الاستثناء في الإيمان من المسائل العويصة التي حصل فيها الخلاف بين أهل السنة وغيرهم من الفرق الضالة، فأهل السنة يقولون بالاستثناء في الإيمان على خلاف بينهم، فإذا كان القصد من الاستثناء أصل الإيمان الذي يخالف فيه المؤمن الكافر فلا يجوز؛ لأن أصل الإيمان إذا زال لا يبقى إلا الكفر، أما إذا كان الاستثناء متعلقًا بحقيقة وكمال وتمام الإيمان المبني على العمل فإنه يجوز، فيكون الاستثناء في الأعمال إذ فيها يكون التقصير.
[ ٣٦ / ١ ]
الاستثناء في الإيمان بين أهل السنة وغيرهم من الفرق الضالة
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد.
فموضوعنا عن جواز الاستثناء في الإيمان، ومعنى الاستثناء في الإيمان هل للرجل إذا سئل: أأنت مؤمن؟ أن يقول: نعم على القطع واليقين، أم يقول: نعم إن شاء الله؟ فتعليق الإيمان على المشيئة يعبر عنه أئمة السلف بالاستثناء في الإيمان.
الجهمية والمرجئة قالوا: لا يكون الاستثناء في الإيمان، فمنعوه منعًا باتًا.
وحجتهم في ذلك ترجع إلى أصل كلامهم في معنى الإيمان، فهم يقولون: الإيمان هو التصديق، ويعدون أنفسهم أنهم مصدقون، فلِمَ يعلقون هذا الأمر على المشيئة إذا صدقوا؟ وإذا سئلوا: أأنتم مؤمنون؟ يقولون: نعم، دون أن يعلقوا ذلك على المشيئة؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم مصدقون، إذًا ما فائدة التعليق أو ما قيمة الاستثناء حينئذ؟! والجهمية كذلك يمنعون الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو المعرفة، فإذا عرفوا الله تعالى فهم مؤمنون كاملو الإيمان، فإذا سئل الواحد منهم: أأنت مؤمن؟ يقول: نعم، ولا يقول: إن شاء الله.
فهذه أولًا حجة الإرجاء.
إذًا: الإيمان عندهم إما تصديق وإما معرفة، والتصديق والمعرفة إما أن يكون بالقلب أو بالقول فيقولون: نحن نوقن تمام اليقين بما وقر في قلوبنا، ونعرف ذلك من أنفسنا، وإذا كان بالقول فالقائل يعلم ذلك من نفسه.
ولذلك ينكرون تمامًا أن يعلق المرء إيمانه على المشيئة، أو يستثني في إيمانه إذا سئل: أأنت مؤمن؟ الحجة الثانية لهم: أن تعليق الإيمان على المشيئة من باب الشك، فإذا قلت: أنا مؤمن إن شاء الله، فهذا يعني أنك شاك في إيمانك، والإيمان عندهم لا يتصور نقصانه، كما يقولون: نحن نعرف الله تعالى، وهذا قول الجهمية، إذ إن الإيمان عندهم هو المعرفة، والمرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق، فإذا شك المرء في معرفته بالله، أو في تصديقه بالله، فلا يخرج المرء عندهم من التصديق إلا إلى الكفر، ومن المعرفة إلى الجهالة التامة بالله ﷿، وهذا كفر، ولذلك يقولون: لا يجوز لمسلم أن يستثني في إيمانه أبدًا، بل لا بد أن يجزم بأنه مؤمن.
أما أهل السنة والجماعة فيقولون بمشروعية الاستثناء في الإيمان، وأنتم تعلمون أن الأمر المشروع ينقسم إلى: واجب ومندوب، كما أن الأمر الممنوع ينقسم إلى: محرم ومكروه.
ولذلك أهل السنة والجماعة مجمعون على جواز ومشروعية الاستثناء في الإيمان، لكن منهم من أوجب الاستثناء، وبالتالي لا يحل لمسلم أو لمؤمن أن يقول: أنا مؤمن، بل يجب عليه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فلا بد أن يعلق إيمانه على المشيئة أو أن يستثني في إيمانه بالمشيئة.
ومنهم من يقول: الاستثناء جائز وليس بواجب.
إذًا: مدار كلام أهل السنة والجماعة في الاستثناء على المشروعية، لكنهم اختلفوا في الاستثناء: هل هو واجب أو جائز؟ فبعض أهل السنة -كما ذكرنا- قالوا بوجوبه، ومنهم الإمام اللالكائي، وصرح بهذا الرأي هناك، بل بوب في كتابه أصول الاعتقاد: باب وجوب الاستثناء في الإيمان.
أما الإمام ابن بطة فقال: [باب الاستثناء في الإيمان]، ولم يذكر وجوبًا ولا جوازًا ولا استحبابًا، وإنما سار كما سار الإمام البخاري في صحيحه، إذ لم يكن قاطعًا بحكم المسألة التي بوب لها في الصحيح، حيث قال: باب كذا.
وذكر المسألة، أي: باب خلاف أهل العلم أو باب حكم المسألة التالية، ثم يذكر الإمام الحافظ ابن حجر خلاف أهل العلم في هذه المسألة.
وجمهور أهل السنة والجماعة على جواز الاستثناء في الإيمان، ومرد هذا الجواز إلى أمرين: الأمر الأول: إذا كان القصد من الاستثناء أصل الإيمان الذي يخالف فيه المؤمن الكفار، فلا يجوز حينئذ الاستثناء، أي: إذا كان الجواب بالمشيئة متوجهًا إلى قصد الإيمان بالله ﷿ ورسوله وكتبه وملائكته واليوم الآخر وبالقدر، فلا يجوز فيها الاستثناء؛ لأن أصل الإيمان إذا زال لا يبقى إلا الكفر.
الأمر الثاني: إذا كان الجواب متعلقًا بحقيقة الإيمان وكماله وتمامه المبني على العمل، فحينئذ يجوز، إذ إن كل مسلم ينبغي عليه أن يتهم نفسه أنه ما أدى حق الله تعالى عليه، فيكون الاستثناء بالأعمال إذ فيها يكون التقصير، أي: أنه يستثني في كونه مؤمنًا ولا يستثني في صحة إيمانه.
[ ٣٦ / ٢ ]
شأن المؤمن الخوف من أن يسلب إيمانه
قال: [اعلموا رحمنا الله وإياكم أن من شأن المؤمنين وصفاتهم وجود الإيمان فيهم، ودوام الإشفاق على إيمانهم، وشدة الحذر على أديانهم، فقلوبهم وجلة من خوف السلب]، أي: أن قلوب المؤمنين العابدين خائفة دائمًا من أن يسلبهم الله ﷿ هذا الإيمان؛ لأن قلب العبد بين يدي الله ﷿ يصرفه كيف شاء، والنبي ﵊ كان يقول: (اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على ديني، ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك)، مع أن النبي ﵊ هو الذي حقق كمال الإيمان وتمامه، ومع هذا ما كان يأمن على نفسه، وكذلك الصحابة ﵃ كانوا في قمة الإيمان، ومع هذا كانوا يخافون على أنفسهم النفاق، ولا يأمنون مكر الله ﷿، مع ثبوت البشرى بالجنة في حقهم وخاصة العشرة المبشرين.
قال: [قد أحاط بهم الوجل لا يدرون ما الله صانع بهم في بقية أعمالهم، حذرين من التزكية، متبعين لما أمرهم به مولاهم الكريم حين يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
خائفين من حلول مكر الله بهم في سوء الخاتمة، لا يدرون على ما يصبحون ويمسون، قد أورثهم ما حذرهم ﵎ الوجل في كل قدم حين يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]]، أي: هل تكسب في إيمانها إيمانًا أو كفرًا، [فهم بالحال التي وصفهم بها ﷿ حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]]، فهل هذا الإتيان الذي أتوه من خير أو شر؟ ولذلك لما تلت [عائشة عند رسول الله ﷺ هذه الآية قالت: (يا رسول الله! هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق وهو يخاف ألا يقبل منه)]؛ لأن العبرة في العمل بالقبول لا بمجرد الإسلام أو الاستسلام المجرد.
حتى النبي ﵊ يقول: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل).
[ ٣٦ / ٣ ]
وجود الإشفاق في قلوب المؤمنين حملهم على الاستثناء في كلامهم
قال: [فلما أن لزم قلوبهم هذا الإشفاق لزموا الاستثناء في كلامهم، وفي مستقبل أعمالهم، فمن صفة أهل العقل والعلم أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله].
وهذه المشيئة في الإيمان متعلقة بكماله وتمامه، وهذا الكمال لا يتحقق للعبد إلا بالعمل، إذًا الاستثناء في الإيمان مرده إلى عدم التزكية على الله تعالى في تحقق كمال الإيمان وتمامه.
فحين أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فهذا يعني أنني قد عملت العمل، لكني لا أدري أقبله الله ﷿ مني أم لا؟ كما أنني لا أدري هل هذا العمل في قمة الكمال والتمام أو في وسطه أو في أول مراحله؟ إذًا إذا كان الكلام موجهًا إلى أصل الإيمان فنعم أنا مؤمن؛ لأنني آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولا أكفر بشيء من ذلك، بل أعادي من يعادي ذلك، وأحب من يحب ذلك، وأنا موقن تمام اليقين من نفسي بما أقول؛ لأن هذا هو الأصل الذي لا ينزل إلا إلى الكفر البواح.
وأما إذا كان السؤال متوجهًا إلى كمال الإيمان وتمامه فأنا لا أعرفها؛ لأن ذلك لا يكون إلا بالعمل، وأنا قد عملت، لكني لا أدري أقبل مني أم لا؟ وإذا قبل هل قبل كله أم بعضه؟ لأنه ربما يصلي المرء الصلاة فيعجب بصلاته، وقد أداها كاملة بقيامها وركوعها وسجودها وخشوعها، وربما ظن أن هذا هو عين المراد من تشريع الصلاة، لكن لو نظر المرء إلى صلاته وإلى صلاة أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي فهل يستويان؟ بل لو نظر المرء بين عبادته وعبادة من سلفه من سلفنا رضي الله ﵎ عنهم، إذ لا يمكن أبدًا أن يزعم المرء بأن صلاته كصلاة أحمد بن حنبل، ولا أن صيامه كصيام أحمد بن حنبل، نعم، نصوم لأننا نؤمن بأن الله تعالى فرض علينا الصيام، لكن في هذه العبادة من لغو وغيبة ونميمة الشيء الكثير، وبالتالي فلا يمكن أن يكون صيامي كصيام أحمد بن حنبل، وإن صدق على كل واحد منا أنه قد صام رمضان، لكن هيهات أن يكون عملي كعمل أحمد، أو تكون عبادتي كعبادة أحمد رحمه الله تعالى.
ولذلك نحن نقول: المرء يعمل، لكن هل العمل الذي أتى به العبد قد توفرت فيه قمة المطلوب والمراد من هذا العمل؟ لا يستطيع المرء أن يزعم أنه صلى صلاة ما بعدها صلاة، ولا صام صيامًا ما بعده صوم، ولا حج حجًا ما بعده حج، ولذلك المرء يقول: أنا عملت، ومع عملي كنت مقصرًا، وحجم العمل أين يكون في الميزان؟ هذا أمر لا يعرفه العبد، وحجم التقصير في ميزان العمل أين يكون؟ هذا أمر لا يعلمه كذلك إلا الله ﷿.
فإذا كانت طاعتي من جهة الكمال والتمام فإنه لا يعلمها يقينًا إلا الله، وتقصيري في جنب الله ﷿ لا يعلمه يقينًا إلا الله ﷿.
إذًا: فحينئذ ينبغي الاستثناء في الإيمان إذا كان المراد منه الكمال والتمام، وأن المرء إذا قال: أنا مؤمن جزمًا، وانصرفت نيته إلى كمال الإيمان وتمامه، فإنه قد زكى نفسه، والله تعالى يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
قال الشيخ: [فلما أن لزم قلوبهم هذا الإشفاق لزموا الاستثناء في كلامهم، وفي مستقبل أعمالهم، فمن صفة أهل العقل والعلم أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، لا على جهة الشك، ونعوذ بالله من الشك في الإيمان؛ لأن الإيمان إقرار لله بربوبيته، وخضوع له في العبودية، وتصديق له في كل ما قال وأمر ونهى].
وكما نقول وقلناه مرارًا: الإيمان ينقسم إلى أصل وفرع، والإيمان كالشجرة لها أصل ثابت وفروع تتفرع في السماء، فإذا كان الاستثناء في أصل الإيمان، فهذا خلع له من جذوره، وإذا كان الاستثناء في هذه الفروع المتعلقة بالعمل، فهذا جائز أو واجب في نفسه.
قال: [فالشاك في شيء من هذا كافر لا محالة].
أي: لو أنه قال: أنا مؤمن بالملائكة، لكن لا أعلم هل جبريل من الملائكة أم لا؟ فهذا شك، وآخر يقول: أنا مؤمن بأن الله ﵎ أمرنا أن نصلي إلى الكعبة، لكني لا أدري أهذه الكعبة في مكة أم في اليمن أم في الهند؟ فإنه يكفر بذلك، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، أي: لا يعرف عن الإسلام ولا عن ثوابته شيئًا، فحينئذ يُعلَّم ويُعرَّف، فإن أنكر وأصر كفر.
[ ٣٦ / ٤ ]
توجيه الاستثناء في الإيمان
قال: [ولكن الاستثناء يصح من العبد من وجهين: الأول: نفي التزكية]، أي: يصح الاستثناء بشرط ألا يزكي نفسه؛ [لئلا يشهد الإنسان على نفسه بحقائق الإيمان وكوامله، فإن من قطع على نفسه بهذه الأوصاف شهد لها بالجنة وبالرضاء وبالرضوان، ومن شهد لنفسه بهذه الشهادة كان خليقًا بضدها، أرأيت لو أن رجلًا شهد عند بعض الحكام على شيء تافه نزر، فقال له الحاكم: لست أعرفك، ولكني أسأل عنك ثم أسمع شهادتك، فقال له الرجل: إنك لن تسأل عني أعلم بي مني، فأنا رجل زكي مأمون رضي جائز الشهادة ثابت العدالة].
فهذا الرجل شهد لنفسه، وكأنه أعرف بنفسه من الحاكم، ولله المثل الأعلى، فهذا الرجل لم يستثن في الإيمان، بل قال: أنا مؤمن، ولم يقل: إن شاء الله.
وهذا كما حصل مع جحا حينما ذهب يريد أن يشتري حمارًا من السوق، فقالت له زوجته: إلى أين يا جحا؟ قال: أنا ذاهب إلى السوق لأشتري حمارًا، قالت له: قل: إن شاء الله، قال: لماذا أقول إن شاء الله؟ هذه فلوسي معي، فلما ذهب إلى السوق سرق منه المال، ثم رجع إلى زوجته فسألته: أين الحمار يا جحا؟ قال: ضاعت مني الأموال إن شاء الله! قال: [أليس كان قد أخبر عن نفسه بضعف بصيرته وقلة عقله بما دل الحاكم على رد شهادته وأغناه عن المسألة عنه، فما ظنك بمن قطع لنفسه بحقائق الإيمان التي هي من أوصاف النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحكم لنفسه بالخلود في جنات النعيم].
ولو أنك قلت: أنا مؤمن وقصدت كمال الإيمان وتمامه -الذي هو البر والتقوى- فكأنك قلت: أنا من أهل الجنة؛ لأن الله تعالى وعد المؤمنين الصادقين الأبرار المتقين بالجنة، وأن الله تعالى يتقبل عمل المتقين، فكان لزامًا على الله أن يدخلني الجنة؛ لأنني محقق لحقيقة الإيمان وكماله.
قال: [ويصح الاستثناء أيضًا من وجه آخر يقع على مستقبل الأعمال ومستأنف الأفعال، وعلى الخاتمة وبقية الأعمار].
الثاني: أن الاستثناء يصح على مستقبل الأعمال؛ إذ تعلمون أن الأعمال بالخواتيم، ولا يدري الإنسان بماذا سيختم له؟ بل لا أحد منا على يقين أنه سيخرج من باب هذا المسجد مؤمنًا كامل الإيمان، فربما خرج الواحد منا مبغضًا لله ورسوله قبل أن نقوم من مقامنا، وربما يقوم الواحد منا مؤمنًا كامل الإيمان، فهل نملك قلوبنا؟! ولا ندري ما الله تعالى صانع بنا؟ فإذا كنا لا ندري ما الله صانع بنا في الأفعال والأعمال، فينبغي أن نعلق فيما يتعلق بمستقبل الأعمال على التصديق بالله ﷿.
قال: [ويريد إني مؤمن إن ختم الله لي بأعمال المؤمنين، وإن كنت عند الله مثبتًا في ديوان أهل الإيمان، وإن كان ما أنا عليه من أفعال المؤمنين أمرًا يدوم لي ويبقى علي حتى ألقى الله به، ولا أدري هل أصبح وأمسي على إيماني أم لا؟ وبذلك أدب الله نبيه والمؤمنين من عباده، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فأنت لا يجوز لك إن كنت ممن يؤمن بالله، وتعلم أن قلبك بيده يصرفه كيف شاء، أن تقول قولًا جزمًا حتمًا: إني أصبح غدًا مؤمنًا، ولا تقول: إني أصبح غدًا كافرًا ولا منافقًا إلا أن تصل كلامك بالاستثناء، فتقول: إن شاء الله.
فهكذا أوصاف العقلاء من المؤمنين].
[ ٣٦ / ٥ ]
بعض الأحاديث والآثار الواردة في الاستثناء في الإيمان
[ ٣٦ / ٦ ]
أثر أبي هريرة: (ما أحب أن أحلف)
قال: وعن أبي هريرة ﵁ قال: ما أحب أن أحلف لا أصبح كافرًا ولا أمسي كافرًا.
قال الشيخ: والاستثناء يكون على الشيء اليقيني كما قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]]، مع أن الله تعالى علم يقينًا أنهم سيدخلونه، ومع هذا علق ذلك على المشيئة.
[وقال النبي ﵊: (إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله)، مع أنه على يقين أنه أتقاهم لله ﷿].
[ ٣٦ / ٧ ]
دعاء زيارة المقابر
قال: [ومر ﷺ بأهل القبور فقال: (وإنا بكم إن شاء الله لاحقون)، مع أنه يعلم أنه سيموت لا محالة]، وأن كل من عليها فان لا محالة: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فعلق الموت على مشيئة الله ﷿ مع أنه أمر يقيني.
[ولكن الله تعالى بذلك أدب أنبياءه وأولياءه ألا يقولوا قولًا أملوه وخافوه وأحبوه أو كرهوه إلا شرطوا مشيئة الله تعالى فيه، قال إبراهيم الخليل ﵊ ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام:٨٠]، مع أن إبراهيم على يقين أنه إمام الحنيفية، لكنه يعلم أن قلبه بيد الله ﷿.
وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩].
فهذا طريق الأنبياء والعلماء والعقلاء، وجميع من مضى من السلف والخلف والمؤمنين من الخلف، الذين جعل الله ﷿ الاقتداء بهم هداية وسلامة واستقامة وعافية من الندامة].
قال: [وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)].
[ ٣٦ / ٨ ]
حديث عامر بن سعد: (أن النبي أعطى رجالًا)
وعن عامر بن سعد (أن النبي ﷺ أعطى رجالًا ولم يعط رجلًا، فقال أبوه سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وفلانًا وتركت فلانًا -أي: من الغنائم- فلم تعطه وهو مؤمن، فقال النبي ﵊: أو مسلم؟ فسكت سعد، ثم قال: وحزبني -أي: دفعني- ما أعرف من الرجل فقلت: يا رسول الله -مرة أخرى- أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانًا وهو مؤمن، قال عندها: أو مسلم؟ فحزبني ما أعرف من الرجل أن أقول للنبي مرة ثالثة: يا رسول الله! أنت أعطيت فلانًا وفلانًا وفلانًا، ولم تعط فلانًا وهو مؤمن، فقال النبي ﵊: يا سعد هل لك في أن تقول: مؤمن؟).
فنحن نعرف من قبل يا إخواني! أن المسلم لا يصح له الإسلام إذا كان معه أصل الإيمان، فلو قال رجل: أنا مسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، لكني لا أؤمن بالملائكة ولا بالنبيين ولا باليوم الآخر ولا بالقدر خيره وشره، ولا بعذاب القبر ونعيمه، ولا بالبعث، ولا بالحساب، ولا بالجزاء، ولا بالصراط، ولا بالجنة، ولا بالنار، فهذا الرجل ليس مسلمًا؛ لأنه ليس معه أصل الإيمان.
وفي هذه الحالة حينما رد النبي ﵊ على سعد في عدم إعطاء هذا الرجل من الغنائم، كان قصد سعد بكلمة: (مؤمن) كمال الإيمان لا أصله، فلما أنكر النبي ﵊ على سعد أنكر شهادته له بكمال الإيمان.
[فقال النبي ﵊: (إني لأعطي رجالًا وأدع من هو أحب إلي منهم مخافة أن يكبهم الله في النار على مناخرهم)].
أرأيتم العلم والحكمة؟! يقول له: يا سعد! ما معنى أني أعطيت فلانًا وطردت فلانًا؟ هل أنه مؤمن أو غير مؤمن؟ لا، فأنا قد أعطي فلانًا ولا أعطي فلانًا آخر، والذي لم أعطه أحب إلي، وإيمانه أعدل إلي من إيمان من أعطيته، ولذلك شرع الله ﷿ سهمًا من الزكاة للمؤلفة قلوبهم، مع أن هناك ناسًا في كمال الإيمان، والمؤلفة قلوبهم أحب إلى الله أم أبي بكر وعمر؟ أبو بكر وعمر، فالنبي ﵊ حينما يعطي المؤلفة قلوبهم ولا يعطي أبا بكر وعمر، فهل يدل على أن المؤلفة أحسن من أبي بكر وعمر؟ أبدًا، لكن النبي ﵊ أعطى هؤلاء مخافة أن يبغضوا رسول الله، أو أن يبغضوا الدين، فهم حينما يعالجوا بالمال يكون هذا عونًا لهم على الثبات، فيقول: لماذا لم تعطني؟ فيقول لك: أنت ليس وراءك خير! لكن النبي ﵊ بحكمة الداعية وبحكمة الأنبياء إنما دعاهم لشيء يعجبهم ويسرهم، وكان السائل يأتي إلى النبي ﵊ فيسأله فيعطيه غنمًا بين جبلين برعاتها وكلابها ومرعاها، فيذهب الرجل إلى قومه ويقول: أتيتكم من عند من لا يخشى الفقر أبدًا، محمد عبد الله ورسوله، فيأتي بعد برهة من الزمن مع قومه قد آمنوا بالله ورسوله، بسبب قليل من الأغنام زائلة فانية، والنبي ﵊ كانت الدنيا في يده لا في قلبه، وما كانت به حاجة أن يكون رجلًا من أهل الدنيا؛ لأنه غني بالله تعالى، وغني بالإيمان بالله، فحينئذ النبي ﵊ أنكر على سعد أن يتكلم في حقيقة وكمال وتمام إيمانه لأحد، حتى وإن كان من أصحاب النبي ﵊؛ لأن هذا إنما يعلمه الله ﷿، ولو قال سعد: إنه مؤمن إن شاء الله يا رسول الله! ما أنكر عليه النبي ﵊، وإنما أنكر على سعد أنه جزم بذلك.
[ ٣٦ / ٩ ]
إنكار ابن مسعود على من يقول عن نفسه: إنه مؤمن
قال: [وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن لقيت ركبًا فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن المؤمنون، قال عبد الله بن مسعود: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة].
أي: أن عبد الله بن مسعود يريد أن يقول: إذا كنتم أنتم المؤمنون حقًا فينبغي أن تقولوا: نحن أهل الجنة حقًا، وبذلك تلزمون الله ﵎ بدخولكم الجنة، ولذلك أهل السنة لا يقولون عن فلان بعينه شهيد إلا من شهد له الشرع بأنه شهيد، وإنما يقولون على العموم: شهداء بدر، شهداء أحد، شهداء الخندق، شهداء غزوة كذا، وغزوة كذا؛ لأن الشهداء يقينًا في الجنة، فلو قلنا: بأن فلانًا على جهة اليقين شهيد، لكان لزامًا على الله أن يدخله الجنة، ولا يلزم الله ﵎ أحكام العباد.
ولذلك ينبغي أن نقول: فلان نحسبه شهيدًا والله تعالى حسيبه، ونقول: فلان رجل صادق لا نزكيه على الله، والله تعالى يتولى أمره، لكن الذي يبدو لنا منه الصلاح والتقوى والعمل الصالح وغير ذلك، ما يدرينا أن الله تعالى يقبل هذا؟ ما يدرينا أنه يفعل ذلك رياء وسمعة؟ ما يدرينا أنه يفعل ذلك شهرة وتصدرًا في المجالس؟ ما يدرينا أن الله تعالى قبل عمله؟ ما يدرينا أن هذا العمل قد حقق كمال الإيمان وتمامه؟ كل ذلك نحن لا نعلمه، الله تعالى يعلمه.
قال: [وعن الحسن أن رجلًا قال عند عبد الله بن مسعود: إني مؤمن، فقيل لـ ابن مسعود: إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فاسألوه أفي الجنة هو أم في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم].
أي: سألوه: هل أنت يا أخي! مؤمن أم لا؟ قال: مؤمن، إذًا هل أنت في الجنة أم في النار؟ قال: الله أعلم، فلم لم تقل في الأولى: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: تعلق الأولى كما علقت الثانية.
قال: [فسألوه فقال: الله أعلم، فقال له عبد الله: فهل وكلت الأولى كما وكلت الآخرة؟].
أي: هلا قلت في الأولى: أنا مؤمن إن شاء الله، كما قلت: الله أعلم، حينما سئلت: أأنت في الجنة أم في النار؟ قال: [وعن علقمة أنه كان بينه وبين رجل من الخوارج كلام فقال له علقمة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].
فقال الرجل: ومؤمن أنت؟ قال: أرجو، أي: أرجو أن أكون عند الله مؤمنًا.
قال: وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في خطبته: من يتأل على الله يكذبه]، أي: من يحلف على الله ﷿ بأنه مؤمن فهو كذاب؛ لأن علم ذلك راجع إلى الله ﷿.
[ ٣٦ / ١٠ ]
أسماء بعض السلف الذين يعيبون على من لا يستثني
قال: [وعن جرير بن عبد الحميد الضبي قال: كان الأعمش ومنصور ومغيرة والليث وعطاء بن السائب وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وأبو يحيى صاحب الحسن وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لا يستثني].
فهؤلاء من السلف ذهبوا إلى وجود الاستثناء في الإيمان، والسبب أن بعض أهل السنة يقول: يجب الاستثناء في الإيمان، والبعض يقول: يجوز، والبعض يقول: يستحب، وهؤلاء جمهور أهل العلم.
[ ٣٦ / ١١ ]
كلام ابن مهدي وأحمد والثوري في الاستثناء في الإيمان
قال: [قال المروذي: وسمعت بعض مشايخنا يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إذا تُرك الاستثناء فهو أصل الإرجاء].
قال: [وعن أحمد بن حنبل ﵀ قال: ما أدركت أحدًا من أصحابنا إلا على الاستثناء.
قال يحيى: وكان سفيان يكره أن يقول: أنا مؤمن]، أي: أنه إذا سئل: أأنت مؤمن؟ يقول: آمنت بالله وكتبه ورسله.
قال: [وقال سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث]، أي: في الأحكام التي هي الأوامر والنواهي، الحلال والحرام وغير ذلك، والمواريث، فيورثون العبد ويرثون من العبد؛ لأنه مات على الإسلام الذي نعلمه منه يقينًا، ومع هذا الإسلام أصل الإيمان.
قال: [الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، ونرجو أن يكون ذلك ولا ندري ما حالنا عند الله؟] أي: من كمال الإيمان وتمامه.
[ ٣٦ / ١٢ ]
سبيل المؤمنين الاستثناء والخوف والرجاء
قال: [فهذه سبيل المؤمنين وطريق العقلاء من العلماء لزوم الاستثناء والخوف والرجاء، لا يدرون كيف أحوالهم عند الله، ولا كيف أعمالهم، أمقبولة هي أم مردودة؟ قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
وأخبر عن عبده الصالح سليمان ﵊ في مسألته إياه: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل:١٩].
أفلا تراه كيف يسأل الله الرضا منه بالعمل الصالح؛ لأنه قد علم أن الأعمال ليست بنافعة وإن كانت في منظر العين صالحة، إلا أن يكون الله ﷿ قد رضيها وقبلها]، أي: ممكن أن يكون العمل في أعين الناظرين إليه عمل صالح، لكن الله تعالى لم يتقبله، فكيف ينتفع به العامل؟ ولذلك قال سليمان: «وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا» أي: يا رب! ارزقني أن أعمل عملًا صالحًا.
قال: [وهذا لا يقدر على حتمه وجزمه] بالقبول [إلا جاهل مغتر] كالمرجئة، [نعوذ بالله من الغرة بالله والإصرار على معصية الله، أما ترون رحمكم الله ﷿ إلى الرجل من المسلمين قد صلى الصلاة فأتمها وأكملها، وربما كانت في جماعة وفي وقتها، وعلى تمام طهارتها، فيقال له: صليت؟ فيقول: نعم إن قبلها الله].
مع أنه بإمكانه أن يقول: نعم صليت، فيذكر بأنه قد صلى، لكنه حينما قال: صليت إن قبلها الله؛ لأنه يعلم أن حقيقة الصلاة هي المقبولة.
قال: [وكذلك القوم يصومون شهر رمضان فيقولون في آخره: صمنا إن كان الله قد تقبله منا]، وإلا فلا ينفعنا وإن كنا قد صمنا.
قال: [وكذلك يقول من قدم من حجه بعد فراغه من حجه وعمرته وأداء جميع مناسكه إذا سئل عن حجه إنما يقول: قد حججنا ما بقي غير القبول، وكذلك دعاء الناس لأنفسهم عند انقضاء شهر رمضان وفي الأعياد وغير ذلك، وبهذا مضت سنة المسلمين، وعليه جرت عاداتهم، وأخذه خلفهم عن سلفهم، فليس يخالف الاستثناء في الإيمان ويأبى قبوله إلا رجل خبيث مرجئ ضال قد استحوذ الشيطان على قلبه، نعوذ بالله منه].
قال: [وقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: كان سليمان بن حرب يحمل الاستثناء على التقبل]، أي: إذا سئل: أأنت مؤمن؟ يقول: نعم إن شاء الله، يقصد بالمشيئة القبول لا التمام والكمال، [ويقولون: نحن نعمل ولا ندري أيتقبل منا أم لا].
قال: [وقال الوليد: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز لا ينكرون أن يقولوا: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله].
فالذي جزم من السلف بأنه مؤمن بغير استثناء إنما تكلم عن أصل الإيمان، وجماهير أهل السنة على الاستثناء.
قال: [قال جرير بن عبد الحميد: الإيمان قول وعمل].
يزيد وينقص، وزيادته ونقصانه تتعلق بالعمل.
وكما قلنا من قبل: الرجل يعمل العمل ولما يدري أقبله الله تعالى منه أم لا، فينبغي أن يعلق زيادة الإيمان ونقصانه على مشيئة الله ﷿.
قال: [وكان الأعمش ومنصور ومغيرة والليث وعطاء وإسماعيل بن السائب وابن أبي خالد وعمارة والعلاء وغير واحد يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لا يستثني].
قال: [وقال أحمد بن حنبل: إذا قال الرجل: إني مؤمن إن شاء الله فليس هو بشاك]، خلافًا لقول المرجئة الذين يقولون: إذا قال الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله فهو يشك.
قال: [فقيل له: إن شاء الله ليس هو شكا.
قال: معاذ الله، أليس الله تعالى يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]]؟ أي: هل الله تعالى شك في دخوله؟
الجواب
لا.
قال: [وصاحب القبر إذا قال عليه: أبعث إن شاء الله، فأي شك هاهنا.
وقال النبي ﵊: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)]، فلا يمكن أن يكون هذا شكًا.
قال: [وعن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يخرج إذا كانت ليلة عائشة، إذا ذهب الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)].
والنبي ﷺ على يقين من كلامه.
قال: [وعن أبي هريرة أن النبي ﵊ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)].
قال: [وقال أحمد بن حنبل لما سئل عن الاستثناء: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فاستثني مخافة واحتياطًا، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثني للعمل].
أي: أنه يستثني
[ ٣٦ / ١٣ ]
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول الاستثناء في الإيمان
فـ ابن تيمية في كتاب الإيمان في الجزء السابع من مجموع الفتاوى يقول: وأن الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال: فمنهم من أوجبه حتى لا يزكي نفسه؛ لأنه لا يقول ذلك على جهة الشك، والذين أوجبوا الاستثناء قالوا: دفعًا للتزكية، وأنهم يقولونها لا على سبيل الشك بل على سبيل تفويض كمال الإيمان وتمامه لله ﷿.
ومنهم من يحرمه، وهم المرجئة والجهمية، وذلك على أصلهم في تعريف الإيمان بأنه التصديق أو المعرفة، وأنه لا يتصور الاستثناء؛ لأن الاستثناء عندهم شك في أصل الإيمان، ومن شك في أصل الإيمان لا يتصور إلا إلى الكفر.
ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، أي: باعتبار كمال الإيمان وتمامه لا بد أن يستثني، وباعتبار أصل الإيمان فلا يستثني.
قال: وهذا أصح الأقوال، أي: المذهب الذي يقول: إنه أحيانًا يكون الجزم بالإيمان واجبًا، وأحيانًا يكون الاستثناء في الإيمان واجبًا أو جائزًا.
والذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئًا واحدًا يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه.
فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأت الفاتحة، وكما أعلم أني أحب الله ورسوله، وأني أبغض اليهود والنصارى، فقولي: أنا مؤمن كقولي: أنا مسلم، وكقولي: تكلمت بالشهادتين، وقرأت الفاتحة، وأنا أبغض اليهود والنصارى، ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا أعلمها من نفسي يقينًا وأقطع بها، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، لا يجوز: أنا مؤمن إن شاء الله، لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله، قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموهم الشاكة.
والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان، واعلم أن هناك بعض الناس من أهل البدع أوجبوا الاستثناء، لكن ذهبوا في الوجوب إلى علة أخرى غير التي عند أهل السنة والجماعة، أي: أن فريقًا من أهل البدع قالوا بأن الاستثناء في الإيمان واجب، وذلك لعلة تسمى الموافاة، وهي: أن يفي الرجل إلى الله ﷿ يوم القيامة بالأعمال، أي: العمل الذي يقدم به العبد على ربه.
كما قالوا كلامًا هو شرًا من ذلك، فقالوا: الله ﷿ سبق في علمه أن فلانًا سيموت على الكفر، ولا خلاف عندنا أن الله تعالى يعلم ذلك من عبده، فهو مؤمن الآن يعمل الصالحات، لكنه يختم له بالكفر والردة، أي: أن عمله هذا كله لا قيمة له، وأنه لا يثاب عليه؛ لأنه قد سبق في علم الله أنه سيوافيه يوم القيامة مرتدًا وكافرًا.
وكذلك الصورة العكسية أن هذا العبد كافر عابد للأصنام والأوثان.
قال: فلا يزال الله ﵎ يحبه حتى وإن كان عابد وثن؛ لأن الله تعالى سبق في علمه أن هذا العبد سيموت على الإيمان أو سيوافيه بالإيمان.
ولذلك يقولون: لا بد من الاستثناء في الإيمان، وذلك لعلة الموافاة التي لا يعلمها العبد من نفسه، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: باعتبار قدومه على الله، هل يقدم عليه كافرًا أو يقدم عليه مؤمنًا؟ وعلة الموافاة هذه لم يقل بها إلا المبتدعة.
ولذلك يقولون: محبة الله ﵎ لعبده لا تتغير، وسخط الله ﵎ على عبده لا يتغير، فلا يزال الله ﵎ ساخطًا على عبد من عباده أبدًا، عمل صالحًا أو سيئًا؛ لعلم الله تعالى أنه سيختم له بالكفر والردة.
كذلك فالله تعالى يرضى عن عبده وإن كان عابد وثن؛ لعلمه أن هذا العبد سيوافيه على الإيمان.
فهذه عند المبتدعة اسمها: علة الموافاة، ونحن قلنا: إن فريقًا من أهل السنة قالوا بوجوب الاستثناء في الإيمان، فهل لعلة الموافاة؟ لا، وإنما عدم تزكية، وأنهم لا يقولون ذلك على سبيل الشك، بل على سبيل إيكال حقيقة الإيمان لله ﷿، أما الاستثناء في الإيمان فينبغي أن يكون في كمال الإيمان وتمامه وحقيقته، أما أصل الإيمان الذي هو محل الردة ومحل الكفر، فلا استثناء فيه.
وهذا الوجه الأول من الأوجه التي أوجب الله ﵎ لها الاستثناء، وهذا الوجه عند أهل البدع.
الوجه الثاني كذلك في الاستثناء في الإيمان: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله ﵎ به وترك المحرمات، إذ إن الإيمان المطلق أو الإيمان الكامل متعلق بالعمل، والعمل عبارة عن أمر ونهي.
[ ٣٦ / ١٤ ]
كلام الإمام أحمد في الاستثناء
فإذا كان كمال الإيمان وتمامه مرتبطًا بالعمل الذي هو الأمر والنهي، وأنا غير متأكد من قيامي بواجب الأمر والنهي، ففي هذه الحالة إذا سئلت عن كمال الإيمان وتمامه أكل الأمر إلى الله ﷿ وأقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ولذلك قال رجل لـ أحمد بن حنبل: قيل لي: أمؤمن أنت؟ فقلت له: نعم، وهل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد بن حنبل غضبًا شديدًا وقال: هذا كلام الإرجاء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦]، وذلك لما ذكر الله تعالى أهل الإيمان وأهل الكفر ذكر فئة ثالثة فقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يفصل بينهم.
فإذا كان الناس مؤمنًا وكافرًا فليس هناك داع لهذا الفريق الثالث الذي يرجئ أمره إلى الله ﷿ يوم القيامة، وهم أصحاب الكبائر، فليس بمؤمن كامل الإيمان، وليس بكافر بكبيرته، ولذلك أصحاب الكبائر مؤمنون بإيمانهم فساق بكبائرهم، وفي يوم القيامة إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم.
إذًا مشيئة الله ﵎ في أهل الكبائر في الآخرة، ومعنى (مرجون): مؤخرون.
وبالتالي ليس الناس مؤمنًا وكافرًا فحسب، بل مؤمن وفاسق وكافر.
قال: إن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم.
أما قول أحمد قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦] من هؤلاء؟ ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولًا وعملًا؟ قال الرجل: بلى، قال: فجئنا بالقول؟ قال: نعم، قال: فجئنا بالعمل؟ قال: الأمر لله، أي: ومن يجرؤ أن يأتي يوم القيامة ويقول: أنت أمرتني بالقول والعمل، ووعدتني على القول والعمل بالجنة، وأنا قد آمنت بالله، وما كنت أمل ولا أكل من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكنت أصوم وأصلي وأزكي، فهيا أدخلني الجنة الآن! هل أحد يستطيع أن يقول هذا لله؟ مع أن الله وعد بأن من قال وعمل دخل الجنة، لكن هل هذا يلزم الله تعالى؟ لا يلزمه؛ لأن العبد لا يزعم أنه قد عمل، وإن زعم أنه قد قال؛ فلأن القول محقق ولا يقبل منه إلا إذا كان معه أصل الإيمان، أما العمل فلا يسع إنسانًا أن يزعم أنه قد حقق كمال الإيمان وتمامه بتمام العمل وكماله.
قال: فهل جئنا بالعمل؟ قال الرجل: لا، قال: فكيف نعيب أن يقول: إن شاء الله ويستثني؟ وقال أبو داود: أخبرني أحمد بن أبي شريح أن أحمد بن حنبل كتب إليه في هذه المسألة: أن الإيمان قول وعمل، فجئنا بالقول ولم نجئ بالعمل، فنحن نستثني في العمل.
إذًا أنا حينما أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فإني أستثني في العمل.
قال: والقبول متعلق بفعله كما أمر، فكل من اتقى الله في عمله ففعله كما أمر، فقد تقبله الله منه، لكن هل العمل يجزم بالقبول؟
الجواب
لا.
وعن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: لا نجد بدًا من الاستثناء؛ لأنهم إذا قالوا: مؤمن، فقد جاء بالقول، وإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول.
وعن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان: أن الإيمان قول وعمل، فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون فرطنا في العمل، فيعجبني أن يستثنى العبد في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
وسمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن قول النبي ﷺ: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، الاستثناء هاهنا على أي شيء يقع؟ قال: على البقاع، لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليه أم في غيره، ولذلك قال النبي ﵊ لأهل البقيع: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، ولم يدفن في البقيع، وإنما دفن في الموضع الذي مات فيه، فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائدًا إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور، ويحتجون أيضًا بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، وهذا وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة؛ لما فيه من الحكمة.
قال: وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان؟ فقال: نعم، الاستثناء على غير معنى الشك، مخافة واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهذا مذهب الثوري، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَا
[ ٣٦ / ١٥ ]
باب سؤال الرجل لغيره أمؤمن أنت، وكيف الجواب له، وكراهية العلماء هذا السؤال وتبديع السائل عن ذلك
وبقيت مسألة متممة لهذا الأمر وهي: هل يجوز توجيه هذا السؤال أم لا؟ أي: هل لك أن تسأل الآخر فتقول له: هل أنت مؤمن؟
الجواب
لا، قولًا واحدًا عند السلف، وبالتالي فجوابنا أو كلامنا في المسألة السابقة جواز الاستثناء أو وجوب الاستثناء فيما إذا وجه السؤال، مع الحكم على السؤال بأنه بدعة؛ لأن السلف لم يتوجهوا بهذا السؤال قط بل ذموه، وقد [سأل رجل ميمون بن مهران فقال: قال لي: أمؤمن أنت؟ قال: قل: آمنت بالله وملائكته وكتبه.
قال: لا يرضى مني بذلك، قال: فردها عليه.
فقال: لا يرضى، فردها عليه ثم ذره في غيظه يتردد].
أي: أن واحدًا يقول لـ ميمون بن مهران: واحد سألني فقال لي: أمؤمن أنت؟ ماذا أقول له؟ قال: قل له آمنت بالله وملائكته وكتبه، قال: لا يرضى مني بذلك، فهو يريد جوابًا محددًا، فقال: أعدها عليه، يعني: قل له: آمنت بالله وملائكته وكتبه، قال: لا يرضى مني بذلك، قال: ردها عليه، قال: إذا رددتها لا يرضاها مني، قال: ردها عليه ثم ذره في غيظه يتردد، أي: حينما يسألك: أنت مؤمن؟ قل له: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
[وكان طاوس إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته ورسله وكتبه، لا يزيد على ذلك].
[وقيل لـ إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله].
[وقال ابن سيرين: إذا قيل لك: أنت مؤمن؟ فقل: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق].
[وقال إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: لا إله إلا أنت].
[وقال إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: أرجو]، أي: أن أكون كذلك.
[وقال إبراهيم النخعي: سؤال الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة].
[وقال: إذا سئلت: أنت مؤمن؟ فقل: لا إله إلا الله، فإنهم سيدعونك]، أي: لو قلت لهم: لا إله إلا الله سيتركوك.
[وقال إبراهيم: سؤال الرجل الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة].
[وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا سئلت أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه وسؤالك إياي بدعة]، أي: إن شاء أن يجيبه بالاستثناء، وإن شاء أن يدع الجواب، بل يتهمه في سؤاله ويقول: وسؤالك إياي بدعة، [ولا أشك في إيماني]، الذي هو أصل الإيمان، [ولا يعنف من قال: إن الإيمان ينقص أو قال: مؤمن إن شاء الله وليس يكره، وليس بداخل في الشك].
[وقال روح بن عبادة: كتب رجل إلى الأوزاعي: أمؤمن أنت حقًا؟] وكلمة (حقًا) هذه تفهم بأن السؤال متوجه لكمال الإيمان.
قال: أمؤمن أنت حقًا؟ أي: أن هذا الغبي لم يجد غير الأوزاعي إمام الدنيا في زمانه في ديار الإسلام، ووالله لو كان الأوزاعي يعيش لما كان أحد من اليهود يجرؤ أن يقرب جهة لبنان أو سوريا أبدًا، لكن الأوزاعي قد مات، [قال: فكتب إليه: كتبت تسألني أمؤمن أنت حقًا؟ والمسألة في هذا بدعة، والكلام فيه جدل، ولم يشرحه لنا سلفنا، ولم نكلفه في ديننا].
أي: نحن لسنا بمكلفين شرعًا أن نسأل هذا السؤال.
قال: [سألت أمؤمن حقًا؟ فعلمري لئن كنت على الإيمان فما تركي شهادتي لها بضائري].
أي: لو أنك حققت كمال الإيمان وتمامه حقًا، فلو أني تركت الجواب عليك فهذا لا يضرني؛ لأني عند الله مؤمن إذا كان الله يعلم ذلك مني.
قال: [وإن لم أكن عليه]، أي: على الإيمان الكامل التام عند الله، ويعلم الله ذلك مني، [فما شهادتي لها عندك بنافعتي، فقف حيث وقفت بك السنة].
وهذه كلمة جميلة جدًا، وقد كان سفيان الثوري يقول: قف حيث وقفت بك السنة، ولا تحكن جلدك بظفرك إلا بدليل، أي: إن شئت ألا تحك جلدك بظفرك إلا بدليل فافعل؛ لأن هذا دين، وهذا إيمان.
قال: [فقف حيث وقفت بك السنة، وإياك والتعمق في الدين، فإن التعمق ليس من الرسوخ في العلم؛ إن الراسخين في العلم قالوا حيث تناهى علمهم: آمنا به كل من عند ربنا].
ولم يزيدوا ولم يتكلفوا ولم يتنطعوا في العلم.
[وقال أبو إسحاق الفزاري: قال الأوزاعي في الرجل يسأل الرجل: أمؤمن أنت؟ فقال: إن المسألة عما تسأل عنه بدعة، والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل، والمنازعة فيه حدث]، أي: أمر محدث، [ولعمري ما شهادتك لنفسك بالتي توجب لك تلك الحقيقة إن لم تكن كذلك عند الله، وتركك الشهادة لنفسك بها بالتي تخرجك من الإيمان إن كنت كذلك عند الله، وإن الذي يسألك عن إيمانك ليس يشك في ذلك منك، ولكنه يريد لينازع الله ﷿ علمه في ذلك حتى تزعم أن علمه وعلم الله في ذلك سواء، فاصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، وقد كان أهل الشام في غفلة من هذ
[ ٣٦ / ١٦ ]