ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته، فما من طاعة طائع إلا وهي بقدر الله، وما من معصية عاصٍ إلا وهي بإرادة الله، فالله ﷿ مالك الملك، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، شهد بذلك لنفسه ﷾، وشهد به ملائكته المقربون، وأنبياؤه والمرسلون، وعباده المؤمنون.
[ ٤٦ / ١ ]
مجمل الكلام في مراتب القدر ونشأة القدرية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
كنا توقفنا عند الباب الرابع من المجلد الثالث من كتاب الإبانة لـ ابن بطة عليه رحمة الله، وهذا المجلد والذي يليه هو في مسألة القدر، وكيف أن القدرية خالفوا أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمراتب القدر وأحكامه، وفي الحقيقة كنا وصلنا إلى الباب الرابع: وهو في علم ما أعلمنا الله تعالى أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته، وأن الخلق لا يشاءون إلا ما شاء الله ﷿.
وتكلمنا من قبل أن الله تعالى هو خالق الخير والشر، وهو الذي خلق إبليس، ولا خالق غيره، ولا يكون في الكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر من خير وشر، فالله ﷿ خلق الخير وأمر به وأحبه وارتضاه لعباده، وخلق الشر فتنة لعباده ونهى العباد عنه، ولكنهم خالفوا ذلك ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
أرسل الله ﷿ الأنبياء والرسل وأنزل معهم الكتب، وركب فيك العقل الذي هو مناط التكليف، وبين لك الطريق، ووعدك الجنة على الطاعة، وتوعدك بالنار على المعصية، ففرغت حجتك.
وقلنا: إن مراتب القدر أربعًا، أول مرتبة: مرتبة العلم، أي: أن الله تعالى علم كل شيء كان ويكون وسيكون إلى قيام الساعة، وعلم ما قبل ذلك وما بعد ذلك، وعلم ذلك فكتبه في اللوح المحفوظ، فهو عنده مكتوب في اللوح المحفوظ والرق المنشور، لم يغادر هذا اللوح كبيرة ولا صغيرة.
والمرتبة الثانية: هي مرتبة المشيئة.
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ما شاء الله كان شرعًا أو كونًا، فإذا كان شرعًا فهذا ما أحبه واصطفاه وأمر به، أما ما وقع في الكون مخالفًا للمشيئة الشرعية فقد أراده الله تعالى بمعنى: أنه أذن في وقوعه في الكون؛ لأنه لا يكون في كون الله إلا ما أراد وشاء.
وأثبت الله تعالى لنفسه المشيئة، وأثبت لعبده المشيئة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبين أن للعبد إرادة وله مشيئة، لكنها مندرجة تحت مشيئة الله ﷿، وتحت إرادة الله ﷿، فلا يعمل العبد عملًا، ولا يفعل فعلًا، ولا يقول قولًا، ولا يحرك ساكنًا إلا بإرادته ومشيئته ﷾.
المرتبة الثالثة: كانت فيصلًا بين من يفهم القدر ومن لا يفهمه، بين من يوجه الأسئلة التي لا يجوز له ولا يحل له أن يوجهها، وبين إنسان آمن بكل ما أخفاه الله ﷿ عنه، وعلم أن القدر هو سر الله تعالى في خلقه كما قال علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم.
أما المرتبة الرابعة: وهي مرتبة الخلق، أنه ما من شيء إلا وخالقه الله ﷿، فالله تعالى خلق أفعال العباد: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته) كما أخبر النبي ﵊، وهو الذي يدبر الكون، وهو مالك الكون ﷾.
هذا إجمال لما سبق من تفصيل في بيان مراتب القدر الأربعة، والتي ضل كثير من الناس فيها؛ لأنهم لم يقسموا القدر إلى هذه المراتب، بل نظروا إلى القدر بعين العلل، لابد أن يعلموا العلة من هذا، والعلة من ذاك، وبالتالي وقعوا فيما وقعوا فيه من إنكار وجحد، والقدرية من أوائل الفرق التي ظهرت في الإسلام، وأوائل ظهورها كانت في البصرة، والعراق على سبيل الإجمال هو مهد الفتن في الإسلام، ما من فتنة إلا ولها جذور عراقية أو مصرية.
ولذلك أتى يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين، وقالا: لعلنا نوفق إلى أحد من أصحاب النبي ﷺ، فوفقا إلى عبد الله بن عمر أبي عبد الرحمن ﵄، فاكتنفاه، وسأله أحدهما: إن أناسًا ظهروا قبلنا في البصرة يقولون: لا قدر.
وأن الأمر أنف، أي: أن الله لا يعلم ما سيكون إلا بعد أن يكون، وأن الأمر مستأنف لا يعلمه الله قبل وقوعه حاشى لله.
قال: إنه قد ظهر قبلنا أناس بالبصرة يتقفرون القرآن، وفي رواية: يتقفرون العلم، أي: يطلبون دقائقه ومسائله العويصة، قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر: إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني.
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: وهذا كلام ظاهر ينص على أن عبد الله بن عمر كان يكفرهم، وغير واحد قال: قد عقد الإجماع على أن منكر مرتبة العلم والكتابة كافر مرتد عن ملة الإسلام.
إن الخلاف فيما يتعلق بمرتبة الإرادة والخلق خلاف نكير، ولم يظهر في الأمة من ينكر هذا أو ذاك، حتى رأيت في زمننا هذا بعض الكتاب والصحفيين من ينكر القدر، وينسب الإرادة وا
[ ٤٦ / ٢ ]
باب في ذكر ما أعلمنا الله تعالى أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته، وأن الخلق لا يشاءون إلا ما شاء الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الرابع: في ذكر ما أعلمنا الله تعالى أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته]، فلا يريد العبد إرادة ولا يشاء مشيئة إلا وهي تابعة لمشيئة الله، فإن كانت في الطاعة فإن الله هو الذي أنشأها، وأمر بها، ورضيها لأصحابها، ووفقه لها، وأثابه عليها، وإذا كانت شرًا فإن الله تعالى أرادها كونًا وقدرًا، يعني: أرادها أن تقع في الكون بقدرته ﷾، وأذن للعبد أن يفعلها وأن يتلبس بها؛ لأنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد؛ إما إرادة شرعية أو كونية، وفي محصلة ذلك أن العبد لا يعمل عملًا إلا بإذن الله، فإما أن يأذن الله برضا، وإما أن يأذن بسخط، فإن كانت طاعة يأذن فيها برضا، وإن كانت معصية فهو يأذن في وقوعها من العبد في الحياة الدنيا وهو ساخط عليه، متوعد له بالعذاب في الدنيا والآخرة.
قال: [أن الخلق لا يشاءون إلا ما شاء الله ﷿].
لابد أن نراجع الباب من أوله حتى نثبت أن الخير والشر بيد الله ﷿، وأن السعادة والشقاء بيد الله ﷿، وأن الطاعة والمعصية بيد الله ﷿، وأن الجنة والنار بيد الله ﷿: (خلق الله الجنة وخلق لها أهلًا وقسمًا، وقال: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، وخلق النار، وجعل لها من عباده قبل أن يخلقهم قسمًا) وعلم الله ﷿ ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فخلق لهم النار، وقال: (يا أهل النار! خلود بلا موت)، وهكذا قضى عليهم بالخلود فيها.
[ ٤٦ / ٣ ]
تفسير قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة)
قال: [قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]]، اختلف أهل العلم في هذه الآية، فبعضهم قال: كان الناس أمة واحدة على الإيمان، وأخذوا ذلك من الميثاق الأول، أخذه الله ﷿ على بني آدم من ظهر أبيهم آدم، والنبي ﵊ قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة -أي: فطرة الإسلام- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وفي رواية عند مسلم: (أو يشركانه) يجعلانه مشركًا، فأصل الخلق على الإيمان والتوحيد، ولكن الله ﷿ إذا كان قد خلق الخلق على الإيمان والتوحيد، ولم تظهر فيهم شائبة شرك فلم أرسل النبيين مبشرين ومنذرين؟ لكن الناس خلقوا على أصل الفطرة وهو الإيمان والتوحيد، ثم ادخلهم الشرك بعد ذلك، فأرسل الله ﵎ إليهم النبيين مبشرين ومنذرين.
حتى قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]، إذًا: الهداية لا تقع للعبد إلا بمشيئة الله وإرادته.
[ ٤٦ / ٤ ]
وجوب تعلق العبد بالله الذي بيده الهداية والضلال
قال: [وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]]، إذًا: القتال رغم أنه منهي عنه، وقد جاء فيه الوعيد الشديد إلا أنه ما وقع إلا بإرادة الله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣] ولكن القتال وقع؛ ولذلك قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] أي: أن القتال وقع بإرادة الله، بمعنى: أن الله أذن في وجوده، وأذن في خلق القتال بين البشر مع أنه قد نهى عنه.
قال: [وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]].
إذًا: الضلال يقع بمشيئة الله، والهداية تقع بمشيئة الله، إذًا: الذي يملك الهداية ويملك الضلال هو الله ﷿، فهو الذي يهدي وهو الذي يضل، لكن لا تقل: إذا كان الأمر كذلك ففيم العمل إذًا؟ هل أنت متأكد أنك من أهل الضلال عند الله؟ أو هل أنت متأكد أنك من أهل الهداية؟ إذا كنت تعلم أن الأعمال بالخواتيم، وأنت لا تدري بما يختم لك؛ بالسعادة أو الشقاء، بالجنة أو النار، بعمل صالح أو طالح، أنت لا تعلم عن نفسك شيئًا، فإذا كان الأمر كذلك فلا أقل من أن تكون كالمعصوم ﷺ الذي علم ذلك بفطرته وبوحي السماء، ومع هذا عصمه الله ﷿ من الضلال، وكل هذه المؤهلات وغيرها ما جعلته ينثني عن أن يذل ويخضع لربه، وكان دائمًا يقول: (اللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلبي إلى طاعتك) مع أنه معصوم من الضلال ﵊، ولكنه كان يقول ذلك إكثارًا لحسناته، وإثقالًا لميزانه، وتعليمًا لأمته، أن يعلموا أنهم بين يدي الله ﷿.
تعجبت من قوله إحدى نسائه وقالت: (أتقول هذا وأنت رسول الله؟! قال: أما علمت أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) يجعل من يشاء كافرًا ويجعل من يشاء مؤمنًا، يجعل من يشاء سعيدًا، ويجعل ومن يشاء شقيًا، يجعل من يشاء في النار، ويجعل من يشاء في الجنة، فإذا كانت هذه بيد الله ﷿ وأن المرء لا يدري بما يختم له، فينبغي أن يتعلق المرء بالله ﷿، وأن يعلق قلبه بالله تعالى؛ لأنه هو الذي يوفقه للطاعة، وهو الذي يضله عن سواء الصراط، ويهديه إلى سواء الجحيم؛ فلما كان ذلك كله بيد الله فينبغي للعبد أن يتعلق بربه الذي يملك الهداية والضلال.
[ ٤٦ / ٥ ]
الشرك والإيمان لا يقعان إلا بإرادة الله ﷿
قال: [وقال الله ﷿: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٦ - ١٠٧]، إذًا: الشرك يقع بإرادة الله أم لا، وبمشيئة الله أم لا؟ لكن الشرك وقع في العباد بمشيئة الله الكونية، بمعنى: أن الله أراد أن يقع الشرك في الكون، وأذن في وقوعه وخلقه، ولكنه لا يرضاه، بل نهى عنه ولم يأذن فيه شرعًا، ولذلك ما أرسل الله ﵎ من نبي ولا رسول إلا أمره أن يأمر أمته ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:١٠٧].
قال: [وقال ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١]]، إذًا: فإيمان العبد لا يقع بشطارة العبد، وإنما يقع بمشيئة الله.
قال: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١].
[ ٤٦ / ٦ ]
اعتقاد أن الله هو الذي خلق العباد على الطاعة والمعصية وأن هدايتهم بيده وحده
قال: [وقال ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، اللام في قوله: (وَلِذَلِكَ) بمعنى: على، أي: وعلى ذلك خلقهم، خلقهم على الطاعة والمعصية، على السعادة والشقوة، على الجنة والنار، وهذا تفسير غير واحد من السلف، كتفسير الحسن البصري ومن قبله ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
قال: [قال منصور بن عبد الرحمن: قلت للحسن قوله ﷿: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، قال: من رحم ربك غير مختلف -أي: لا يقع فيهم الخلاف- قلت: ولذلك خلقهم؟ قال: نعم.
خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، وخلق هؤلاء لرحمته وهؤلاء لعذابه ونقمته]، وهكذا جاء عن خالد الحذاء وغير واحد من سلف الأمة في تفسير هذه الآية.
قال: [وقال ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣].
وقال ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦].
وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣].
وقال ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى:٨] أي: بإرادته.
وقال ﷿: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ [المدثر:٥٦]]، أي: أهل لأن يتقى؛ لأنه شديد العذاب، وهو أهل أن يرحم وأن يغفر ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦].
وقال ﷿ حين دعا إلى الجنة وشوق إليها، وحذر من النار وخوف منها: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان:٢٩]، (فَمَنْ شَاءَ): أي أثبت المشيئة للعبد، ثم رد مشيئتهم إلى نفسه.
أي: أنهم لا يشاءون شيئًا إلا إذا شاءه الله وأراده وقدره وأذن بوقوعه، فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١].
قال: [وقال ﷿: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]-فأثبت للعبد المشيئة- قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩]]، يعني: لو أن العبد أراد أن يكفر لا يقع الكفر منه إلا بإرادة الله، ولو أن العبد أراد الإيمان لا يقع منه الإيمان إلا بإرادة الله ومشيئته جل وعلا.
قال: [وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩]، قال: يبعث المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا].
[ ٤٦ / ٧ ]
تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (كما بدأكم تعودون) وإثباته أن الله خلق الشر
قال: [وعن ابن عباس في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٢٩ - ٣٠]، قال: ولذلك خلقهم حين خلقهم، فجعلهم مؤمنًا وكافرًا، وسعيدًا وشقيًا، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتديًا وضالًا، وعن أبي العالية كذلك في نفس الآية.
وعن طاوس: أن رجلًا قال لـ ابن عباس: إن ناسًا يقولون: إن الشر ليس بقدر -يعني: الله لم يخلق الشر، وليس هو من قدر الله ﷿- فقال ابن عباس: فبيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]]، يعني: هذه حجة المشركين، يقولون: لماذا يعذبنا الله على شركنا والشرك يقع بمشيئة الله؟ قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، أي: لَوْ شَاءَ اللَّهُ ألا يجعلنا مشركين، وأن يجعلنا مؤمنين لفعل، إذًاَ: نحن مشركون بمشيئة الله ﷿، والله هو الذي شاء لنا ذلك، فلم يعذبنا؟ إن الفرق بين المشركين في ذلك الوقت، وبين القدرية الذين يتظاهرون بالإسلام: أن المشركين يعلمون أن الشرك واقع بمشيئة الله، يعني: المشركون يفهمون ويعتقدون أن الشرك مخلوق لله ﷿، لكنهم يقولون: لماذا يعذبنا؟ وذلك لأنه قد غاب عنهم أن المشيئة مشيئتان أو أن الإرادة إرادتان: شرعية دينية، وكونية قدرية، أما الشرعية الدينية فمبناها على المحبة والرضا، وأما الكونية القدرية فلا يلزم أن تبنى على المحبة والرضا، بل المعاصي والذنوب من مشيئته وإرادته الكونية القدرية.
ولذلك قال المشركون: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]، إلى قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] فشرككم أيها المشركون! وكفركم أيها الكافرون! مكتوب في اللوح المحفوظ والرق المنشور، قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، علم أنكم ستختارون الشرك والكفر؛ فكتب ذلك في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل المحو والإثبات: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، أي اللوح المحفوظ الذي لا يقبل بعد ذلك محوًا ولا إثباتًا.
[ ٤٦ / ٨ ]
تفسير أبي حازم لقوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها)
قال: [وقال أبو حازم في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ [الشمس:٨] أي: النفس ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨] قال: الفاجرة ألهمها فجورها، والتقية ألهمها التقوى]، النفس الفاجرة التي علم الله ﷿ أزلًا أنها تختار الفجور خلق لها الفجور، فلما علم الله تعالى من نفس عبده فلان ذلك كتبه فاجرًا، وكتب أن نفسه فاجرة فألهمها فجورها.
وعبد اختار طريق الطاعة، واتباع الأنبياء والمرسلين، والعمل بوحي السماء، وتقرب إلى الله تعالى بما شرع من غير بدعة ولا معصية، فلما تأهلت نفس العبد لذلك، علم الله ﷿ ذاك أزلًا قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فكتب عبده فلانًا من النفوس الطيبة فألهمه تقواه.
[ ٤٦ / ٩ ]
تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (يحول بين المرء وقلبه)
قال: [وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]، قال: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته]، الله تعالى هو الذي يحول بين القلوب وبين العمل، إذا أراد الله إرادة كونية ألا يؤمن العبد حال بينه وبين الإيمان، وإذا أراد الله إرادة شرعية أن يؤمن هذا العبد قربه إلى الإيمان وقرب الإيمان إليه: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]، فإذا كنت أنا على يقين بأن قلبي بيد الله ﷿، وأن الله يحول بيني وبين ما أشتهي، فينبغي أن يخضع المرء لله ﷿، وأن يذل، وأن يتودد، وأن يتزلف إلى مولاه وسيده؛ حتى يوفقه للطاعة ويجنبه المعصية.
كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] قال: حيل بينهم وبين الإيمان.
[ ٤٦ / ١٠ ]
تفسير الحسن لبعض الآيات في القدر
قال: [وعن حميد قال: قرأت القرآن كله على الحسن في بيت أبي خليفة، ففسره لي أجمع على الإسناد، فسألته عن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٠]، قال: الشرك سلكه في قلوبهم]، والضمير يعود على الشرك، (فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ): أي: المشركين الكافرين.
قال: [وسألته عن قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣]، قال: أعمال سيعملونها، وسألته عن قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٢ - ١٦٣]، قال: ما أنتم عليه بمضلين إلا من هو صال الجحيم].
[ ٤٦ / ١١ ]
تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)
قال: [وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]-والهداية هنا إرادة شرعية- وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]-إرادة كونية قدرية.
قال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]- قال: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان بالله].
تصور أنك وقفت تدعو الكفار الأصليين إلى الإيمان بالله ﷿، وهم جالسون ينظرون إليك ويسمعون لك، وينصتون إليك غاية الإنصات، ثم لا تخرج من هؤلاء إلا بواحد فقط، هذا الواحد هو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، فهذا الذين انشرح صدره وانفتح للتوحيد والإيمان، أما الباقون فجعل الله تعالى صدورهم ضيقة حرجة كأنما يصعدون في السماء.
قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥] يقول: شاكًا كأنما يصعد في السماء؛ لأنه يشك في مصداقية هذا الكلام وفي صحته.
يقول: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله ﷿.
وإذًا: الذي يدخل الإيمان في القلوب هو الله، والذي يخرج الإيمان من القلوب هو الله ﷿، فإذا كنت أنا أعلم أن ذلك كله بيد الله ﷿ فينبغي أن أتزلف إلى سيدي ومولاي.
[ ٤٦ / ١٢ ]
احتجاج مالك بن أنس على القدرية بقوله تعالى: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)
قال: [قال مالك بن أنس: ما أضل من كذب بالقدر لو لم تكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ﴾ [التغابن:٢]].
يعني يوم أن خلقكم جعلكم مؤمنًا وكافرًا، يعني: أنت مسجل عند الله ﷿ أزلًا من أهل الإيمان أو من أهل الكفر، لكن لا تركن على هذا؛ لأنك لا تعلم العاقبة ولا تعلم بما يكتب لك فاحرص أن تكون من أهل الطاعة، ولذلك (سأل عمر بن الخطاب ﵁ النبي ﵊ وقال: يا رسول الله! ففيم العمل إذًا؟ -ففيم العمل إذا كنا نعمل لأمر قد كان، وقد فرغ منه، وجف به القلم، وطويت به الصحف- قال: اعملوا.
فكل ميسر لما خلق له) فأما أهل الطاعة فييسرون إلى الطاعة، وأهل الشقاوة ييسرون إلى الشقاوة، ولما غابت الشقوة والسعادة عني فينبغي أن أعمل لسعادتي؛ لأن كل عاقل وكل ذكي يعمل لسعادته في دينه ودنياه، فكل عاقل يجب عليه أن يفعل ذلك، فإذا كنت لا أعلم بما يختم لي فلابد أن أحرص على أن يختم لي بخاتمة الإيمان والسعادة؛ ولذلك قال بعض أهل العلم في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، قالوا: هل يملك العبد أن يموت مسلمًا؟ (وَلا تَمُوتُنَّ) أمر، قالوا: الجواب عن ذلك: إن العبد يكتب له بما كان عليه في حياته، فإذا كان عاملًا بعمل الطاعة والإسلام، مقتديًا بما فيه، فإن الله تعالى يوفقه إلى أن يموت على الإسلام والإيمان والتوحيد.
[ ٤٦ / ١٣ ]
مخالفة القدرية لما أثبته الملائكة والنبيون وأهل الجنة وأهل النار وإبليس من المشيئة لله
قال: [وقال زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله تعالى، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار ولا كما قال أخوهم إبليس]، ثم بين مخالفة معتقد القدرية بالدليل.
قال: [قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]]، فهذا إثبات من الله أن مشيئة العباد تابعة ومندرجة تحت مشيئة الله ﷿.
قال: [وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]].
فنفوا أنهم قد حصلوا العلم إلا من طريق الله ﷿، وفي هذا إثبات أنه لا يقع في الكون إلا ما أراده الله تعالى.
قال: [وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩]].
يعني: لا يمكن أن نخرج من الإيمان إلى غيره أو إلى ما كنا عليه قبل البعثة والرسالة إلا إذا شاء الله تعالى ذلك؛ فأثبت أن الهداية والثبات على الإيمان بيد الله، وأن الانحراف عن الهدى بيد الله ﷿.
قال: [وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]].
فالهداية بيد الله ﷿ بإقرار وشهادة أهل الجنة.
قال: [وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦].
وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]]، إذًا: إبليس نفسه يعرف أن الغواية والضلال بيد الله، ولم يقل: ربي بما أغويت نفسي، وإنما قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩].
[ ٤٦ / ١٤ ]
إنكار القدرية للقدر على الرغم من علمهم بالأدلة المتكاثرة الدالة عليه
قال: [فالقدرية المخذولة يسمعون هذا وأضعافه -يعني: يسمعون هذه النصوص وأضعافها الكثير في الكتاب والسنة- ويتلونه -بل ويتلى عليهم- فتأبى قلوبهم قبوله، ويردونه كله ويجحدونه بغيًا وعلوًا وأنفة، وتكبرًا على الله ﷿ وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ وعلى سنته؛ وللشقوة المكتوبة عليهم، فهم لا يسمعون إلا ما وافق أهواءهم، ولا يصدقون من كتاب الله ولا من سنة نبيه إلا ما استحسنته آراؤهم، فهم كما قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١]، هم كما قال ﷿: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١].
وهذا القدري الخبيث الذي قد سلط الله عليه الشياطين ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢]، تزجره بكتاب الله تعالى فلا ينزجر -وهذا دائمًا شأن أهل البدع- وبسنة رسول الله فلا يذكر، وبأقوال الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فلا ينحسر -أي: فلا يكل ولا ينقطع- وتضرب له الأمثال فلا يعتبر، مصر على مذهبه الخبيث النجس الذي خالف فيه رب العالمين، والملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، وجميع فقهاء المسلمين، وضارع فيه اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فلم يجد أنيسًا في طريقته ولا مصاحبًا على مذهبه غير هؤلاء -أي: اليهود والنصارى والصابئين- أعاذنا الله وإياكم من مذاهب القدرية والأهواء الردية، والبدع المهلكة المردية، وجعلنا وإياكم للحق مصدقين، وعن الباطل حائدين، وثبتنا وإياكم على الدين الذي رضيه لنفسه، واختص به من أحبه من عباده، الذين علموا أن قلوبهم بيده، وهممهم وحركاتهم في قبضته، فلا يهمون ولا يتنفسون إلا بمشيئته، فهم فقراء إليه في سلامة ما خولهم من نعمه، يدعونه تضرعًا وخفية كما أمرهم به من مسألته.
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]].
[ ٤٦ / ١٥ ]
إثبات النبي ﷺ في دعائه أن الله يقلب القلوب فيثبتها أو يزيغها
قال: [عن أم سلمة: أن النبي كان يقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك ثم قرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران:٨]) إلى آخر الآية.
وعن عائشة قالت: (كانت دعوة من رسول ﷺ: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك قلت: يا رسول الله! هل تخاف؟ -هل تخاف على نفسك وعلى قلبك- قال: وما يؤمنني -يعني: ما الذي يجعلني أطمئن- وليس من أحد إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله ﷿، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه)].
[ ٤٦ / ١٦ ]
إرادة الله ﷿ تخضع لها كل أعمال العباد
قال: [وقال محمد بن كعب: الخلق أدق شأنًا من أن يعصوا الله ﷿ طرفة عين فيما لا يريد].
يعني: الخلق أحقر وأدق شأنًا من أن يعصوا الله ﷿ بشيء هو لا يريده أن يقع، لو أراد الزاني أن يزني، وأراد الله تعالى ألا يقع منه الزنا فأي الإرادتين تنفذ؟ إرادة الله ﷿.
قال: [وعن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: كلام القدرية وكلام الحرورية ضلالة -والحرورية: نسبة إلى قرية حروراء بالكوفة في العراق وهي أشد فرق الخوارج- وكلام الشيعة هلكة.
وقال ابن عباس: ولا أعرف الحق ولا أعلمه إلا في كلام قوم ألجئوا ما غاب عنهم من الأمور إلى الله].
ولا شك أن مسألة القدر مما غاب عن العقول والقلوب وغاب عن الخلق، فينبغي أن نسلم فيه الأمر إلى الله ﷿، ومن الأخطار الفادحة أن تحتج على معصيتك بالقدر، يعني: تفعل ما تشاء من المعاصي، ثم تقول: أليست المعصية تقع بمشيئة الله وإرادته؟ قال: [وقال ابن عباس: ولا أعرف الحق ولا أعلمه إلا في كلام قوم ألجئوا ما غاب عنهم إلى الله ﷿، ولم يقطعوا بالذنوب العصمة من الله، وفوضوا أمرهم إلى الله، وعلموا أن كلًا بقدر الله]، يعني: علموا أن الطاعة والمعصية والخير والشر بقدر الله ﷿.
[ ٤٦ / ١٧ ]
إقامة دعوة الأنبياء على البلاغ والإرشاد
قال: [فاعلموا -رحمكم الله- أن هذه طريقة الأنبياء ﵈].
طريقة الأنبياء أن الأمر إذا كان معلولًا -أي: له علة ظاهرة قالوا بها- وإذا خفيت عنهم العلة آمنوا بما جاءهم من عند ربهم ولم يخوضوا في إثبات علته.
كثير جدًا مما جاءنا به محمد ﷺ بين لنا علله، وكثير جدًا منه كذلك لم يبين لنا علته، ولكنا نعلم أنه ما من شرع إلا وقد شرعه الله تعالى لحكمة وعلة عظيمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها؛ لأن الله تعالى هو الحكيم، ولا يمكن أن يشرع لعباده شرعًا إلا لحكمة، وأفعاله كلها مبنية على الحكمة ﷾، لكن أحيانًا يخفي هذه الحكمة، وأحيانًا يظهرها، فإذا أخفاها آمنا بها ولا يجوز لنا أن نخوض فيها؛ لأنه أراد إخفاءها، وإذا أظهرها لنا فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال: [فاعلموا -رحمكم الله- أن هذه طريقة الأنبياء ﵈، وبذلك تعبدهم الله، وأخبر به عنهم في كتابه، أن المشيئة لله ﷿ وحده، ليس أحد يشاء لنفسه شيئًا من خير وشر، ونفع وضر، وطاعة ومعصية، إلا أن يشاءها الله، وبالتبري إليه من مشيئتهم، ومن حولهم وقوتهم ومن استطاعتهم، وأن ذلك لا يكون منهم إلا بعد مشيئة الله وإرادته.
قال تعالى مخبرًا عن نوح ﵇ حين قال له قومه: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:٣٢]، فقال نوح ﵇ مجيبًا لهم: ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود:٣٣]].
يعني: إذا شاء الله تعالى أن يرد عليكم أنزل الوحي، وإلا فأنا لا أستطيع أن آتيكم بشيء بغير مشيئة الله.
قال: [﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٤]]، يعني: رغم دعوتي لكم بالليل والنهار على مدار عقود من الزمن إلا أن هذا الكلام وهذا النصح لا ينفعكم إذا كان الله تعالى قد قدر لكم الضلال في اللوح المحفوظ.
قال: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ [هود:٣٤] هو الذي علم ما أنتم إليه صائرون، وما أنتم به في حياتكم فاعلون، فإذا أردت أن أنصح لكم، وأراد الله تعالى إضلالكم فلا ينفعكم نصحي حينئذ، ولكنه يقيم عليهم الحجة، ولا يحل له أن يمكث بغير دعوة قومه.
قال: [فلو كان الأمر كما تزعم القدرية كانت الحجة قد ظهرت على نوح من قومه، ولقالوا له: إن كان الله هو الذي يريد أن يغوينا فلم أرسلك إلينا، ولم تدعونا إلى خلاف مراد الله لنا؟ ولكن الحجة قائمة بقول الله تعالى حاكيًا عن نوح على قومه، ولم تقم من قومه على نوح].
قال: [ولو كان الأمر كما تزعم هذه الطائفة بقدر الله ومشيئته في خلقه، وتزعم أنه يكون ما يريده العبد الضعيف الذليل لنفسه، ولا يكون ما يريده الرب القوي الجليل لعباده؛ فلم حكى الله ﷿ ما قاله نوح لقومه مثنيًا عليه وراضيًا بذلك من قوله؟ وقال شعيب ﵇: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف:٨٩] ثم قال شعيب في موضع آخر: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]]، يعني: أنا إذا أردت التوفيق فلا يكون ذلك مني إلا بإرادة الله ﷿.
قوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨] أي: ليس من عند نفسي، بل توفيقي وتسديدي هو من عند الله ﷿، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].
قال: [وقال إبراهيم ﵇ في محاجته لقومه: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام:٨٠]، من الذي هداه؟ الله ﷿، ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:٨٠]، وقال أيضًا فيما حكاه عن إبراهيم وشدة خوفه، وإشفاقه على نفسه وولده أن يبلى بعبادة الأصنام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]]، يعني: إبراهيم ﵇ إمام الملة السمحاء يخاف على نفسه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، وهذا الكلام معناه: أنه يعلم أن ذلك بيد الله ﷿، لو أراد أن يزيغهم أزاغهم، ولو أراد أن يضلهم أضلهم، فطلب منه الهداية والبقاء على العبادة
[ ٤٦ / ١٨ ]
تفسير بعض السلف لآيات في القدر
قال: [وعن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] وما أورثوا من الضلالة، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] قال: في أم الكتاب].
وعن بعض أصحاب النبي ﷺ قالوا: هذه الآية تقضي على القرآن كله، ومعنى تقضي على القرآن كله أي: تحكم على ما ورد في القرآن في باب القدر، فهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
قال: [وقال عبد العزيز بن رفيع عمن سمع عبيد بن عمير: قال آدم ﵇: يا رب! أفرأيت ما أتيت؟ أشيء ابتدعته من تلقاء نفسي، أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال: لا.
بل شيء قدرته عليك من قبل أن أخلقك، قال: أي رب! فكما قدرته علي فاغفر لي.
فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧]]، ﷾.
لكن لا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على المعصية كما قلنا من قبل، فتراه يفعل ما يشاء من المعاصي، وينتهك الحرامات ثم يقول: أليس كل شيء بإرادة الله ومشيئته؟ فأنا سأزني وأسرق وأقتل وأشرب الخمر وأفعل ما يقدره الله ﷿ علي، وليس في ذلك عتب ولا ملامة؛ لأن كل شيء يقع بقدر الله وإرادته.
نقول: نعم.
نحن نؤمن ببعض هذا الكلام ونكفر ببعض، نؤمن بأن الطاعة والمعصية بقدرة الله تعالى ومشيئته، وأنه لا يكون في الكون إلا ما قدره الله تعالى وشاءه، ولكننا نكفر بالقول الثاني وهو: جواز الاحتجاج بالقدر على المعصية؛ لأن آدم ﵇ ما احتج بالقدر على معصية إلا بعد أن تاب منها.
شخص في هذا الوقت وقع في ذنب، ثم تاب من هذا الذنب بقيام الحد عليه مثلًا، أو بتوبة صادقة بينه وبين الله، أو برد المظالم إلى أهلها، ودائمًا ضميره يؤنبه، ومعنوياته الإيمانية دائمًا تلومه، حتى ظن أن الله لن يغفر له ذلك الذنب، والله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، فتاب هذا الشخص من هذا الذنب، ورد المظالم إلى أهلها، وعزم على ألا يرجع إلى هذا الذنب أبدًا عزمًا أكيدًا صادقًا بينه وبين الله، وفعلًا له عشرون سنة لم يرجع إلى هذا الذنب، وهذا دليل على صدق التوبة، ودليل على أن الله تعالى قد غفر له ذنبه، ووعد الله لن يخلف؛ فحينئذ أقول لك: لا تستيئس بما وقع منك آنفًا، فإنه ما وقع إلا بقدر الله ﷿ وإرادته ومشيئته، وكان لابد أن تراه وأن ترتكبه وأن تتلبس به، وشيء عظيم جدًا أن يمن الله ﷿ عليك بالتوبة من هذا الذنب وبغيره من الذنوب، حينئذ الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة أمر جائز، وهذا ما فعله آدم ﵇، أما أنني أراك على معصية وذنب، وأقول لك: اعمل ما تريد، فكل شيء بقدر الله، وإذا لم يكن هذا مكتوبًا لما فعلته؛ فهذا ضلال مبين جدًا.
فلا نحتج بالقدر على المعصية إلا بعد التوبة الصادقة أو قيام الحد.
قال: [وعن مجاهد: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] قال: علم إبليس المعصية وخلقه لها]، يعني: علمه كيف يعصي وخلقه لها.
قال: [فاعلموا -رحمكم الله- أن من كان على ملة إبراهيم وشريعة المصطفى ﷺ، ومن كان دينه دين الإسلام، ومحمد نبيه، والقرآن إمامه وحجته، وسنة المصطفى نوره وبصيرته، والصحابة والتابعون أئمته وقادته، وهذا مذهبه وطريقته، وقد ذكرنا الحجة من كتاب الله ﷿؛ ففيه شفاء ورحمة للمؤمنين وغيظ للجاحدين].
[ ٤٦ / ١٩ ]
وجوب اتباع كتاب الله وسنة نبيه والوقوف عند أمرهما ونهيهما
ثم يقول: [ونحن الآن وبالله التوفيق نذكر الحجة من سنة رسول الله ﷺ ما يعين الله تعالى على ذكره].
يعني: سيذكر من سنة النبي ﵊ ما يبين أن الهداية والضلال بيد الله وأن الشقاوة والسعادة بيد الله، وأن الجنة والنار مخلوقتان لله، وأن الخير والشر من عند الله، وأن الله تعالى هو الذي يوفق عباده لطاعته، ويهديهم ويمن عليهم بالإيمان، وأن الله تعالى هو الذي هدى قومًا من عباده إلى الضلالة، ويسر لهم سبل الضلال، ثم هو في الآخرة يجزيهم جهنم وساءت مصيرًا، غير ظالم لهم.
قال: [فإن الحجة إذا كانت في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﵊؛ فلم يبق لمخالف عليهما حجة إلا بالبهت والإصرار على الجحود والإلحاد]، يعني: العلم قال الله قال رسوله.
هذا الدين، ليس قول من يلعب بعقلك ورأسك بقال فلان وقال علان من أهل الوجاهة ومن أهل العلم، فإن من دون النبي ﵊ ليس معصومًا، فهو يقبل الخطأ والصواب، وما دام الشأن في عباد الله الخطأ والصواب، وأنهم غير معصومين، فلا نستبعد عن أحد الخطأ مهما بلغ قدره من العلم، لكن كيف نخطئ أحمد بن حنبل أو ابن تيمية أو الشافعي أو هؤلاء العظماء من فحول العلم وأئمة المسلمين إذا خالفوا كتابًا أو سنة باجتهاد غير سائغ؟ للاجتهاد السائغ وغير السائغ أصول وآداب وأحكام.
وأنتم تعلمون أن مالكًا وهو أحد الفحول يقول: كل الناس يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر.
وأشار إلى قبره ﵊، وكأنه ينقد على نفسه وعلى من سبقه من أهل العلم كـ أبي حنيفة وأئمة التابعين وأتباع التابعين، يقول عنهم جميعًا: إنهم يقبلون الخطأ والصواب، لكن التخطئة والتصويب لا يكونان إلا لشخص له في العلم باع طويل وعلم مداخل أهل العلم.
أما علمتم أن النبي ﵊ لما أتاه جبريل ﵇ يسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان والشرع، وفي كل مرة يقول له: صدقت صدقت، قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه؛ وذلك لأنه ليس من شأن الجاهل أن يصدق ما علمه، فجبريل ﵇ لما كان عنده من العلم ما عنده قال للنبي ﷺ: (صدقت)؛ وذلك لأنه وافق ما عنده من علم -أي: من وحي السماء- فصدقه على ما قال؛ ولذلك أئمة العلم قديمًا ما كانوا يتصدرون للتدريس والفتوى إلا بعد أن يجيزهم العلماء وليس الطلبة، لكن مشائخ هذا الزمان الذين يرفعونهم ويصدرونهم هم الطلبة، لكن هذا انتكاس في طريق الصحوة؛ لأن الأصل ألا يتصدر أحدهم إلا أن يجيزه العلماء والمشائخ الكبار، والواحد في هذا الزمان يجيز نفسه ويتصدر، ولا يجد مسارًا يتصدر به إلا الشتائم والسباب والتهكم على أهل العلم، وعلى المجاهدين في شرق الأرض وغربها، ويتخذ ذلك ذريعة للظهور، وحب الظهور يقصم الظهور كما يقولون.
قال النبي ﵊: (لا تطلبوا العلم لتماروا به السفهاء، ولا لتجادلوا به العلماء، فمن طلبه ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء فالنار النار)، تهديد ووعيد، فلابد من الإخلاص لله ﷿ في القول والعمل، ولابد أن يندم المرء أشد الندم ويتحسر أشد الحسرة.
ولذلك قال أبو علي الأبار فيما أورده الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته: رأيت رجلًا تجاوز البحار حتى دخل في بلاد الأهواز، فقد حف شاربه وأطلق لحيته واشترى كتبًا، وتعين للفتوى، يعني: عين نفسه إمامًا ومفتيًا، فلما جلس قيل له: ماذا تقول في أصحاب الحديث؟ قال: ليسوا بشيء ولا يساوون شيئًا؛ فقام إليه رجل من أصحاب الحديث قال: يا فلان! إن مثلك كمثل رجل أوجب الله تعالى عليه أن يصلي الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا، والفجر ركعتين، ليس لك إلا ذلك، قال: أنا؟ قال: نعم.
أنت، ماذا تحفظ من كلام النبي ﷺ إذا أحرمت بالصلاة قبل قراءة الفاتحة؟ فسكت.
قال: ماذا تحفظ من كلام النبي ﷺ إذا فرغت من التسبيح في الركوع؟ فسكت.
قال: ماذا تحفظ إذا قلت: سمع الله لمن حمده؟ فسكت، قال: ماذا تحفظ إذا سجدت وفرغت من التسبيح؟ فسكت.
قال: ماذا تحفظ إذا جلست بين السجدتين؟ فسكت.
قال: ماذا تحفظ إذا فرغت من التشهد وقبل أن تسلم؟ فسكت.
قال: أما قلت لك: إن مثلك كمثل رجل أوجب الله تعالى عليه أن يتعلم كيف يصلي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم تركه وانصرف.
فهكذا إنسان لا يجد طريقة للشهرة والسيادة والإشارة بالبنان إلا بالنيل من أعراض العلماء، وبالحط من أعمال المجاهدين، وهذا بلا شك مسلك في غاية الخطورة، وهو يجعل طلاب العلم وشباب الصحوة في بلبلة عظيمة جدًا؛ ولذلك إذا أردت أن تريح نفسك وأن تريح غيرك فاعلم أن لطلب العلم أصولًا لا يمكنك الحياد عنها، وأن من حاد عنها فقد تنكب الطريق، هذه الأصول هي مصدر التلقي عن الله وعن رسوله ﷺ وعن الصحاب
[ ٤٦ / ٢٠ ]