مذهب عامة السلف الصالح أن الإيمان قول وعمل، فهو إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ولا يكون العبد مؤمنًا إلا إذا حقق هذه الثلاث، والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة، وكلها تدل على أن العمل من الإيمان، وأنه لا بد فيه من الإخلاص، وبذلك يتبين المؤمن من المنافق والكافر.
[ ٣٥ / ١ ]
بيان أن الإيمان اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والأركان، ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بهذه الثلاث
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
هذا بداية الكلام عن الإيمان، والكلام في الإيمان ومسائله كلام خطير وشائك، والمعصوم من عصمه الله ﷿، ومنهج أهل السنة والجماعة في بيان مسائل الإيمان، والفرق بينها وبين مسائل الكفر أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولكن يعمى على بعض الدعاة وطلاب العلم -ومن ينتسبون إليه بل هم من أهله حقيقة- بعض هذه المسائل، وإن شئت فقل: أصول الإيمان أحيانًا مما أوقع شباب الصحوة في حيرة شديدة جدًا.
فالإمام ابن بطة -كغيره من أئمة السلف- عقد أبوابًا متعددة في بيان ماهية الإيمان، وبيان مسائله، وأعظم مسألة فيه: هل العمل من الإيمان أو ليس من الإيمان؟ وهل هو شرط فيه؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فهل هو شرط كمال أو شرط صحة؟ وإذا كان شرط كمال فهل الكمال هنا المقصود به الكمال الواجب، أم الكمال المستحب؟ وإذا كان الإيمان شرط صحة، فهل يكفر من ترك هذا العمل؟ هذه بعض مسائل الإيمان، وهي أخطر المسائل التي تثار إذا ذكرنا مسائل الإيمان والكفر.
والإمام قد عقد بابًا عظيمًا جدًا في كتاب الإبانة فقال: [باب بيان الإيمان وفضله، وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمنًا إلا بهذه الثلاث]، فقد بوب الإمام بهذا التبويب؛ ليثبت بداءة أن الإيمان قول وعمل، هو قول القلب واللسان، فاللسان ينطق بالشهادتين، والقلب يحب هذه الكلمة ويرضاها ويصدق بها ويذعن لها وينقاد، فهذا قول القلب.
فالإيمان قول، أي: قول باللسان والقلب.
وعمل، أي: عمل القلب والجوارح.
ومنهم من زاد فقال: الإيمان قول وعمل ونية، أي: وإخلاص لله ﷿، ولا تعارض بين هذا التعريف وبين التعريف السابق: أن الإيمان قول وعمل، والمقصود بكونه قولًا وعملًا، أي: وإخلاصًا؛ لأن القول إذا لم يكن صاحبه مخلصًا لله ﷿، وكذا العمل؛ فإنه لا يقبل منه، بل يرد عليه، ولكن زيادة (ونية) للدلالة على أن الإخلاص أمر لازم في الإيمان، وأن العبد لا يقبل منه العمل ولا القول إلا إذا كان مخلصًا لله ﷿.
فقال: (باب بيان الإيمان وفضله)، أي: وفضائل الإيمان، ثم قال: (وأنه تصديق بالقلب) هذه واحدة، (وإقرار باللسان) هذه الثانية، (وعمل بالجوارح والحركات)، أي: الأبدان، وهذه هي الثالثة.
ثم قال: (ولا يكون العبد مؤمنًا إلا إذا حقق هذه الثلاث).
أما قوله: (لا يكون العبد مؤمنًا)، فهل يستلزم نفي الإيمان عنه بالكلية، أو أنه أراد بذلك نفي الكمال؟ على تفصيل سيرد معنا بإذن الله تعالى.
قال المحشي: ما ذهب إليه المصنف -وهو ابن بطة - من أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان هو مذهب عامة السلف في الحقيقة، فلم يقل: هو إجماع السلف؛ لأن الأحناف خالفوا في هذا، فكان محقًا أن قال: وهذا التعريف والتبويب أطبق عليه عامة السلف، وخالف بعضهم، وليس في خلافه لعامة السلف حجة، بل كل من خالف السلف في أصل الإيمان ومسائله فقوله مردود عليه.
قال: وهو من شعائر أهل السنة، بل وقع الإجماع عليه، أي: وقع الإجماع على أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال: بل وقع الإجماع عليه، وحكاه غير واحد، كما في كتاب الأم للإمام الشافعي، قال: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركنا يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ولا تجزئ واحدة من الثلاث إلا بالأخرى.
فلو قال قائل: قول وعمل، أي: بغير نية؛ فقوله مردود عليه، ولو قال: قول ونية بغير عمل؛ فمردود عليه، ولو قال: عمل ونية بغير قول؛ فقوله مردود عليه، وهذا معنى قوله: لا يكون مؤمنًا إلا إذا حقق هذه الثلاث.
وفي كتاب الإيمان لـ ابن تيمية نقلًا عن الإمام البخاري أنه قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والمعلوم أن الإيمان لو قبل الزيادة فلا بد أن يقبل النقصان، بل هو قبل أن يكون زائدًا كان ناقصًا.
وكذلك الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة قال بعنوان: سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإيمان تلفظ باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح.
وقد جمع الثلاث، وأثبت أن العمل من الإيمان، ثم أورد عشرات الأدلة على ذلك من الآيات والأحاديث، وذكر ابن جرير في عقيدته بسنده إلى الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ﵏ ينكرون قول من يقول: إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: ل
[ ٣٥ / ٢ ]
الدليل على أن الإيمان إقرار بالقلب
قال: [فأما فرض المعرفة على القلب فما قاله الله ﷿ في سورة المائدة].
أي: دليل أن الله تعالى فرض على القلب وظيفة معينة متعلقة بالإيمان، قول الله تعالى: [﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]].
فإيمان القلب هو التصديق والإذعان، وكفر القلب عدم التصديق وعدم الإذعان، فالله ﷿ يسلي رسوله عن كلام هؤلاء المنافقين الذين شهدوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم: [«قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ»]، وهذا يدل على أن الإيمان طهارة في القلب، [﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١]].
[وقال الله تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]]، فهذا يدل على أن القلب له علاقة وثيقة جدًا بالإيمان، وهو أنه مقر ومذعن ومصدق بكلام الله ﷿.
[وقال الله ﷿: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ»]، والفؤاد: أصل القلب.
قال: [﴿كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، أي: عن الإيمان وعن العلم.
فالقلب يسأل عما فرض الله ﷿ عليه من الإيمان، آمنت؟ صدقت؟ أذعنت أم لا؟ قال: [فهذا بيان ما لزم القلوب من فرض الإيمان، لا يرده ولا يخالفه ولا يجحده إلا ضال مضل].
[ ٣٥ / ٣ ]
الدليل على أن الإيمان إقرار باللسان
قال: [وأما بيان ما فرض على اللسان من الإيمان]، أي: من النطق والكلام، [فهو ما قاله الله ﷿: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]]، فعل أمر يدل على الوجوب.
و«قُولُوا»، أي: بألسنتكم.
[﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٦ - ١٣٧].
وقال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [آل عمران:٨٤]].
(قُلْ آمَنَّا)، والقول هو قول اللسان.
[وقال النبي ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا)]، لم يقل: حتى يصدقوا أو يذعنوا، وإنما قال: (حتى يقولوا)، وهذا القول يستلزم الاعتقاد، والاعتقاد يستلزم التصديق والإذعان والذل والامتثال لله ﷿، فقال هنا: [(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله)].
[وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال النبي ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)] أي: وأني رسول الله؛ لأن هذا من اللازم.
قال: [(فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم)]، أي: إذا نطقوا بشهادة التوحيد؛ كانت هي العاصمة لهم من إراقة دمائهم وسلب أموالهم وذراريهم.
قال: [(إلا بحقها)]، أي: إلا إذا أتى واحد منهم بعد أن نطق بهذه الكلمة بما يستوجب قتله، كأن يكون زانيًا محصنًا، أو تاركًا لدينه مخالفًا للجماعة، أو قاتلًا لنفس بغير حق، أو غير ذلك مما يستوجب قتله.
قال: [(وحسابهم على الله ﷿)]، أوكل سرائرهم إلى الله، والتقدير: إذا قالوها نفاقًا يتعوذون بها من القتل فحسابهم على الله ﷿؛ ولذلك كان النبي ﵊ يعلم المنافقين في زمانه بأسمائهم وأعيانهم وذواتهم، ولم يقتلهم وهم أكفر الخلق؛ حتى لا يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه.
أما حسابهم فقد أنزل الله ﷿ الوعيد الشديد والتهديد الأكيد في كفر هؤلاء، فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وهذا جزاؤهم في الآخرة.
أما في الدنيا فهم مسلمون في الظاهر، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولا سبيل لأحد عليهم حتى وإن عرف نفاقهم، ما لم يتحيزوا ويتميزوا وتعظم فتنتهم ويطر شررهم وشرهم، ويحاربوا الإسلام؛ فحينئذ يجب على الإمام أن يحاربهم.
[ ٣٥ / ٤ ]
الدليل على أن الإيمان عمل بالجوارح
قال: [وأما الإيمان بما فرضه الله ﷿ من العمل على الجوارح؛ تصديقًا بما أيقن به القلب ونطق به اللسان، وذلك في كتاب الله تعالى كثير جدًا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]]، فرتب الله تعالى الفلاح على العمل، ولكنه خاطب المؤمنين أولًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ما المطلوب منا؟ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧]، أربعة أوامر تدل على أن الإيمان عمل بالجوارح.
فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٧٧]، نداء لأهل الإيمان بما كلفهم الله ﷿ به، وبما لا يصح إيمانهم إلا به، ما هو ذاك؟ قال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، فرتب الفلاح المتعلق بالإيمان على العمل، وضرب لذلك أمثلة بالركوع والسجود وسائر العبادة، مع أن الركوع والسجود من العبادة، فبعد أن ذكر الخاص ذكر العام، مع أن الخاص أحد أفراده.
ثم قال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧]، أي: وافعلوا الخير بنية العبادة والطاعة، وهو كذلك ذكر للخاص بعد ذكر العام؛ ليدل على أهميته.
[وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]]، وهذا في أكثر من سبعين موطنًا في كتاب الله ﷿ يأمر الله تعالى بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
في مواضع كثيرة من القرآن أمر الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والجهاد في سبيله، وإنفاق الأموال وبذل الأنفس في ذلك، والحج بحركة الأبدان ونفقة الأموال؛ فهذا كله من الإيمان، والعمل به فرض لا يكون المؤمن مؤمنًا إلا بتأديته.
[ ٣٥ / ٥ ]
الأحكام المترتبة على أن الإيمان قول وعمل
وكل من تكلم بالإيمان وأظهر الإقرار بالتوحيد، وأقر أنه مؤمن بجميع الفرائض غير أنه لا يضره تركها، ولا يكون خارجًا من إيمانه إذا هو ترك العمل بها في وقتها، مثل الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت مع الاستطاعة، وترك الغسل من الجنابة، ويرى أن صلاة النهار إن صلاها في الليل أجزأه ذلك، وصلاة الليل إن صلاها في النهار أجزأه ذلك، وأنه إن صام في شوال أجزأه ذلك، وإن حج في المحرم أو صفر أجزأه ذلك، وأنه متى اغتسل من الجنابة لم يضره تأخيره، ويزعم أنه مع هذا مؤمن مستكمل الإيمان عند الله ﷿ على مثل إيمان جبريل وميكائيل والملائكة المقربين؛ فهذا مكذب بالقرآن، مخالف لله ولكتابه ولرسله ولشريعة الإسلام، ليس بينه وبين المنافقين الذين وصفهم الله تعالى في كتابه فرق، قد نُزع الإيمان من قلوبهم، بل لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلًا، كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].
[فكل من ترك شيئًا من الفرائض التي فرضها الله ﷿ في كتابه، أو أكدها رسوله ﷺ في سنته -على سبيل الجحود لها والتكذيب بها- فهو كافر بيِّن الكفر، لا يشك في ذلك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر].
هذا كلام جميل، من فرض الله ﷿ عليه شيئًا فجحده جاحد؛ إلا كفر بهذا الجحود إلا كفر بجحده لما فرض الله ﷿، بل من أحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله عالمًا بأدلة الحرمة والحل، وبعد قيام الحجة عليه، وهذا فيما يتعلق بهذه الثوابت الإيمانية لمن كان مؤمنًا في ديار الإيمان والإسلام، بل من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، ومن أنكر شيئًا ثابتًا في دين الإسلام؛ فإنه يكفر بذلك وإن لم تقم عليه الحجة، ما دام أنه في دار الإسلام، كما لو قال أحد: أنا لا أعرف ما هذه الصلاة التي يصليها الناس؟ وهو في هذه البلاد -مثلًا- التي ينتشر فيها العلم، ويكثر فيها قال الله وقال رسوله، هذا الإنسان لا بد أنه يكفر بالله، وكمن أدرك شهر رمضان وقال: أنا لا أصوم رمضان، ولا أعرف هذا الصوم الذي يصومه الناس، أو يقول: أنتم تصومون في رمضان بالنهار، وأنا سأخالفكم وأصوم بالليل، فأنا أصوم من أول غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهل هذا يقال له: إن الله تعالى فرض علينا الصيام في نهار رمضان، وهو في بلاد المسلمين؟ لا يقال له، بل هو بهذه المعاندة وهذا الجحود لأصل مواقيت هذا الفرض يكفر ويخرج من الإسلام، وأنا أقول هذا في ثوابت الإسلام ومبادئه ومؤكداته التي علمها الأطفال قبل الكبار، أما المسائل التي تحتاج إلى نوع اجتهاد؛ فإن المرء لا يكفر إلا إذا أقيمت عليه فيها الحجة، ومن أقر بذلك وقاله بلسانه ثم تركه تهاونًا فإنه يكفر بالإجماع، أما من أقر بذلك وقاله بلسانه، ثم تركه تهاونًا أو معتقدًا لرأي المرجئة ومتبعًا لمذاهبهم؛ فهو تارك الإيمان، ليس في قلبه منه قليل ولا كثير، وهو في جملة المنافقين الذين نافقوا رسول الله ﷺ، فنزل القرآن بوصفهم وما أعد لهم، وأنهم في الدرك الأسفل من النار، نستجير بالله من مذاهب المرجئة الضالة.
[سئل حذيفة ﵁: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به.
وعن حذيفة قال: المنافقون فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، قلنا: يا أبا عبد الله! وكيف ذاك؟ قال: إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء أعلنوه]، يعني: كان عندهم شيء من الحياء رغم نفاقهم، لكن النفاق في هذا الزمان لا يستحي أهله ولا أصحابه.
الدكتورة منى أبو سنة هذه -أم ناب أزرق- عدوة للإسلام، عقدت مؤتمرًا بالأمس من بعد صلاة العصر واستمر إلى ما بعد العشاء في بيت محمد مشهور بالزمالك، واستدعت فيه إمام الضلال الكبير الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي، هذا الرجل الذي زعزع ثوابت الإسلام من قلوب الحاضرين، وجلُّ من حضر لديهم كانوا من حزب العمل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد وجهت دعوات سرية جدًا للحاضرين، مكتوب على كل مظروف: (دعوة سرية جدًا لمؤتمر هام جدًا) ويسمونه المنتدى الفلسفي، والهدف منه هو زعزعة الإيمان في قلوب المسلمين، فكما كان النبي ﷺ له هدف، وتبعه على ذلك الصحابة وأتباع الصحابة، وغيرهم إلى قيام الساعة؛ فكذلك عبد الله بن أبي ابن سلول كان رأس النفاق في زمان النبوة، فهؤلاء هم أتباع عبد الله بن أبي ابن سلول.
أما الذي قيل وأثير في هذا المؤتمر فله وضع خاص، وهو مطبوع في شريط، والشريط موجود معي الآن، فـ أحمد عبد المعطي حجازي هذا ترجمته سوداء كلحاء، لا خير فيه أبدًا.
[ ٣٥ / ٦ ]
فرض الإيمان على جوارح ابن آدم
قال ابن بطة ﵀: [وفرض الإيمان على جوارح ابن آدم].
كيف فرض الله الإيمان على الجوارح؟ بالعمل.
قال: [وقسمه عليها وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وهي موكلة من الإيمان بغير ما وكلت به صاحبتها، فمنها قلبه الذي يعقل به ويتقي به ويفهم به، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، فهذا فرض الله تعالى الإيمان في القلب.
ومنها: اللسان الذي ينطق به، ومنها عيناه التي ينظر بهما، ومنها سمعه الذي يسمع به، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يخطو بهما، وفرجه الذي يصدق هذا كله أو يكذبه، فليس من هذه جارحة إلا وهي موكلة من الإيمان بغير ما وكلت به صاحبتها بفرض من الله تعالى ينطق به الكتاب وتشهد به السنة].
ففرض الله ﷿ على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على العينين؛ وهكذا.
ثم يقول: [وأما ما فرض على القلب فالإقرار]، أي: إيمان القلب يتعلق بالإقرار والإيمان والمعرفة والتصديق، والعقل عن الله والفهم والرضا والتسليم، وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى من رسول أو كتاب؛ كل هذا عمل القلب.
[فأما ما فرض على القلب من الإقرار والمعرفة فقد ذكرنا أدلته ونعيدها الآن: كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
وقال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١].
فذلك ما فرضه الله ﷿ على القلب من الإقرار والمعرفة والتصديق، فهو رأس الإيمان، بل هو عمل القلب.
وأما ما فرضه الله ﷿ على اللسان فهو القول والتعبير عما كمن واستقر في القلب، كما قال الله ﷿: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٣٦]]، إذا كان الإيمان محله القلب من جهة التصديق والإقرار والإذعان؛ فإن الإيمان لا بد أن يعبر عما في مكنون القلب بالتلفظ، لما كان قادرًا على التلفظ.
[﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [البقرة:١٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣].
وأما ما فرض على السمع: فهو أن يتنزه السمع عن الاستماع إلى الخنا والزنا، وإلى ما حرم الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠]]، فأنت مطالب ألا تسمع شركًا، وألا تسمع معصية، وهذا هو الإيمان؛ ولذلك تصور أن رجلًا يغتاب وآخر يشجعه على الغيبة، أليس هذا قادحًا في إيمانهما، منقصًا للكمال الواجب عندهما؟
الجواب
نعم، بخلاف ما لو قال رجل لجليسه: إن لم تكف عن الغيبة تركتك وانصرفت، فهذا قد نهى عن المنكر وأمر بالمعروف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعب الإيمان.
فلا شك أن المرء كلما عمل عملًا بجارحة من جوارحه يزدد به إيمانه، وكلما قصر في عمل بجوارحه كان من الواجب عليه أن يأتي به نقص إيمانه.
وقال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، أي: فيستجيبون لأحسن الأقوال.
[وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٣]، أي: عن اللهو والزور من القول.
[وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص:٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]]، أي: مرورًا سريعًا لا يقفون عنده.
فهذا ما فرض الله على السمع: التنزه عن الاستماع إلى ما لا يحل له، وهو عمل السمع، وذلك من الإيمان.
وكذلك فرض الله على البصر ألا ينظر إلى محارم الله ﷿ وإلى حرماته، وأوجب عليه أن يغض بصره عما لا يحل مما نهى الله تعالى عنه، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، فإن لم يفعلوا نقص إيمانهم، هذا هو التقدير.
فنظرك إلى امرأة تسير في الطرقات أو في الشوارع لا شك أن له تأثيرًا مباشرًا على القلب، وكلنا نشعر بذلك، إذا علق الإنسان نظره على مفاتن امرأة جميلة؛ فإنه يهواها ويشتهيها، وكذلك المرأة تشتهي الرجل وتهواه، فلو أن كل امرأة وكل رجل علم أن هذا مما حرم ال
[ ٣٥ / ٧ ]
تبيين الله لعباده وتعليم النبي ﷺ أمته أن الإيمان قول وعمل
قال: [فقد أخبر الله تعالى في كتابه في آي كثيرة منه: أن هذا الإيمان لا يكون إلا بالعمل وأداء الفرائض بالقلوب والجوارح، وبيَّن ذلك رسوله ﷺ، وشرحه في سنته، وعلمه أمته، وكان مما قال الله تعالى في كتابه مما أعلمنا أن الإيمان هو العمل، وأن العمل من الإيمان ما قال في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة:١٧٧]]، وهذا عمل، فقوله: «وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ»، حتى قال: «وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ»، يعني: تصدق به رغم محبته إياه.
قال: [﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]].
فهذه الآية انتظمت أوصاف الإيمان وشرائطه من القول والعمل والإخلاص، وهي أصول الإيمان وشرائطه.
ولقد سأل أبو ذر النبي ﷺ عن الإيمان؛ فتلا عليه هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية، فقال رجل لـ أبي ذر يسأله نفس المسألة التي سألها أبو ذر للنبي ﵊، فأجاب أبو ذر بنفس الإجابة فقال له: (ليس عن البر سألت)، أنا لست أسألك عن البر، فقال أبو ذر: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله كما سألتني، فقرأ عليه كما قرأت عليك، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال: ادن مني، فدنا منه، فقال: المؤمن الذي يعمل حسنته فتسره؛ فيرجو بها -أي: وجه الله- ومن عمل سيئة فتسوءه ويخاف عاقبتها)، أي: أن المؤمن هو من سرته حسنته وساءته سيئته؛ لأنه يلقى جزاءها عند الله ﷿ يوم القيامة.
وأنتم تذكرون قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه لما تخلف عن غزوة تبوك، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأغلقت الدنيا تمامًا في وجهه؛ وذلك لأن سيئته ساءته، فهذا دليل عظيم على الإيمان، والصحابة ﵃ لما حدثهم الشيطان في ذات الله ﷿ قالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا لتحدثه نفسه بالشيء، لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، قال النبي ﵊: ذاك صريح الإيمان)، على أنهم ساءتهم هذه الوساوس، فهذا دليل على إيمانهم.
أما الذي يأتي المعاصي، وينكر المعروف، ويعرف المنكر، ويستهزئ ويستهتر، ولا يتعامل مع الله ولا مع رسوله ولا كتابه وسنته وشرعه إلا بكل استهزاء وسخرية، فكيف يكون هذا في قلبه ذرة من إيمان؟ ليس هناك فرق، فهذا مسلم وذاك كافر أبدًا.
قال الشيخ: [وقد أنبأنا الله ﷿ في كتابه عن معرفة الإيمان بدلالات القرآن أنه قول وعمل وتصديق ويقين].
وهذا تعريف راجع لمعنى الإيمان، أو لماهية الإيمان، ومرد ذلك كله: إلى أن الإيمان قول وعمل: قول اللسان والقلب، وعمل بالقلب والجوارح، فقال هنا: دلت آيات القرآن على أن الإيمان قول وعمل وتصديق ويقين، وأن جميع ما فرضه الله في القرآن شفاء لما في الصدور من الشك والشبهة؛ لأن البلاء كله الذي يمكن أن يقع فيه المرء يدور بين أمرين: شبهة أو شك.
أما علاج الشبهة فهو العلم، ولا سبيل إلى علاج الشبهات إلا بالعلم، ولا مصدر صحيح للعلم إلا قال الله وقال رسوله كما قال ابن القيم عليه رحمة الله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه قال الله وقال رسوله وأجمع العلماء؛ هذه هي مصادر العلم، ولا مصدر رابع لهذه المصادر الثلاث، إلا أن يكون القياس صحيحًا، وإذا كان العلم هو علاج الشبهات، فإن علاج الشهوات تقوى الله.
فعندي الآن مرضان وعلاجان: المرض الأول: هو الشبهة، وعلاجها العلم، فبالعلم تنزاح الشبهات عن القلوب.
والمرض الثاني: هو الشهوة، وعلاجها تقوى الله ﷿، واستحضار مراقبة المولى ﷿، ومخافة الله ﷿، وكل ما يمكن أن تجمعه كلمة تقوى الله هي علاج الشهوات، أما علاج الشبهات فهو طلب العلم المستمد من الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم.
قال: [وأن جميع ما فرضه الله في القرآن شفاء لما في الصدور من الشك والشبهة والريبة؛ لما فيه من البيان والبرهان والحق المبين]، ولكن الله ﷿ جعله شفاءً ورحمة للمؤمنين لا لغيرهم، الله ﷿ يهدي بهذا الكتاب أقوامًا، ويض
[ ٣٥ / ٨ ]
التصور العقلي للواقع إذا لم يكن العمل من الإيمان
إن الذين يقولون: العمل لا علاقة له بالإيمان، إذا كان هذا الكلام هو الحق، فهل يتصور غياب ذلك عن الصحابة؟
الجواب
لا يتصور، فإذا كان هذا هو الحق -وعياذًا بالله أن يكون حقًا، أو قريبًا من الحق، بل هو عين الباطل- فلنا أن نتصور أن النبي ﵊ لما علَّم أصحابه الإيمان كما قال جرير بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: كنا نتعلم الإيمان أولًا، فإذا نزل القرآن استزدنا به إيمانًا، وكان الواحد منا يقرأ العشر الآيات فلا يتجاوزها حتى يتعلم ما فيها من إيمان وزواجر وأوامر ونواهٍ؛ فيزداد بذلك إيمانًا.
لنا أن نتصور أن النبي ﵊ خطب هؤلاء الأصحاب الذين يقولون إن العمل ليس من الإيمان: هيا بنا نجاهد المشركين يا إخواننا! قالوا: اذهب لوحدك، لن نأتي معك، فسيقول لهم: لماذا؟ أليس الجهاد هذا عملًا؟ فيقولون: نعم.
هو كذلك، والعمل ليس من الإيمان.
وإن قيل لهم: أنتم مأمورون بالصيام.
لا يقبلون، بل يقولون: لأن الصيام عمل، والعمل ليس من الإيمان.
كذلك نفعل الخير نأمر بالمعروف ننهى عن المنكر ندعو إلى الله؛ كل هذه أعمال، فلو أن الصحابة ﵃ امتنعوا عن هذا هل يكون دينًا؟
الجواب
لا، بل لك أن تختار شيئًا أعظم من ذلك، وهو: إذا كان العمل ليس من الدين هل هذا يخفى على صاحب الرسالة ﷺ؟ الجواب: لا يخفى عليه، وإذا لم يكن العمل من الإيمان فلم أمر به النبي ﵊، بل لم أمر به اللطيف الخبير في كتابه؟ فلا بد أن نوقن أن العمل من الإيمان، وأن المفرط فيه ينظر إلى أصل العمل، فإذا قام النص على أنه من أصل الإيمان كفر بتركه، وإذا قام النص أو الإجماع في كل عمل على أنه من واجبات الإيمان؛ كان المفرط في هذا العمل قد فرط في الإيمان الواجب، وإذا كان العمل مستحبًا بالكتاب والسنة؛ فمن فرط فيه فقد فرط في كمال الإيمان والكمال المستحب، والله تعالى أعلم.
ولذلك استحق الصحابة ﵃ اسم الرشاد بإكمال الدين، وذلك أنهم كانوا في فسحة وسعة، ليس يجب عليهم صلاة ولا زكاة ولا صيام، ولا كان حرم عليهم كثير مما هو محرم، وكان اسم الإيمان واقعًا عليهم؛ لأن التكاليف نزلت في المدينة، وهم استحقوا اسم الإيمان لما كانوا في مكة وقبل أن تنزل معظم التكاليف، لكن الله ﵎ امتدحهم بكمال إيمانهم، وتمام انصياعهم بإيمانهم الذي آمنوا به في مكة، ثم استقبلوا التكاليف الشرعية أحسن استقبال؛ وكان اسم الإيمان واقعًا عليهم بالتصديق ترفقًا بهم؛ لقرب عهدهم بالجاهلية وجفائها، فجعل الإقرار بالألسن والمعرفة بالقلوب هي الإيمان المفترض يومئذ؛ لأنه لم يكن هناك تكليف بعد، حتى إذا حلت مذاقة الإيمان على ألسنتهم، وحسنت زينته في أعينهم، وتمكنت محبته من قلوبهم، وأشرقت أنوار لبسته عليهم، وحسن استبصارهم فيه، وعظمت فيه رغبتهم؛ تواترت أوامره فيهم، أي: نزلت أوامر الله تعالى بالحلال والحرام والتكليف والأحكام.
قال: [وتوكدت فرائضه عليهم، واشتدت زواجره ونواهيه، فكلما أحدث لهم فريضة -عبادة- أو زاجرة عن معصية؛ ازدادوا إليه مسارعة وله طاعة، دعاهم باسم الإيمان، وزادهم فيه بصيرة، فقال: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فخاطبهم بالإيمان، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩].
وكل الخطاب في الفرائض موجه لأهل الإيمان، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨]، ونظائر هذا في القرآن كثيرة.
وقال في النهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران:١٣٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠].
فعلى هذا كل مخاطبة كانت منه لهم ﷾ فيما أمر ونهى، وأباح وحظر، وكان اسم الإيمان واقعًا بالإقرار الأول قبل هذا، إذا لم يكن هناك فرض غيره، فلما نزلت الشرائع بعد -أي: بعد هذا- وجب عليهم التزام فرضها، والمسارعة إليها كوجوب الأول سواء بسواء]، الله ﷿ سماهم
[ ٣٥ / ٩ ]