لقد حذر النبي ﷺ من الإصغاء إلى أهل البدع والأهواء؛ لأنهم يجادلون بمتشابه القرآن، ابتغاء الفتنة وابتغاء تحريفه، في حين أنهم يتركون المحكمات، وهذا مما يمحو نور آيات الله من قلب العبد، وقد نهى النبي ﷺ عن الاختلاف في قراءة القرآن الكريم، وذلك لأن اللهجات العربية متعددة، وقد أنزله الله على سبعة أحرف رحمة بهذه الأمة، وكفى الله المؤمنين مئونة هذا الاختلاف بجمع عثمان ﵁ له في مصحف واحد، وبقي اختلاف أهل الأهواء، فيرد عليهم العلماء.
[ ٢٢ / ١ ]
باب تحذير النبي ﷺ لأمته من قوم يتجادلون بمتشابه القرآن وما يجب على الناس من الحذر منهم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله ﷿، وخير الهدي هدي النبي ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فمع باب جديد وهو: [باب تحذير النبي ﷺ لأمته من قوم يتجادلون بمتشابه القرآن، وما يجب على الناس من الحذر منهم].
[قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ [آل عمران:٧] إلى آخر الآية].
من القراء من وقف على قول الله ﷿: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، ومنهم من وقف على لفظ الجلالة، وهم جمهور القراء.
فهكذا التقدير: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، ومنهم من وقف على قوله: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» ثم استأنف: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
وكلتا القراءتين لها وجه، ولكن الذي عليه جماهير القراء -بل جماهير علماء الأمة- أن الوقف الأفضل هو الوقف على لفظ الجلالة، ثم استئناف علم الراسخين في العلم، وإلمام الراسخين في العلم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧].
فهنا إثبات أن في كلام الله ﷿ محكمًا، وفي كلام الله ﷿ متشابهًا، فأما المحكم فلا إشكال فيه؛ لأنه محكم لا يستطيع أحد من أهل البدع أن ينازع فيه.
وأما المتشابه وما ظاهره تعارض فإنه لا تعارض في كلام الله ﷿: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فلما لم يكن فيه اختلاف البتة دل على أنه من عند الله ﷿.
فأما أهل البدع فإنهم يتجادلون بالمتشابه من كلام الله ﷿، وكذا بما ظاهره التعارض من كلام النبي ﵊.
أما الراسخون في العلم من أهل الإيمان والسنة، فإنهم يعملون بالمحكم بغير نزاع بينهم، ويؤمنون بالمتشابه ويمرونه كما جاء، ولا يردون على الله ﷿ شيئًا من كلامه، ولا على رسول الله ﷺ شيئًا من كلامه كذلك.
وسنعرف ما هو المحكم في كلام الله، وما هو المتشابه بإذن الله تعالى.
[ ٢٢ / ٢ ]
بيان معنى قوله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)
[قالت عائشة ﵂: قال النبي ﵊ في قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] إلى قوله الله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]؛ قال: (فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله ﷿ فاحذروهم).
يعني: إذا رأيت واحدًا يتجادل ويتماحل ويتخاصم بمتشابه القرآن، فاعلم أنه زنديق أو منافق أو ملحد، فاحذره وفر منه فرارك من الأسد.
وفي نفس الآية يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] أي: شك وضلال وحيرة وتيه ومرض ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] فهم دائمًا لا يقصدون إلا المتشابه، ولا يسألون إلا عن المتشابه سؤال متعنت لا سؤال متعلم.
قال: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ» لماذا؟ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] أي: تحريفه، يعني: يطلبون الفتنة.
ولقد رأيت أحد هؤلاء الذين في قلوبهم زيغ يتتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالشفاعة، ثم أخذ يتتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بعدة المرأة الحامل، وعدة المرأة المتوفى عنها، وبقية العدة في حق المرأة.
وقال: هذا تضارب في قول الله ﷿؛ مما يستبين معه للناقد البصير أن هذا الكلام ليس هو من عند الله ﷿! هكذا تصور أنه ناقد بصير، فهو والله فقد بصيرته وبصره؛ لأن الكلام كلام الله ﷿.
[قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧].
فقال النبي ﵊ حينئذ: (هم أهل الجدل في القرآن، وهم الذين عناهم الله ﷿ فاحذريهم يا عائشة!)].
[وقال النبي ﵊: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه -أي: من القرآن- فأولئك ذكر الله ﷿ فاحذروهم)].
[وعن عائشة ﵂ مرفوعًا في نفس الآية: قال النبي ﵊: (الراسخون في العلم الذين آمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه)]، حتى تعلم علامات أهل الصلاح أنهم إذا جاءتهم آية محكمة عملوا بمقتضاها ومفهومها وظاهرها، وإذا أتتهم آية متشابهة فوضوا وسلموا أمرها إلى الله، مع الإيمان الجازم بأنها كلام الله ﷿، والله تعالى لا يتكلم عبثًا.
[وقال النبي ﵊: (إذا رأيتم الذي يجادلون فيه -أي: في القرآن- فهم الذي عنى الله ﷿ فاحذروهم).
قال أيوب بن أبي تميمة السختياني: ولا أعلم أحدًا من أهل الأهواء يجادل إلا بالمتشابه].
[وعن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧].
قال: المحكمات: ناسخه وحلاله وحرامه وحدود وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به].
فإذا كان الناسخ من المحكم فالمنسوخ من المتشابه، والناسخ محكم لأن الناسخ هو النص اللاحق للعمل به، كما قال ﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزورها فإنها تذكر بالآخرة).
فقول جرير أو جابر ﵄: (أن آخر الأمرين من النبي ﷺ أنه لم يكن يتوضأ مما مسته النار) يدل على أنه كان يتوضأ أولًا من كل طعام أعد في النار، ثم نسخ هذا بأنه ﵊ كان يأكل مما مسته النار وطهي عليها ولم يتوضأ.
وقد أعد العلماء كتبًا للناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، والناسخ والمنسوخ لحديث النبي ﵊.
فالناسخ من المحكمات والمنسوخ من المتشابهات، كما أن من المحكمات أيضًا الحلال والحرام والحدود والكفارات، وما يؤمن به المرء إيمانًا جازمًا، وكذلك من المحكمات الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وما أمر بأن يعمل به.
[فأما الذين في قلوبهم زيغ من أهل الشك فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم]، أي: يخلطون بين هذا وذاك، [ويلبسون] أي: على العامة، [كلام الله ﷿، فيلبس الله تعالى عليهم، فأما المؤمنون فيقولون: آمنا به]، مهما لبستم يا أهل البدع! فلن يعدو الإيمان الجازم بأن هذا الكلام من عند الله ﷿ منه الناسخ ومنه المنسوخ.
[فيقولون: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، محكمه ومتشابهه]، أي: يقولون: المحكم من عند الله والمتشابه من عند الله.
[وعن الحسن في قول الل
[ ٢٢ / ٣ ]
بيان أن صفات الله من المحكمات
كثير من الناس يعتقد أن صفات الله ﷿ من المتشابهات؛ اغترارًا بقول كثير من السلف: نؤمن بها ونمرها كما جاءت دون خوض فيها بتأويل أو تحريف أو تمثيل أو تكييف، فقالوا: هذا القول يشعر أن الصفات من المتشابهات، فمثلًا: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، ذهب أهل التمثيل والتشبيه إلى أن لله يدًا كيد المخلوقات؛ لأن الله تعالى ما خاطب العباد إلا بما يدخل في أفهامهم وتدركه عقولهم، فلما قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] دل على أن له يدًا، وهذه اليد مثلوها بيد الإنسان.
قلنا: هذا الكلام لا يستقيم لا من جهة النقل ولا من جهة العقل، والدليل على ذلك أن نقول: لم جعلنا يد الله تعالى كيد الإنسان خاصة؟ لم لا تكون كيد الحيوان أو الطير أو الحشرات؟ ولو سلمنا أنها كيد إنسان فهل يد كل إنسان كيد أخيه الإنسان؟
الجواب
لا، بل أحيانًا تجد في يد الإنسان الواحد قصورًا في يد وطولًا في الأخرى، وضمورًا في يد وسمنة في الأخرى وغير ذلك، فإذا كانت اليد في الشخص الواحد أحيانًا تختلف، فكيف نقول بأن يد الله تعالى كالإنسان؟ فأي إنسان هذا الذي تشبه يده يد الله ﷿؟! لابد أن نتوقف في الجواب.
الأمر الثاني: أننا لا نستطيع تكييف الذات العلية لله ﷿، ونعجز عن وصفها؛ لأنها لم تر لنا، وليس لها مثيل نقيس عليه، ولو أني قلت: هل رأى أحد منكم إبراهيم؟ تقولون: لا، أقول: إن إبراهيم يشبه محمدًا في العين أو الفم أو الأنف أو الوجه أو اليد أو الساق أو غير ذلك، فإذا قلت: إن إبراهيم شبيه محمد فقد فهم المخاطب أوصاف محمد وأوصاف إبراهيم، ومحمد معلوم لدينا، لكن الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فلما لم يكن له مثيل من خلقه ولا شبيه من خلقه ولا كفؤ من خلقه، فلا يمكن معرفة الله تعالى عن طريق القياس، ولا رأينا الله تعالى في الواقع، وإنما يراه المؤمنون في الآخرة، كما أنه كذلك لا يمكن قياس الذات العلية على ذوات المخلوقين فإذا عجزنا عن كيفية الذات، لابد كذلك أن نعجز عن كيفية الصفات؛ لأن الصفات لازمة للذات.
والفريق الآخر المقابل للممثلة والمشبهة والمكيفة هم النفاة الذين قالوا في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]: لا يصح أن يكون لله يد، وفي مقدمتهم الجهمية، قالوا: لأن إثبات اليد لله تعالى تستلزم المشابهة، والله تعالى منزه عن ذلك، فلابد من تحريف الكلم عن مواضعه، ولابد من تأويل اليد هنا، فأولوها بالقوة، فلما أرادوا تنزيه الله ﷿ وقعوا في شر مما هربوا منه، وهو التعطيل.
لكن أهل السنة والجماعة اعتبروا أن الصفات من المحكمات؛ لأننا نثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله، وننفي عن الله ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﵊، على المعنى اللائق بالله ﷿.
فالله تعالى أخبر أن له يدًا وأخبر أن له قوة، فلا يستقيم قط أن أقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أي: قوة الله فوق قوتهم؛ لأنني لو قلت ذلك وأولت وحرفت النص عن ظاهره، للزمني تعطيل صفة اليد، بل أنا أثبت اليد على المعنى اللائق بالله ﷿، وأثبت القوة كذلك على المعنى اللائق بالله ﷿؛ لأنها من صفات أفعاله، والله تعالى واحد في أفعاله، كما أنه واحد في ذاته، وواحد في أسمائه، واحد في صفاته، فإذا أثبتُّ أن له قوة أثبت القوة التي لا علاقة لها باليد التي هي من صفات الذات لله ﷿، أما القوة فمن صفات الفعل لله ﷿، وقوة الله تعالى لا تدانيها قوة ولا تضاهيها قوة، فأثبت اليد على المعنى اللائق بالله، وأثبت القوة على المعنى اللائق بالله ﷿، ولم يخض أهل السنة والجماعة في معرفة كنه الصفة أو تكييف الصفة، وفوضوا كيفيتها إلى الله ﷿؛ لأنه هو الذي يعلم ذاته ويعلم صفاته على الحقيقة.
أما البشر فالواجب عليهم أن يؤمنوا بأن الله تعالى سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بأوصاف، وكذلك فعل رسوله ﵊، فيجب عليهم أن يؤمنوا بها ويمروها كما جاءت، يفوضون كيفيتها إلى الله ﷿، أما علمها وحقيقتها فإننا نؤمن إيمانًا جازمًا أن الله تعالى له أسماء وله صفات.
فتبين بعد هذا العرض السريع أن صفات الله ﷿ من المحكمات وليست من المتشابهات، وهذه جزئية لو لم نخرج هذه الليلة إلا بها لكفى؛ لأن كثيرًا من طلاب العلم -بل أهل العلم الذين يصنفون كتبهم- يزعمون أن الصفات من الآيات المشتبهات، وليس الأمر كذلك.
أما قول من قال: إن الصفات من المحكمات، فهو قول المحققين والمدققين من أهل العلم من المحدثين وغيرهم.
[ ٢٢ / ٤ ]
تأديب عمر لصبيغ بن عسل الذي كان يسأل عن متشابه القرآن
قال: [قال سليمان بن يسار: إن رجلًا من بني سعيد يقال له: صبيغ بن عسل قدم المدينة وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر ﵁، فبعث له وقد أعد له عراجين النخل -جريد النخل- فلما دخل عليه جلس فقال له: من أنت؟ قال: أنا صبيغ، فقال عمر: وأنا عمر عبد الله، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين حتى شجه -أي: قطع لحم رأسه- فجعل الدم يسيل على وجهه فقال: حسبك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي].
وهكذا كثير من الملاحدة، لكن لما لم يكن لدين الله ﷿ حماة في هذا الزمان، لا من الحكام ولا من المحكومين، لجأ أهل العلم الغيورون على دين الله ﷿ إلى الجدال ورد الشبهة، حتى إني لأعتقد أن كثيرًا من المحاضرات والدروس وخطب الجمعة إنما هي رد فعل لكلام الملاحدة، على أية حال هو ضرب من ضروب العلم: لأن العلم أن أعلمك الشيء ابتداءً دون أن تسأل عنه حتى تعلمه، والوجه الثاني: أن تسأل عن شبهة طرأت عليك فأعلمك إياها وأردها عنك وأقيمك على الجادة، لكنه أمر مخجل جدًا أن ينشغل أهل العلم الآن بالرد على هؤلاء الملاحدة، مما يدل على أن كل واحد من هؤلاء رفع عقيرته؛ لأن الراية الخضراء أمامه: افعل ما تشاء فهذا هو وقت استباحة المحرمات، ووقت الطعن في الثوابت التي تعلمها أطفال المسلمين قبل كبارهم! فنجد من ينازع في أصول الحج، وفي أصول الصلاة، وفي أصول الصيام، وفي أصول الزكاة، وهذه ثوابت لا يجوز زعزعتها من قلوب المسلمين رجالًا ونساءً، صغارًا أو كبارًا، فنجد الآن من ينازع ويزعزع هذه الثوابت، حتى يأتي الرجل فيسأل عن شيء لا تملك أمامه إلا أن تضرب رأسك بالأرض أو بالحائط، كيف يسأل عن هذا؟! فيقول: الزنا قضية شخصية فلماذا حرمها الله ﷿؟ فماذا تقول لهذا؟ هذا لا يصلح معه إلا عراجين النخل، لكن من يملك هذه العراجين الآن؟ لا أحد، فكأن حماة الدين في هذا الزمان يتامى لا أب لهم ولا أم، فقدوا كل سلطان على هؤلاء الملاحدة، بل لو غضبوا لله ﷿ وتمعرت وجوههم ولو مرة؛ لنسبوا إلى الجهاد والتطرف والتزمت وغير ذلك.
وعلى أية حال هذه خطط ظنوها محكمة، لكنها بإذن الله تعالى أوهن من بيت العنكبوت، والله تعالى هو الذي يحمي دينه، وأنا أذكر بهذه المناسبة مقولة عبد المطلب في مواجهه أبرهة الأشرم حينما أتى ليهدم الكعبة، فأخذ الإبل والمتاع، فخرج إليه عبد المطلب وقال: أما الإبل فهي لي وأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه، نعم.
فنقول: إن دين الله ﷿ هو دينه الذي ارتضاه وأنزله من السماء، وهذا الدين لا يزال ظاهرًا، وطائفة قائمة يظهرونه إلى قيام الساعة، لا يضرها من خالفها من هؤلاء الملاحدة، حتى يأتي أمر الله تعالى وهم ظاهرون، وهم على ذلك.
[ ٢٢ / ٥ ]
إيجاد السبل في تعلم منهج السلف في الرد على الملاحدة
قال: [وقال عمر بن الخطاب ﵁: سيأتي أقوام يجادلونكم بشبه القرآن، فجادلوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ﷿].
أناس سيأتونكم يقولون: الله تعالى يقول مرة: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل:٩]، ومرة يقول: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، ومرة يقول: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠].
فيقول: هل هناك مشارق ومغارب؟ هو مشرق واحد ومغرب واحد، إذًا: فما معنى مشارق ومغارب؟ وإذا كانت المشارق والمغارب متعددة، فكيف يكون المشرق اثنين والمغرب اثنين؟ ولو أن ملحدًا سألك هذا السؤال فماذا تصنع؟ فلابد أن تجيب بكلام أهل العلم، فتكون قد قرأت في الكتاب الفلاني من كلام أهل العلم كيت وكيت وكيت، وهذا هو طالب العلم؛ ولخطورة هذا الباب الذي نحن بصدده أفضل أن ندرس كتيبًا صغيرًا، مقداره (٤٠) صفحة من القطع الصغير، لكنه من أمتع ما يمكن أن تقرأ في المتشابهات وكيفية الرد على الملاحدة، وهو كتاب الرد على الجهمية، وصاحب هذا الكتاب هو الإمام أحمد بن حنبل، وهو كتاب رائع، تقرأ فيه وأنت تبكي، من فرحتك برحمة الله بهذه الأمة أن جعل فيها هذا الإمام؛ لأن هذا الكلام كلام إنسان قد فتح الله ﷿ عليه يقينه.
هذا نور إلهي بثه الله تعالى في قلب هذا العبد، ولذلك إن شاء الله تعالى في الدرس القادم سنتناول هذه الرسالة حتى نعلم حلاوة العلم، والتلذذ في طلبه، ونعرف كيف نرد على الملاحدة، وكيف يفكر الملاحدة؟ وما هي مادتهم؟ مادتهم المتشابهات، هي عندهم متشابهات لكنها عند أهل السنة من المحكمات، وسأبين هذا بإذن الله تعالى في الدرس القادم.
[ ٢٢ / ٦ ]
باب النهي عن المراء في القرآن
الباب الثاني: [باب النهي عن المراء في القرآن]، أي: في باب الخصومة والمماحلة.
[عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مراء في القرآن كفر)].
[وعن عبد الله بن عمرو قال النبي ﵊: (دعوا المراء في القرآن.
فإن الأمم لم يلعنوا حتى اختلفوا في القرآن]، أي: في الكتاب الذي أنزل على نبيهم، [وإن مراء في القرآن كفر)].
[وعنه قال: (سمع النبي ﷺ قومًا يتدارءون في القرآن]، أي: يتجادلون في كتاب الله، [فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه)]، أي: وما جهلتم منه فلا تسارعوا وتقولوا: هذا من المتشابه، بل قولوا: نحن لا نعلمه، فالذي تعلمه يقينًا وحقًا وصدقًا فقل به وأخبر به وعلم الناس، واعمل به أنت أولًا، والذي لم تبلغه العقول فينبغي أن تقول فيه: لا أعلمه، أو قل: الله أعلم.
[وعن أبي عمران الجوني قال: (كتب إلي عبد الله بن رباح: إن عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى رسول الله ﷺ]، أي: ذهب إليه في الهاجرة، [فقعدنا بالباب، فسمع رجلين اختلفا في آية من كتاب الله ﷿، فارتفعت أصواتهما، فخرج ﷺ من بيته مغضبًا يُعرف الغضب في وجهه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بالكتاب)] يعني: فعلتم مثلما فعل الأولون، كانوا يضربون كلام الله بعضه ببعض، ويضربون آيات الله بعضها ببعض، فكان ذلك سببًا في هلاكهم، فلا تفعلوا فعلهم.
[وعن أبي أمامة قال: (بينما نحن نتذاكر عند رسول الله ﷺ القرآن ينزع هذا بآية وينزع هذا بآية)]، في المجلس مذاكرة، كل واحد يتبنى في مسألة ما رأيًا معينًا، فيأتي ليثبت صحة قوله بآية من كتاب ﷿، والثاني يريد أن يثبت كذلك أن رأيه أصوب وأصح وأتم من رأي صاحبه، فيأتي بآية من كتاب الله ﷿، فكأن هذا يضرب بآيته الآية الأولى، وذاك يضرب بآيته الآية الثانية، فهذا سبب لتضارب الآيات بعضها ببعض، وهذا جرى على يد الملاحدة والجهال، فمن كان جاهلًا فليكل العلم إلى الله ﷿، ومن كان جاحدًا أو منافقًا أو مبغضًا لكلام الله ﷿ يريد أن يحرف الكلم عن مواضعه؛ فليعلم أن لله تعالى جنودًا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، تدافع عن كلامه، وتدافع عن سنة النبي ﵊.
قال: [(ينزع هذا بآية وهذا بآية، فخرج علينا رسول الله ﷺ كأنما صب على وجهه الخل فقال: يا هؤلاء! لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإنه يوقع الشك في قلوبكم، فإنه لن تضل أمة إلا أوتوا الجدل)] يعني: أن الجدل علامة الضلال.
[وعن جندب بن عبد الله البجلي قال النبي ﵊: (اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا عنه)].
[وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)، وفي رواية: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)] أي: وإن أصاب.
وهذا من باب القول على الله تعالى بغير علم، ومن باب تأويل كلام الله ﷿ بغير علم حتى وإن أصاب الحق؛ وذلك لأنه يحكم على كل إنسان أن يتكلم وأن يتأول وأن يفسر كلام الله ﷿ بغير علم، فمن تكلم بالقرآن برأيه واجتهاده، وليس من أهل الاجتهاد، ولا من أهل النظر والدراسة والبحث؛ فإن هذا معتد متجرئ على كلام الله ﷿، حتى وإن أصاب.
وإن ظن أن هذا ظاهر لكل أحد، وفسره بغير رجوعه لكلام أهل العلم، أو لسنة النبي ﵊؛ فإن هذا مخطئ وإن أصاب المراد من الآية، أو من الحديث النبوي؛ وذلك لأنه لا يجوز له أن يتكلم في دين الله ﷿ إلا ببينة قوية، وعلم أكيد متين.
ألا ترون أن أحدًا لا يجرؤ أن يصنع رسمًا هندسيًا لبناء عمارة، مع أن هذا أمر دنيوي لا يأثم فاعله، لكن تعارف الناس أن الذي يقوم بهذا العمل متخصص اسمه المهندس، كما لا يجرؤ أحد من عامة الناس وإن بلغ أعلى المراتب في الشهادات العلمية في الهندسة أو الكيمياء أو غير ذلك أن يدخل لإجراء عملية جراحية ليجري جراحة لإنسان، بل تراه يقول: ليس هذا عملي ولا تخصصي.
فإذا كان الناس يحترمون هذه التخصصات في حياتهم العامة وحياتهم الدنيوية، فما بال الجميع الآن يعتقد أنه قد بلغ مرحلة الاجتهاد، فتجد الغبي والأحمق والعالم والجاهل، والمتخصص وغير المتخصص، لا يبرح مجلسه إلا وقد أجاب في مسائل هو غير متخصص فيها؛ هل الأدب قد غاب عن كثير من الناس، أو عن عامة المسلمين؟ فلا يتكلم أح
[ ٢٢ / ٧ ]
الأوجه التي ينصرف عليها المراء في القرآن
[قال ابن بطة: المراء في القرآن المكروه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ، ويتخوف على صاحبه الكفر، والمروق عن الدين ينصرف على وجهين].
[ ٢٢ / ٨ ]
الوجه الأول قراءة القرآن على لهجات عربية متعددة، وكفى الله المؤمنين مئونته
[الأول: قد كان وزال وكفى الله المؤمنين مئونته، وذلك بفضل الله ورحمته، تم بجمع عثمان بن عفان ﵁ الناس كلهم على إمام واحد باللغات المشهورة المعروفة؛ وذلك أن النبي ﷺ قد كان سأل الله ﷿ في القرآن فقال له: أقرئ أمتك على سبعة أحرف وكلها سيان -يعني: على سبع لغات العرب- كلها صحيحة فصيحة، إن اختلف لفظها اتفقت معانيها، فكان يقرئ كل رجل من أصحابه بحرف يوافق لغته، وبلسان قومه الذي يعرفونه، فكان إذا التقى الرجلان فسمع أحدهما يقرأ بحرف لا يعرفه وقد قرأ هو ذلك الحرف بغير تلك اللغة أنكر على الآخر، وربما قال له: حرفي خير من حرفك، ولغتي أفصح من لغتك، وقراءتي خير من قراءتك؛ فنهوا عن ذلك، وأقر الله ﷿ جميع هذه القراءات وقيل لهم: ليقرأ كل واحد منكم كما علم، ولا تماروا في القرآن فيقول بعضكم: حرفي خير من حرفك، وقراءتي أصوب من قراءتك، فإن كلاّ صواب، وكلام الله حق فلا تنكروه، ولا يرد بعضكم على بعض، فيكذب بالحق ويرد الصواب الذي جاء عن الله ﷿، فإن رد كتاب الله والتكذيب بحرف منه كفر، فهذا أحد الوجهين من المراء الذي هو كفر قد ارتفع ذلك والحمد الله، وجمع الله الكريم المسلمين على الإمام الذي جمع المسلمون من الصحابة والتابعين على صحته وفصاحة لغاته، وهو المصحف الذي جمع عثمان بن عفان ﵁ المسلمين عليه، وترك ما خالفه، وذلك باتفاق من المهاجرين والأنصار وأهل بدر والحديبية الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وسأذكر الحجة فيما قلت، والله الموفق].
يذكر الحجة من حديث أبي بن كعب وهو في صحيح مسلم.
[قال أبي: (كنت في المسجد، فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل رجل آخر فقرأ خلاف قراءة صاحبه، فقمنا جميعًا فدخلنا على رسول الله ﷺ.
قال: قلت: يا رسول الله! إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ خلاف قراءة صاحبه، فقال لهما رسول الله ﷺ: اقرءا لي.
فقرءا.
فقال النبي ﵊: أصبتما)]، مع أن كل واحد منهما قرأ قراءة تختلف عن قراءة الآخر، ومع هذا فقد صوبهما النبي ﵊، [(فلما قال لهما النبي ﷺ، قال: كبر علي ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى النبي ﷺ الذي غشيني ضرب في صدري ففضضت عرقًا كأني أنظر إلى الله ﷿ فرقًا، ثم قال: يا أبي! إن ربي أرسل إلي فقال: أن اقرأ على حرف، قال: فوددت أن أهون على أمتي، فأرسل إلي: أن اقرأ على حرفين، فوددت أن أهون على أمتي فأرسل إلي: أن أقرأ على سبعة أحرف، ولكل ردة مسألة يسألنيها.
قال: قلت: اللهم اغفر لأمتي ثلاثًا، وأخرت الثالثة ليوم يحتاج فيه الخلق وحتى إبراهيم ﵇)].
هذا الحديث يبين أن النبي ﵊ شفع عند ربه رحمة بأمته في اختلافهم في القراءة، فأذن الله تعالى له أن يقرأ على حرفين، ثم يقرأ على ثلاثة حتى قال: فاقرأ على سبعة، وهذه هي القراءات المتواترة، وما دونها شاذ لا اعتبار به.
[وقال أبو جهيم: (إن رجلين اختلفا في آية من القرآن فقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله ﷺ، فسألا النبي ﷺ عنها؛ فقال: إن القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً فيه كفر)].
[وعن ابن مسعود ﵁ قال: (أقرأني رسول الله ﷺ سورة، فدخلت المسجد فقلت: أفيكم من يقرأ؟ فقال رجل من القوم: أنا، فقرأ السورة التي أقرأنيها رسول الله ﷺ، فإذا هو يقرأ بخلاف ما أقرأني رسول الله ﷺ، فانطلقنا إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله! اختلفنا في قراءتنا فتغير وجهه ﷺ، فقال علي بن أبي طالب ﵁: إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف، فليقرأ كل امرئ منكم ما أقرئ)] أي: فليقرأ كل امرئ منكم ما أقرأه النبي ﷺ.
[وفي رواية أخرى عن ابن مسعود قال: (قلت لرجل: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية، فأقرأني خلاف ما أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقلت لآخر: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية، فأقرأني خلاف ما أقرأني الأول، فأتيت بهما رسول ﷺ فغضب، وكان علي ﵁ جالسًا، فقال لهم: اقرءوا كما علمتم).
قال الشيخ ابن بطة: فهذا بيان المراء في القرآن الذي يخاف على صاحبه الكفر، وقد كفي المسلمون بحمد الله المراء في هذا الوجه بإجماعهم على المصحف، الذي من خالفه ند وشرد وشذ، فلم يلتفت إليه ولم يعبأ الله ﷿ بشذوذه].
فهذا الوجه الأول: الاختلاف في القراءة، وإنكار كل
[ ٢٢ / ٩ ]
الوجه الثاني مراء أصحاب الأهواء والبدع في القرآن الكريم
الوجه الثاني: [وقد بقي المراء التي يحذره المؤمنون ويتوقاه العاقلون، وهو المراء الذي بين أصحاب الأهواء وأهل المذاهب المنحرفة والبدع الضالة، وهم الذين يخوضون في آيات الله، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، هذا التأويل لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم]، لكن أهل البدع والأهواء والمذاهب الضالة [يتأولونه بأهوائهم ويفسرونه بأهوائهم، ويحملونه على ما تحمله عقولهم، فيَضِلون بذلك ويُضِلُّون من اتبعهم عليه].
[قال الحسن: من فسر آية من القرآن برأيه فأصاب لم يؤجر، وإن أخطأ محي نور تلك الآية من قلبه].
انظر إلى هذا التهديد والوعيد! من فسر آية من القرآن برأيه فأصاب -أي: أصاب الحق- ليس له في ذلك أجر، وإن أخطأ فنور هذه الآية يمحى من قلبه، لماذا هذا كله؟ لأنه قال على الله تعالى بغير علم، وهذا حرام: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
[وعن ابن الحنفية محمد بن علي قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله].
[وعن مجاهد قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام:٦٨] أي: يكذبون بآياتنا].
[وقال ابن سيرين: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:٦٨].
قال الشيخ: المراء في القرآن والخصومة فيه، والتعاطي لتأويله بالآراء والأهواء لإقامة دولة البدع وابتغاء الفتنة بغير علم كفر وضلال.
نسأل الله العصمة من سيئ المقال].
[وقال عبد الله بن الزبير: لقيني ناس من أهل العراق].
ودائمًا أهل العراق أهل فتن، وأيضًا أهل مصر.
قال: [لقيني ناس من أهل العراق فخاصموني في القرآن، فوالله ما استطعت بعض الرد عليهم، وهبت المراجعة]، أي: خفت أن يراجعوني في القرآن، [فشكوت ذلك إلى أبي الزبير]، يعني: شكا ذلك إلى والده، [فقال الزبير: إن القرآن قد قرأه كل قوم فتأولوه على أهوائهم، وأخطئوا مواضعه].
فالخوارج يقرءون الآية ويفسرونها على أهوائهم، والشيعة يقرءون نفس الآية ويفسرونها على أهوائهم وعلى النحو الذي يؤيد بدعتهم.
وقد ورط أهل العراق مرة ابن الجوزي في درس، وابن الجوزي كان واعظًا، وشأن الوعاظ في كل زمان ومكان أنهم لا يحبون أن يميلوا ميلة واحدة ولو عن أصحاب الباطل؛ حتى يكسبوا جمهورًا عظيمًا.
فـ ابن الجوزي عليه رحمة الله ما كان يحب أن يتعرض لمثل هذه القضايا، فسئل ذات مرة: أيهما أفضل: عمر أم علي؟ فتصرف بذكاء وقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته.
وسكت، فالشيعة قالوا: إنه يقصد عليًا؛ وذلك لأن ابنة النبي ﷺ تحت علي، والآخرون قالوا: إنما يقصد عمر؛ وذلك لأن حفصة ابنة عمر كانت تحت النبي ﵊، وهكذا أهل البدع يتأولون الكلام على ما يؤيد بدعتهم، وإذا كان الكلام محمولًا على الوجه الآخر فإنهم لا يحملونه إلا على وجه واحد، وهو ما يؤيد بدعتهم.
[قال الزبير: إن القرآن قد قرأه كل قوم فتأولوه على أهوائهم وأخطئوا مواضعه، فإن رجعوا إليك فخاصمهم بسنن أبي بكر وعمر، فإنهم لا يجحدون أنهما أعلم بالقرآن منهم.
قال عبد الله بن الزبير: فلما رجعوا فخاصمتهم بسنن أبي بكر وعمر، فوالله ما قاموا معي ولا قعدوا]؛ وذلك لقول عمر بن الخطاب ﵁: إن أهل البدع يجادلونكم بمتشابه القرآن فخذوهم بالسنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا؛ لماذا؟ لأنهم قالوا بالرأي.
ولذلك [قال ابن عباس: إياكم والرأي فإن الله ﷿ رد الرأي على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
[ ٢٢ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٢٢ / ١١ ]
الحث على قراءة بعض التفاسير الميسرة لكتاب الله ﷿
السؤال
نريد أن نفرد درسًا في معاني أسماء الله تعالى، هذا لأنه قد كفر قوم بالله، وهم من أهل الضلال والبدع؟
الجواب
أكثر من واحد يتكلم في صفات الله ﷿ وفي أسمائه، فقلنا: يجوز أن يجلس مجموعة من الإخوة ثم يقرءون سورة من القرآن، وكل واحد يقول ما خطر بباله من تفسير لآياتها، وما الذي يعجزهم لو أنهم أتوا بتفسير ابن كثير، وإذا قرءوا سورة أو ربعًا من سورة يتعلمون تأويل هذه السورة أو هذا الربع من كلام أهل العلم.
وإن أيسر تفسير وأوثق تفسير هو تيسير الكريم الرحمن للشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وهو في أربعة مجلدات بالخط الكبير، أو مجلد واحد مطبوع حديثًا يضم التفسير كله، وكذلك المصحف المفسر للشيخ حسنين مخلوف، لكن تفسير الشيخ السعدي أوثق وأيسر، وهو أيضًا يتكلم في العقيدة ويرد على أهل البدع، فيمكن أن يكون وردًا لأهل العلم، فهو كان عالمًا سلفيًا، يغفر الله للجميع، فلا بأس أن تجعل لك وردًا في كل يوم وليلة من كتاب الله ﷿، وإذا كنت تؤم الناس في مسجد فالإمامة فرصة في أن تشتري هذا الكتاب بثمن زهيد من معرض الكتاب، وتقرأ بعض الآيات في صلاة الفجر مثلًا، ولا بأس أن تقرأ تفسيرها بعد الصلاة من هذا التفسير، فهو تفسير ميسر، واسمه: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
[ ٢٢ / ١٢ ]
رد علي ﵁ على الرجلين اللذين اختلفا في القرآن بين يدي رسول الله ﷺ
السؤال
هل رد علي ﵁ على الرجلين اللذين جاءا وقد اختلفا يعد تقديمًا بين يدي الله ورسوله؟
الجواب
ألا تعلم أن معنى التقديم في قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] أي: لا تخالفوا كلام الله وكلام رسوله، فالتقديم بين يدي الله ورسوله هو المخالفة لقول الله وقول رسوله، وعلي بن أبي طالب رضي عنه لما اختلف هذان الاثنان بين يدي النبي ﵊ قام وقال: ليقرأ كل واحد منكما كما علم.
وهذا صح مرفوعًا عنه ﵊، فليس هذا تقديمًا من علي ﵁ بين يدي نبينا ﵊.
[ ٢٢ / ١٣ ]
لفظ (﵇) مصطلح مخصوص بالأنبياء، وقد يكون لفظًا عامًا
السؤال
ذكر الإمام ابن بطة لفظ: (﵇) بعد ذكر علي بن أبي طالب.
نرجو تبيين ذلك؟
الجواب
إن لفظ (﵇) في الحقيقة هو له ولغيره من أصحاب النبي ﵊ والصالحين من التابعين وغيرهم عليهم منا الرحمة والسلام.
ولكن قلنا: إن هذا مصطلح مخصوص بالأنبياء، وتجوز بعض أهل العلم في إطلاقه على آل البيت أو على الخلفاء الراشدين أو غيرهم، لكن أن يطلق على آل البيت فقط فهذا بلا شك مخالف لجماهير علماء السنة.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٢ / ١٤ ]