الإيمان يزيد وينقص، وقد جاءت بذلك الأدلة الكثيرة من القرآن الكريم، ومن سنة النبي ﵊، والآثار الواردة عن السلف الصالح، ولا يخالف ذلك ولا ينكره إلا مرجئي خبيث، مريض القلب، زائغ البصر والبصيرة، قد تلاعبت به الشياطين، فأغوته عن الدين.
[ ٢٧ / ١ ]
باب زيادة الإيمان ونقصانه وما دل على الفاضل فيه والمفضول
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فهذا الجزء السابع من كتاب الإبانة لـ ابن بطة، وفيه أربعة أبواب: الباب الأول: في زيادة الإيمان ونقصانه.
الباب الثاني: في الاستثناء في الإيمان، أي: هل يجوز للرجل أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو يسأل الإنسان أخاه فيقول له: هل أنت مؤمن؟ وما موقف السلف من هذه القضية.
الباب الرابع: القول في المرجئة وما روي فيهم من إنكار العلماء في سوء مذهبهم.
فالباب الذي يعنينا في هذه الليلة، هو باب إثبات أن الإيمان يزيد وينقص.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اعلموا رحمكم الله أن الله ﷿ تفضل بالإيمان على من سبقت له الرحمة في كتابه -أي: في اللوح المحفوظ- ومن أحب أن يسعده الله ﷿، ثم جعل المؤمنين في الإيمان متفاضلين]، أي: أن أهل الإيمان بينهم تفاضل، فهو عند فلان كثير وعند آخر قليل، فأهل الإيمان في إيمانهم يتفاضلون، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ثم جعله فيهم يزيد ويقوى بالمعرفة والطاعة، وينقص ويضعف بالغفلة والمعصية].
إذًا: الإيمان يزيد بطاعة الله ﷿ وبمعرفة الله تعالى والإيمان به، وينقص بالمعصية وبالبعد عن الله ﷿.
قال: [وبهذا نزل الكتاب، وبه مضت السنة، وعليه أجمع العقلاء من أئمة الأمة، ولا ينكر ذلك ولا يخالفه إلا مرجئ خبيث قد مرض قلبه، وزاغ بصره، وتلاعبت به إخوانه من الشياطين، فهو من الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢].
[ ٢٧ / ٢ ]
الأدلة القرآنية على زيادة الإيمان ونقصانه
[ ٢٧ / ٣ ]
الآيات التي ورد فيها ذكر زيادة الإيمان أو الهدى أو التقوى
قال: [وأما ذكر الحجة في ذلك]، أي: في إثبات أن الإيمان يزيد وينقص: [ففي كتاب الله ﷿ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]] فقوله سبحانه: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) دليل على زيادة الإيمان، ولو كان الإيمان لا يزيد لم يكن لمنطوق هذه الآية أي دلالة، قال: [﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]].
[وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]].
فقوله: «وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ» هذا باب من أبواب الطاعة، أعني قراءة القرآن والذكر والتسبيح والتكبير، فإذا تلبس به العبد زاد إيمانًا، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [آل عمران:١٧٣].
[وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]].
«وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا» أي: طلبوا الهداية وتمنوها، واتخذوا السبيل العملي لتحقيق الهدى والتقى، فيمتن الله تعالى عليهم بأن يمنحهم الهدى وأن يزيد في تقواهم.
[وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]]، فالهدى هو الإيمان.
[وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]]، أي: أن الله تعالى يهدي بهذا القرآن أقوامًا ويضل به آخرين.
[ ٢٧ / ٤ ]
قوله: (ولكن ليطمئن قلبي)
قال: [وقال ﷿: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] يريد: لأزداد إيمانًا إلى إيماني، بذلك جاء التفسير]، فقد أجمع المفسرون على أن الاطمئنان إنما هو طلب المزيد من الإيمان، لا أصل الإيمان.
وهذه الآية وردت في حق سيدنا إبراهيم ﵇، قال تعالى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي»؛ فإبراهيم ﵇ لم يكن شاكًا في أن الله تعالى هو الذي يحيي الموتى، ولذلك لم يطلب من ربه أن يريه بعث الموتى، وإنما طلب من ربه أن يريه الكيفية التي يبعث بها الموتى، فهو سأل عن الكيفية ولم يسأل عن أصل القضية، لم يقل: يا رب من الذي يحيي الموتى؟ لأن إبراهيم ﵇ يعلم ذلك علمًا يقينيًا لا يحتاج إلى دلالة، وإنما سأل عن الكيف يا رب أنا أريد أن أرى ميتًا تحييه أمامي، حتى يزداد بذلك إيماني ويقيني، وهذا لا ينفي أصل الإيمان وأصل اليقين عنده، فهو على يقين تام بأن الله هو الذي يحيي الموتى ويحيي العظام وهي رميم، لكنه طلب مزيد الإيمان ومزيد التقوى بآية وعلامة أمامه، «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى»، فالله تعالى يسأله وهو أعلم به، حتى لا يأتي من بعد ذلك من يقول: إبراهيم ﵇ كان شاكًا في أن الله تعالى هو الذي يحيي الموتى، فالله هنا قطع هذه الشبهة فقال: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى»، أي: أنا مؤمن، فإذا أتى من يقول إن إبراهيم كان شاكًا نقول له: قد سأله الله هذا السؤال «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ»؟ «قَالَ بَلَى» ولا يصح أن يكون إبراهيم كاذبًا في هذا الجواب، ومن قال إن نبيًا من الأنبياء يكذب فقد كفر؛ لأن الكذب كبيرة والأنبياء مبرءون من الكبائر معصومون منها، وفي الصغائر خلاف ونزاع بين أهل العلم، والراجح من الأدلة في الكتاب والسنة أن الأنبياء يقعون في صغائر الذنوب، ولكنهم سرعان ما يتوبون منها، فيكونون بعد التوبة أحسن من حالهم قبل الذنب.
فحينئذ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: ليزداد إيمانًا.
[وقال سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: ليزداد، يعني: إيمانًا].
[ ٢٧ / ٥ ]
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا)
قال: [وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ﴾ [النساء:١٣٦]]، فالله تعالى خاطب أهل الإيمان وطالبهم بزيادة الإيمان، أن يسلكوا السبل المحصلة لزيادة الإيمان في القلوب، بدليل أنه لم يقل لهم يا أيها الناس ولا يا أيها المسلمون، وإنما قال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فأثبت لهم الإيمان، «آمِنُوا» أي: ازدادوا إيمانًا بالله ورسوله والكتاب الذي أنزل عليكم.
قال: [فلو لم يكونوا مؤمنين لما قال لهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»، وإنما أراد بقوله «آمِنُوا»: دوموا على إيمانكم وازدادوا إيمانًا بالله وطاعة، واستكثروا من الأعمال الصالحة التي تزيد في إيمانكم، وازدادوا يقينًا وبصيرة، ومعرفة بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وقد يقول الناس بعضهم لبعض مثل ذلك، في كل فعل يمتد ويحتمل الازدياد فيه، كقولك للرجل يأكل: كل، تريد: زد أكلك]، أي: وهو في حقيقة الأمر يأكل؛ لكنك تطلب منه مزيدًا من الأكل، أو اشرب يا رجل، وهو يشرب مثلًا (شاي) فتريد منه أن يشرب الآخر، أي: ازدد شربًا.
وهذا في الأمر الذي لا منتهى له، والإيمان لا نهاية له، ولذلك مهما زاد فيه الإنسان يطالب بالزيادة، بخلاف الأمر الذي له نهاية، لو أن واحدًا جالس فأقول له: اجلس، يقول لي: أنا جالس، وآخر قائم فأقول له: قم، يقول لي: أنا قائم، فالقيام له نهاية والجلوس له نهاية.
فالأمور التي لها نهاية لا يطالب المرء فيها بالمزيد، أما الأمر الذي لا نهاية له فالإنسان مهما استزاد منه يطالب بالزيادة، فأعظم مثل لذلك هو الإيمان.
قال: [فالإيمان لا منتهى له، وهو شيء لا يقبل الحد، حتى الأنبياء أنفسهم يطالبون بالزيادة، بدليل أن الله تعالى فضّل بعض الأنبياء على بعض، وإنما ذلك بالإيمان، ولا يجوز أن يكون ذلك في الأفعال المتناهية كما قلت.
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]] أي: بعض الأنبياء درجته فوق درجة بقية الأنبياء، بدليل أن تكليم الله ﷿ لبعض عباده شرف عظيم جدًا، فالله ﷿ كلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، فإن لموسى ﵇ منزلة عظيمة جدًا، ولإبراهيم منزلة عظيمة بهذه الخلة، ونبينا ﵊ فوق ذلك كله، وقد حباه الله تعالى بما لم يؤته أحدًا من الأنبياء.
ولذلك فإن الجعد بن درهم أنكر أن الله تعالى كلم موسى تكليمًا، كما أنكر أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا، فأتى به خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى، وبعد أن خطب خالد خطبة العيد نزل وقال: أيها الناس! ضحوا فإني مضح بـ الجعد بن درهم، ونزل من المنبر، وقال له: ألست الذي تزعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولم يتخذ إبراهيم خليلًا؟ قال: أعتذر أو أتوب، قال: هذا بينك وبين الله، والذي أمرنا به هو قتلك، وذبحه في أصل المنبر؛ لأن الذي يقول إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، لا بد أنه مكذب لله تعالى، ومكذب للرسول ﵊، ومكذب للصحابة الذين نقلوا إلينا هذا الكلام الرباني الإلهي.
وهذا الرجل اختلف أهل العلم فيه، فمنهم من قال: إنما قتله القسري درءًا لفتنته، ولئلا يتمثل به أحد، ومنهم من قال: بل يكفر بذلك، وإنما قتله خالد ردة، وهذا الذي يترجح لدي.
[ ٢٧ / ٦ ]
الآيات الدالة على المفاضلة بين الرسل بسبب زيادة الإيمان
قال: [وقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥]]، إذا كان التفضيل بين الأنبياء والمرسلين بسبب الإيمان، فلأن يكون في أتباع الأنبياء والمرسلين من باب أولى.
[وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:١٣٢]]، أي: بسبب ما عملوا.
إذًا: مناط الزيادة والنقصان في الإيمان هو العمل.
[وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]]، أي: كلًا وعد الله تعالى دخول الجنة التي هي الحسنى، ولكن لا يستوون في الجنة، فبعضهم في الجنة في درجة أعلى من بعض، فالذين هاجروا وقاتلوا قبل الفتح، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم؛ فوق الذين آمنوا وهاجروا بعد الفتح.
[ ٢٧ / ٧ ]
الآيات الدالة على تفاضل المؤمنين بزيادة الأعمال
قال: [وقال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]]؛ لأن هؤلاء مستثنون؛ لأن الذي منعهم من الجهاد هو الضرر؛ سواء كان الحاجة أو المرض أو صغر السن أو الأنوثة أو غير ذلك [﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]]، والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، [﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء:٩٥]]، هؤلاء أحسن من هؤلاء بدرجة [﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥]]، والأجر العظيم هو ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦]].
[وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]]، الذين هاجروا أفضل من الأنصار، وهذه الآية كانت حجة عمر ﵁ في سقيفة بني ساعدة، حينما اختلف المهاجرون والأنصار فقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتى عمر بن الخطاب فذكرهم بفضل المهاجرين وفضل سبقهم في الإسلام، وفضل هجرتهم من مكة إلى المدينة، ثم بين فضل الأنصار، وأنه لم يثبت لهم إلا بعد أن ثبت الفضل للمهاجرين لأنهم السابقون الأولون؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ أي: والأنصار من بعدهم، [﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾].
إذًا الترتيب في الفضل: المهاجرون، الأنصار، التابعون لهم بإحسان جيلًا بعد جيل إلى قيام الساعة.
[وقال الله ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]]، وهذه أعظم الدرجات.
قال: [فقد علم أهل العلم والعقل أن السابق -أي: من المهاجرين- أفضل من المسبوق، والتابع دون المتبوع، وأن الله ﷿ لم يفضل الناس بعضهم على بعض بوثاقة الأجسام، ولا بصباحة الوجه، ولا بحسن الزي وكثرة الأموال، ولو كانوا بذلك متفاضلين، لما كانوا به عنده ممدوحين؛ لأن ذلك ليس هو بهم ولا من فعلهم، فعلمنا أن العلو في الدرجات والتفاضل في المنازل؛ إنما هو بفضل الإيمان وقوة اليقين، والمسابقة إليه بالأعمال الزاكية، والنيات الصادقة من القلوب الطاهرة].
[ ٢٧ / ٨ ]
الآيات الدالة على عدم المساواة بين الصالحين والفاسقين
قال: [قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١]]، يعني: هل يتصور الناس أننا نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء مع الذين اجترحوا واقترفوا السيئات؟ ومدار هذا أن العمل إيمان، [﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]]، أي: إذا كانوا يتصورون أننا نسوي بين الذي عمل عملًا صالحًا والذي عمل السيئات، فهذا بلا شك من سوء الحكم.
ٌ [وقال الله ﷿: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]] يعني: هل يتصور أحد أن الفاجر والتقي عند الله سواء؟ لا يمكن ذلك، وكذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليسوا كالمفسدين في الأرض.
قال: [فهذا وأشباهه في كتاب الله يدل العقلاء على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل المؤمنين بعضهم على بعض، وعلوهم في الدرجات.
وبمثل ذلك جاءت السنة -يعني: لتؤكد هذا المعنى- عن النبي ﷺ، وعن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين.
ولو كان الإيمان كله واحدًا لا نقصان له ولا زيادة، لم يكن لأحد على أحد فضل، ولاستوت النعمة فيه، ولا يستوي، وبطل العقل الذي فضل الله به العقلاء، وشرف به الحكماء والعلماء، وبإتمام الإيمان دخل الناس الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون في الدرجات في الجنان عند الله -أي: أنه بالإيمان دخل المؤمنون الجنة، فالدرجات بتفاضلهم- وبالنقصان منه -أي: من الإيمان- دخل المقصرون النار، فنعوذ بالله من النار.
وإن الإيمان درجات ومنازل يتفاضل بها المؤمنون عند الله، ومتى تأمل متأمل وصف الله للمؤمنين وتفضيله بعضهم على بعض، وكيف حزبهم إليه بالسباق]، أي: كيف حفز الله ﷿ المؤمنين للسباق إلى طاعته وزيادة الإيمان.
قال: [وبذلك فضل الله أوائل هذه الأمة على أواخرها، ولو لم يكن للسابقين بالإيمان فضل على المسبوقين، للحق آخر هذه الأمة أولها، وربما فاق عليه]، ولو لم يكن للسبق فضل لربما كان المتأخر أفضل من السابق، وبالتالي فلنا أن نقول إن التابعين أفضل من الصحابة، وإن أتباع التابعين أفضل من التابعين، وهذا كلام لم يقل به أحد من أهل السنة والجماعة.
[ ٢٧ / ٩ ]
الآيات الدالة على زيادة الإيمان بالأعمال وتفاضل أهله فيه
قال: [قال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]]، فالله تعالى يحثنا على السبق في العمل الصالح حتى نحظى بمغفرته ﷾.
[وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجاتهم في السبق، ثم ثنى بالأنصار على سبقهم، ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان، فوضع كل قوم على درجاتهم ومنازلهم عنده سبحانه.
ثم ذكر ما فضل به أولياءه بعضهم على بعض، فبدأ بالرسل والأنبياء فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥].
وأمر نبيه ﷺ أن يتأمل ذلك، فقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ [الإسراء:٢٠ - ٢١] أي: يا محمد [﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١].
وقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]]، والدرجة لا تطلق إلا على العلو، بخلاف الدركة فإنها تطلق على الأسفل، فالجنة درجات والنار دركات، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ولم يقل: في الدرجات السفلى أو في أسفل درجة.
[وقال تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]]، أي: يوضع كل إنسان في درجته ومنزلته على حسب ما عنده من أعمال وإيمان.
[وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠].
وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]]، وهذه الآية صريحة في زيادة الإيمان وزيادة الدرجات.
[وقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠].
فهذه درجات الإيمان ومنازله، تفاضل الناس بها عند الله، واستبقوا إليه بالطاعة بها.
فالإيمان هو الطاعة -أي: امتثال الأمر وترك النهي- وبذلك فضل الله المهاجرين والأنصار؛ لأنهم أطاعوا الله ورسوله، ولأنهم أسلموا من خوف الله، وأسلم سائر الناس من خوف سيوفهم].
أي: أنهم أسلموا ابتداء لأنهم خافوا الله تعالى، لكن الناس أسلموا بعد ذلك خوفًا من القتل، ولذلك المهاجرون والأنصار استحقوا السبق على سائر الناس لأنهم سابقوا إلى مغفرة من الله ورضوانًا، وأسلم سائر الناس من خوف سيوفهم.
قال: [وفضل الله المهاجرين والأنصار بطواعيتهم لله ولرسوله.
وكذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وقال: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] يعني في سنن الرسول]، أي: في سننه وأحواله وأيامه صلوات الله وسلامه عليه.
قال: [وخلق الله الخلق لطاعته، إلا من سبق عليه القول في كتابه بشقوته، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]]، وهذا أسلوب حصر وقصر.
[وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [النحل:٤٩].
وقال الله تعالى للسماء والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
فالإيمان يا أخي -رحمك الله- هو القول، والعمل هو الطاعة]، أي: الإيمان هو قول اللسان وقول القلب، والعمل هو الطاعة، [والقول تبع للطاعة والعمل، والناس يتفاضلون فيه على حسب مقادير عقولهم، ومعرفتهم بربهم، وشدة اجتهادهم في السبق بالأعمال الصالحة إليه].
[ ٢٧ / ١٠ ]
الأدلة من السنة على ما ورد عن السلف في زيادة الإيمان ونقصانه
قال: [وقد شرحت السنة عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله بعضهم على بعض].
[ ٢٧ / ١١ ]
الأحاديث الدالة على تأثير المعاصي على الإيمان بالنقصان
قال: [من ذلك]، ما جاء [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا أذنب ذنبًا آخر نكت فيه نكتة أخرى، حتى يعلوه الران)]، يعني: يختم على قلبه بهذا السواد.
[ابن عباس كان يقسم بالله لو أنكم شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أو أبيض، ولو شققتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود].
والمقصود عند جماهير السلف أن السواد والبياض أمر معنوي يتعلق بالبصيرة.
قال: [(إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله ﷿: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤])] أي: بسبب ما كانوا يكسبون، علاه الران والسواد كما في [حديث حذيفة في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء؛ حتى تكون القلوب على قلبين: قلب أبيض لا يضره شيء ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود مرباد -أي: معكر- كالكوز مجخيًا -أي: منكوسًا ومائلًا- لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه)].
فهذا حديث مرعب ومخيف جدًا، فالقلوب قسمان: قلب أبيض بنور الإيمان لا يضره شيء ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود كلما عرضت عليه فتنة أشربها؛ لأنه صاحب هوى وليس صاحب سنة، حتى يعلوه الران، فبعد ذلك لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا للسواد الذي علاه، أطفأ الله تعالى عنه نور العلم والإيمان والبصيرة، فصار لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، بل ربما ظن أن المعروف منكرًا أو أن المنكر معروفًا، أو ذهب ليأمر بالمنكر وينهى عن المعروف.
وهذه دركات وظلمات بعضها فوق بعض، نسأل الله السلامة لنا ولكم.
[وعن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي قال: كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إن الإيمان يبدو لمظة] أي: كشيء يلمظ لمظة، أي: يرى دقيقًا يسيرًا.
قال: [إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، كلما زاد الإيمان زاد البياض -أي: كلما زاد الإيمان بزيادة العمل زاد معه هذا البياض، حتى يكون قلبًا أبيض ناصع البياض- فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، كلما زاد النفاق زاد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله.
وأيم الله! لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود].
وهذا الإسناد فيه ضعف، إلا أن الروايات التي في الباب تشهد لهذا الكلام.
[وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا أذنب الرجل الذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا أذنب الذنب نكت في قلبه أخرى، حتى يكون لون قلبه لون الشاة الربذاء]، أي: الشاة المغبرة التي ليست إلى السواد ولا إلى البياض.
قال: [وعن مجاهد قال: القلب مثل الكف؛ إذا أذنب الرجل الذنب انقبض بعضه -ثم قبض أصبعًا- وإذا أذنب الذنب انقبض بعضه -ثم قبض أصبعًا، حتى قبض أصابعه كلها- ثم يطبع عليه، فكانوا يرون ذلك الران، ثم قرأ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]]، يعني: زيادة الذنب ليست من الطاعة، فصاحب الذنب يحب أصحاب الذنوب ويواليهم، ويعادي أصحاب الطاعة ولا يحب رؤيتهم، إذا بلغ العبد هذا المبلغ فليعلم أن هذا خطر عظيم جدًا عليه.
[ ٢٧ / ١٢ ]
حديث حذيفة في نزول الأمانة في قلوب الرجال ورفعها
[وعن حذيفة ﵁]، وهو صاحب أحاديث الفتن، وكان يحرص حرصًا تامًا على معرفة ما سيقع بين يدي الساعة، وما سيقع في هذه الأمة من فتن، فكان يسأل ﵊ دائمًا عن ذلك، [قال: حدثنا النبي ﷺ حديثين: رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، والعلماء اختلفوا في الأمانة، فقال بعضهم: هي التكاليف الشرعية، وبعضهم يقول: هي الأمر والنهي، وبعضهم يقول: هي الدين كله.
والراجح أن الأمانة هي الدين كله، وأصل الدين الإيمان بالله ﷿، والإيمان بالله هو الذي يدفع صاحبه إلى العمل الصالح، ولا بأس من جمع هذا كله في تفسير الأمانة هنا.
قال: [(حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر -أي: في أصل- قلوب الرجال)]، وذكر الرجال من باب التغليب، والأصل أن النساء يدخلن في هذا الخطاب.
قال: [(ونزل القرآن، فتعلموا من القرآن وتعلموا من السنة)].
ولذلك السلف ﵃ كانوا يتعلمون الإيمان أولًا، فإذا نزل القرآن تعلموه، وتعلموا السنة فازدادوا بها إيمانًا، وهذا جاء صريحًا في حديث عبد الله بن عمر وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي.
[ثم قال حذيفة: (ثم حدثنا النبي ﵊ عن رفعها)].
إذًا: الحديثان هما: الأول: عن فضل نزول الأمانة، وأن ذلك كان في جذر قلوب الرجال، والكلام هذا رأيناه عيانًا، وهذا فيه إثبات خيرية وأفضلية أصحاب النبي ﵊.
والحديث الثاني: عن رفع الأمانة، أي: كيف ترفع من قلوب الناس، وهذا لم يره حذيفة، وإن كان حذيفة من عند نفسه بالغ أنه في نهاية عمره قد رأى ذلك، وآخر عمر حذيفة بلا شك أنه أقل في الفضل من أول عمره؛ لأن حذيفة كان يعيش مع النبي ﵊، وكان يعيش مع الخلفاء الراشدين فالأمر كان كله هناء وسعادة وإيمانًا، لكن بعد ذلك دخلت الفتن بمقتل عثمان ﵁، وبالحروب التي قامت في نهاية زمن الخلافة وغير ذلك وهذه كلها فتن.
ولذلك حذيفة تأثر تأثرًا شديدًا بما أدرك من فتن، فقال: كنت أبايع كل من لاقيت أي: إذا أردت أن أبيع وأشتري فأبيع وأشتري من أي أحد من غير أن أسأل عنه، لأنه أحد أمرين: لو كان مؤمنًا رده علي دينه ولن يغشني؛ ولو كان يهوديًا أو نصرانيًا رده علي ساعيه، والساعي هنا هو السيد والوالي.
أي: لو أنه باع من اليهود والنصارى وغشوه، فيستطيع أن يأخذ حقه مرة أخرى من السيد المسلم الذي هو ولي هذا اليهودي أو هذا النصراني.
قال: أما الآن فلا أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا، قيل له: هل الأمانة ترفع يا حذيفة؟ قال: نعم، ترفع حتى يقال للرجل ما أظرفه وما أعقله وما أجلده، وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.
وهذا حديث مخيف، وأظن أنني خطبت عنه في جمعة على هذا المنبر.
قال: [(ثم حدثنا عن رفعها، فقال: ينام الرجل النومة فتنزع الأمانة من قلبه، فيظل أثرها كأثر المجل)] وهو الأثر الخفيف اليسير، أو اللون المخالف للون الأصلي.
قال: [(كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء)]، يقول: كما لو أتيت بجمرة فبدحرجتها على فخذك، لا شك أن هذا الموضع الذي دحرجت عليه الجمرة سينتفط ويعلو ويمتلئ ماء، هذا الماء لا ينتفع به ولا قيمة له، ولذلك قال: (كجمر دحرجته على رجلك فنفط) أي: فعلا وارتفع هذا الجلد وتكون تحته الماء، فيترك أثرًا كالمجل، [(أو قال: كالوكت، ثم ينام الرجل النومة الثانية، فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل)] قال في الأولى: كالوكت وهو أثر يسير، والمرة الأخرى قال: كالمجل وهو عظيم وشديد.
وضرب له مثلًا كالذي يأخذ الفأس ولا عادة له بهذا الفأس، لأنه منعم مترف حينما تعطيه الفأس وتقول له: شطب لي هذا الرصيف، ما الذي سيحصل؟ فربما يموت كمدًا من أول ما يبدأ الشغل، لكن حينما يبدأ يشتغل، فأول ما يخبط خبطتين بالفأس على الأرض تهش الجلود الداخلية وتتشقق وتحمر وتنزل دمًا، ويبقى منظر اليد كلها مشوهة، فهذا بلا شك أثر عظيم، فكذلك الإيمان ينزع من القلب شيئًا فشيئًا حتى لا يبقى في القلب إيمان.
فهكذا أصل نزول الإيمان كان في جذر قلوب الرجال، ولذلك أنتم تعلمون أن النبي ﵊ قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة -أي: فطرة الإسلام- فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) وفي رواية مسلم: (أو يشركانه) أي: يجعلانه مشركًا.
ولذلك سئل النبي ﵊ عن أطفال المشركين؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) أي: أنه سئل عن أطفال المشركين إذا ماتوا قبل البلوغ، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وبعض النصوص قد وردت في أن أطفال المشركي
[ ٢٧ / ١٣ ]
ما ورد عن الصحابة في زيادة الإيمان ونقصانه
قال: [قال أبو الدرداء: الإيمان يزداد وينقص]، وهذا قول أبي هريرة وابن عباس.
[وقال عمير بن حبيب: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه].
كأنه يقول: زيادته ونقصانه بالعمل، فإذا كان العمل طاعة ازداد به الإيمان، وإذا كان معصية نقص به الإيمان.
[وقال عبد الله بن عكيم: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا].
[وقال سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: ليزداد إيمانًا].
قال: [عن ذر بن عبد الله: أن عمر كان يأخذ بيده الرجل والرجلين في الحلق فيقول لهما: تعالوا نزدد إيمانًا].
إذًا: ازدياد الإيمان ونقصانه كان أمرًا مستقرًا عند السلف، وكذلك [قال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة]، أي: نزداد إيمانًا، لا أنهم كانوا كفارًا وكان يطالبهم بالإيمان كما فهم ذلك بعض الطلاب.
[وقال جندب بن عبد الله البجلي ﵄: (كنا مع رسول الله ﵊ غلمانًا حزاورة -أي: صغارًا في سن واحدة- فنتعلم الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، فإذا نزل القرآن ازددنا به إيمانًا)].
ٌ [وقال أبو الدرداء: كان ابن رواحة يأخذ بيدي فيقول: تعال نؤمن ساعة -أي: نزداد إيمانًا- إن القلب أسرع تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليًا]، أي: أن القدر حين نضع فيه الماء، وحين تغلي يتقلب الماء بداخله، فكذلك القلب أسرع تقلبًا، أي: أنه لا بد من تعاهد القلب.
حينما تكون عندك سيارة، فحينما تريد أن تسافر بالسيارة تنظر إلى الماء والزيت وغير ذلك كل هذا من باب المتابعة، فقلبك أولى بهذا، وحينما يكون عندك حيوان، ولو كان حيوانًا حقيرًا لكنه مأذون فيه شرعًا ككلب الحراسة وكلب الصيد والماشية، فالمطلوب منك شرعًا أن ترعى هذا الكلب طعامًا وشرابًا ومأوى وغير ذلك، حتى لو مرض وجب عليك تطبيبه، والله تعالى شكر لامرأة بغي وجدت كلبًا يلهث، فنزلت وملأت خفها من البئر فناولته فشرب حتى ارتوى، فشكر الله لها ذلك وأدخلها الجنة وهي بغي، والله تعالى أدخل امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
ودائمًا الملاحدة لا تعجبهم مثل هذه الأحاديث، يقولون: هل يعقل أن باغية تدخل الجنة في كلب، وأخرى مؤمنة تدخل النار في هرة؟ فليست القضية قضية قطة، وإنما القضية أن هذه نفس، وأن المعذب بسببها قد قتل نفسًا متعمدًا، وكان بإمكانه ألا يفعل ذلك.
وكان ابن رواحة يأخذ بيده فيقول: تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا.
[ ٢٧ / ١٤ ]
ما ورد عن التابعين في زيادة الإيمان ونقصانه
[قال يعقوب بن إبراهيم: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنا أقول إن الإيمان يتفاضل]، وهذا مذهب السلف، [وكان الأوزاعي يقول: ليس هذا زمان تعلم هذا، هذا زمان تمسك].
الإمام الأوزاعي من سادات الدنيا في زمانه تمسكًا بسنة النبي ﵊، كان إمام هدى وإمام سنة.
قول عبد الرحمن بن مهدي: أنا أقول أن الإيمان يتفاضل هذا قول ثابت عن الأوزاعي أنه قال: الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه، والأوزاعي وهو إمام الشام في زمانه دخل في معترك عظيم جدًا مع الحجاج بن يوسف الثقفي فكانت فتنة عظيمة جدًا، وتفرد الأوزاعي في زمانه بتكفير الحجاج، أي: أن الأوزاعي في زمانه وحده هو الذي تفرد بإطلاق الكفر المخرج من الملة على الحجاج بن يوسف الثقفي وكانت فتنة عظيمة جدًا، أدت بالإمام الأوزاعي أن يقول هذا القول، وأن يقول: زيادة الإيمان ونقصانه كان من قبل، أي: في زمن التابعين وزمن الصحابة، أما في زمن الأوزاعي وهو من أتباع التابعين فقال: كل منا له قليل من الإيمان يجب أن يحافظ عليه، يعني: لا يطمع أحد في الزيادة، ولكن الذي عنده شيء من الإيمان يحافظ عليه هذا القول في ذاته يدل على أن الإيمان عند هذا الإمام يزيد، لأنه لو كان الإيمان عنده لا يزيد ولا ينقص لما قال: وهذا زمان تمسك.
أي: هذا الزمان يجب فيه أن يتمسك المرء بما عنده من دين، لأنه لو لم يكن عند الإمام لا يزيد وينقص فلماذا يتمسك به؟ فهو سواء تمسك به أو لم يتمسك لا يزيد ولا ينقص، فلو أن الإيمان عند الإمام لا يقبل الزيادة ولا النقصان فما قيمة التمسك به والمحافظة عليه؟ إذا كان حافظ عليه أو لم يحافظ عليه فهو لا يزيد ولا ينقص! فهذا القول من الإمام يدل على الغالب الذي وصل إلى الإمام.
[وقال الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦].
قال: قال ناس من أصحاب النبي ﷺ: لو فعل ربنا لفعلنا].
أي: لو أن ربنا أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا، [فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (الإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي)]، وهذا حديث مرسل، وهو من أحاديث الحسن المرسلة إلى النبي ﵊.
[قال ابن بطة: وفي هذا الحديث ما يدل العقلاء على تفاضل الإيمان وزيادته، ودرجاته في قلوب قوم دون آخرين، وذلك أن الله ﷿ حينما علم من تمكن الإيمان من قلوب قوم اختصهم بزيادته على آخرين، قال: «مَا فَعَلُوهُ» ثم استثنى المفضلين بالإيمان، فقال: «إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ» كما قال في أصحاب طالوت].
و[أن أبا الدرداء كان يقول: من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أم منتقص؟]، أي: أن من فقه العبد مع ربه أن يعلم هو في زيادة أم في نقصان، [وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه؟] أي: من أين تأتيه وكيف تأتيه؟ والأفضل في معرفة نزغات الشيطان وسبله ومداخله: إغاثة اللهفان لـ ابن القيم، وتلبيس إبليس لـ ابن الجوزي، فهذا له طعم وذاك له طعم، وأساليب الشيطان لا نهاية لها، ولا يزال العلماء يصنفون ويكتبون يحذرون الأمة من مداخل الشيطان.
[ ٢٧ / ١٥ ]
ما ورد عن السلف في أن الإيمان ينقص
قال: [وقال ابن مسعود: ما رأيت ناقص الدين والرأي أغلب للرجال ذوي الأمر على أمورهم من النساء]، أي: ترى الرجل حازمًا وعاقلًا وشديد الصرعة، لكنه ينهزم أمام النساء، مع أن المرأة في أصلها ضعيفة لكنها بفتنتها في قولها وفعلها تفتن الرجل الحازم الرأي.
[قالوا: يا أبا عبد الرحمن! وما نقصان دينها؟ قال: تدع الصلاة في أيام حيضها، قالوا: فما نقصان رأيها، قال: لا تجوز شهادة امرأتين إلا بشهادة رجل].
[وقيل لـ سفيان بن عيينة: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرءون ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] في غير موضع من كتاب الله؟ قيل: فينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص].
والذي يدل على النقصان من السنة حديث أبي سعيد الخدري: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن)، والحديث مشهور ومعلوم.
والحجة الثانية حجة عقلية؛ لأنه ما من شيء يقبل الزيادة إلا وكان ناقصًا قبل ذلك.
فحينما تقول: إيمانك في زيادة، لا يدل على أنه كان زائدًا، لكنه كان موجودًا فزاد، أو كان ناقصًا فزاد.
فزيادة الإيمان تدل على أنه كان ناقصًا، والشيء الذي يقبل الزيادة لا بد وأن يقبل النقصان.
[وقال سفيان الثوري: إن الإيمان يزيد وينقص، وأقول: إن الإيمان ما وقر في الصدر وصدقه العمل].
[وقال وكيع: الإيمان يزيد وينقص، وكذلك كان سفيان -أي: الثوري - يقول ذلك].
[وقال المروزي: سمعت أبا عبد الله وهو أحمد بن حنبل سئل عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل يزيد وينقص، قال الله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، قال: وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].
ثم قال: هذا من الإيمان، وسمعته يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: الزيادة من العمل، وذكر النقصان إذا زنى وسرق]، أي: إذا عمل الطاعات زاد إيمانه، وإذا زنى وسرق وارتكب المعاصي والفواحش نقص إيمانه، وهذا معنى قوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) إلى آخر الحديث.
فالنقص هنا ليس من أصل الإيمان، وإنما هو من كمال الإيمان وتمامه، وهذا يدل على أن الإيمان ينقص بالمعاصي ويزداد بالطاعات.
[قال أبو عبد الله: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وقال: إنما الزيادة والنقصان في العمل كيف تكون حاله إذا قتل النفس؛ أليس قد أوجب الله له النار؟ كيف حاله إذا ارتكب الموبقات؟] [وقال: هشام بن عروة عن أبيه: ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه]؛ لقوله ﵊: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، فلا نافية لكمال الإيمان وتمامه، رجل كانت عنده الأمانة خامدة لا ينفى عنه الإيمان بالكلية، إنما ينفى عنه زيادة الإيمان.
[ ٢٧ / ١٦ ]
حكم مرتكب الكبيرة
قال: [وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إلى آخر الحديث، وفي نهايته (والتوبة بعد معروضة)] أي: لمن لم يقم عليه الحد؛ لأنكم تعلمون أن مرتكب الكبيرة عند الخوارج مخلد في النار، وعند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين لا هو مؤمن ولا هو كافر، فهذا حكمه في الدنيا، وفي الآخرة يكون من المخلدين في النار، وعند المرجئة لا تضره الذنوب كلها، لأن الأعمال صالحها وطالحها لا علاقة لها عند المرجئة بالإيمان، وعندهم أن إيمان جبريل كإيمان أفسق الناس، أو إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، لأنه لا علاقة للعمل بالإيمان، ولا علاقة للإيمان بالعمل وهذا كله خبط عشواء، وكلام فاسد هالك.
وعند أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأن المسلمين لا يسلبون عن الفاسق الملي الأخوة الإيمانية، ولو أن واحدًا زنى فأنت تبطن عنه ذلك في الباطن، وفي الظاهر تعامله على أنه مسلم، ما دام هذا الرجل من ملة محمد ﵊، فهو فاسق بكبيرته التي ارتكبها، ولا نسلب عنه مطلق الإيمان، وإنما نسلب عنه الإيمان المطلق، الذي هو الإيمان الزائد، وهناك فرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق هو كمال الإيمان وتمامه، فهذه الأحاديث التي ورد فيها الوعيد لمرتكب الكبائر تنفي عنه الإيمان المطلق، أما مطلق الإيمان الذي هو أصله وقاعدته فيتصور نقصانه لا سلبه.
[ ٢٧ / ١٧ ]
أقوال السلف في تفاضل أهل الإيمان فيه
قال: [وقال محمد بن علي: هذا الإسلام -ودور دائرة كبيرة- ثم قال: اعتبروا أن الإسلام هو هذه الدائرة الكبيرة -ودور دائرة في وسطها أصغر منها- ثم قال: وهذا الإيمان، فإذا سقط المرء من هذه الدائرة الصغيرة التي هي دائرة الإيمان استقر في الدائرة الكبيرة التي هي دائرة الإسلام].
والإسلام لا بد أن يكون معه أصل الإيمان.
قال الشيخ ابن بطة: [وهذا القول من أبي جعفر محمد بن علي ﵁ من أوضح الدلائل وأفصحها على زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك أن الإيمان يزيد بالطاعات فيحصنه الإيمان، وينقص بالمعاصي فيحرق الإيمان، ويكون غير خارج من الإسلام، وذلك أن الإسلام لا يجوز أن يقال فيه يزيد وينقص]؛ لأن الإسلام لا يتصور فيه الزيادة ولا النقص، إنما الزيادة والنقص في الإيمان.
[قال ابن عيينة: الإيمان يزيد وينقص.
فقال له أخوه وهو إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد! لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي -وفي رواية: يا غبي- بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء، وفي رواية قال: ينقص حتى ما يبقى منه مثل هذه، وأشار إلى فرث أنامله].
[وقال لوين: سمعت ابن عيينة غير مرة يقول: الإيمان قول وعمل، قال ابن عيينة: وأخذناه ممن قبلنا وأنه لا يكون قول إلا بعمل، قيل لـ ابن عيينة: يزيد وينقص؟ قال: فأي شيء إذًا؟] إذا كان الإيمان مرتبطًا بالعمل فلا بد أنه يزيد بالعمل.
[وعن الحسن قال: قال النبي ﵊: (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ينزع منه نور الإيمان كما يخلع أحدكم قميصه، فإن تاب تاب الله ﷿ عليه)].
[وعن ابن عباس قال: إذا زنى العبد نزع منه نور الإيمان].
إن للطاعة في القلب نورًا، وإن للمعصية في القلب ظلمة، كما قال ابن عباس.
[وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم].
فهذا الكلام يقوله عمر ﵁، وعمر مع الأمة.
أرأيتم كلام الأقران بعضهم عن بعض؟ فهؤلاء أقران محترمون رباهم النبي ﵊، والعلماء يقولون: كلام الأقران يطوى ولا يروى يعني: كلام الأقران بعضهم في بعضهم لا يلتفت إليه ولا يؤبه له ولا يؤمر به، لكن بلا شك أن الكلام الحسن والذكر الجميل أولى بالرواية من هذا التناحر، ولذلك كافأ الله ﷿ عمر ﵁ بقول حذيفة بن اليمان ﵁ فيه قولًا عظيمًا، قال حذيفة: لئن أعلم أن فيكم مائة مؤمن أحب إلي من حمر النعم وسودها]، يعني: لو كنت أعلم أن فيكم مائة مؤمن كما يريد الله، فهذا أحب إلي من أن تكون لي الأنعام والأبقار وغيرها من أموال العرب.
[فقال: ما بهاجرتنا -أي: قرية هجر- ولا بشامنا ولا بعراقنا مائة]، أي: هذه البلدان كلها ليس فيها مائة مؤمن كامل الإيمان، أي: على أعلى درجات الكمال والتمام.
[فقال: أفيكم رجل لا يخاف في الله لومة لائم، وما أعلمه إلا عمر بن الخطاب؟] أي: علامة الإيمان التام الكامل الذي قد بلغ القمة والنهاية، لو أن المرء بلغ إيمانه ذلك لو وضعوه في النار كما وضع إبراهيم ﵇ في النار، لا يضره ذلك شيئًا.
حذيفة يقول لهم: أنا لا أعرف أحدًا فيكم بهذا الوصف إلا عمر، وهذا حين تأدب عمر مع أبي بكر تأدب الناس معه والجزاء من جنس العمل.
[قال: فكيف أنتم لو قد فارقكم عمر؟ ثم بكى حتى سالت دموعه على لحيته].
[ ٢٧ / ١٨ ]
ما ورد عن السلف في التحذير من المعاصي وأنها تنقص الإيمان أو تحبطه
[وقال الحسن: ما يرى هؤلاء الناس أن أعمالًا لا تحبط أعمالًا، والله ﷿ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]]، وهذه الآية ترد على من يقول إنه لا توجد أعمال تحبط أعمالًا، فهذه الآية تثبت أن رفعكم لأصواتكم على النبي ﷺ، وتقدمكم بين يديه، واعتراضكم على سنته بالجحود، وزعمكم أنها مخالفة للقرآن تارة وأنها غير صحيحة أخرى، وأنها لا تتفق مع العقل ثالثة، وأنها وأنها هذا كله تقدم بين يدي الله ورسوله ورفع للصوت فوق صوت النبي ﵊؛ فإذا كانت لكم أعمال صالحة فقد حبطت بهذا القول.
[وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود حينما رأى رجلًا صنع شيئًا من زي الأعاجم قال: ليتق الله رجل أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر].
يعني: لأنه مطالب أن يخالف كل من لم يكن على ملة الإسلام.
[قال محمد بن عبد الرحمن: فظننته أخذ ذلك من هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]].
[وعمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى عدي بن عدي رسالة بعض ما فيها: أما بعد: فإن للإسلام شرائع وحدودًا من استكملها استكمل الإيمان]، وهذا يدل على أن كل من أتى شرعة أو منهاجًا أو حدًا من الحدود، يزيد إيمانه، قال: [ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش أبينها لكم].
أي: إذا عشت أبين لكم هذه الحدود وهذه الشرائع، قال: [وإن أمت، فالله ما أنا على صحبتكم بحريص].
ثم أتت روايات كثيرة جدًا عن كثير من السلف تثبت أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
[قال حذيفة: ليأتين عليكم زمان يصبح الرجل فيه بصيرًا، ويمسي وما ينظر بشفر].
[وقال أيضًا: إن الرجل ليصبح بصيرًا ثم يمسي وما ينظر بشفر].
وهذا يدل على أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا كما في الحديث (يبيع دينه بعرض من الدنيا) أي: قليل.
[وعن عبد الله قال: يأتي الرجل رجلًا لا يملك له ولا لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فيحلف له أنك لذيت وذيت، ولعله لا يحلى منه بشيء، فيرجع وما معه من دينه شيء، ثم قرأ عبد الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٤٩ - ٥٠].
[وقال عمران بن حصين حينما رأى رجلًا في يده حلقة من صفر -يعني: من نحاس- قال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، يعني: أنا اتخذتها حتى تقوي ضعف بدني ووهنه، قال: أما إنها لن تزيدك إلا وهنًا، ولو مت وأنت ترى أنها نافعتك لمت على غير الفطرة].
والنص الآخر لـ[ابن مسعود يقول فيه: إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه، فيلقى الرجل له إليه الحاجة فيقول: إنك لذيت وذيت يثني عليه، وعسى ألا يحلى بحاجته بشيء، فيرجع وقد أسخط الله وما معه من دينه شيء].
فأنتم تعلمون أن معظم الشعب المصري بهذا الشكل هذا، حينما يكون له مصلحة عند واحد يذهب يقول له: يا سلام! أنت فيك كذا وكذا وكذا، وأنت الذي تملك النفع والضر، وأنت الذي بيدك أن تقضي هذه المصلحة أو توقفها، وأنت وأنت مع أن هذا كله ملك لله ﷿، فهذا الحق لله يجعله هذا المنافق لغير الله ﵎ من خلقه الذين لا يملكون لأنفسهم في حياتهم نفعًا ولا ضرًا، بل وبعض الناس يزيد فيجعل هذا في يد الأموات، فيتوسلون بالأضرحة ويطلبون منها الحاجات ودفع المضرات! وهذا ليس إلا لله ﷿، وهؤلاء الموتى لا يملكون ذلك لأنفسهم وهم أحياء، فكيف يملكونه لغيرهم وهم أموات؟ وهم يعتبرون هذه الكلمات من باب المجاملة، بل هذا باب عظيم جدًا من أبواب النفاق، كيف تزكي نفسك؟ وكيف تزكي غيرك وأنت تعلم أنه ليس أهلًا للتزكية؟ ولذلك الواحد يأتي يطلب شهادة أو تزكية للجهة الفلانية، ولو أن الشيخ لم يعطه فإنها تقوم الدنيا ولا تقعد على رأس الشيخ هل أنت تعتقد أن هذه شهادة أم لا؟ يقول لك: نعم هذه شهادة وأنت تسأل عنها يوم القيامة.
تقول له: إذا كنت تعرف أنني أسأل عنها يوم القيامة، هل أنا أعرفك؟ يقول لك: أنا صرت شيخًا مثلك تقول له: أنت بستاني لا أعرفك، اذهب للشيخ الذي يعرفك فيزكيك، يقول لك: الشيخ الذي بجوار بيتنا، والشيخ الذي يعرفني بيني وبينه مشاكل وخلافات.
إذًا: أنت إنسان قليل أدب لا تستحق التزكية، فأنت حكمت على نفسك أنك لا تستحق.
فالذي يجعلك تختلف مع الشيخ الذي بجوارك، يجعلك تختلف مع أساتذتك وشيوخك في الخارج، في الجامعة الإسلامية مثلًا أو جامعة أم القرى التي أتيت
[ ٢٧ / ١٩ ]