يجب على كل مسلم الإيمان بأن الله ﷿ قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في النصوص، هذه هي العقيدة السليمة الموافقة للكتاب والسنة وقد أنكر القدرية علم الله ﷿ بالمقادير وكتابته لها، وقالوا: إن الله لا يعلم شيئًا إلا بعد أن يكون، ولا يكتب شيئًا إلا بعد علمه به، فأنكروا بذلك مرتبتي العلم والكتابة من مراتب القدر، وهذا ضلال مبين وانحراف عظيم.
[ ٤٩ / ١ ]
باب الإيمان بأن الله ﷿ قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين، ومن خالف ذلك فهو من الفرق الهالكة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب السابع: باب الإيمان بأن الله ﷿ قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين].
السماوات: جمع سماء، والأرضون: جمع أرض، وكما أن السماوات سبع فكذلك الأرضون سبع.
قال: [ومن خالف ذلك فهو من الفرق الهالكة].
أنتم تعلمون أن أهل الإسلام اختلفوا إلى فرق، وهذا قد أخبر به النبي ﵊.
قال: (ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟! قال: من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
فالفرقة الناجية من بين الفرق الهالكة هي فرقة أهل السنة والجماعة، والفرق التي دون هذه الفرقة تسمى الفرق الهالكة أو الفرق الضالة، فمن قال: إن الله تعالى لم يقدر المقادير، ولم يكتب آجال العباد ولا أرزاق العباد ولا أعمال العباد ولا شقاوة العباد ولا سعادة العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ فهو من الفرق الهالكة الضالة.
دليل ذلك من السنة: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الذي أخرجه مسلم في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء).
وأنتم تعلمون أن منكر مرتبة العلم ومرتبة الكتابة -وهما أعظم مرتبتين من مراتب القدر- كافر بالله العظيم، حكم جل الصحابة ﵃ بكفره، كما جاء ذلك صريحًا من حديث عبد الله بن عمر لما قيل له: إن أناسًا قبلنا بالبصرة يقرءون العلم ويتقفرون القرآن، وفي رواية: ويتفقرون القرآن يقولون: لا قدر، وأن الأمر أُنف، قال: إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني.
قال النووي: وهذا ظاهر في تكفيرهم.
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك من قبله الإمام النووي وغير واحد: أما منكر مرتبة العلم -أي: أن الله تعالى يعلم كل شيء كان وسيكون- ومنكر مرتبة الكتابة -أي: كتابة مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة- فإنه كافر، يقولون: منكر هاتين المرتبتين لا وجود له الآن، وكان ذلك في الأزمنة الأولى، فهذا حديث عظيم يدل على عظم المرتبة الثانية من مراتب القدر وهي مرتبة الكتابة، كتب الله تعالى ما سيكون وما كان من أمر الخليقة إلى قيام الساعة؛ كتب ذلك في اللوح المحفوظ فهو في كتاب عنده تحت العرش.
[ ٤٩ / ٢ ]
كل عبد ميسر لما خلق له
قال: [وعن عمران بن حصين ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ -هل هؤلاء معلومون وهؤلاء معلومون لله ﷿؟ - قال: نعم.
قال: ففيم العمل؟ أو ففيم يعمل العاملون؟)] يعني: إذا كان الله تعالى قسم عباده إلى قسمين وجعل قسمًا في النار والآخر في الجنة، فلم نعمل إذًا؟ قال النبي ﵊: [(اعملوا.
فكل ميسر لما خلق له)]، اعملوا فكل مهدي إلى ما خلقه الله تعالى لأجله، أو كما قال ﵊.
قال: [وعن أبي الأسود الدؤلي -وهو من سادات التابعين ومن أصحاب علي بن أبي طالب ﵁- قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يكدح الناس اليوم ويعملون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ فاتخذت عليهم به الحجة؟ قال: لا.
قلت: بل شيء قد قضي عليهم ومضى عليهم.
قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟].
عمران بن حصين يقول لـ أبي الأسود الدؤلي: العمل الذي يعمله العاملون الآن هل لأمر قد قضي ومضى وانتهى، أو لأمر سيأتي بعد ذلك قد أتاهم به نبيهم؟ قال: بل لأمر قد مضى وانتهى وكتب في اللوح المحفوظ.
قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ أي: الله تعالى أدخل ناسًا النار، وأدخل ناسًا الجنة قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة.
قال: فهل يا أبا الأسود! تعد ذلك ظلمًا؟ قال: [ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا، وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خلق الله وملك يده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون]، يعني: لا يقال: إن هذا الفعل من أفعال الله تعالى ظلم، وإن كان ظاهره الظلم، لكن هذا الظاهر فيما يتعلق بأفهام العباد، لا ما يتعلق بحقيقة الأمر في علم الله ﷿.
قال: [لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال: سددك الله، إني والله ما سألتك إلا لأحرز عقلك]، أي: ما قلت لك هذا من باب إثبات أن هذه شبهة عندي، لكني والله ما أردت إلا أن أتأكد من صحة عقلك وقوة إيمانك.
قال: [(أن رجلًا من مزينة أتى النبي ﷺ)، وفي رواية: (أن رجلين من مزينة أتيا النبي ﷺ فقالا: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه يا رسول الله! أشيء قضي عليهم ومضى عليهم أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ فاتخذت به عليهم الحجة؟ فقال: لا.
بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم)]، النبي ﷺ يقول: بل هو شيء قد كتب في اللوح المحفوظ، وهم يعملون بمقتضى المكتوب في علم الله ﷿.
قال: [(فلم نعمل إذًا؟)] السائلان يسألان النبي ﷺ: إذا كان هذا أمرًا قد قضي علينا وانتهى الأمر به وأبرم في الكتاب، فلم نعمل إذًا؟ فقال: [(من كان خلقه الله لواحدة من إحدى المنزلتين فهو مهيئه لذلك)]، يعني: الله تعالى يهيئه ويهديه إما إلى سواء الصراط أو إلى سواء الجحيم؛ لأن الهداية على نوعين، وكذلك البشارة.
قال: [قال ابن بهية: فهو مهيئه لعملها؛ وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]]، أي: ألهمها طريق الفجور، وألهمها طريق التقوى كذلك.
إذًا: إذا ألهم الله نفسًا فجورها بعد أن سواها وخلقها وقدر لها مقاديرها؛ أذن في خلق هذه النفس، وأذن له بوقوع الفجور منه باختياره هو بعد أن بين الله ﵎ له الحق من الباطل، وأنزل له الكتب وأرسل إليه الرسل، وميزه على بقية المخلوقات بالعقل، وكلفه بما لم يكلف به بقية المخلوقات، فقد قامت عليه حينئذ الحجة.
ومعنى أنه خلق للفجور: أنه قدر له أن يقع منه الفجور تقديرًا كونيًا قدريًا لا تقديرًا شرعيًا؛ لأن أعمال الطاعات إنما تقع موافقة لشرع الله ﷿، وأعمال المعاصي والفجور إنما تقع بقدر الله تعالى، أي: تقع بقدرة الله وبإذن الله، أذن الله في وقوعها في الكون؛ لأنه لا يكون في كون الله إلا ما أراد، فهذه المعاصي تقع بإرادة الله وبعلم الله وبخلق الله، لكن باكتساب العبد.
فمعنى أن الله تعالى أراد المعصية إرادة كونية قدرية، أي: أراد خلق المعصية وأذن في وجوبها إذنًا قدريًا كونيًا، وإن كان الله تعالى يكرهها ويحذر منها في الكتاب، ويحذر منها على ألسنة رسله، ويعاقب الفاعل على فعله وجرمه وفجوره، وحذر من ذلك في غير ما آية من الكتاب، وفي غير ما حديث من أحاديث رسوله ﵊، ولكن لا يكون في كون الله إلا ما أراد وقدر، وإن كان للعبد مشيئة فمشيئة العبد مندرجة تحت مشيئة الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فما شاء العبد وما أراد العبد شيئًا لا يمكن أن يكون إلا إذا أراده الله تعالى، إما إرادة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا وموافقة الشر
[ ٤٩ / ٣ ]
حكم اتكال العباد على المكتوب
قال: [وعن أبي الدرداء ﵁ أن رجالًا قالوا: (يا رسول الله! أرأيت ما نعمل، أفي شيء قد فرغ منه، أم في شيء نستأنفه -أي: نستقبله-؟ فقال النبي ﵊: بل في أمر قد فرغ منه)، كما قيل لـ علي بن أبي طالب ﵁: أوكلما نعمل الآن كتبه الله تعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فبلَّ إبهامه وطبع به في بطن كفه وقال: أرأيتم هذه؟ قالوا: نعم.
قال: والله إنها لمكتوبة في الكتاب قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، انظروا إلى إيمان علي بن أبي طالب وفهمه لمسألة القدر، قال: وهذا الذي فعلته أنا الآن والله إنه لمكتوب في اللوح قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
قال: [(قالوا: هل الذي نعمله قد فرغ منه أم في شيء نأتنفه؟ فقال: بل في أمر قد فرغ منه، فقالوا: فكيف بالعمل بعد القضاء؟) يعني: ما قيمة أن نعمل؟ والأمر ببساطة شديدة جدًا يا إخواني! أن الله تعالى كتب أن عبده من أهل الجنة أو من أهل النار، فهذا العبد هل له علم بالمكتوب عند الله ﷿؟ لا علم له، إذًا: المطلوب مني: أن أعمل لمصلحتي ولمنفعتي، فعملي لمصلحتي ومنفعتي هو اتباع الكتاب والسنة، لعل الله ﷿ يختم لي بالباقيات الصالحات، هذا رجائي في الله ﷿.
إذًا: المطلوب مني أن أجد فيما ينفعني في آخرتي، أما الذي هو عند الله تعالى فلا يعلمه إلا الله، إذًا: إذا عملت عملًا صالحًا سيغلب على ظني أن الله تعالى مهد لي ويسر لي هذا حتى أحصل على الجنة بسبب العمل، وإن كان دخول الجنة ابتداءً بفضل الله ﷿؛ لأنه مهما يعمل العاملون لا يستحقون به دخول الجنة، فإن النبي ﵊ يقول: (وإن العبد ليأتي يوم القيامة وكان من أبأس الناس -من الفقر والمصائب والبلايا والأمراض والتعذيب والسجون وكبت الحريات- فيغمس في الجنة غمسة واحدة، فيقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا وعزتك يا رب! ما رأيت بؤسًا قط) غمسة واحدة في الجنة تنسيه كل مآسي الدنيا.
وكذلك (يؤتى بأنعم أهل الدنيا -ممن كان يتنعم بالمحرمات والملذات والشهوات- فيغمس في النار غمسة واحدة، ويقال له: هل رأيت نعيمًا قط؟ قال: لا وعزتك يا رب! ما رأيت نعيمًا قط).
إذا كانت غمسة واحدة في الجنة تنسي العبد ما كان فيه من ضنك وجحيم وعذاب، والدنيا على أية حال سجن المؤمن وجنة الكافر.
الحافظ ابن حجر له موقف عظيم من هذا الحديث، أنتم تعلمون أن الحافظ ابن حجر كان يسكن على النيل في القاهرة فيما يسمى الآن بالمنيل، وكان قاضي القضاة في مصر، وأنتم تعلمون أن قاضي القضاة له موكب وصولجان وغير ذلك، له موقف الأبهة والعظمة، لكن ابن حجر لقيه رجل من اليهود في هذا الهملجان وهذا الصولجان، وكان اليهودي يبيع الزيت فقال: يا قاضي القضاة! أليس قد قال نبيكم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ قال: بلى.
قال: أما تراني بهذا المنظر وترى نفسك بهذا الموكب، فأنت في جنة وأنا في نار؟ كأنه يزعم أن نبينا كذب في ذلك وقال غير الحق، فأنار الله تعالى بصيرة الحافظ وقال له: أنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة في جنة، وأنا بالنسبة لما أعد الله لأهل الإيمان في الآخرة في نار رغم ما ترى.
انظروا إلى هذه البصيرة، فأسلم اليهودي في الحال، فهذا كلام عجيب ونور إلهي.
فلا الحافظ ابن حجر ولا غير الحافظ ابن حجر يعلم بما يختم له؛ ولذلك قال: وأنا بالنسبة لما أعد لأهل الإيمان ولم يقل: بالنسبة لما أعد لي، وإنما قال: بالنسبة لما أعد لأهل الإيمان أنا الآن في نار؛ لأن المرء لو دخل الجنة لحظة واحدة يعلم أن هذه الدنيا مهما كان فيها من نعيم هي دار شقاء ومتاعب ومصائب وبلايا وأمراض وهموم وأحزان وغير ذلك.
فدخول الجنة برحمة الله تعالى والعمل سبب لذلك، فإذا كان العمل سببًا لسعادة سرمدية أبدية لا نهاية لها ولا انقطاع فيها فينبغي أن يعمل المرء وأن يجد ويجتهد، وإذا كان يعلم أن السعادة والشقاء بيد الله ﷿ فليتضرع ويتذلل إلى مولاه وسيده الذي يملك الشقاء والسعادة والضر والنفع أن يجعله من أهل السعادة.
لكن عندما يتكل الإنسان على المكتوب ويقول: فيم العمل إذًا؟ فهذا لا يمكن أبدًا، وليس هذا دينًا، ولا حتى دين اليهود والنصارى ولا دين المجوس، فلا يصح أن يذكر هذا الكلام إنسان عاقل أبدًا: نعتمد على المكتوب! وما أدراك ما المكتوب لك؟ هل أنت أيقنت لكونك مسلمًا أنك من أهل الجنة، فربما خُتم لك بالردة عياذًا بالله، فدخلت النار وخُلدت فيها مع الخالدين فيها، فما أدراك بما كتب الله تعالى لك؟ والنبي ﷺ يقول: (الأعمال بالخواتيم)، ويقول: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ويقول النبي ﵊: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح
[ ٤٩ / ٤ ]
حرص الصحابة على السؤال عن أمر القدر والعلم به
قال: [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل رسول الله ﷺ مرجعه من بدر -أي: بعد انتهاء غزوة بدر وهم راجعون إلى المدينة، فقال:- أنعمل لأمر قد فرغ منه أم لأمر نأتنفه؟)]، هذا عمر يسأل النبي ﵊، وكأن أمر القدر هذا كان يشغل كل الصحابة؛ ولذلك قال: (يا رسول الله! أنعمل لأمر قد فرغ منه أم لأمر نأتنفه)، فهذا السؤال سأله فوق العشرين صحابي للنبي ﵊، فكأن الأمر يشغلهم جدًا.
قال [﴿فقال النبي ﵊: لأمر قد فرغ منه.
قال عمر: ففيم العمل إذًا يا رسول الله؟! فقال الرسول ﵊: كل ميسر لما كتب له وعليه)]، كل ميسر يعني: مهدي لما خلق له، إن كان خلق للنار فييسر لعمل النار، وإن كان خلق للجنة فييسر لعمل الجنة.
قال: [عن طلحة بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه قال: (سمعت أبي يذكر أنه سمع أبا بكر الصديق ﵀والأصل ﵁- وهو يقول: قلت: يا رسول الله! أنعمل على ما قد فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟)]، هذا أبو بكر يسأل، ومن قبله عمر، وقد سأل عمران بن حصين، وقد سأل غير واحد من الصحابة.
قال: [(فقال النبي ﷺ: بل على أمر قد فرغ منه.
قلت: ففيم العمل يا رسول الله؟! قال: كل ميسر لما خلق له).
وعن هشام بن حكيم: (أن رجلًا أتى النبي ﷺ وقال: أنبتدئ الأعمال -أو- أتبتدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟)]، يعني: هذه الأعمال التي نعملها يا رسول الله! تبتدأ على الله ﷿، يعني: الله تعالى لا يكتبها علينا إلا بعد أن نعملها، أم قد قضي فيها القضاء من قبل، وعلمها الله تعالى، وعلم ما العباد عاملون وما هم إليه صائرون، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ؟ وأنتم تعلمون أن القدرية كان أول ظهورهم في البصرة، فأتى بعض أهل العلم من البصرة، وقالوا: لعله يوفق لنا أحد من أصحاب النبي ﵊، فكان الذي وفق لهم عبد الله بن عمر ﵄.
قال حميد بن عبد الرحمن: فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس بالبصرة يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف.
ومعنى أنف أي: مستأنف، أي: أن الله لا يعلمه حتى يقع؛ لأجل ذلك كفرهم عبد الله بن عمر ﵄، فسلوك القدرية إنكار العلم وإنكار الكتابة، وأن الله لا يعلم شيئًا إلا بعد أن يكون، ولا يعلم ما يكتبه إلا بعد العمل، ولذلك سأل الصحابة ﵃ مرارًا: (يا رسول الله! أترى ما نحن فيه من عمل، أهذا لأمر قد فرغ منه؟) يعني: أن الله ﷿ كان يعلمه قبل ذلك وكتبه، أم أن ذلك لا يُكتب إلا بعد العمل؟ فقال النبي ﵊: (بل أمر قد فرغ منه، ثم قال: إن الله خلق ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار).
قال: [وعن جابر بن عبد الله: أنه قال: (يا رسول الله! أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نأتنفه؟ فقال: بل لأمر قد فرغ منه، فقال سراقة بن مالك -وهو السائل كثيرًا- يا رسول الله! ففيم العمل إذًا؟)]، لماذا نعمل إذا كان العمل كله لأمر قد فرغ منه؟ لأن الله تعالى ما كتبك من أهل الجنة إلا لعلمه أنك تعمل بعمل أهل الجنة، وما كتبك من أهل النار في الأزل إلا لعلمه الأزلي السابق أنك تعمل بعمل أهل النار.
ولذلك سأل شخص الحسن البصري وقال له: يا أبا سعيد! أليس ظلمًا أن يقضي الله تعالى لنا بالنار قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: الجنة والنار لمن؟ قال: لله، قال: من خلقهما؟ قال: الله، قال: هل أنت خالق الجنة أو مالكها؟ قال: لا.
قال: هل أنت خالق النار أو مالكها؟ قال: لا.
فقال: المالك في دار الدنيا يدخل داره من يشاء ويصد عنها من يشاء، فلا تستغرب هذا في حق الله تعالى، فإنه يدخل من يشاء الجنة ويدخل من يشاء النار، فهو الذي خلقهما وهو المالك لهما، وهذا كلام عقلي، لكنه على أية حال كلام متين جدًا يوافق معنى النصوص.
قال: [عن جابر بن عبد الله: أنه قال: (يا رسول الله! أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نأتنفه؟ فقال: بل لأمر قد فرغ منه، فقال سراقة بن مالك: يا رسول الله! ففيم العمل إذًا؟ فقال النبي ﵊: كل امرئ ميسر لعمله)].
[ ٤٩ / ٥ ]
حكم الاحتجاج بالقدر على المعصية
يا إخواني! لا يجوز أبدًا الاحتجاج بالقدر على المعصية، إنما يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، أما الذنوب والمعاصي والمعايب فلا يجوز قط الاحتجاج بالقدر عليها؛ ولذلك نقول: لو أن طريقًا ممهدًا معبدًا سهلًا ميسورًا، وطريقًا آخر قد امتلأ بالحجارة والشوك والصعوبات، وكلا الطريقين يؤدي إلى غرض واحد، وقلنا لك: اسلك أحد الطريقين، فأيهما تسلك؟ فلابد أنك ستسلك الطريق المعبد.
ولو أتيت برجل مجنون فضلًا عن العاقل، وقلت له: هذان الطريقان يؤديان إلى الغرض؛ فلابد أنه سيسلك الطريق المعبد الممهد الذي لا شوك فيه ولا حجارة ولا تعثرات ولا مطبات ولا غير ذلك، فإذا كان العبد قد اختار هذا بعقله الذي هو مناط التكليف؛ فكيف تستبعدون أن يدخل الله ﷿ عبده النار بعد أن أرسل له الرسل، وأنزل عليه الكتب، وحرم عليه المحرمات وبينها له، وأحل له الحلال وبينه له، وجعل له العقل المميز لهذا وذاك، حتى ميز بين الخير والشر، بين الحق والباطل، فاختار بإرادته الباطل، واختار بإرادته الشر، وهو يعلم أنه في نهاية المطاف سيدخل النار.
فكيف تستبعدون دخوله النار، وقد علم الله ﷿ ذلك منه أزلًا فكتبه، وقضاه عليه؟ وليس ذلك من باب أن الله تعالى ظلمه؛ لأن الله لا يظلم الناس شيئًا، وإنما سبق في علم الله الأزلي أن هذا العبد رغم فراغ كل حججه اختار طريق النار، فمعنى مهده له أي: يسر له ذلك، ألا تعلم أن هذه طريق النار؟ تفضل هذه طريق النار اسلكها وفي نهايتها النار، ومع هذا يتجرأ العبد على المعاصي فيسلكها، فلا غرو حينئذ أن يدخل النار.
ولذلك الله تعالى لا يظلم الناس شيئًا، أما إذا كنت تتصور أن الله تعالى خلق الخلق قبل أن يعملوا خيرًا أو شرًا، فقضى بأن هؤلاء العباد في الجنة، وأن هؤلاء العباد في النار بغير عمل عملوه.
لا والله، إنما قضى عليهم بذلك لعلمه الأزلي السابق أنه بعد إنزال الكتب وإرسال الرسل والتكليف بالعقل السليم يختارون طريق النار، وهؤلاء يختارون طريق الجنة، لما علم الله تعالى ذلك منهم أزلًا كتب ذلك وقضاه، وجعل هذا من أهل الجنة وذاك من أهل النار، إنما كتب الله تعالى الجنة والنار لمن استحق الجنة ولمن استحق النار؛ لما علم أن هذا العبد اختار طريق الجنة، ولما علم أن هذا العبد اختار طريق النار، لكيلا يقول قائل: مادام أن الله كتبني من أهل النار قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ فهذا يعد ظلمًا، فأنت لم تعمل شيئًا صحيحًا في ذلك الوقت، لكن الله تعالى علم أزلًا أنك ستعمل الشر فكتبك من أهل النار، وعلم أنك ستعمل الخير فكتبك من أهل الجنة؛ لعلمه الأزلي السابق ﷾، ليس من باب الظلم؛ لأن الله لا يظلم الناس شيئًا.
[ ٤٩ / ٦ ]
وجوب الإيمان بخلق الله لأفعال العباد خيرها وشرها
قال: [وعن جابر: (أن رجلًا قال: يا رسول الله! فيم العمل؟ أفي شيء قد سبق أم شيء نستأنفه؟ قال: بل في شيء قد سبق)]، أي: أعمالكم التي تعملونها من خير أو شر موافقة لما في الكتاب، الله تعالى علم ذلك أزلًا فيسركم لذلك: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨]، ألهمها فجورها الذي اختارته، وتقواها الذي اختارته، فيسرك للفجور ويسرك للتقوى؛ لأن الله تعالى علم أزلًا قبل أن يخلقك أنك تحب طريق التقوى هذا، فجعل الأمور ميسرة ممهدة لك تسلكها؛ لأنك محب لذلك مقبل عليه، وأما هذا العبد فإنه يأنف من أعمال التقوى ولا يحبها، وإنما يختار طريق الفجور فمهده لذلك، ومعنى مهده لذلك: أذن له في وقوع الفجور منه، وهذا الذي يسميه العلماء بمرتبة الخلق والإيجاد، من مراتب القدر مرتبة الخلق والإيجاد، فالله تعالى خالق كل شيء حتى الشر، نعم.
حتى الشر فإنه من خلق الله؛ لأنه لا خالق إلا الله، فالله تعالى هو الذي خلق الخير وخلق الشر، من الذي خلق إبليس رأس الشر؟ هو الله ﷿، فالله تعالى خالق كل شيء.
وهكذا خلق الله تعالى الشر أي: أذن في وقوع الشر في كونه؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد وقدر ﷾، إرادة كونية قدرية.
فلما قدر الله ﵎ وقوع الشر قدره من باب الإيجاد والخلق، يعني: هو الذي أذن في وجوده وأذن في خلقه، لكن الذي اكتسب الشر، وباشره وعمله بجوارحه هو العبد، هل للعبد أن يعمل شيئًا من خير أو شر إلا بإذن الله وقدرة الله وخلق الله وإرادة الله؟ لو قال زانٍ: أنا سأزني أذن الله في ذلك أو لم يأذن، هل يصح ذلك منه؟ لا يصح؛ لأن كل حركات العبد وأعمال العبد مخلوقة لله تعالى، إن كانت خيرًا فخير، وإن كانت شرًا فشر؛ ولذلك قال ﵊: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته).
فالذي صنع هذا المسجل هو الله ﷿؛ لأن الله تعالى خالق مَن صَنعه، فمعنى (أن الله تعالى خالق هذا المسجل وصانع لهذا المسجل): أنه أذن في إيجاده وفي خلقه وتكوينه، أي: أذن لصانعه أن يصنعه، ولو أراد صانعه أن يصنعه بإرادته دون إرادة الله لا يكون ذلك أبدًا.
إذًا: فالله تعالى هو الذي أذن في خلق هذا وفي وجود هذا وفي صنع هذا، لكن من الذي باشر الصنع وباشر الإيجاد لهذا؟ هو الصانع الذي صنعه: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته) أي: وصنعته مخلوقة لله تعالى.
لو أردت أن تتكلم وما أراد الله لك الكلام لا تستطيع أن تتكلم، لو أردت أن تمشي وما أراد الله لك المشي لا يمكن أن تمشي، لو أردت أن تسكت وأراد الله لك النطق لابد أن تنطق.
إذًا: كل أعمالك من خير وشر مخلوقة لله تعالى، ومعنى (مخلوقة): أن الله تعالى أذن في وجودها، لكن العبد هو الذي باشر الوجود بنفسه وباشر العمل بجوارحه، فهذا معنى أن العبد يحاسب على عمله.
إن الله تعالى لما شرع شرعه حث الناس عليه، وبين لهم فضل الطاعة، وذم المعصية وحذر منها، وبين لهم مغبتها وعاقبتها، لينتهي الناس عن المعاصي ويقبلوا على الطاعة، الله تعالى أذن في خلق الكفر، وفي إيجاد الكفر في الكون، فهل الله تعالى يحب الكفر؟
الجواب
لا يحبه، بل ويمقته، ويدخل أصحابه النار مخلدين فيها ومع هذا أذن في وجوده.
ولما أذن الله تعالى أزلًا في وجود الكفر؛ لأنه علم أن بعض عباده وخلقه يختارون طريق الكفر مع وجود الإيمان وظهوره، وظهور طريقه وأهله، وما الحرب الضروس التي تدور بين كُتَل مجتمع المعمورة كلها إلا مرده إلى الإيمان والكفر، أهل الإيمان يعلمون أنهم على الحق المبين، وأنهم أصحاب الرسل وأتباعهم، وأن هؤلاء الكفار هم الذين خرجوا عن الرسل؛ فيستحقون بذلك القتل، دليلهم في ذلك: قال الله، وقال الرسول، وأجمع أهل العلم.
أهل الكفر يعلمون أنهم على الكفر المبين، عرفتها أنفسهم وجحدتها ألسنتهم علوًا واستكبارًا.
وللأسف الشديد بعض أهل العلم الآن عندهم علم ومنسوبون إلى العلم، لكنهم في حقيقة الأمر ليسوا من أهل العلم المعتبرين، وإنما هؤلاء يفتون الفتاوى مدفوعة الأجر مسبقًا ومقدمًا؛ يستنكرون على أبناء الصحوة وشباب الدين أنهم يقولون: أهل الكتاب كفار، يستنكرون علينا أننا نقول ذلك، مع أن هذا القول لا نعلم لأحد من السلف خلافه، بل ولا حتى الخلف، لا نعلم أن أحدًا ممن له اتصال من قريب أو بعيد بأهل العلم يقول: إن أهل الكتاب ليسوا كفارًا بعد بعثة النبي ﵊.
أما قبل ذلك فإن أتباع الأنبياء مسلمون على شرائع أنبيائهم، منهم العاصي والمفرط، ومنهم المتبع المقتدي والمهتدي، وأما بعد بعثة نبينا ﵊ وبلوغ الدعوة إلى العالمين فإن من خالف النبي ﷺ ولم يكن تابعًا له لا شك أنه من الكفار؛ ولذلك قال النبي ﵊: (والذي نفسي بيده ما من أحد يهودي ولا نصراني من هذه الأمة يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار، ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني)، وعيسى ﵇ ي
[ ٤٩ / ٧ ]
وجوب الجد والاجتهاد في العمل والنهي عن الاتكال
قال: [وعن بشير بن كعب العدوي قال: (سأل غلامان شابان رسول الله ﷺ فقالا: أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت فيه المقادير، أم شيء يستأنف؟ فقال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، فقالا: ففيم العمل إذًا؟ فقال: كل عامل ميسر لعمله الذي هو عامل.
قالا: فالآن يَجِدُّ أن نعمل -وفي رواية-: يجب أن نعمل)]، إذا كان كل منا ميسرًا لما خلق له ويعمل على مقتضى المكتوب، وانظر إلى هذين الغلامين! الغلام: اسم للطفل الذي لم يبلغ الحلم، والجارية: اسم للطفلة التي لم تبلغ الحلم.
تصور أن غلامين سألا النبي ﵊: يا رسول الله! هذا الذي سنعمله لأمر قد فرغ منه أم لأمر مستأنف؟ قال: لا، لأمر قد فرغ منه، قالا: ففيم العمل إذًا؟ فوضح لهم أن كل واحد ميسر لما خلق له، ولما هو مكتوب في الكتاب الأول، فقالوا: إذًا: يجب علينا أن نعمل.
والعجيب أنك تجد بعض الشباب يقول: نحن من أهل النار، فلم نعمل؟ أنا أريد أن أعرف من الذي قال لك أنك من أهل النار؟ كما أنه من الذي قال لك أنك من أهل الجنة؟ بل ينبغي أن تعض على الطاعة بالنواجذ حتى يختم لك بعمل أهل الجنة، لكن عندما تقطع بأنك من أهل الجنة! فهذا تألٍ على الله ﷿، وافتراء وكذب على الله ﷿، لو أنك أردت أن تدخل النار وأراد الله لك الجنة دخلت الجنة، فانظر! حتى هذه ليست لك، ولو أردت أن تكفر وأراد الله لك الإيمان لا يمكن أن تكفر، أي: لو أردت الإيمان وأراد الله لك الكفر إرادة كونية قدرية لا يمكن أن يكون إلا ما أراد الله ﷿.
إذًا: كيف تقطع لنفسك بجنة أو نار، بسعادة أو شقاء إذا كنت تعلم أن هذا كله بيد الله تعالى؟ إذًا: لابد أن تجد وأن تجتهد في العمل الذي يوصلك إلى دار النعيم.
قال: [وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن عمر سأل رسول الله ﷺ: (أرأيت يا رسول الله ما نعمل فيه، أفي أمر مبتدأ أو مبتدع -يعني: جديد- أو فيما قد فرغ منه؟ قال: فيما قد فرغ منه، قال: أفلا نتكل؟)]، نتكل على هذا يا رسول الله! ونجلس وننام، لأن الكتاب قد فرغ منه ففيم العمل؟ قال: [(أفلا نتكل؟ قال: اعمل يا ابن الخطاب! فكل ميسر، أما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل عمل أهل الشقاء، وأما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة)].
[ ٤٩ / ٨ ]
باب الإيمان بأن الله ﷿ خلق القلم فقال له اكتب، فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة
[الباب الثامن: باب الإيمان بأن الله ﷿ خلق القلم فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن -أي: ما هو كائن في ذلك الوقت، وكتب ما يكون إلى قيام الساعة- فمن خالفه فهو من الفرق الهالكة].
فمن قال: إن الله لم يكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة فهو من الفرق الهالكة، ومن قال: إن الله لم يخلق القلم فهو من الفرق الهالكة.
بل ثبت عن ابن عباس: أن الله تعالى خلق القلم وكان قدر القلم كما بين السماء والأرض، ولم يثبت أن الله تعالى أخذ القلم بيمينه، وإنما أمر الله القلم فقال له: (اكتب، -فنطق القلم- فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن إلى قيام الساعة)، حتى لا تتصور أن الله تعالى أخذه بيمينه فكتب به كل شيء، بل جرى القلم بالكتابة بأمر الله تعالى، قال له: اكتب، فكتب كل شيء، وركب الله تعالى فيه تمييزًا وإدراكًا؛ حتى يسمع الكلام ويفهمه، ويأتمر بالأمر وينتهي عن النهي، من خالف في ذلك فهو من الفرق الهالكة.
قال: [قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: (أول ما خلق الله تعالى القلم.
فجرى بما هو كائن إلى قيام القيامة)]، أي: إلى وقت قيام الساعة.
[ ٤٩ / ٩ ]
اختلاف أهل العلم في أول المخلوقات هل هو القلم أو العرش؟
وقع خلاف بين أهل العلم: هل أول المخلوقات القلم أم العرش؟ فبعضهم يقول: أول المخلوقات القلم، وبعضهم يقول: أول المخلوقات العرش، ومعنى أول ما خلق الله القلم أي: من أول ما خلق الله القلم، وهذا قد جرت به ألسنة العرب، كما قال ﵊: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
فهل خير الناس على الإطلاق من تعلم القرآن وعلمه؟
الجواب
لا، التقدير: من خيركم من تعلم القرآن وعلمه، من أفاضلكم، من أحاسنكم، وقال ﵊: (خيركم خيركم لنسائه)، وهذا حديث صحيح، فإذا قلت: خيركم خيركم لنسائه، وخيركم من تعلم القرآن وعلمه، لابد أن يحدث تصادم بين النصوص.
إذًا: من خيركم خيركم لنسائه، ومن خيركم من تعلم القرآن، ومن خيركم أحاسنكم أخلاقًا وغير ذلك، إذًا: النصوص فيها تقدير محذوف، وهو (من) التي تفيد التبعيض.
إذًا: في هذه الحالة أول ما خلق الله القلم، أي: من أول ما خلق الله، يعني: من أوائل المخلوقات القلم، ولا يلزم من ذلك أن يكون القلم هو أول المخلوقات.
وفي رواية: أن النبي ﵊ قال: (أول ما خلق الله العقل.
فقال له: أقبل فأقبل، فقال له: أدبر فأدبر، قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أعز علي منك، فبك أعطي وبك أمنع وبك أعاقب وبك أثيب) إلى نهاية الحديث.
قال ابن تيمية عليه رحمة الله في الفتاوى، وقال ابن القيم عليه رحمة الله في الصواعق المرسلة وغيرها من كتبه التي تتعلق بالقدر، وقال في كتابه المنار المنيف في الصحيح والضعيف: كل أحاديث العقل التي تدل على أن العقل أول المخلوقات أحاديث ضعيفة ومنكرة؛ ولذلك سئل شيخ الإسلام ابن تيمية سؤالًا خاصًا فيما يتعلق بالعقل في كثير من كتبه.
على أية حال الخلاف قائم بين أهل العلم من السلف في أيهما أسبق، وذلك بعد اتفاقهم أن أحاديث العقل موضوعة ومختلقة ومكذوبة على النبي ﵊، ثم وقع الخلاف بين أهل العلم من السلف في أول المخلوقات: هل هو العرش أم القلم؟ أتت نصوص في الكتاب والسنة تدل على أن العرش كان أول المخلوقات: (خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء)، كلمة (وكان عرشه على الماء) تدل على أن العرش أسبق، والعرش مخلوق؛ لأنه لا خالق إلا الله، خلق الله تعالى السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، يعني: وكان عرشه قبل خلق السماوات والأرض على الماء.
قال ابن عباس: والماء فوق السماء السابعة، وقبل خلق السماوات كان الماء على الريح.
قال ابن عباس: وكان عرشه على الماء -أي: على الماء فوق السماء السابعة قبل خلق السماوات السبع وخلق الأرضين السبع- قيل لـ ابن عباس: كان على ماذا؟ قال: كان على الريح.
أي: الماء كان على الريح، والعرش فوق الماء، والكرسي فوق العرش، مخلوقات عظيمة جدًا، فلا تتصور أن هذه المسألة هرمية؛ لأنه لا يصح في الأذهان أن تتصور هذا، النبي ﵊ يقول: (الكرسي في العرش كحلقة في فلاة).
يعني: تصور أنك ترمي حلقة في صحراء! لا شيء، فالكرسي في العرش كحلقة في فلاة، والكرسي أعظم من السماوات والأرض، وهو لا يساوي في العرش إلا كحلقة في فلاة، إذًا: كيف يكون حجم العرش؟! مخلوقات عظيمة لا يمكن أن تتصورها، إذا كنت أنا ضربت الآن مثلًا بأن القلم الذي كتب مقادير الخلائق قدره كما بين السماء والأرض، والمعلوم أن ما بين كل سماء وسماء أو السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، فهذه مخلوقات عظيمة جدًا لا يمكن لأحد أن يتصورها مع أنها مخلوقة.
لو قلنا لك الآن: صف ثمار الجنة، تعجز؛ لأن ثمار الجنة ليس لها مثيل في ثمار الدنيا إلا في الاسم فقط، كما قال ابن عباس ﵄: هذا تفاح وهذا تفاح، لكن شتان بين هذا وذاك.
فإذا كان الأمر كذلك فيحرم جدًا أن نتصور في الأذهان صورة لله ﷿، وإنما نثبت أن لله تعالى صورة، كيف هي؟ لا يعلمها إلا الله، إذا كنا نحن نعجز عن إدراك بعض المخلوقات وهي مخلوقات، فكيف بالخالق الذي خلقها؟ ولذلك يروى -كما في كتب ابن الجوزي عليه رحمة الله- أنه قد خرج رجل في زمانه ممن يتعالم، فصعد المنبر وقال: سلوني ما شئتم.
فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، فقام إليه أعرابي جلف، فقال: يا فلان! أين تجد أمعاء النملة؟ فأسكته.
فهذه النملة مخلوقة أم لا؟ إذًا: هل نحن نعلم أن لها أمعاء أو عينين أو رجلين، أو عرضًا أو طولًا؟، هل نعلم خصائصها وأوصافها؟ عجز عنها هذا المتفيهق المتحذلق بكلمة أعرابي جاء من البادية، ليس له في العلم شيء ومع هذا أسكته، وهذه النملة من أحقر وأدق المخلوقات، فكيف بأعظم المخلوقات العرش والكرسي والسماوات والأرض والجنة والنار؟ لا يمكن لأحد أن يصفها.
والمعلوم أننا لا نستطيع أن نصف شيئًا إلا إذا رأيناه أو علمنا له مثيلًا، وليس هذا في بعض المخلوقات ممكنًا بالنسبة
[ ٤٩ / ١٠ ]
كتابة القلم لما علمه الله ﷿ إياه
قال: [عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (أول ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن إلى قيام القيامة)]، أي: كتب ما سيكون إلى قيام الساعة.
هل هذا القلم عنده العلم اللدني أم هذا بعلم الله؟
الجواب
جرى القلم بما علمه الله.
قال له: اكتب أنني سأخلق عبدي فلانًا، وأنه سيعمل بعمل أهل السعادة أو بعمل أهل الشقاء، يعمل كيت، في ساعة كيت في لحظة كيت، في المكان الفلاني.
وهكذا علم الله تعالى ما سيكون من الخلق جميعًا، ليس فقط من بني آدم، وإنما من الخلق جميعًا، فكتب ذلك في كتاب، فهو عنده تحت العرش.
[ ٤٩ / ١١ ]
الفرعيات لا يبدع فيها المخالف وإنما يؤخذ بالترجيح عند الاختلاف
إن الخلاف الذي وقع بين السلف ﵃ فيما يتعلق بأول المخلوقات: هل هو القلم أو العرش؟ اتفقنا أنهم استبعدوا أن يكون العقل؛ لأن هذا الكلام مردود ومنكر قولًا واحدًا، إذًا: لا يبقى عندنا خلاف إلا فيما يتعلق بالعرش والقلم، أيهما أول المخلوقات.
فقال بهذا بعض السلف وقال بذاك بعض السلف، وهنا لابد أن نعرج على أمر، وهو أن السلف إذا اختلفوا في مسألة -ولو كانت من مسائل الاعتقاد- فإن الأصل أنه لا يبدع المخالف.
وأنتم تعلمون أن الصحابة ﵃ اختلفوا: هل رأى النبي محمد ﵊ ربه في ليلة المعراج أو لا؟ وتعلمون أن السلف ﵃ اختلفوا في أفضلية عثمان على علي وفي أفضلية علي على عثمان، وهذه من مسائل الاعتقاد، ومع هذا لم يبدع أحد الفريقين صاحبه، لا الذين فضلوا عليًا بدعوا من فضل عثمان، ولا العكس، ولم يبدع الذين قالوا بثبوت رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج من قال غير ذلك ولا العكس، وهذه المسائل من مسائل الخلاف سماها العلماء الخلاف الفرعي في العقيدة، فهذه فرعية من فرعيات الاعتقاد، لا أصل من الأصول، أي: ليست متعلقة بالإيمان بالله، إذ إن الإيمان بالله أصل، والإيمان بالملائكة أصل، والكتب كذلك، والرسالات، والجنة والنار والصراط والجزاء، هذا كله أصول، أما الفرعيات فلا يبدع فيها المخالف.
لكن نشأ هذا الخلاف في السلف ﵃، وكان لكل دليله، ونحن نعرف أن مسألة الرؤية هذا معه أدلة وهذا معه أدلة وإن كانت الأدلة مؤولة، لكن على أية حال وقع الخلاف، فينظر إذا كان الخلاف وقع في أصول الاعتقاد فلا يحتمل، بل يبدع المخالف ويضلل، وهذا بفضل الله لم يقع في سلفنا ﵃، إنما وقع الخلاف في فرعيات مسائل في الاعتقاد، فهذا لا يبدع فيه المخالف.
عندما أقول لك: اعمل لي بحثًا فيما يتعلق بأول المخلوقات: هل هو القلم أم العرش؟ وائتني بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء، ثم رجح أحد الفريقين، ما الذي ستفعله؟ ستتبع الكتاب والسنة وستأتي بأدلة القائلين بأن العرش أول المخلوقات، وأدلة القائلين بأن القلم أول المخلوقات، ومن السنة ومن أقوال الصحابة، والسلف عمومًا ﵃، وبعد أن تأتي بالأدلة ستأتي بكلام الشراح في هذا وذاك، وتأتي بكلام أهل التأويل الذين يجمعون بين النصوص.
وطريقة الجمع كما قلت لك: (وكان عرشه على الماء) منهم من يقول: وكان عرشه بعد خلق السماوات والأرض على الماء، وهذا تأويل، ومنهم من يقول: أول ما خلق الله القلم أي: من أول ما خلق الله القلم، ومنهم من يبقيه على ظاهره يقول: أول المخلوقات القلم بنص الحديث، وكان عرشه على الماء، قالوا: التقدير: وكان عرشه بعد خلق السماوات والأرض على الماء، فيقول: إن العرش مخلوق قبل السماوات والأرض، وفريق آخر يقول: لا.
كان العرش بظاهر الآية قبل خلق السماوات والأرض، وأول ما خلق الله تعالى ضمن ما خلق السماوات والأرض القلم، كل هذه الآراء ستجدها.
فإنك بعد أن تكون مشدودًا ومتعصبًا جدًا لمسألة أن القلم أول المخلوقات؛ تفاجأ بأن هناك رأيًا آخر يقول: إن العرش أول المخلوقات وهذا كلام لا يمكن دفعه، وإذا كنت تقول: إن العرش أول المخلوقات تفاجأ بأن هناك رأيًا آخر، وهو أن القلم أول المخلوقات، وكذلك لهم أدلتهم من الكتاب والسنة لا تستطيع ردها ولا صدها ولا تستطيع تأويلها، فإذا كنا نريد الترجيح فإن الترجيح أيها الإخوة! له طريقان: الطريق الأول: إثبات الدليل الذي يؤيد ما أنت عليه، والنظر في أدلة المخالف وتأويلها تأويلًا لا يتعارض مع ما رجحته أنت، فأنا عندما أقول: القلم أول المخلوقات بنص الحديث، فإذا بشخص آخر يقول: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]، فإنه لابد أن أجد صرفة لهذه الآية؛ لأن هذه الآية ستقف في طريق مسألتي، وأنا قد وصلت إلى النتيجة أن القلم أول المخلوقات، فإن هذه الآية ستعترضني، فلابد أن أجد لها صرفة، فإذا لم أجد لها صرفة فأنا مهزوم.
والذي يقول: وكان عرشه على الماء العرش أول المخلوقات لابد أن يتصرف في أدلة من يقول بأن القلم أول المخلوقات، فإذا لم يتصرف فكذلك لا يستطيع الترجيح، فاعلم أن العلم بالمناقشة والنظر والاستدلال والتأويل، فلا يصح أن تقول: العرش هو أول المخلوقات وحسب، أعجبك هذا الأمر أم لم يعجبك، فهذا ليس كلام أهل علم، فلابد من البحث في مراجع كتب الاعتقاد.
ولكي تعرف كيفية الترجيح لابد أن تعرف كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للإمام الحازمي، فقد ذكر أن وجوه الترجيح اثنان وخمسون وجهًا، وعندها ستصل إلى كيفية الترجيح، وهذا الكلام موجود ومذكور في كتاب تأويل مختلف الحديث لـ ابن قتيبة، وتأويل مختلف الحديث للإمام الشافعي، وكتاب مشكل الآثار للإمام الطحاوي، وكل هذه الكتب كتب تأويل، وكذل
[ ٤٩ / ١٢ ]
رواية الوليد وعبادة بن الصامت في أن أول المخلوقات القلم
قال: [عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله ﷿ القلم ثم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة -أي: بمجرد أن خُلق- ما هو كائن إلى يوم القيامة).
وعن الوليد بن عبادة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: يا رب! وما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد)].
[ ٤٩ / ١٣ ]
تفسير قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون)
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون)]، وهي الدواة التي لا يستغني عنها القلم، والقلم قد يستغني عن الدواة إذا أراد الله تعالى أن يكتب القلم من غير دواة، لكن الله تعالى قدر أن يكون للقلم دواة.
فقوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] منهم من فسر النون بالحوت؛ لأن النون اسم من أسماء الحوت، ومنهم من فسر النون بأنها الدواة لعلاقتها بذكر القلم بعدها.
قال: [(ثم قال: اكتب.
قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فذلك قوله ﷿: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، ثم ختم على القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة)]؛ لأن القلم قد جرى بما هو كائن، فكتب كل شيء.
[ ٤٩ / ١٤ ]
تفسير ابن عمر لقوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)
قال: [وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (أول شيء خلقه الله ﷿ القلم، فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين)]، وهذا يرد على ما أخرجه مسلم وأثبت فيه أن لله يدًا أخرى وهي الشمال، فإن هذه الرواية شاذة.
قال: [(فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول، بر أو فجور، رطب أو يابس، فأمضاه عنده في الذكر -أي: كتبه عنده في الذكر- ثم قال: اقرءوا إن شئتم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]-أي: نكتب ما كنتم تعملون- فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه)]، يعني: قد تقول: عندي نسخة البخاري الأصلية، ثم تذهب بي إلى البيت وتعطيني مجموعة أوراق فارغة لا كتابة فيها، فسأقول لك: أين هذه النسخة؟! لكن عندما تريني مخطوطًا للبخاري سأقول: نعم.
هذه نسخة، وسميت نسخة لما وقع فيها من النسخ، والنسخ بمعنى: الكتابة، فلا يقال للورقة الفارغة البيضاء نسخة، لكن عندما تكتب فيها كتابًا تقول: لقد نسخت الكتاب أو صورت الكتاب، أو كتبت الكتاب.
فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] أي: نأمر بكتابة أعمالكم.
[ ٤٩ / ١٥ ]
التسليم بالقضاء أصل من أصول الإيمان بالقدر
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: (أصابتني العزبة)]، يعني: شق علي العزوبية، أنا من غير زوجة.
وهذا قد شق علي يا رسول الله! قال: [(أصابتني العزبة وليس بيدي شيء فأنكح النساء)].
إن النبي ﵊ يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، لم يقل: يا معشر الشباب تزوجوا، أو لابد أن تتزوجوا، فإن ترك الزواج ترك للتوكل على الله، أتريد أن تسيء الظن بربك؟ إن الله يقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، لا.
لم يقل ذلك، وإنما شرط الزواج بالاستطاعة.
قال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم)، فلم يقل: على المسلم الزواج استطاع أم لم يستطع، إنما قال له: (فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي: وقاية من فتن العزوبة.
قال: [(أصابتني العزبة وليس بيدي شيء فأنكح النساء، وأنا أتخوف على نفسي فتأذن لي فأختصي؟)]، والاختصاء: هو أن يأخذ شهوته من مبيضه، أو ينزع المبايض فلا يكون له بعد ذلك شهوة، فيرى أذم امرأة كما يرى أجمل امرأة، الثنتان عنده سواء؛ فلا يبالي بالنساء.
قال: [(فتأذن لي فأختصي، فقال النبي ﵊: يا أبا هريرة! جف القلم، فاختص على ذلك أو اترك)]، يعني: الله ﷾ كتب أن أبا هريرة سيختصي أو لا يختصي، فإذا اختصيت يا أبا هريرة! فقد وافقت ما في الكتاب الأزلي، وإذا تركت الاختصاء فقد وافقت ما في الكتاب الأزلي، فكأنه يقول: أتستشيرني في الاختصاء؟ فلو أني أفتيتك بالاختصاء فسيوافق ما قلته لك ما قد كتب أولًا، وإذا منعتك عن الاختصاء فسيوافق المنع لما قد كتب أولًا، ولا بأس يا أبا هريرة! سأتركك لاجتهادك، تختصي أو لا تختصي.
افعل ما تشاء.
ففي هذه الحالة لو أن أبا هريرة اختصى هل يخالف المكتوب له أزلًا؟
الجواب
لا.
ولو ترك الاختصاء كذلك لا يخالف؛ لأن الله تعالى علم أن أبا هريرة سيتردد في هذه المسألة وسيسأل النبي ﷺ والنبي ﷺ سيجيبه بذلك، وأن أبا هريرة يجتهد في أن يختصي أو يدع، وفي نهاية الأمر ترك أبو هريرة الاختصاء، وهذا بلا شك موافق لما في الكتاب الأزلي.
أنت عندما تقول: يا رب! أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان زواجي من فاطمة خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري آجله وعاجله؛ فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه.
وإن كان أمر زواجي من فاطمة شرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري آجله وعاجله؛ فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم اقدر لي الخير حيث كان.
وفجأة تقول: ولكن يا رب! أنا أريد فاطمة، وقلبي في النهاية يا رب! يتقطع، ولو أن فاطمة تزوجت شخصًا آخر قد أقتلها وأقتله، معذرة يا رب! يقتضي الأمر هذا يا رب! وفي النهاية لا يتزوج فاطمة إلا إذا كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ أنه سيتزوجها، فيذهب لأبيها، وأبوها يوافق، ويقول له: وافقت يا بني! فادفع مبلغًا معينًا، فدفع المبلغ، وذهب وأتى بمهر وأمهرها وعقد عليها فهل أحد يستطيع النزاع، أو يستطيع التقدم لفاطمة؟ ثم في ساعة خلاف قال لها: أنت طالق، وانتهت القضية، فقد كتب في اللوح المحفوظ أن فاطمة لا يتزوجها علي أو لا يتزوجها إبراهيم، أو سعد أو محمد أو زيد أو عبيد، مع أنه قد استقر لديه أن فاطمة امرأته، لكنه مكتوب في اللوح المحفوظ أنها ليست امرأته ولا يبني بها، فلا يكون في علم الله وقدره إلا ما قدره وأذن في وقوعه في الكون مهما تمنى العبد، فإن ما يختاره الله تعالى لعبده خير مما يختاره العبد لنفسه.
ولو أن العبد آمن بذلك وسلم لاطمأن إلى قدر الله، فكيف يكون حال الشخص الذي يحب امرأة وتتزوج غيره؟ فإن حياته كلها ترتبك وتنقلب رأسًا على عقب، ولا يريد الصلاة ولا يريد الصوم، وفي نفسه مغضب من إخوانه، ولا يريد السلام على أحد، ولا يريد أن يصلي جماعة مع الإمام، وكل شيء لا يعجبه، ودائمًا تراه في نقد وسخط وعدم رضا، لماذا كل هذا؟ لأنه اكتشف أن فاطمة خطبها غيره.
وعندما يتزوج امرأة أصلح من فاطمة يقول: الحمد لله أن ذهبت فاطمة، الحمد لله أني لم أتزوجها.
أقول: هذا كلام محمود، لكن أقررت بذلك بعد أن اكتشفت أن زوجتك هذه ظفرها يساوي قيمة فاطمة؛ فلمَ لم تسلم من أول لحظة؟ إن النبي ﵊ يقول: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، ومضمون الحديث: إنما الصبر عند أول الصدمة، فمن الناس من يفهم أن الصبر عند الصدمة الأولى يعني: عند أول صدمة يصدمها الإنسان في حياته يكون الصبر عندها، وليس مطلوبًا منه أن يصبر بعد ذلك.
وهذا خطأ.
إنما الصبر عند أول الصدمة، هذا هو الت
[ ٤٩ / ١٦ ]
تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون)
قال: [وعن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: رب ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، قال: فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة.
وعنه في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] قال: ألستم قومًا عربًا؟ هل تكون نسخة إلا من كتاب؟ وعنه في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] قال: ألستم قومًا عربًا أو عُرْبًا؟ هل تكون نسخة إلا من أصل كتاب قد كان قبل؟]، أي: قد كان من قبل، وهذا فيه إثبات أن القلم كتب كل شيء.
قال: [وعنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] قال: إن أول ما خلق الله ﷿ القلم، ثم النون وهي الدواة، ثم خلق الألواح، فكتب الدنيا وما يكون فيها حتى تفنى من كل خلق مخلوق، أو عمل معمول من بِر أو فجور، وما كان من رزق حلال أو حرام، ومن كل رطب ويابس، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا وبقاءه فيها، كم إلى كم شاء، ثم وكل بذلك الكتاب ملكًا، ووكل بالخلق ملائكة، فتأتي ملائكة الخلق إلى ملائكة الكتاب فينسخون ما يكون في يوم وليلة مقسومًا على ما وكلوا به، وتأتي ملائكة الخلق فيحفظون الناس بأمر الله، ويسوقونهم إلى ما في أيديهم من تلك النسخ، فإذا انتفت النسخ عن شيء لم يكن هاهنا بقاء ولا مقام.
قال: فقال رجل لـ ابن عباس: ما كنا نرى هذا إلا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة، فقال: ألستم قومًا عُرْبًا؟ ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب؟].
مراد ابن عباس: أن اللوح المحفوظ أو الكتاب المكنون الذي كُتب بقلم القدرة، وهو أول المخلوقات، وهذا القلم كتب نسخة لا زيادة فيها ولا نقص، وهذا المكتوب مقدر لكل مخلوق خلقه الله ﷿، والملائكة الذين يحفظونك بأمر الله، الموكلون بك وبأعمالك ورزقك وأجلك يذهبون إلى الملائكة القائمين على الكتاب الأول في كل يوم وليلة، فتقول ملائكة الحفظ لملائكة الكتاب: انسخوا لنا عمل العبد اليوم، ورزق العبد اليوم، فتستنسخ ملائكة الحفظ أعمال العبد في اليوم الواحد، فملائكة الرزق ينسخون الرزق، وملائكة العمر ينسخون العمر، وملائكة العمل ينسخون العمل، حتى إذا ذهبوا في يوم ليستنسخوا ما هو مقدر لك في يومك وليلك لا يجدون في كتاب الله شيئًا، أي: انقطع الكتاب، وهذا الانقطاع يدل على نهاية العمر ونهاية الأجل.
وهذا الكلام من علم الغيب، فلا يمكن إلا أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
وبعض أهل العلم يقول: هذا الكلام من ابن عباس مع صحة السند له حكم المرفوع، يعني: هو موقوف له حكم المرفوع؛ لأن هذا الكلام لا يعلمه أحد إلا من طريق الصادق المصدوق المعصوم ﵊.
وبعضهم يقول: لم يسمع ابن عباس هذا من النبي ﵊، وليس له حكم المرفوع؛ لأن الشرط في اعتبار الكلام في أمر الغيب موقوفًا في حكم المرفوع: ألا يُعلم أن صاحبه كان يتلقى عن أهل الكتاب، وابن عباس في الحقيقة كان ممن يتلقى عن أهل الكتاب، فقالوا: لعل ابن عباس أخذ هذا من أهل الكتاب، والله تعالى أعلم.
قال: [وعن ابن عباس قال: إن أول ما خلق الله ﷿ القلم خلقه عن هجاء]، يعني: خلقه للكتابة، فقال: قلم! فتصور قلمًا من نور ظله ما بين السماء والأرض.
وهذا كلام نقول فيه ما قلناه آنفًا.
قال: [فقال: اجر في اللوح المحفوظ.
قال: يا رب! بماذا؟ قال: بما يكون إلى يوم القيامة، فلما خلق الله ﷿ الخلق وكل بالخلق حفظة يحفظون عليهم أعمالهم، فإذا كان يوم القيامة عرضت عليهم أعمالهم فقيل: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]-أي: في اللوح المحفوظ- فيعارضون بين الكتابين فإذا هما سواء].
يعني: يضعون الكتاب الذي في أيدي الحفظة بجوار كتاب العبد في اللوح المحفوظ، فيجدون أن الكتابين بالضبط منطبقان على بعض.
وهذا يدل على أنه لا زيادة فيها أو نقص؛ لأنها نسخة طبق الأصل؛ ولذلك يقال: صورة طبق الأصل، يعني: ليس فيها زيادة ولا نقصان، فلا يصح أن تختم البطاقة بعد أن تصورها، فيكون الأصل غير مختوم والصورة مختومة، إذًا: هنا لا توجد مطابقة ولا معارضة، وصحة المعارضة هي الموافقة بين المنسوخ والمنسوخ منه.
[ ٤٩ / ١٧ ]
صفة السلام على غير المسلمين والرد عليهم
وعن الحسن بن علي هنا قال: ﵉، فنقول: ﵉، لكن ليس هما فحسب، ولا آل البيت فحسب، بل كل الصحابة والصالحين والتابعين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا؛ كلهم عليهم من الله ومن عباده السلام.
إذا كان هذا هو المعنى اللغوي فيصدق أن نقول عن أي واحد نظنه من الصالحين خاصة الصحابة أجمعين: ﵇، وعليه مني السلام، كما أنك تقول: تعال ولك مني الأمان، أو ولك مني السلام؛ ولذلك النبي ﵊ يقول: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم، فإنما يقولون: السام.
والسام الموت)، والموت علينا وعليهم حق، لكنهم يسبوننا.
(أتى رجل من اليهود فقال: السام عليك يا محمد! فقال: وعليك، فقالت عائشة: وعليك السام واللعنة والغضب يا عدو الله! قال: يا عائشة! ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه.
قالت: يا رسول الله! أما سمعت ما قال؟ قال: أما سمعت ما رددت به عليه؟).
قالت: وعليك السام واللعنة والغضب يا عدو الله! هذا هو الرد اللائق، ولو كان بإمكانها أن تضربه بنعلها لفعلت، لكن هذا لا يليق بقدر عائشة ﵂.
وكان بعض اليهود يأتي إلى النبي ﵊ ويقول له: (السلام عليك يا محمد! ورحمة الله وبركاته) فيرد عليه النبي ﷺ السلام ولا يذكر ورحمة الله وبركاته.
يقول ابن القيم في ذلك: إذا سلم أهل الكتاب على المسلمين فبان في سلامه سلام، يعني: لا يوجد عندي شك أن هذا الرجل عند أن دخل علي قال لي: السلام عليكم -بالألف واللام- ورحمة الله وبركاته؛ يقال له: وعليك السلام، أي: وعليك مني السلام، أما رحمة الله وبركاته فأنت أبعد الناس عن رحمة الله وبركاته.
فـ ابن القيم يقول: النبي ﵊ لما نهى عن إلقاء السلام عليهم هل قصد بالنهي الألفاظ الواردة في التحية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أم قصد مطلق التحية؟ ذكر الخلاف بين العلماء في هذا، ثم رجح ابن القيم عليه رحمة الله أن المنهي عنه هو السلام، وأن مطلق التحية جائزة، وهذا كلام جيد.
[ ٤٩ / ١٨ ]