الله ﷿ في الرحم فسيكون)]، أي: ما كان الله تعالى قد كتبه في الأزل أن هذه النطفة ستكون ولدًا كانت وإن عزل صاحبها.
[ ٥٢ / ٣ ]
حديث جابر بن عبد الله: (أنت تخلقه؟)
[وعن جابر بن عبد الله قال: (جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: ما ترى في العزل يا رسول الله؟ فقال له الرسول ﵊: أنت تخلقه؟ أنت ترزقه؟ أقره مقره، فإنما هو القدر)]، قوله: (أقره مقره)؛ أي: اقذفه حيث أمرك الله ﷿؛ فإن قدر الله تعالى له أن يخلق تخلق، وإن قدر له عكس ذلك لا يكون وإن قذف في رحم المرأة.
[ ٥٢ / ٤ ]
حديث أبي سعيد الخدري: (لا عليكم ألا تفعلوا)
[وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، إنما هو القدر، يعني: العزل)]، أي: إن شئتم فاعزلوا أو لا تعزلوا، فإن ما قدره الله ﷿ لهذا الماء سيكون.
[ ٥٢ / ٥ ]
حديث أنس: (لو أن الماء الذي يكون منه الولد)
[وعن أنس أن رسول الله ﷺ سئل عن العزل فقال: (لو أن الماء الذي يكون منه الولد يبيت على صخرة لأخرج الله منه ولدًا، ليخلقن الله كل نسمة هو خالقها)]، أي: لو أراد الله ﷿ لماء أو لنطفة أن تخلق ولدًا لابد أن تكون، ولو ألقاها صاحبها على صخرة ملساء؛ لأن الله تعالى قادر على كل شيء.
[ ٥٢ / ٦ ]
حديث جابر بن عبد الله: (سيأتيها ما قدر لها)
[وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (أتى النبي ﷺ رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! لي جارية -أمة- أفأعزل عنها؟ قال: سيأتيها ما قدر لها)]، أي: سواء عزلت أو لم تعزل.
قال: [(فذهب، ثم جاء فقال: يا رسول الله! ألم تر إلى الجارية التي سألتك عنها فإنها قد حبلت)]، أي: حملت حملها.
[قال: فقال رسول الله ﷺ: (ما قدر الله لنفس أن تخرج إلا وهي كائنة)]؛ أي: لابد أن تكون كائنة.
فكم من امرأة وضعت لولبًا وحملت مع وجود اللولب، بل نزل الوليد وهو آخذ باللولب في يده قابض عليه، وكم من إنسان كان يحرص ألا يكون له ولد فمنع الحمل سنة وسنتين وثلاثًا وأربعًا وعشرًا ثم فوجئ بأن امرأته تأتي في البطن الواحد باثنين وثلاثة وأربعة، وتفعل ذلك مرتين أو ثلاثًا، وكأن الله ﵎ قد جمع لها ما قد فرقته في الأعوام الماضية، فالحرب مع الله تعالى لا تصلح أبدًا.
[ ٥٢ / ٧ ]
تقدير الله تعالى وخلقه للخير والشر
[قال الشيخ: فجميع ما قد ذكرته لك واجب على المسلمين معرفته، والإيمان به، والإذعان لله ﷿، والإقرار له بالعلم والقدرة، وأنه ليس شيء كان ولا هو كائن إلا وقد علمه الله ﷿ قبل كونه -أي: قبل أن يكون، فالله تعالى علمه في الأزل- ثم كان بمشيئة الله وقدرته، فمن زعم أن الله ﷿ شاء لعباده الذين جحدوه وكفروا به وعصوه الخير والإيمان به والطاعة له، وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والكفر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم في أنفسهم واختيارهم لها خلافًا لمشيئته فيهم، فكان ما شاءوا ولم يكن ما شاء الله، ومن قال ذلك فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله].
أي: من يتصور أن الكفر وقع منه على مشيئته وليس على مشيئة الله، وأن المعصية وقعت منه بمشيئته وليست على مشيئة الله، وأن الطاعة والإيمان وقع منه بالخيار وبمشيئته دون مشيئة الله وقدرته وإرادته فقد كفر بالله ﷿؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، ولا يكون في كونه إلا ما أراد وقدر وشاء من خير وشر، وكما أن الله تعالى خلق الخلق فهو كذلك خالق الشر، لكنه خلق الشر ونهانا عنه ولم يرضه لعباده، ولا يرضى لعباده الكفر، فهو سبحانه قد نهانا عنه وحذرنا منه، ولأهله خلق النار، لكن كما قلنا فإن كثيرًا من الناس يفرقون بين إرادة الله ومشيئته الشرعية الدينية التي مبناها على المحبة والرضا، والمشيئة والإرادة الكونية القدرية التي تضم الخير والشر، إذ ما من خير على الأرض إلا وقد أراده الله وقدره وشاءه مشيئة شرعية دينية وأحبه وأمر العباد به، وأما ما يقع في الأرض من شر فلا يقع إلا بمشيئة الله، لكن بمشيئته الكونية القدرية، وليس بلازم أن الله تعالى يحبها، بل من الأفعال التي تقع في الأرض بمشيئته الكونية القدرية منها ما هو خير ومنها ما هو شر، فلا تبنى المحبة أو فلا تبنى المشيئة الكونية القدرية على المحبة.
وإنما فيها ما يحبه الله، وفيها ما يبغضه الله من الكفر وسائر المعاصي، لكنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله وقدر، ولا يفهم أحد من هذا الكلام أن الله تعالى إذا كان قد قدر الخير والشر، وجبر الخلق عليه، وقهرهم على فعل الشر والتلبس بالكفر، إذًا فلم يعذبهم ولم يعاقبهم؟ هذا الكلام من أبطل الباطل، وقد رددنا عليه مرات، لكننا نذكر به دائمًا حتى لا يدور في خلدات أحد من السامعين أن الله تعالى قدر المعصية على العبد، وجبره وقهره عليها، وأن العبد مسلوب الإرادة، وقد قلنا من قبل في الجواب عن هذا السؤال أو على هذا الوهم: أن الله تعالى له مشيئة، وللعبد مشيئة، فهو ليس مسلوب الإرادة، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧]، فأثبت في هذه الآية للعبد إرادة، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾ [التكوير:٢٩]، فأثبت في هذه الآية أن للعبد مشيئة، على خلاف وقع بين أهل العلم: هل المشيئة هي الإرادة أو أنهما شيئان مختلفان؟ ليس هذا أوان بحثه، وقد بحثناه من قبل أيضًا.
لكن الله تعالى خلق الشر ونهانا عنه، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وجعلنا عقلاء مميزين وعفا عن المجانين والنائمين والناسين أصحاب الأعذار، والله تعالى لا يحاسب إلا من وقع تحت طائلة التكليف، ومعنى أن الله تعالى قدر علي الشر أو قدر علي المعصية: أنه علمها أزلًا فكتبها في اللوح المحفوظ، والتقدير هنا بمعنى العلم والكتابة، والله تعالى أذن في خلقها وفي إيجادها، فالله تعالى أذن فيها خلقًا وإيجادًا، واكتسبها العبد فعلًا وعملًا.
فهذا معنى أن الله تعالى أراد وقدر الشر، أي: أنه علمه أزلًا قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ.
[ ٥٢ / ٨ ]
الرد على الذين يزعمون أن الله تعالى لم يخلق الشر ولم يرده
قال: [ومن قال ذلك فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله، وأنهم أقدر على ما يريدون منه على ما يريد، فأي افتراء على الله يكون أكثر من هذا؟! ومن زعم أن أحدًا من الخلق صائر إلى غير ما خلق له وعلمه الله منه، فقد نفى قدرة الله ﷿ عن خلقه]، أي: لو علم الله ﷿ أن عبده فلان سيعمل خيرًا وطاعة في المكان الفلاني في الساعة الفلانية، فإنه لو أراد ألا يعمل هذه الطاعة لما استطاع؛ لأنه سبق في علم الله أنه سيعمل.
فلما علم الله تعالى أن عبده سيسلك عمل الطاعة يسرها وقدرها له، وأذن في خلقها ووجودها، والعبد هو الذي باشرها وهو الذي عملها، فإذا أراد العبد شيئًا غير ما أراد الله لا يقدر، وإذا شاء العبد شيئًا ما شاءه الله له لا يقدر، بل لابد أن تنفذ مشيئة الله تعالى، وعلم الله تعالى وقدرة الله تعالى في عبده مهما حاول العبد معاكسة ذلك ومخالفة ذلك والإتيان بنقيضه، فإن العبد لا يستطيع أن يغير أبدًا.
قال: [ومن زعم أن أحدًا من الخلق صائر إلى غير ما خلق له وعلمه الله منه، فقد نفى قدرة الله ﷿ عن خلقه، وجعل الخلق يقدرون لأنفسهم على ما لا يقدر الله عليه منه، وهذا إلحاد وتعطيل وإفك على الله ﷿، وكذب وبهتان، ومن زعم أن الزنا ليس بقدر].
أي: ومن زعم أن الزنا يقع من العبد بغير قدر الله ومشيئته الكونية القدرية فقد أخطأ؛ لأن الله قدرها أن تقع في الكون، ومعنى قدرها، أي: علمها من عبده قبل أن يخلقه، وقبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقبل أن يخلق هذه النسمات، علم أن عبده فلان ابن فلان سيزني بفلانة في المكان الفلاني في الساعة الفلانية، فلما علم الله تعالى ذلك منه كتبه في اللوح المحفوظ، وبالتالي فلابد أنه واقع منه.
ولا يعني ذلك جواز الاحتجاج بالقدر على المعصية كما قلنا من قبل؛ لأن الاحتجاج بالقدر على المعاصي سبيل أهل البدع، والاحتجاج بالقدر على المصائب والنوازل سبيل المؤمنين، فإذا نزل بك مرض أو علة أو آفة أو يقتل ولدك أو غير ذلك، كل هذا إذا سألك أحد فقل: قدر الله وما شاء فعل.
أما أن تزني وتقتل وتسرق وغير ذلك، ثم يقال لك: لم ذلك؟ فتقول: قدر الله وما شاء فعل! فتحتج بالقدر على المعصية، هذا سبيل أهل البدع، وكما رجحنا من قبل أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا بعد التوبة منها، أما قبل التوبة فهذا مسلك أهل البدع.
قال: [ومن زعم أن الزنا ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة التي حملت من الزنا وجاءت بولدها، هل شاء الله أن يخلق هذا الولد؟]، مع أنه نتاج من الزنا، فهل هذا الولد خلق بمشيئة الزاني أم بمشيئة الله ﷿؟ [وهل مضى هذا في سابق علم الله أم لا؟] أي: هل سبق في علم الله أن فلانًا سيزني بفلانة، وأنها ستحمل منه ذكرًا أو أنثى؟
الجواب
نعم، [وهل كان في الذرية التي أخذها ﷿ من ظهر آدم؟]، وذلك لما أخرج الله تعالى ذرية آدم من صلب آدم فقال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
وهذا هو الميثاق الأعظم الذي أخذه الله تعالى على عباده لما استخرجهم كالذر من ذرية آدم، ووضع بعضهم أو قسمًا منهم في يمينه، وجعل القسم الآخر في يده الأخرى وهي اليمين كذلك، وكلتا يديه يمين ﷾، فهل ترون أن هذا الولد من الزنا ممن أخرج من صلب آدم وأخذ الله تعالى عليه الميثاق، أو أنه لم يخرج؟ والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم قوله: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى»، أي: شهدوا بالربوبية والألوهية في وقت واحد.
و
الجواب
أن هذا الولد من الزنا لما أخرج الله ﷿ ذرية آدم من صلب آدم كان فيهم، ومن أخرجه من الميثاق فيلزمه أن يأتي بدليل ولا دليل، إذًا: فلابد من القول: بأن هؤلاء قد خرجوا من صلب آدم، وأخذ الله عليهم العهد والميثاق، وحينئذ فلابد أن نقول: بأن هذا الولد سبق في علم الله أنه سيكون، وأن الله تعالى قدر له ذلك، وشاء له أن يخلق في بطن أمه من هذا الماء الهدر، ولما كان كل ذلك لابد أن نسأل أنفسنا: هل استطاع هذا الزاني أن يزني بتلك الزانية على غير مراد الله وعلى غير مشيئة الله، أم أن ذلك وقع بمشيئة الله؟ لا يستطيع أحد في الكون أن يتحرك حركة، أو إذا كان متحركًا أن يسكن سكنة إلا بمشيئة الله، سواء كان ذلك من أهل الطاعة أو من أهل المعصية، وهذه سنة التدافع الكونية القدرية في الكون بين الخير والشر.
وما كان يصلح أن يخلق الله ﷿ جميع الخلق مؤمنين، وما كان يصلح كذلك أن يخلق جميع الخلق كفارًا وملحدين، بل لابد أن يكون هناك إيمان وكفر، خير وشر، حق وباطل، حتى تقوم سنة التدافع بين الخلق، ولا تحلو الحياة إلا بهذا، وهذا أعظم ميدان وأفسحه لطلب الجنة، أي: أن يوجد مع الإيمان كفر، ومع الخير شر، ومع الحق باطل، حتى ترفع راية الجهاد فيؤخذ من يؤخذ من أهل الإيمان بناصيته إلى جنة عرضها السموات والأرض، إنه م
[ ٥٢ / ٩ ]
إقدام العبد على المعصية والذنب بإرادته وبقدر الله ﷿
قال: [وعن يونس بن بلال، عن يزيد بن أبي حبيب أن رجلًا قال: (يا رسول الله! يقدر الله ﷿ علي الذنب ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم، وأنت أظلم)]، ولو أجابه بـ (نعم) فحسب لدار في نفس السائل أن هذا ظلم، وأنتم تعلمون أن الظلم صفة نقص، والله تعالى منزه عن كل صفات النقص، إذ إنه متصف بكل صفات الكمال ﷾.
فحذار أن تظن أن الله تعالى قد جبرك على المعصية، وأنه الذي اختارها لك، بل أنت الذي اخترتها، فلما اخترتها وسلكت سبيلها، وإن كان ذلك قبل أن تخلق، وقبل أن تكون نطفة، لكنه سبق في علمه أن ذلك سيكون منك، فأذن في وقوعها منك، وكلمة: (أذن في وقوعها منك)، أي: أراد الله تعالى لها أن تقع في الأرض، وأن تكون في الأرض، أما الذي باشرها فهو العبد، وهو أظلم.
[ ٥٢ / ١٠ ]
الزنا بقدر وشرب الخمر بقدر والسرقة بقدر
قال: [وعن ابن عباس قال: (الزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والسرقة بقدر)].
وبالتالي فجميع المعاصي تقع بقدر، وليس معنى ذلك أن الله تعالى يحب الزنا، أو أن الزنا يقع في الكون رغمًا عنه، أو أن جميع المعاصي في الكون تقع رغمًا عن الله، فلو أراد السارق أن يسرق وما أراد الله له السرقة فهل يسرق؟ لا والله أبدًا، ولو أن رجلًا أراد أن يسرق خزينة في محافظة المنصورة مثلًا، واتخذ الأسباب المعينة له على ذلك، وتهيأ وأخذ العدة والمطارق وغيرها ووضعها في حقيبة، وركب السيارة ونزل حتى صار عند باب الخزينة، لكن الله تعالى علم ذلك منه أزلًا فصرفه عن ذلك، وكتب أنه مصروف عن السرقة في اللوح المحفوظ، فهل يمكن أن تقع منه السرقة؟ وما الذي سوف يحصل؟ إنه سيرجع القهقرى، حتى وإن تمكن من سرقة الأموال فإنه سوف يدعها وينصرف؛ لأن الله قد كتب له هذه الخطوات فقط في طريق المعصية، لكن الله تعالى قدر له وعلم أزلًا أنه لن يأخذ مال غيره حتى وإن قطع بعض الأشياء إلا أنه سوف يتوقف عند البعض الآخر ويرجع، وربما يكون هذا بابًا من أبواب التوبة.
وتعلمون المرأة التي كانت في أمس الحاجة إلى الدريهمات لكي تطعم أولادها أو تنفي عنها فقرها، فقد سلكت كل سبيل للحصول على ما تقتات به، وما وجدت إلا أن تطلب من ابن عم لها أو قريب لها، فخيرها بين أن يمنعها أو أن يعطيها على أن تمكنه من نفسها، ففعلت حتى جلس بين شعبها الأربع.
والواحد منا أيها الإخوة الكرام! إذا تصور هذا المنظر قال: لابد من وقوع الزنا، لكن هذه المرأة قالت له كلمة حولت مساره من شرير عاص لله ﷿ منتهك للحرمات إلى رجل طائع يخاف الله تعالى، قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرف عنها -وقد أعطاها الدراهم والدنانير- لما خالط قلبه بشاشة الإيمان، وترك المال مستغفرًا وتائبًا إلى الله ﷿، فانظروا إلى هذا الرجل لم يكن بينه وبين المعصية إلا قاب قوسين أو أدنى، ثم انصرف عنها.
فهل تعتقدون أن ما حدث منه لم يكن يعلمه الله قبل خلق السموات والأرض، ولم يكتبه الله ﷿ قبل خلق السموات والأرض؟ بل قد علم الله تعالى ذلك وكتبه؛ إذ إن كل شيء يقع في هذا الكون من خير وشر إنما هو بقدر الله ﷿، فالزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، أي: بعلم وكتابة، وأن الله تعالى علم ذلك وقدره وكتبه.
قال: [وعن عمرو بن محمد قال: جاء رجل إلى سالم بن عبد الله فقال: الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: قدره الله علي ويعذبني عليه؟ قال: فأخذ له سالم الحصباء].
وكان هذا منهج السلف، فقد كان إذا ذكر القدر أمسكوا، وإذا ذكر أصحاب محمد ﷺ أمسكوا، وإذا ذكر النجوم أمسكوا كما جاء ذلك في الأثر، ولذلك الصحابة ﵃ ما كانوا يؤثرون أبدًا الخوض في باب القدر؛ لأنهم يعلمون أن القدر هو سر الله تعالى في خلقه، فكانوا يمسكون إذا ذكر القدر، فهذا سالم بن عبد الله بن عمر يسأله رجل: الزنا بقدر؟ فيجيبه بـ (نعم)، فيعترض الرجل ويقول: إذًا فلم يعذبنا الله على أمر قدره علينا؟! فأخذ سالم حصيات من الأرض يريد أن يلقيها في وجهه؛ لأنه سوف يبدأ الخوض في باب عظيم من أبواب الإيمان؛ إذ إن الإيمان يدل على مكنون القلب وعلى الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب لا نقول فيه: لم كذا؟ وكيف يعذب الله الأموات في قبورهم؟! ولم يعذب الله الأموات في قبورهم؟ وكيف خلق الله الجنة؟ وكيف خلق النار؟ وكيف الصراط؟ وكيف مرور الناس على الصراط؟ وكيف وكيف وكيف؟ إن كل مسائل الغيب يحرم على المؤمن أن يقول فيها: لم؟ وكيف؟ لأن مسائل الإيمان في الغالب مسائل ابتلاء؛ لينظر الله تعالى هل يؤمن بها العبد أم لا؟ فقد قال النبي ﵊: (ليس في السماء موضع قدم)، وفي رواية: (موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد أو قائم أو راكع)، فتصور هذا الأمر، ويقول النبي ﵊: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة)، فلا يأتي شخص يقول: نحن جالسون في مجلس علم، وأنا أريد أن أرى هذه السكينة، يا أخي! هل أنت محتاج لأن ترى السكينة؟ قال: (وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة)، فهل تعتقدون أن الملائكة معنا الآن، ويسمعوننا ويحضرون هذه المجالس؟ إن من لم يؤمن بذلك فقد رد على الله تعالى أمره، ورد على الله تعالى خبره، وكذلك رد على الرسول ﵊.
وهذا لابد أن يراجع إيمانه، بل أن يراجع إسلامه، وقال النبي ﵊: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض، حتى إذا مروا بحلق الذكر)، أي: بحلق العلم، (نادى بعضهم على بعض: ألا هلموا، فيجتمعون فيعلو بعضهم بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا)، فتصور لو أن فوقنا ملائكة تحفنا بأجنحتها -نسأل الله الرحمة والرضوان- وفوقهم طبقة أخرى من الملائكة، ثم ثالثة، ث
[ ٥٢ / ١١ ]
العزل وما يتعلق به من تقدير الولد
قال: [وعن أبي سعيد الخدري قال: (أصبنا نساء يوم خيبر)]، أي: أسرنا نساء يوم خيبر، [(فكنا نعزل عنهن ونحن نريد الفداء)]، أي: كنا نريد أن نرجع هؤلاء النساء ونأخذ عليهن مالًا، وذلك حتى لا يخرج الولد كافرًا يتربى في غير أحضان والديه، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: [(ليس من كل الماء يخلق الولد)]، بل من أقل شيء من الماء، قال: [(وإن الله ﷿ إذا أراد شيئًا لم يمنعه شيء)]، أي: حتى وإن عزلتم فإن الله تعالى لو قدر أن يخلق من هذا الماء ولدًا لكان ذلك.
قال: [وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: النطفة التي قدر منها الولد لو ألقيت على صخرة لخرجت تلك النسمة منها].
لأن الله تعالى قدر لها أن تكون.
[ ٥٢ / ١٢ ]
باب العزل وأحكامه عند أهل العلم والمصنفين
باب العزل في الحقيقة باب عظيم، وله في الاعتقاد ميدان فسيح، كما له كذلك في باب الفقه ميدان فسيح، ولذلك منهم من يذكر أحاديث العزل في أبواب الاعتقاد كـ ابن بطة، ومنهم من يذكرها في أبواب الطلاق أو النكاح أو الرضاع أو يخصها بباب حكم العزل كما فعل مسلم والبخاري.
أما مسلم فقد أخرجه في كتاب الطلاق، وأما البخاري فقد أخرجه في كتاب النكاح، وهذا أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: (سألني أبو صرمة فقال: يا أبا سعيد! هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر العزل؟ فقال: نعم، غزونا مع رسول الله ﵊ غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب -أي: أعظم نساء العرب- فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا: نفعل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا لا نسأله! فسألنا رسول الله ﷺ فقال: لا عليكم ألا تفعلوا)، أي: إن شئتم استمتعتم وإن شئتم تركتم، إن شئتم عزلتم وإن شئتم أفرغتم ماءكم في أرحام هؤلاء، قال: (ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)، ومفهوم المخالفة: وإذا قدر الله لها ألا تكون فلن تكون، بل لو اجتمع أهل الأرض على ذلك، وفي رواية: (فإن الله كتب من هو خالق إلى يوم القيامة)، وفي رواية: لما سئل النبي ﵊ عن العزل قال: (لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر).
[ ٥٢ / ١٣ ]
روايات أبي سعيد الخدري في العزل
قال: [وعن أبي سعيد قال: سئل النبي ﷺ عن العزل فقال: (لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القدر)، قال محمد بن سيرين: وقوله: (لا عليكم) أقرب إلى النهي].
أي: مثل ما يقول رب العالمين: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فهذه الآية جاءت على سبيل التهديد، وليس على سبيل التخيير، أي: أن ربنا يخيرنا بين من أراد أن يؤمن فليؤمن، ومن أراد أن يكفر فليكفر، وإنما الله ﷾ يهددنا ويتوعد، وكذلك قوله هنا: (لا عليكم ألا تفعلوا)، أي: تريدون أن تعزلوا اعزلوا، لكن والله لو أراد الله بما عزلتم أن يخلق فلابد أن يكون ذلك، فـ ابن سيرين ﵀ فهم من قوله ﵊: (لا عليكم): النهي؛ لأنها تدل عليه من باب الإشارة لا من باب صريح العبارة.
[وعن أبي سعيد قال: (ذكر العزل عند النبي ﷺ فقال: وما ذاكم؟ -أي: ماذا تقصدون بالعزل؟ - قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها)]، أي: يا رسول الله! امرأتي ترضع ولو أني جامعتها حملت، والعرب كانوا يعدون لبن الحامل مضرًا بالولد، فنحن نعزل في أثناء الرضاع مخافة أن تحمل المرأة.
قال: [(الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له أمة فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه)]؛ لأن الأمة لو حملت كان ولدها تبعًا لها في الرق، وربما تكون كافرة من أهل الكتاب يهودية أو نصرانية، وكفر أهل الكتاب بالإجماع لا على القول الراجح! إذًا: الذي دفعنا يا رسول الله! إلى أن نعزل أمران: الأول: أن هذه امرأتي الحرة ترضع، وأنا لو أصبت منها حملت، فكان في ذلك المضرة على الرضيع، الثاني: أن الواحد منهم تكون له أمة ويريد أن يستمتع بها، لكنه يخشى أن تحمل فيتبعها ولدها في الرق، وهذا أمر لا يشرف صاحب النطفة، أو أنه إذا حملت الأمة صارت أم ولد، ومن أحكام أم الأولاد أنها لا تباع ولا تشترى، فإذا حملت امتنع عليه بيعها للآخرين، وبالتالي تفوته المصلحة في ذلك.
فلما سألوا النبي ﵊ عن ذلك قال: [(لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم)]، أي: إذا أردتم أن تعزلوا فاعزلوا، (فإنما هو القدر)، أي: حتى وإن عزلتم فلا يكون إلا ما قدره الله تعالى.
قال ابن عون: فحدثت به الحسن البصري فقال: والله لكأن هذا زجر.
أي: كأن النبي ﷺ يزجرهم أن يعزلوا.
قال: [وعن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال: (ولم يفعل ذلك أحدكم؟ -وهذا إنكار- فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها)]، أي: إلا ولابد أن يخلقها الله ﷿.
قال: [وعنه قال: سئل النبي ﵊ عن العزل فقال: (ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء)]، أي: لم يمنعه العزل.
[ ٥٢ / ١٤ ]
حديث جابر في العزل من عدة طرق
وعن جابر: (أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا، وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت يا رسول الله! فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها).
وعن جابر قال: (سأل رجل النبي ﷺ فقال: إن عندي جارية وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ: إن ذلك لن يمنع شيئًا أراده الله، فجاء رجل فقال: يا رسول الله! إن الجارية التي كنت ذكرتها لك قد حملت، فقال النبي ﵊: أنا عبد الله ورسوله)، والنبي ﷺ لما قال: (أنا وعبد الله ورسوله) ليس معناه: أنه لم يكن يعرف أنه عبد الله ورسوله، بل كان يعرف، لكنه أراد أن يقول له: أنا عبد الله ورسوله الذي أؤمن بالقدر، وأؤمن أن ما قدره الله لابد أن يكون، ولقد أخبرتكم بذلك.
وعن جابر قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل)، كأن هذا كان أمرًا مباحًا، وإلا لو كان حرامًا لكان النهي قد ورد، قال سفيان: لو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن.
وعن جابر قال: (لقد كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ)، وفي رواية: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك نبي الله فلم ينهنا).
[ ٥٢ / ١٥ ]
تحريم وطء الحامل المسبية
وفي رواية يزيد بن خمير قال: سمعت عبد الرحمن بن جبير يحدث عن أبيه عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ: (أنه أتي بامرأة مجحًا على باب فسطاط)، والمرأة المجحية هي المرأة الحامل، وباب فسطاط، أي: على باب خيمة، (فقال النبي ﷺ: لعله يريد أن يلم بها)، أي: أن يصيب منها وأن يجامعها، (فقالوا: نعم يا رسول الله! فقال: لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره)؛ لأن هذا الرجل أراد أن يجامع امرأة ليست امرأته، وإنما سباها في الحرب وهي حامل، فيحرم عليه جماعها إلا بعد وضع حملها، فقال: (لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟)؛ لأنه لو جامعها فربما يقال: إن هذا الولد نتاج ذلك الجماع، خاصة لو كان بعد الجماع بستة أشهر، أي: لو نزل الحمل بعد الجماع بستة أشهر وهي أقل مدة للحمل كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ لأنه حينئذ سيكون ولده، والولد لا يكون خادمًا لوالده، وفي ذاك أيضًا جواز الغيلة، والغيلة هي وطء المرضع.
[ ٥٢ / ١٦ ]
جواز الغيلة وهي وطء المرضع، وكراهة العزل
قال: [عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة)]، أي: لقد هممت أن أنهاكم أيها الناس! أن يجامع أحدكم امرأته وهي مرضع.
قال: [(حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم)]، أي: أن النبي ﷺ تذكر أن فارس والروم يفعلون ذلك، أي: يجامع أحدهم امرأته في أثناء إرضاعها لابنها ولا يضر ذلك الولد، وأن القول المزعوم بأن اللبن حينئذ يضره ليس حاصلًا.
قال: [وقالت جدامة: حضرت رسول الله ﷺ في أناس وهو يقول: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ: ذلك الوأد الخفي)].
والمعنى: أنهم كانوا يعزلون والنبي ﷺ بين أظهرهم وما كان ينهاهم، والوأد الخفي حرام، لكن الوأد لا يكون حرامًا إلا بعد أن تخلق النطفة، وهذا هو الإجهاض، وأشد حرمة منه الوأد بعد الميلاد مخافة العار أو مخافة الفقر أو تبعًا لأخلاق الجاهلية وغير ذلك، فهذا كله حرام، وقد نهى عنه القرآن نهي تحريم وشنع على فاعله.
وهنا علم النبي ﷺ أن العزل وأد خفي، ومع هذا لم ينهنا عنه فكيف يكون ذلك؟ الوأد عمومًا -كما قلنا- هو بعد التخليق، لكن هذا وأد دون الوأد الذي نهى عنه القرآن؛ لأنه وأد للنطفة، وليس للعلقة ولا للمضغة المخلقة، ولا بعد أن تنفخ فيه الروح، ولا بعد الميلاد ذكرًا كان أم أنثى، وإنما ذلك وأد للنطفة منذ تكوينها؛ لأن العبد المجامع لامرأته إذا قارب الإنزال أنزل ماءه خارج الرحم أو خارج فرج المرأة، وهذا معنى العزل، فالنطفة لم تبلغ مرحلة من المراحل بعد، ولذلك سماها النبي ﷺ مجازًا وأدًا خفيًا، وليس الوأد الذي يستلزم قيام الحد.
قال: [وعن سعد بن أبي وقاص: (أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي.
فقال له رسول الله ﷺ: لم تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها أو على أولادها، فقال رسول الله ﵊: لو كان ذلك ضارًا ضر فارس والروم)، وفي رواية: (إن كان لذلك فلا، ما ضر ذلك فارس ولا الروم)].
يقول العلماء: العزل جائز مع الكراهة لعدم وجود النهي من النصوص، والعزل عن الزوجة والأمة هو أن يجامع الرجل حليلته، فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج، وسبب ذلك: العزوف عن علوق المرأة وتكوين حمل في رحمها، وإما لأسباب صحية تعود إلى المرأة أو إلى الجنين -وهو ما يسمى بالغيلة- أو إلى الطفل الرضيع، أو ربما يكون بسبب فساد الزمان، فقد يقول شخص: نحن في زمن شر، وأنا أخشى على أولادي أن يكونوا فاسدين في المجتمع، أو أن يتأثروا بفساد المجتمع، لكن صلاح النية وحده لا يكفي في أغلب الأحوال، بل لابد من متابعة الرسول ﵊، وهنا لو أن هذا الرجل عزل بهذه النية وقدر الله تعالى له الولد جاء الولد.
وقد ذهب جمهور من الفقهاء إلى جواز عزل السيد عن أمته مطلقًا، سواء أذنت له في ذلك أو لم تأذن؛ لأن الوطء حق له وليس للأمة، فللرجل الذي له أمة أن يبيعها في أي وقت شاء، أو يعتقها في أي وقت شاء، فهي ملك له كأي متاع، فإذا شاء أن يستمتع بها استمتع، لكن إن استمتع بها فحملت صارت أم ولد وانتقلت إلى أحكام أخرى، لكن لو أراد السيد أن يستمتع بأمته وما أراد منها الولد لأي عذر من الأعذار، كأن يريد أن ينتفع بها في يوم من الأيام بالبيع أو الشراء، أو ربما يخشى من سوء أخلاقها فيتأثر بها ولدها، وغير ذلك من الأعذار الكثيرة، وهي كذلك، أي: وإن لم يكون لها حق على سيدها في الوطء فليس لها حق على سيدها في الحمل، فكل ذلك له.
أما العزل عن الحرة المحصنة العفيفة فهل يلزم فيه إذنها أم لا يلزم؟ وهل الوطء حق له هو أم حق لهما؟ وهل هناك فرق بين الوطء والاستمتاع؟ هذا محل نظر واختلاف بين أهل العلم، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين: الرأي الأول: إباحة العزل مطلقًا عن الحرة سواء أذنت في ذلك أو لم تأذن، أي: أنها تمامًا كالأمة، إلا أن ترك العزل عن الحرة أفضل، وهو الراجح عند الشافعية، وذلك لأن حقها الاستمتاع دون الإنزال إلا أنه يستحب استئذانها.
وفي الحقيقة هذا المذهب ضعيف، والذي أعتقده أن الحرة لابد من استئذانها؛ لأنها شريكة زوجها في الاستمتاع والولد، كما أنها شريكته في الوطء، فهي صاحبة الحق في هذا، والاستمتاع في أثناء الجماع لا يغني عن استمتاع المرأة في لحظة الإنزال، فهذا حقها لا يجوز لزوجها أن يعزل عنها بغير إذنها، فإن أذنت حل له ذلك وإلا فلا.
الرأي الثاني: يباح العزل عن الحرة بإذنها، فإن كان لغير حاجة فمكروه، والحاجة هي الأعذار التي ذكرت من قبل، وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر
[ ٥٢ / ١٧ ]
أدلة القائلين بإباحة العزل والقائلين بكراهيته
وقد استدل القائلون بإباحة العزل مطلقًا بغير إذن الزوجة بما روي عن جابر: (كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل، ولم ينهنا النبي ﵊)، واستدل القائلون بالإباحة بشرط إذن الحرة بمرويات كلها ضعيفة، ومنها ما جاء عند أحمد وابن ماجه عن عمر بن الخطاب أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها).
وعند عبد الرزاق والبيهقي من حديث ابن عباس قال: (نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها)، وكلاهما ضعيف.
وأما أدلة الكراهة: فإن العزل إن كان بدون عذر فلأنه وسيلة لتقليل النسل، وقطع اللذة عن الموطئة، ولذلك الكفار يحرصون كل الحرص على تكثير نسلهم، وفي نفس الوقت يدفعون الأموال الطائلة للمسلمين لتحديد النسل، ولما علموا أن (التحديد) لفظ جارح وخادش لمعتقد كثير من المسلمين، جاءوا بلفظ (التنظيم)، والبلاء واحد لكن الأسماء مختلفة بحيث يستحلون محارم الله بأدنى الحيل.
ويبقى أن النبي ﵊ قد حث على تعاطي أسباب الولد فقال: (تناكحوا تكثروا)، وقال ﵊: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة).
[ ٥٢ / ١٨ ]
الأعذار المبيحة للعزل
والعذر في العزل يتحقق في الأمور التالية: إذا كانت الموطوءة في دار الحرب وتخشى على الولد الكفر، كما هو الحاصل في فلسطين، فلو أن فلسطينيًا عزل عن امرأته مخافة أن يتأثر ولده بدين اليهود أو بالفساد فهذا عذر، كذلك: إذا كانت أمة ويخشى الرق على ولده؛ لأن الرق نقص وهو لا يريد النقص لولده، أيضًا: إذا كانت المرأة يمرضها الحمل أو يزيد في مرضها، كما لو قرر ذلك أكثر من طبيبة مسلمة حاذقة صاحبة دين وثقة، وبالتالي إذا غلب ذلك على الظن جاز للرجل أن يعزل عنها إذا كانت المرأة يمرضها حملها، أو أنها مريضة والحمل يزيد في مرضها، أو أن الحمل يؤخر برأها، وحينئذ فهذا عذر للعزل، لكن ليس على مذهب أبي حامد الغزالي ﵀، إذ إنه يقول: إذا خافت المرأة على جمالها فهذا عذر في العزل! وهذا كلام ما له أصل ولا يصح؛ لأن لكل امرأة أن تقول: أنا أخاف على جمالي، حتى الدميمة تقول: أنا أيضًا خائفة على جمالي! لكن الجمال مسألة نسبية، فهي دميمة عندك وليست دميمة عند غيرك، فإذا رأيت امرأة سوداء فستزهد فيها، لكن لا يزهد فيها غيرك بل يطلبها ويبتغيها، ولو نظرت إلى امرأة بيضاء اشتهيتها، لكن لو نظر لها رجل أسمر اللون لا يشتهيها.
إذًا: مسألة الجمال والحسن والوجاهة مسألة نسبية، فإذا كانت المرأة تريد العزل بعذر المحافظة على جمالها ورشاقتها فهذه مسألة نسبية.
وهذه المسائل كلها يا إخواني! تريد رجالًا أصحاب تقوى؛ لأن الكلام مكتوب في الورقة وبإمكان كل إنسان أن يقرأه، لكن الذي يطبقه على نفسه يحتاج إلى تقوى الله ﷿، والعجب أنه في هذه الأيام كثير من المثقفين يقول: أنا أريد ولدًا وبنتًا فقط! وكأنه يشترط على الله قبل أن يتزوج، ولذلك أنا أذكر قصة للعبرة: كان معنا في الإعدادية أستاذ لغة عربية، وكان على مشارف المعاش، وكان أول رجل رفع الراية في نصرة مذهب الغرب في تحديد النسل، وكان يحارب لأجل هذا الغرض في كل واد وميدان، وما كان يعجبه قط رفض المشايخ لهذه الدعوة الخبيثة، ثم أنجب هذا الرجل ولدًا واحدًا بإرادته، أي: أنه اتخذ الأسباب لمنع النسل بعد الحصول على الولد الأول، ورباه تربية حميدة، حتى أصبح مثالًا للأدب والأخلاق الحسنة، وهو أستاذ في كلية الآداب في جامعة عين شمس، لكن الرجل لما كبر ولده وذهب إلى جامعة السوربون ليحصل على الدكتوراه شعر بالوحدة بينه وبين امرأته، فلما أراد الولد كان الوقت قد فات، فنصحه الناس أن يتزوج امرأة أخرى، فهاجم هجومًا جديدًا في قضية تعدد الزوجات، وما أن كبر وذهب عنه الناس وماتت امرأته ترك الرجل التدريس وأحيل على المعاش، فمكث في بيته بقية عمره وحيدًا فريدًا، قد كرهه أهل بلدته كلهم بسبب الحملات التي حملها عليهم من قبل، وبقي الرجل في بيته حتى جن وفقد عقله، وأنا أذكر لما كنت في الجامعة زرته؛ لأنه رجل صاحب فضل ومنة علي، فأخذت أذكره بما كان منه من حملات ضد النسل في ذلك الوقت، فكان الرجل يبكي بكاء شديدًا، فبكينا لبكائه حزنًا عليه وعلى ما وصل إليه حاله، وكان دائمًا يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لتزوجت أربعًا من الزوجات.
وكان دائمًا يدعو لنا بدعوة واحدة: أسأل الله تعالى ألا تروا ما قد رأيت، ولما كبرنا عرفنا الوحدة وكيف هي؟ وإن كنا لم نجربها، لكن الإنسان دائمًا لا يستغني أبدًا أن يجتمع بالناس، أما تعلمون أن الرجل إذا كبر في سنه وفارقته امرأته أو ماتت عنه يحب أن يتزوج امرأة أخرى ولو أكبر منه، لا لأجل اللذة والفراش، وإنما لأجل المؤانسة.
وهذا رجل قد هرم وماتت عنه امرأته منذ أقل من سنتين، وهو صاحب جاه ومال وأولاد أربعة، أطباء، والرجل احتال على أصدقاء أولاده هنا وهناك حتى رفعنا الأمر إلى أولاده وقلنا لهم: حقه الشرعي لا تمنعوه، فتفهموا أخيرًا للأمر وأذنوا له بالزواج، والله يا إخواني! الرجل يتصل بي في أي وقت من الليل الساعة الواحدة الثانية الثالثة الرابعة قبل صلاة الفجر ويقول: والله يا شيخ! ما نمت، أنا سوف أجن، ويقول: كدت أفقد عقلي، أنا أريد امرأة تؤنس وحدتي، ولا تحصل هذه المرأة مني على شيء، لكني أريد أن تؤنس وحدتي فقط.
وكذلك المرأة أشد حاجة للرجل من الرجل إليها ولو من باب المؤانسة فحسب، وهذه سنة الله ﷿ لا يحل لأحد أن يمنع فيها، فإذا فسد الزمان وحرص الرجل ألا يكون له ولد مخافة أن يفسد مع فساد أهل الزمان فذلك له.
نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يكفر عنا سيئاتنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٥٢ / ١٩ ]