لقد بليت الأمة الإسلامية بأئمة مضلين أحدثوا في الأمة أقوالًا غريبة عنها، أدت إلى تفرقها وتشتتها، ومن أولئك أئمة القدرية، فقد افتتحوا باب ضلالة، وتكلموا بكل جهالة، فضلوا وأضلوا.
[ ٦٠ / ١ ]
ذكر الأئمة المضلين الذي أحدثوا الكلام في القدر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثاني: ذكر الأئمة المضلين الذين أحدثوا الكلام في القدر، وأول من ابتدعه وأنشأه، ودعا إليه.
[عن شيخ أهل البصرة عبد الله بن عون بن أرطبان المزني الحافظ قال: أمران أدركتهما وليس بهذا المصر منهما شيء -أي: وليس في البصرة من هاتين البدعتين شيء-: الكلام في القدر، إن أول من تكلم في القدر رجل من الأساورة يقال له: سيسويه]، وفي رواية: سنسويه، وفي رواية: سوسن، وهو سوسن النصراني الذي أسلم ثم ارتد وتنصر مرة أخرى، ثم أخذه عنه معبد الجهني، ثم أخذه عن معبد غيلان الدمشقي.
فأول من تكلم في القدر رجل كان نصرانيًا ثم أسلم ثم تنصر، فتكلم في القدر، وكان أستاذًا في الضلالة، ثم أخذه عنه معبد الجهني وهو من أهل البصرة، ثم أتى إليه غيلان وتعلم منه ذلك.
قال ابن عون في سنسويه: [وكان دحيقًا -يعني: إنسانًا طريدًا شريدًا غير محترم، ولم يكن أحد يقبل عليه، وإنما كان إذا أتى إلى أهل مدينة طردوه عن المجلس، أو قاموا وتركوا له المجلس، فقد كان دحيقًا، أي: طريدًا- وما سمعته قال لأحد دحيقًا غيره.
قال: فإذا ليس له عليه تبع إلا الملاحون -وهم أصحاب السفن].
يعني: أول من تكلم في القدر سوسن النصراني، وأول من اتخذ لدعوته أناسًا لا حظ لهم من العلم، وبهذا يعلم أن أهل البدع دائمًا إنما يتخذون لرواج بدعهم الجهلاء، وأما أهل العلم فيصعب جدًا السيطرة عليهم، ولذلك اختار أهل الجهل بدينهم وبشريعتهم، فكان له فيهم تأثير عظيم.
[ثم تكلم فيه بعده رجل كانت له مجالسة -يعني: رجل كان يجالسه- يقال له: معبد الجهني، فإذا له عليه تبع.
ثم قال: وهؤلاء الذين يدعون المعتزلة].
[ ٦٠ / ٢ ]
ترتيب الخلفاء في الأفضلية
[عن ابن عون قال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان ﵄].
وقول ابن عون: (أدركت الناس) أي: أهل العلم لا يتكلمون إلا في التفضيل بين علي وعثمان، وأيهما أفضل؟ وهذه المسألة قد اختلف فيها السلف، يعني: حتى أهل السنة اختلفوا في هذه القضية في أول الأمر، ثم أجمعت الأمة على أفضلية عثمان على علي، وقد انعقد الإجماع إلى يومنا هذا، ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة؛ لأن الشيعة ابتداء يكفرون عثمان بن عفان، كما يكفرون أبا بكر وعمر.
وقد انعقد الإجماع بغير خلاف في أحقية عثمان في الخلافة، وإنما الذي وقع بين أهل السنة الخلاف فيه هو في الأفضلية، وإمامة المفضول تجوز مع وجود الفاضل، حتى لا يقال: إذا كان علي أفضل من عثمان فلم تقدم عثمان في الخلافة؟ لأنا نقول: الخلافة إمامة، وإمامة المفضول تجوز مع وجود الفاضل، وإن كنا نعتقد اعتقادًا جازمًا -كما انعقد على ذلك الإجماع بعد ذلك- أن الخلفاء الأربعة ترتيبهم في الأفضلية على نفس ترتيبهم في الخلافة.
[ ٦٠ / ٣ ]
تلطف بعض الأئمة في الكلام
[قال ابن عون: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان ﵄؛ حتى نشأ ها هنا هني].
والهن: اسم لما يستقبح ذكره، وقديمًا كانوا يقولون لنا في الإعدادية: الأسماء الخمسة، ويقولون: باب الأسماء الخمسة، وفي الحقيقة هي الأسماء الستة، ولكنهم كانوا يحجبون عنا اسمًا من الأسماء الستة وهو: الهن؛ لأن (الهن) اسم لما يستقبح ذكره، وإن شئت فقل: هو اسم من أسماء الدبر، ولما لم يكن ذلك مناسبًا لعقول الصغار حذفوه من الأسماء الستة، وقالوا: هي أسماء خمسة، وهي في الحقيقة أسماء ستة.
[قال ابن عون: حتى نشأ ها هنا هني حقير يقال له: سيسويه البقال، فكان أول من تكلم في القدر، قال حماد: فما ظنكم برجل يقول له ابن عون: هني حقير].
فـ ابن عون في الحقيقة كان إمامًا في الفضل والعلم والورع والتقى، وكان يشار إليه بالبنان، وكان مشهورًا في زمانه وبعد زمانه بالإمامة والعلم، وكان عفيف اللسان جدًا لا يكاد يتكلم في أحد مطلقًا، فما بالك أنه يتجرأ ويقول عن رجل: (هني حقير؟!) فهذا بمثابة رميه بالكفر، وهذا قد جرى من كثير من أهل العلم كالإمام أحمد بن حنبل، فقد كلامه في الرجل كالمسمار في الصاج لا يمكن أن يثنى عنه.
والإمام البخاري عليه رحمة الله يقول: إذا قلت في رجل ضعيف؛ فلا تحل الرواية عنه، وهذه الكلمة لم يستخدمها عامة النقاد، وإنما الضعيف عند النقاد ضعيف، ولكن إذا قال البخاري عن راو: ضعيف فلا تحل الرواية عنه؛ لأن الضعيف عند البخاري يساوي عند غير البخاري كذاب، ولكن الإمام البخاري كان عفيف اللسان جدًا، وعلى أي حال هذه مصطلحات، ولكل ناقد مصطلحاته الخاصة.
[ ٦٠ / ٤ ]
أول من تكلم في القدر
قال: [عن الأوزاعي قال: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن -وربما يكون سيسويه أو سنسويه، وهو اسم فارسي معرب إلى سوسن - وقد كان نصرانيًا فأسلم -أي: أثناء فتح العراق- ثم تنصر -أي: ارتد عن دين الإسلام- فأخذ عنه معبد الجهني -وبئس المعبد هو معبد الجهني -، وأخذ غيلان عن معبد]، أي: غيلان الدمشقي.
[وعن يونس بن عبيد قال: أدركت البصرة وما بها قدري إلا سيسويه، ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوانة].
وقوله: (وآخر معلون) هذا اللعن إنما جاء على حكم سابق عليه وهو التكفير، وإذا قرأت في كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي في هذا الباب: باب أول من أنشأ بدعة القدر؛ لوجدت لعنًا وسبًا لـ سنسويه ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي وسائر من تكلم في مسألة القدر وغيرها من مسائل الابتداع العظيمة، وقد أنكر علي بعض أهل العلم -ومنهم شيخنا الشيخ مصطفى محمد شيخ حلوان- أني لعنت معبدًا في محاضرة من المحاضرات، وقال: لا يجوز لعنه، فأرسلت إليه بكتاب الإبانة لـ ابن بطة وكتاب أصول الاعتقاد للالكائي في نفس الباب، وقد سبه أكثر من عشرة من أهل العلم ولعنوه لعنًا صريحًا بقولهم: لعنة الله على معبد، وقولهم: الملعون، وقولهم: معبد لعنه الله، وغير ذلك من ألفاظ اللعن المختلفة التي انصبت من سلف الأمة على هذا الرجل، ولا يلزم من اللعن الكفر، كما أنه لا يلزم من القتل الكفر، وربما يقتل الرجل لبدعة عظيمة ابتدعها طار شررها، وعظم خطرها في الأمة، فيقتل من باب المحافظة على الأمة، ولخطورة البدعة، لا لكونه كافرًا.
وخالد بن عبد الله القسري -﵀- لما خطب خطبة عيد الأضحى نزل من على المنبر وقال: ضحوا أيها الناس! تقبل الله منا ومنكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، فلما سئل خالد القسري عن الجعد بن درهم أكافر هو؟ قال: لا، مع أنه ذبحه ذبحًا كما تذبح الشاة في أصل المنبر والناس وفرة في هذا الوقف في صلاة العيد، وما أنكر عليه أحد؛ لبدعته العظيمة جدًا والقصيرة جدًا التي انتشرت في الناس، وجل السلف كفروا هؤلاء.
ثم إن سوسن قد ارتد واختار طريق الكفر، وأما معبد الجهني فعامة السلف على تكفيره، وعلى تكفير أئمة الضلال في كل بدعة من البدع، وفي كل فرقة من تلك الفرق.
قال ابن عون: أدركت البصرة وما بها أحد يقول هذا القول -أي: في القدر- إلا رجلان ما لهما ثالث معبد الجهني، وسيسويه، وكان محقورًا ذليلًا].
أي: كان طريدًا لا يعبأ به أحد، [وهذه القدرية والمعتزلة كذبوا على الحسن -وهو إمام السنة الإمام الحسن بن أبي الحسن البصري أبي سعيد - ونحلوه ما لم يكن من قوله]، يعني: نسبوا إليه كلامًا ليس من قوله.
قال: [قد قاعدنا الحسن وسمعنا مقالته، ولو علمنا أن أمرهم يصير إلى هذا لو أثبتناهم عند الحسن ﵀، وليكون لأمرهم هذا غب -أي: خطر-، وإني لأظن عامة من أهل البصرة إنما يصرف عنهم النصر لما فيهم من القدرية].
يعني: أن النصر ليس حليف أهل البصرة لما فيهم من القول بالقدر، وهذا يدل على أن صاحب البدعة لا ينصر حتى يدع بدعته، وقد قال النبي ﵊: (إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته).
[ ٦٠ / ٥ ]
سبب انتشار القدرية
قال: [عن داود بن أبي هند قال: ما فشت القدرية بالبصرة حتى فشا من أسلم من النصارى]، أي: حتى انتشر من أسلم من النصارى، فقالوا بقولهم الذي كانوا يعتقدون في أيام نصرانيتهم.
وهكذا دخول كل غريب على الإسلام وبعيد عنه لا بد أن يحدث فيه أثرًا سلبيًا، وقد تكلمت من قبل عن خطورة ترجمة كتب فلاسفة اليونان في عصر المأمون في الدولة العباسية، فإنه لما ترجمت هذه الكتب دخل على الأمة من الفلسفة والمنطق والبدع والخرافات ما كانوا عنه في غنىً، وكان المأمون حسن القصد في ذلك، ولكن حسن القصد وحده دائمًا لا يكفي.
[ ٦٠ / ٦ ]
الحث على العقيدة الصحيحة وهي عقيدة الفطرة
قال: [عن أنس بن عياض قال: أرسل إلي عبد الله بن هرمز فقال: أدركت وما بالمدينة أحد يتهم بالقدر إلا رجل من جهينة يقال له: معبد، فعليكم بدين العواتق اللاتي لا يعرفن إلا الله ﷿].
وكم من شخص من أئمة الضلال بعدما صال وجال وقرأ الكتب وصنف المصنفات؛ وهو على فراش الموت أيقن أن الحق في خلاف ما قال، فكانت وصيته لأبنائه ولتلاميذه وللأمة من بعده: أن عليكم بدين آبائكم وأمهاتكم.
وحقيقة الواحد منا يشعر أحيانًا بأن أمه وجدته اللتين لا حظ لهما من العلم، ولم تجلسا إلى عالم، ولا سمعتا الخطب الرنانة، ولا درستا كتب السنة ولا غيرها؛ أصح اعتقادًا منه، وأعظم توكلًا على الله تعالى منه، فهذا هو أصل الدين المفطور والمركوز في فطر آبائنا وأجدادنا وأمهاتنا.
وقد كان الواحد منهم على فراش الموت يقول: دعوكم من قولي، فإني أبرأ إلى الله من كل قول قلته يخالف قول السلف، وعليكم بدين العجائز، أي: عليكم بدين كبار السن من الآباء والأمهات، وهذا اعتراف منهم بفرط ضلالهم، وأن من لم تتلوث فطرته من عامة الناس أحسن حالًا منهم.
[ ٦٠ / ٧ ]
الضرر الذي أحدثه غيلان الدمشقي في الأمة
قال: [قال مكحول: حسيب غيلان الله -يعني: الله تعالى حسيبه، وهو الذي يحاسبه-؛ لقد ترك هذه الأمة في لجج مثل لجج البحار] أي: في الفتن والاختلافات أعظم من اضطراب أمواج البحر؛ وذلك بقوله في القدر.
[وعن ثابت بن ثوبان قال: سمعت مكحولًا يقول: ويحك يا غيلان! ركبت في هذه الأمة مضمار الحرورية -أي: طريق الحرورية، وهي فرقة ضالة من فرق الخوارج- غير أنك لا تخرج عليهم بالسيف -أي: والحرورية خرجوا على علي بن أبي طالب وعلى من أتى بعده بالسيف، فأنت أعظم خطرًا على الأمة من الحرورية، غير أن الحرورية إنما خرجوا بالسيف وأنت لم تخرج بالسيف -والله لأنا على هذا الأمة منك أخوف من المزققين أصحاب الخمر]، أي: الذين يأخذون الخمر في الزق، والزق: وعاء من جلد يشرب فيه الخمر.
[ ٦٠ / ٨ ]
خطورة الغزو الفكري
صنف أكثر من شخص في خطورة الفكر والغزو الفكري، وأن خطره أعظم من خطورة السيف والدبابة والطائرة، ولقد تنبه العدو مؤخرًا إلى أن هذه الشعوب المؤمنة المسلمة وقت النزال والحروب العسكرية يجتمعون وتجتمع كلمتهم، وأن أهل الكفر والغرب لا قبل لهم بأبناء الإسلام حين النزال العسكري، فوضعوا أوزار الحرب وتركوا هذا اللون منها، وبحثوا بعد ذلك عن ألوان أخرى أشد فتكًا بأمة الإسلام من البندقية والطائرة والدبابة، وهذا هو الغزو الفكري، مع أن الغزو العسكري سريع التأثير جدًا، وهو يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا في لحظة واحدة، ولا يحتاج إلى وقت ودراسة، بخلاف الغزو الفكري فإنه يحتاج إلى وقت طويل جدًا، والعدو أصبر على مراده من أبناء المسلمين.
فالانقلاب العسكري يقلب الدولة رأسًا على عقب في لحظة واحدة، فبعد أن كانت علمانية تصبح مسلمة، وبعد أن كانت مسلمة تصبح علمانية في لحظة واحدة، فالتكتيك العسكري لا يحتاج إلى وقت، وإنما التكتيك الفكري هو الذي يحتاج إلى وقت.
ولو ناقشت رجلًا الآن في أي مسألة شرعية يقول لك: أنا منذ (٦٠) سنة أصلي وأصوم فكيف تأتي وتصحح لي قولًا قد أخذته عن آبائي وأجدادي؟ وهو في الحقيقة لم يأخذه عن آبائه وأجداده، ولكنه شرب السم في العسل، فهو يتصور أنه هنيء وهو رديء، ويتصور أنه حق وهو باطل، ويتصور أنه خير وهو شر، ولكنه تربى على أنه هنيء وخير وحق، فيصعب جدًا زحزحته عما يعتقده إلا مع الصبر عليه وطول الوقت، أو فناء هذه الأجيال ونشوء أجيال أخرى تتربى على غير ما تربى عليه الآباء والأمهات.
فالغزو الفكري طويل الأمد، وعظيم التأثير؛ بخلاف الغزو الاقتصادي أو الغزو العسكري أو غير ذلك من الغزو السريع المؤقت.
[ ٦٠ / ٩ ]
إهانة السلف لأهل البدع
قال: [عن عمرو بن دينار قال: بينما طاوس -وهو طاوس بن كيسان اليماني - يطوف بالبيت لقيه معبد الجهني، فقال له طاوس: أنت معبد؟ قال: نعم، قال: فالتفت طاوس إلى تلاميذه وقال: هذا معبد فأهينوه].
وهذه الإهانة أين كانت حول الكعبة، ولا يقال: كيف يهان رجل حول الكعبة مع حرمة الكعبة والمسجد؟ لأن المسجد مع حرمته له رسائل في الإسلام عظيمة وكبيرة جدًا ومنها: إقامة الحدود، ومحاربة البدع، والمناظرات، وإرجاع المبطل عن باطله، وغير ذلك.
وعمرو بن عبيد المعتزلي والقدري كان من سادات أهل الضلال والبدع، [قال حماد بن زيد: كنت مع أيوب ويونس وابن عون -وهؤلاء الثلاثة من أئمة السنة- فمر بهم عمرو بن عبيد فسلم عليهم ووقف، فلم يردوا ﵇].
والعامة اليوم تقول: السلام حق الله، وما لنا والمبتدع سواء قدريًا أو غير ذلك.
[ ٦٠ / ١٠ ]
شؤم الاعتراض والكلام بغير علم
وفي يوم الإثنين الماضي لما كنت أنبه أن المشاركة في عيد شم النسيم هي مشاركة لأهل الخميس، وقد صنف الإمام الذهبي عليه رحمة الله كتيبًا صغيرًا قدر الكف لكنه مركز جدًا في قضية الولاء والبراء، وسماه: نهي الخسيس عن التشبه بأهل الخميس، نهي الخسيس أي: من المسلمين الذي يتشبه بالنصارى، والأعياد بإجماع المسلمين ليست من الأحكام الشرعية وإنما هي من باب العقائد، وهذا عيد من أعياد النصارى، ولما قلت: لا يجوز لمسلم أن يشارك النصارى في هذا اليوم، وهذا عيد من أعيادهم؛ قام إلي رجلان أحدهما استنكر هذا القول جدًا وقال: الأعياد ليست من العبادات، وهو قد تربى في أحضان أمريكا سبعة وعشرين عامًا، حتى تعلموا أن الذي يذهب إلى هناك وإلى دول أوروبا مهما حرص على التزامه لا بد أن يحصل له شيء من التفلت، والإنسان جزء من المجتمع، والإخوة في مصر جزء من المجتمع المصري، وبلايا المجتمع المصري يتلطخ بها الإخوة.
ولذلك من الخطأ العظيم جدًا أن تقول لرجل من الناس أو أخ من الإخوة: كيف تفعل هذا؟ وأنت تفعله! وكونك علمت أن هذا الفعل لا ينبغي منه إذًا: فلا ينبغي منك أنت كذلك، ولا ينبغي للمدخن أن يقبل أن يدخن هو ولا يقبلها من أخ ملتح، فالتدخين حرام على الحليق وعلى الملتحي، فلم يقبله الحليق على نفسه ويستنكره على الأخ الملتحي ويقول: هذا شيخ؟! وإذا دخل شيخ السينما فكل الناس ينظرون إليه ويتلفتون شمالًا ويمينًا ويقولون: كيف يدخل شيخ سينما؟! يعني: أنهم عارفون أن دخول السينما حرام؟ ويقولون: نعم دخول السينما حرام، فإذا سألتهم فلماذا دخلتم؟ يقولون: هذا شيخ، وقد يأتيه داخل السينما أكثر من مائة يلومونه مع أنهم أولى باللوم، وكل واحد منهم يقول: أنا لست شيخًا، وكأنه يقول: أنا لست مسلمًا، ولست مطالبًا بالحلال والحرام، بل كل شيء لدي جائز ومباح، فيكون هو الذي حكم على نفسه ولم يحكم عليه أحد.
وقام الثاني إلي وقال: أنا أختلف معك؛ لأن هذا عيد الفراعنة، قلت: ولو سلمنا أنه عيد فرعوني فهل يجوز الاحتفال به؟ وقصده أن الفراعنة هؤلاء قد آمنوا وتركوا الكفر، وأن الفرعنة أيضًا ليست كفرًا، يعني: أن فرعون هذا كان مؤمنًا، وهناك من يقول: إن فرعون كان مؤمنًا، وقد صُنف في ذلك كتاب اسمه: إثبات إيمان فرعون، واستدل بقوله تعالى: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠].
[ ٦٠ / ١١ ]
الفرق بين الوعد والوعيد في كلام العرب
[قال الأصمعي: كنا عند أبي عمرو بن العلاء فجاء عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو! يخلف الله وعده؟ -يعني: هل يمكن أن يخلف الله وعده؟ - قال: لا، قال: أرأيت من وعده الله على عمل عقابًا؟] ولم يقل: أريت من توعده، وهناك فرق بين الوعد والوعيد، فالوعد لا يخلفه الله، وأما الوعيد فتحت مشيئة الله، فإذا توعد الله عبدًا على فعل بعقاب فإما أن ينفذ فيه عقابه أو يعفو عنه، ونحن نقول: إن مرتكب الكبيرة يوم القيامة إذا لم يتب ولم يقم عليه الحد؛ أنه في مشيئة الله: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
فهناك فرق بين الوعد والوعيد، والله لا يخلف الميعاد، أي: لا يخلف الوعد؛ لأن وعده لا يتخلف، وإنما إذا أوعد أو توعد الله عبدًا على فعل شر فهو في مشيئته إن شاء أوقعه به، وإن شاء عفا وأصلح ﷾.
فهنا عمرو بن عبيد يقول لـ أبي عمر بن العلاء: هل يمكن أن يخلف الله وعده؟ قال: مستحيل؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩].
قال له: [أرأيت لو أن الله وعد على عمل عقابًا، وهذا الكلام لا يجوز والأصل أن يقول: أرأيت لو أن الله توعد، فأتي عمرو بن عبيد من الخلط واللبس لديه بين الوعد والوعيد، ولذلك قال له: أرأيت من وعده الله على عمل عقابًا أليس هو منجزه له؟ فقال له أبو عمر: يا أبا عثمان من العجمة أتيت -أي: هذا ليس من كلام العرب، وهذا في اللغة لا يستقيم- لا يعد عارًا ولا خلفًا أن تعد شرًا ثم لا تفي به، بل تعده فضلًا وكرمًا، إنما العار أن تعد خيرًا ثم لا تفي به].
يريد أن يقول له: إنه جاء في كلام العرب أن الواحد إذا وعد خيرًا وفى به، ولو تخلف عن الوفاء بالخير والفضل والكرم لكان هذا عارًا في حق الآدمي، فما بالك بالله ﷿؟! ولله المثل الأعلى، ومن وعد من الخلق شرًا فعفا عنه عد ذلك من الكرم، ولا يقال: إنه أخلف الوعد، وهذا كما تقول لابنك: لو لم تذاكر لأضربنك، فلو لم يذاكر ولم تضربه فلن يقول لك: يا من وعدتني وأخلفت! يا من لست قادرًا على تنفيذ قولك! بل يعد هذا من كرم أبيه وسماحته، ثم هو بعد ذلك يحاول أن يجتهد في أن يفي بما يرضي والده.
[فقال عمرو بن عبيد لـ أبي عمر بن العلاء: أهذا في كلام العرب؟ -يعني: الفرق بين الوعد والوعيد، وأن الوعد لا يتخلف والوعيد يتخلف موجود في لغة العرب؟ - قال: نعم، قال: أين هو؟ قال قول الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي] فقوله: (وإني وإن أوعدته) أي: توعدته، (أو وعدته) أي: في الخير والفضل، (لمخلف إيعادي) يعني: سوف أتوعده وأخلف هذا الوعيد، (ومنجز موعدي) أي: منفذ وعدي؛ فهذا الفرق بين الوعد والوعيد موجود في كلام العرب، فالوعيد يتخلف أحيانًا حسب المشيئة، وأما الوعد فلا يتخلف، وهذا فضل من الله وكرم.
[ ٦٠ / ١٢ ]
لا أسوة في الشر
كان الحسن البصري مبتلى بأهل البدع، فقد كان بصريًا، وأرض العراق أرض الفتن والبلايا خاصة البصرة والكوفة، والفتن فيها تموج موج البحر في كل زمان وفي كل عصر إلى اليوم.
أحدهم كان مشهورًا، واسمه على الكتب له وزنه، وقد بلغنا أنه لا يصلي، فجاء إلى الأردن سنة (١٩٨٥م)، والتقيت معه في مكة عند الشيخ سامي الأرناؤوطي حفظه الله، فقلت: يا فلان! بلغني عنك شيء قد غم كل من سمعه، قال: ادع لي ربنا يوفقني، قلت: وهل هذا الكلام صحيح؟ أنا أقول لك هذا الكلام لكي تكذب الخبر، فضحك، فقلت له: تضحك وأنت عالم وتارك للصلاة كيف ذلك؟! قال: أنا أحببت أن أتأكد أنها الصلاة، فقد يكون الأمر شيئًا آخر غير الصلاة.
فقال: يا شيخ! ادع لي، وكل إنسان مبتلى، وقد كان من السلف فلان وفلان وفلان لا يصلون، قلت له: لا أسوة في الشر، وقد ورد في ميزان الاعتدال في أسماء الرجال للإمام الذهبي ترجمة أحد الأعلام الكبار، وله مصنف في أصول الفقه في أربع مجلدات، فقال: ويغلب على الظن أنه كان تاركًا للصلاة، حتى كان ذلك محل نظر الطلاب، فاختلفوا فيه، فقال بعضهم: إنه يصلي وقال البعض الآخر: لا يصلي، فقالوا: إذا نام لطخنا قدمه بالحبر الأسود فننظر هل يذهبه ماء الوضوء أم لا؛ حتى نتيقن من دون أن نسأله؟ فبقي الحبر في قدمه يومين لم يذهب، وهذا بلاء عظيم جدًا، ولكن لا أسوة في الشر وإن أجمع الناس جميعًا على ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج، فلا يحل لمسلم قط أن يترك ذلك ويقول: فلان ترك كذا وفلان ترك كذا، وأنا كذلك أترك هذا، فهذا لا يجوز، وأنا في الحقيقة متأسف أني ذكرت ذلك.
وعمرو بن عبيد كان من رءوس البدع بعد واصل بن عطاء، ودائمًا أهل البدع يجلسون مع بعضهم البعض حتى في الدرس، فالطيور على أشكالها تقع، في حين أن الأخ الذي يأتي إلى الدرس فقط يجلس يستمع إلى الدرس ولا يهمه من هو جالس عن يمينه وعن شماله، ومن ورائه ومن أمامه.
وكان في مجلس الشافعي جماعة من أهل اللغة العربية، وهؤلاء ما كانوا يأتون لكي يسمعوا العقيدة ولا السنة ولا الأحكام ولا الحلال والحرام، وإنما كانوا يأتون لكي يستمتعوا بجمال وروعة لسان الشافعي، فقد كان الشافعي في اللغة حجة، وهذا قول أشهر من أن يذكر، فكانوا يجلسون في آخر المسجد وفي آخر الخيمة لكي يستمتعوا بكلام الشافعي، ولكي يرووا الأدبيات والفصاحة والبلاغة واللغة والكلمات التي تخفى عليهم في اللغة العربية، وهؤلاء جاءوا لغرض معين، وأما الحلال والحرام فليس طريقهم، وهؤلاء مثل شخص يقول: كلما تتكلم في الإسناد أنام، وإذا تكلمت في المتن أستيقظ، أو مثل من يقول: أنا آتي بسبب كلمة واحدة وهي حلال أو حرام، ولما تتكلم في المسألة أبقى حريصًا على سماع الكلمة النهائية حلال أو حرام، ولذلك استوقفك إذا تعديتها وأقول لك: يا شيخ! هذه المسألة حلال أم حرام؟ وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهو صاحب حق فيما يطلب، فهو يقول: أنا أريد أن أعرف هل هذه المسألة حلال أم حرام، ثم تسأله عنها بعد عشرين سنة فيقول لك: أنت قلت في مسجد الرحمة في شارع الهرم سنة كذا: إنها حرام.
[ ٦٠ / ١٣ ]
رأي واصل بن عطاء في مرتكب الكبيرة
جاء الحسن البصري شخص يسأله: يا أبا سعيد! ما تقول في مرتكب الكبيرة، وتصور لو أن شخصًا يسألني الآن سؤالًا وقام كل أحد من الجالسين يجيب، فهذا ليس من أدب العلم، ولا من أدب المجلس مهما كان ضعفي؛ لأن السؤال موجه لي وأنا صاحب المجلس.
إذًا: أنا الذي أجيب أو أطلب الجواب من الحاضرين، فقام واصل بن عطاء وقال: لا هو مؤمن ولا هو كافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم أشار إلى جماعته فقاموا وذهبوا إلى آخر المجلس، فقال الحسن ﵀: اعتزلنا واصل، فسميت هذه الفرقة بالمعتزلة إلى يوم القيامة، وهي من أعظم فرق الضلال في الأمة، وكان منشؤها في أوائل القرن الثاني الهجري على يد واصل، فهو أول من اعتزل، وأول من تكلم في مرتكب الكبيرة بكلام يخالف فيه كلام أهل السنة والجماعة.
[ ٦٠ / ١٤ ]
حال عمرو بن عبيد المعتزلي
[وغضب الحسن مرة على عمرو بن عبيد فعوتب فيه فقال: تعاتبوني في رجل رأيته -والله الذي لا إله إلا هو- في النوم يسجد للشمس من دون الله ﷿!] أي: أنه وثني.
[وعن ثابت البناني قال: رأيت عمرو بن عبيد فيما يرى النائم وهو يحك آية من المصحف].
والرؤى مبشرات أو منفرات، وهي لا يؤخذ منها عقائد، ونحن لا نحكم على عمرو بن عبيد من واقع رؤية رآها الحسن ولا أيوب ولا يونس ولا أحد من هؤلاء، لكن هذه منزلة هذا الرجل عند هؤلاء أهل الإيمان والشفافية المطلقة في الإيمان، وهم قد رأوه في النوم وصحت الأسانيد بذلك.
[قال مطر الوراق: لقيني عمرو بن عبيد فقال: إني وإياك لعلى أمر واحد -يعني: عمرو بن عبيد أراد أن يخدع مطرًا - فقال له مطر: لا والله كذب عمرو، وإنما عنى: على الأرض]، أي: على كوكب الأرض، وهذا من المعاريض التي يستخدمها أهل العلم.
وجاء رجل أيضًا إلى الحسن البصري وقال له: يا إمام! لقد داينت فلانًا بدين وأنا أريده وهو يمنعني، فجاء الرجل إلى الحسن فقال الحسن: أعطه ماله، قال: سأدفعه له اليوم أو غدًا.
فتبسم أبو سعيد فقيل له: ماذا فهمت؟ قال: فهمت أنه يقصد أنه سوف يدفعه له في الدنيا أو في الآخرة، فالمقصود باليوم الدنيا، وغدًا الآخرة، فهؤلاء أئمة لا يمكن لأحد أن يضحك عليهم؛ لأن الله نور بصيرتهم.
وأول من تكلم في القدر هو سوسن الذي كان نصرانيًا فأسلم ثم تنصر، ثم أخذ عنه معبد الجهني، وهو رجل من أهل البصرة، ثم أخذه رجل من دمشق يسمى غيلان الدمشقي، وهؤلاء هم أئمة هذه البدعة في القدر، وأما واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد فإنهما إماما الاعتزال، وعمرو بن عبيد له كلام كذلك في القدر.
[ ٦٠ / ١٥ ]
ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير عن القدر والجدال والخوض فيه
قال: [الباب الثالث: ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير في مسائل القدر، والخوض والجدال فيه.
عن أبي ذر قال: (خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتذاكرون شيئًا من القدر، فخرج مغضبًا كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟! أوما نهيتم عن هذا؟ إنما هلكت الأمم قبلكم في هذا، إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا)].
فهذه الثلاثة لا يحل لأحد أن يخوض فيها، والنجوم ليس لنا منها إلا معرفة الأوقات والشهور وحساب الزمان ومعرفة الطرق وغير ذلك، وأما استخدامها في السحر والعرافة والشعوذة فهذا شرك بالله ﷿.
وأما الصحابة ﵃ فنذكرهم بكل خير، ونتجاوز عن كل ما كان دون ذلك بينهم، فهم أولًا وآخرًا بشر يجري عليهم ما يجري على البشر، وهم أفضل البشر على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، ومذهب أهل السنة عامة الإمساك عما شجر بين الصحابة، وعدم ذكر ذلك إلا لعالم يريد أن يذكر معتقد أهل السنة والجماعة في مثل هذا، ونعتقد أنه إذا كان قد بدر منهم شيء يشين في الظاهر فلهم من الفضل والعلم والعبادة والجهاد وغير ذلك أمثال الجبال مما يكفر ما قد ورد مما كان بينهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
[وعن أبي هريرة قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى أحمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه حب الرمان، ثم أقبل علينا فقال: أبهذا أمرتم؟! أم بهذا أرسلت إليكم؟! -وهذا سؤال استنكاري- إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر -أي: في القدر- عزمت عليكم -أي: أوجبت عليكم- ألا تنازعوا فيه).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عمرو بن العاص - أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر؛ هذا ينزع آية وذاك ينزع آية -يعني: هذا يأتي بآية يثبت فيها القدر، وذاك يأتي بآية ينفي فيها القدر- فقال النبي ﵊: (أبهذا أمرتم؟! أبهذا وكلتم؟! تضربون كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه)].
[ ٦٠ / ١٦ ]
ما جاء عن السلف في النهي عن الكلام في القدر
[وقال ابن أبزى: بلغ عمر أن ناسًا تكلموا في القدر، فقام خطيبًا وقال: يا أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفسي بيده لا أسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما -وكان عمر يأتي للأمر من جذوره، ﵁- فأمسك الناس حتى نبغت نابغة في الشام].
وهو غيلان.
[وعن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عباس فقال: يا أبا عباس أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله وإياك وذكر أصحاب النبي].
فإذا ذكرت الخلاف بين معاوية ﵁ وعلي ﵁، وإذا كنت تعتقد هذا الشيء فينبغي أن تذكر جبال الطاعات والحسنات التي كانت لـ معاوية ولـ علي؛ [فإنك لا تدري ما سبق لهما من الفضل، وإياك وعمل النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر؛ فإنها تدعوا إلى كهانة]، يعني: أنها تؤدي بك إلى العرافة والكهانة والسحر، [وإياك ومجالسة الذين يكذبون بالقدر، ومن أحب أن تستجاب دعوته، وأن يزكى عمله ويقبل منه؛ فليصدق حديثه، وليؤد أمانته، وليسلم صدره للمسلمين].
[وعن أبي الخليل قال: كنا نتحدث عن القدر فوقف علينا ابن عباس فقال: إنكم قد أفضتم في أمر لم تدركوا غوره]، يعني: أن الذي يدخل ويتكلم في القدر فقل أن يرجع سالمًا.
[وقال مسلم بن يسار في الكلام عن القدر: هما واديان عريضان -أي: القضاء والقدر- عميقان، يسلك الناس فيهما، لم يدرك غورهما -يعني: مهما سلكوا فيهما فلن يصلوا- فاعمل عمل رجل يعلم أنه لن ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له].
وهذا كلام جميل ومريح.
[وقال زياد بن عمر القرشي عن أبيه: كنت جالسًا عند ابن عمر فسئل عن القدر، فقال: شيء أراد الله ألا يطلعكم عليه -أي: هو شيء ستره الله عنكم، وهو سر الله في الخلق- فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم] أو ما أخفى عنكم.
[وعن عبدة بن أبي لبابة قال: علم الله ما هو خالق، وما الخلق عاملون، -أي: أن الله تعالى علم قبل أن يخلق الخلق أنه سيخلق الخلق، وأنهم سيعملون الخير والشر- ثم كتبه -أي: كتب ذلك في اللوح المحفوظ- ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]].
قال الشيخ ابن بطة ﵀: [فجميع ما قد رويناه في هذا الباب يلزم العقلاء الإيمان بالقدر -أي: أن الإيمان بالقدر واجب-، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره]، أي الرضا بقضاء الله وقدره الشرعي، وأما الكوني: فنحن نبغض ما يبغضه الله، ونحب ما يحبه الله.
قال: [وترك البحث والتنقير، وإسقاط لم وكيف وليت ولولا]، يعني: لا تقل: لماذا ربنا خلق هذا ولم يخلق هذا؟ ولم أثاب الله فلانًا؟ ولم قتل فلانًا؟ ولم أحيا فلانًا؟ فهذا لا يمكن أن يكون خطابًا مع الله ﷿، فإن هذه كلها اعتراضات من العبد على ربه، ومن الجاهل على العالم معارضة، ومن المخلوق الضعيف الذليل على الخالق القوي العزيز، والرضا والتسليم طريق الهدى -أي: أن ترضى بما قضاه الله وقدره، وأن تسلم لله ﷿ في أمره ونهيه، هذا طريق الهدى- وسبيل أهل التقوى، ومذهب من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه، فهو يؤمن بالقدر كله خيره وشره، وأنه واقع بمقدور الله، جرى بذلك العلم والقلم، ومن يعلم أن الله يضل من يشاء؛ ويهدي من يشاء فقد سلك سبيل الرشاد، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وسأزيد من بيان الحجة عن الرسول ﷺ، وصحابته، وعن التابعين وفقهاء المسلمين في ترك مجالسة القدرية، ومواضعتهم القول ومناظرتهم والإعراض عنهم، وقد تكلمنا في هذا من قبل].
يعني: قد تكلمنا ونقلنا نقولات عظيمة جدًا عن السلف في عدم مناكحة القدرية، ومجالستهم ومناظرتهم، وعدم الصلاة خلفهم، وعدم عيادة مرضاهم، وعدم تشييع جنائزهم، ومقاطعتهم مقاطعة تامة؛ لما قاله النبي ﵊: (القدرية مجوس هذه الأمة).
[ ٦٠ / ١٧ ]
يشترط في المناظر لبيان الحق إجادة فن المناظرة
[عن الليث بن سعد المصري عن عبد الله بن عمر العمري قال: كنا نجالس يحيى بن سعيد -وهو الأنصاري - فينشر علينا مثل اللؤلؤ]، يعني: يحدثنا بحديث كاللؤلؤ، وهذا ثناء على يحيى بن سعيد عالم المدينة في العلم.
ولما ذهب الأعمش إلى المدينة -وكان في الكوفة- اجتمع الناس عليه، فقال أهل المدينة: من هذا؟ قالوا: هذا سليمان بن مهران الأعمش الكوفي، فقالوا: من هو؟ فقالوا: هذا عالم الكوفة، فقالوا: إذًا: نسمع من حديثه، فجلس الأعمش للتحديث فانبهر علماء المدينة بما عنده من العلم، وقالوا: هذا علم الكوفة؟ أي: هل أحد في الكوفة عنده هذا العلم؟ قال: [فإذا اطلع ربيعة -وهو ابن أبي عبد الرحمن صاحب الرأي- قطع يحيى الحديث؛ إعظامًا لـ ربيعة] وقد كان السلف لا يتحدثون في مجلس أو في قرية وهم يعلمون أن في القرية من هو أعلم منهم.
قال: [فبينما نحن يومًا عنده وهو يحدثنا فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:٢١] قال له جميل بن بنانة العراقي وهو جالس معنا: يا أبا محمد! -يعني: يكلم يحيى بن سعيد - أرأيت السحر من تلك الخزائن؟ قال يحيى: سبحان الله! ما هذا من مسائل المسلمين -يعني: ما ينبغي للمسلم أن يسأل هذا السؤال- فقال عبد الله بن أبي حبيبة: إن أبا محمد ليس بصاحب خصومة، ولكن علي فأقبل].
يعني: أن يحيى بن سعيد رجل عالم، وليس من أصحاب الكلام الذي تذكرون؛ فتعال إلي، ودع أبا محمد يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذا يدل على أن الرجل ربما يكون عالمًا لكنه لا يجيد المناظرة مع أهل البدع، فقد يخدعه أهل البدع، فلا يستحضر ما عنده من علم، ولو استحضر لا يعرف يرتبه، فلا بد للمناظر أن يكون عالمًا، والمناظرة فن.
وقد تمكن من هذا الفن في هذا الزمان الشيخ الألباني ﵀، وأكثر من يعجبني بعد الشيخ الألباني في المناظرة الشيخ محمد بن عبد المقصود، فإنه كالسبع يلتهم من أمامه، ولا يجادله إلا خاسر، وقد تجد الواحد يتكلم عن الشيخ محمد بن عبد المقصود بكلام غير مقبول؛ فإذا أتى أمامه طأطأ رأسه، وقد كان بالأمس يتكلم وهو رافع صوته، ولا يوجد أحد يرد عليه، فتراه يجلس على الكرسي أو تحت الكرسي ولا يريد أحدًا أن يراه، ولا يتكلم بشيء أبدًا، والشيخ جالس ينتظر أن يتكلم أي كلمة، ولكنه لا يريد أن يتكلم، ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت.
قال: [إن أبا محمد! ليس بصاحب خصومة ولكن علي فأقبل، أما أنا فأقول: إن السحر لا يضر إلا بإذن الله، هذا الذي عندي، أفتقول أنت غير ذلك؟ فسكت فكأنما سقط عن جبل.
وقال رجل من الشيعة: قلنا لـ جعفر بن محمد ﵀: إن المعتزلة تنافرنا نفارًا شديدًا -يعني: يناظرونا ويجادلونا حتى لا نقدر أن نتكلم معهم- فقل لنا شيئًا حتى نقاتلهم به -يعني: نغلبهم- فقال: اكتبوا: إن الله ﷿ لا يطاع قهرًا، ولا يعصى قسرًا].
يعني: أن ربنا لا يقهر الطائع على طاعته، كما أنه لا يمكن أن يعصى بغير إرادته، ولكنها إرادة كونية قدرية، فإذا أراد الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت، فإذا عذب فبحق، وإن عفا فبفضل.
[قال أبو عمر: وسمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: قول الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] خصوص وليس عمومًا، ولو كان عمومًا لما كفر به أحد.
[وقال عمر بن محمد العمري: جاء رجل إلى سالم بن عبد الله فقال: رجل زنا، فقال سالم: يستغفر الله ويتوب إليه، فقال له الرجل: الله قدره عليه، فقال سالم: نعم.
ثم أخذ قبضة من الحصى فضرب بها وجه الرجل، وقال: قم] أي: يا مبتدع!
[ ٦٠ / ١٨ ]
كل شيء بقدر
قال: [وقال أبو هريرة: أتيت النبي ﷺ: (فقلت: إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فائذن لي يا رسول الله! أن أختصي، قال: فسكت عني، فأعدت عليه فسكت عني أربع مرات، ثم قال: يا أبا هريرة! قد جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر)].
أي: اختصي أو اترك الخصاء فما تفعله يا أبا هريرة! مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السموات والأرض.
[وعن عبد الله بن مسعود قال: (قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ: اللهم متعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي ﵊: قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، فلن يعجل شيء قبل أجله، لو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، وعذاب في القبر؛ كان خيرًا وأفضل)].
[عن الأصمعي قال: مر أعرابي -وكان فصيحًا فاضلًا، وكان من أهل الخير- بقوم من أهل القدر يختصمون ويتناظرون، فقيل له: ألا تنزل فتجري معهم؟ -يعني: ألا تنزل تتكلم معهم في مسألة القدر، وتنظر في أي فريق فيهم تجلس؟ - فقال: هذا أمر قد اشتجرت فيه الظنون، وتقاول فيه المختلفون، والواجب علينا أن نرد ما أشكل من حكمه إلى ما سبق من علمه].
هذا القول هو ختام مسألة القدر، وبذلك يكون قد تم كتاب القدر، ويليه الكتاب الثالث وهو: الكلام عن الجهمية.
وإن شاء الله تعالى إذا فرغنا من كتاب الإبانة نبدأ في كتاب آخر من كتب السنة، وهو موسوعة في السنة، جمع كل كتب السنة المصنفة والمخطوطة بفضل الله ﷿، ويبلغ خمسة عشرة مجلدًا، وهو من تصنيف محدثكم العبد الفقير إلى الله تعالى.
[ ٦٠ / ١٩ ]
الأسئلة
[ ٦٠ / ٢٠ ]
حال الدكتور مصطفى محمود
السؤال
هل الدكتور مصطفى محمود من المعتزلة؟
الجواب
هو من المعتزلة تارة، ومن القدرية تارة، ومن الشيعة تارة، ومن الصوفية تارة، وكلما أعجبته فكرة أو مسألة في أي فرقة من فرق الضلال قال بها، إلا فرقة واحدة لا علاقة له بها وهي: فرقة أهل السنة والجماعة، وهذا يذكرني بقول ابن حبان في نوح بن أبي مريم، ونوح بن أبي مريم كان كذابًا، فقد أخذ القرآن الكريم وألف حديثًا ونسبه للنبي ﵊ وذكر فيه فضلًا لكل سورة من سور القرآن، فلما سئل عنه أبو حاتم قال: نوح الجامع جمع كل شيء إلا الخير، أي: أنه جمع الشر كله ولم يجمع من الخير شيئًا، وقوله هذا أولى به الدكتور مصطفى محمود.
[ ٦٠ / ٢١ ]
نصاب الذهب، وعياره المعتبر في النصاب
السؤال
هل نصاب الزكاة يكون إذا زاد عن خمسة وسبعين جرام ذهب؟ وهل عيار الذهب المعتبر في القياس هو واحد وعشرين أو أربعة وعشرين؟
الجواب
عيار الذهب المعتبر هو أربعة وعشرين؛ لأن هذا هو الذهب الخالص، والزكاة لا تجب إلا في الذهب الخالص إذا بلغ خمسة وثمانين جرامًا؛ لأن الذهب -كما في الحديث- لا تجب فيه الزكاة إلا إذا بلغ عشرين مثقالًا، والمثقال الواحد أربعة جرامات وربع، وأربعة وربع في عشرين تصير خمسة وثمانين، فإذا كانت المرأة عندها مثلًا ذهب عيار سبعة عشر أو عيار واحد وعشرين فعليها أن تحسب العيار في مجموع ما عندها من جرامات على أربعة وعشرين، فيكون الناتج للجرام أربعة وعشرين، فتضيفه إلى ما عندها من أربعة وعشرين، فإذا بلغ مجموع ما عندها خمسة وثمانين جرام ذهب أو ما فوق فيجب فيه ربع العشر: اثنان ونصف في المائة.
[ ٦٠ / ٢٢ ]
المصنفات في القدر
السؤال
هل كتاب الإبانة هو أصل ما صنف في باب القدر أم هناك مصنفات أخرى أفضل؟
الجواب
لا شك أنه أكثر استيعابًا، وهناك كتاب السنة للخلال، وكتاب السنة للإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل، ولكن بتفاوت بينها في ذكر النصوص.
[ ٦٠ / ٢٣ ]
معنى السنة الحسنة الواردة في حديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة)
السؤال
قرأت حديثًا للنبي ﷺ معناه: (أن من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها) إلى آخر الحديث، فما معناه؟
الجواب
هو حديث صحيح، والقرآن لا يفهم إلا بأسباب النزول، وكذلك السنة لا تفهم إلا بأسباب الورود، ولو نظرنا في المناسبة التي قيل فيها هذا الحديث لوجدنا أن القصة التي قيل فيها هي: أن قومًا أتوا إلى النبي ﷺ مجتابي النمار تعلوهم مناظر الجوع والكآبة والفقر، فلما رآهم النبي ﵊ غضب لذلك وحزن واغتم، فلمح ذلك في وجهه رجل من أصحابه، فقام إلى بيته فأتى بما عنده من طعام وغذاء، فلما رأى الصحابة ذلك تنبهوا وقام كل منهم إلى بيته، فأتى أحدهم بما عنده من طعام، وبما عنده من غذاء، وبما عنده من شراب ووضعوه في نطع -أي: قطعة من الجلد المفروشة- حتى أصبح كومة عظيمة، فحملوها حتى كادت أيديهم أن تكل، بل قد كلت، أي: عجزت عن حمل هذا المتاع الذي جمع من هنا وهناك، فحينئذ تهلل وجه النبي ﷺ وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة)، والذي سنها هو الأول الذي ذهب إلى بيته وفطن لمراد النبي ﵊.
وهذه السنة كانت مشروعة في الإسلام، فأصل الصدقة قد حث عليها القرآن وحثت عليها السنة، فقد قال النبي ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا)، وبالمقابل من سن في الإسلام سنة سيئة أو أحيا بدعة أميتت فعليه وزرها ووزر من عمل بها.
ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما جمع الناس على صلاة الليل والقيام والتهجد في رمضان على أبي بن كعب؛ نظر إليهم وقال: نعمت البدعة.
وقيام رمضان جماعة في المسجد سنة، وقد كان النبي ﵊ هو المشرع لها أصلًا، بدليل ما صح عنه أنه صلى أول يوم في بيته فصلى بصلاته الناس في المسجد، وفي اليوم الثاني ازداد الناس وكثروا حتى امتلأ المسجد، وفي اليوم الثالث لم يخرج النبي ﷺ إليهم؛ لأنه قد خرج في اليوم الثاني، وخرج في صلاة الفجر، وقال: (لقد علمت ما كان منكم)، أي: ولكني لم أخرج متعمدًا؛ مخافة أن تفرض عليهم.
فالأصل فيها أنها سنة مؤكدة مستحبة، فالنبي ﵊ فعلها، وإن فعلها مرة فقد ثبت بذلك سنيتها واستحبابها، وكم من أمر مندوب فعله النبي ﷺ مرة لبيان استحبابه أو لبيان الجواز، وأبو بكر الصديق ﵁ لما كلم في هذا قال: والله ما كنت لأفعل شيئًا تركه النبي ﷺ، وكان يصلي في بيته؛ لأن النبي ﷺ صلى في المسجد وخرج، وكان آخر الأمرين منه الترك فتركه أبو بكر.
وعمر اجتهد في هذه المسألة وخالف أبا بكر، فجمع الناس على صلاة القيام في المسجد، وقال: نعمت البدعة هي، وعلى فرض صحة هذا اللفظ عن عمر ﵁ فإنه لم يبتدع في دين الله شيئًا محدثًا جديدًا، وإنما رجعت الأمة إلى الأمر الأول الذي شرعه النبي ﷺ أولًا.
فحينئذ لا يقال: إن عمر ابتدع في الدين، وإنما هو سن فيه سنة حسنة، ومعنى سنة حسنة أي: أن أصلها بإقرار الشرع، والبدع المذمومة هي التي أحدثت في الدين على غير مثال سابق، وليس لها دليل في الكتاب والسنة، ومع ذلك يراد بها التقرب إلى الله ﷿.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٦٠ / ٢٤ ]