تختلف الذنوب التي يقترفها العبد وتتفاوت، ومنهج أهل السنة في مرتكب الذنب أنه مؤمن عاص، وأن الذنوب التي ورد النص بكفر فاعلها إنما يقصد به الكفر غير المخرج من الملة إن لم يستحلها، وهذا المنهج خلاف منهج بعض فرق الضلال الذين يكفرون مرتكب المعصية.
[ ٣٣ / ١ ]
ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج به من الملة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
أما بعد: فقد ذكرنا في الدرس الماضي حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) إلى آخر الحديث، وقلنا: إن أهل العلم اختلفوا في معنى قوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وهل يسلب عنه الإيمان بالكلية أم يسلب منه كمال الإيمان وتمامه؟ وذكرنا تسعة آراء وتأويلات لأهل العلم، وأرجحها: أن المنفي في هذه النصوص هو كمال الإيمان وتمامه؛ لأنه لو كان المعنى أن الإيمان يرتفع عن الزاني حين يزني ويزول عنه لدخل في الكفر، ثم لابد أن نقول بأن مرتكب الكبيرة كافر، والقائلون بذلك هم الخوارج، وأما المعتزلة فقالوا: ليس كافرًا ولا مؤمنًا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين، وهذا حكمه في الدنيا، وأما في الآخرة فإنهم جعلوه من المخلدين في النار، وهذا الكلام في غاية السقوط والتهافت.
وذكرنا في الدرس الماضي كلام غير واحد من أهل العلم بأن الإسلام دائرة عامة كبيرة، وأن الإيمان دائرة في وسطها أخص.
وقلنا: إن المرء حتى يدخل هذه الدائرة العظيمة وهي دائرة الإسلام لا بد أن يكون معه أصل الإيمان.
وقلنا: إن الإيمان درجات، فمنه أصل الإيمان الذي يعبر عنه أهل العلم بمطلق الإيمان.
والنصوص التي تنفي الإيمان عن فاعل الكبائر أو المعاصي إنما تنفي عنه كمال الإيمان أو الإيمان المطلق، وأما مطلق الإيمان الذي هو الأصل والجزء الذي لا يتم إسلام المرء إلا به فلم تتعرض له النصوص التي ذكرناها، وأما النصوص الأخرى التي تحكم على الشخص بالردة مثلًا أو الكفر أو الجحود أو غير ذلك فإنها تخلع عن المرء الإيمان والإسلام بالكلية، وأما النصوص التي ذكرناها في الدرس الماضي فهي تخرج الفاعل لهذه المعصية من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة، وهذا لا ينفي أن يكون معه أصل الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به.
الباب الثاني -وهو أول الجزء السادس من هذا الكتاب- يقول الشيخ ابن بطة رحمه الله تعالى: باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج به عن الملة.
وذكر فيه الذنوب والمعاصي التي إذا ارتكبها المرء فإنه يكفر بها، وهي من باب الكفر العملي لا الاعتقادي.
[ ٣٣ / ٢ ]
الكفر كفران
الكفر كفران: كفر أكبر وأصغر، والشرك شركان: شرك أكبر وأصغر، والنفاق نفاقان: نفاق أكبر وأصغر، والفسق فسقان: أكبر وأصغر.
فقول النبي ﵊: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وفي رواية: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، (أو) ليست للشك من الراوي، بدليل أن رواية أخرى قالت: (من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك)، فهل هذا الكفر كفر أكبر اعتقادي وليس كفرًا عمليًا أصغر؟ والفارق بين الكفرين أن الكفر الاعتقادي يخرج المرء من الملة، فالكفر الأكبر هو الكفر الاعتقادي أو الكفر العملي الذي يأتي به المرء عملًا أو يقول قولًا يستلزم خروجه من الملة.
والإيمان قول وعمل، والكفر كذلك قول وعمل فضلًا عن الاعتقاد؛ لأنه لا خلاف في أن من اعتقد أن لهذا الكون إلهين فقد كفر وخرج من الملة؛ لأنه جعل ندًا وشريكًا لله ﷿ في ملكه وخلقه، فمن اعتقد ذلك خرج من الملة عند جميع أهل الأرض.
فقوله ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك) من الكفر الأصغر الذي لا يخرج به من الملة، والدليل على ذلك قوله ﵊: (من حلف بغير الله فليقل كفارة ذلك: لا إله إلا الله).
وأيضًا ما جاء أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: (واللات والعزى، فقال: لا تقل: واللات والعزى، من كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت).
ولو كان الحلف على هذا النحو كفرًا مخرجًا من الملة لأقام عليه النبي ﵊ حد الردة أو استتابه، فإن تاب وإلا قتله.
ولما لم ينقل إلينا هذا ولا ذاك علمنا أن هذا مثال الكفر العملي أو الأصغر.
[ ٣٣ / ٣ ]
حديث أبي بكر (الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل)
وقد ذكر الإمام هنا طائفة من النصوص التي تدل على أن بعض الذنوب التي يرتكبها العبد يكفر بها، وأثبت أن الكفر الثابت فيها ليس كفرًا اعتقاديًا، وإنما هو كفر عملي أصغر، كما في حديث [أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل)]، يعني: أن الشرك يسرع إلى قلوبكم؛ لأنه شرك خفي، وهو الرياء، فسمى النبي ﵊ الرياء هنا شركًا.
ومفاد النصوص التي وردت في هذا الباب أن من راءى بعمله فقد حبط عمله، ولكن لم تقض النصوص بكفره.
وقد ذكر ابن الجوزي في باب التحذير من الرياء أن رجلًا كان يصلي، فدخل عليه إنسان آخر فبعد أن كان يسرع في صلاته ولا يعبأ بها ولا يقيم صلبه ولا يخشع أطالها، وأطال فيها الركوع والسجود وغير ذلك، فقال الداخل: ما أحسن صلاة فلان! فالتفت إليه هذا المصلي وقال له: ومع هذا فإني صائم، يعني: أضاف عبادة أخرى إلى عبادته التي راءى بها؛ ليثبت أنه من أهل الصلاح لمن نظر إليه.
وقد اختلف العلماء في صحة عمل المرائي إذا بدأه بالرياء أو ختمه به، كأن تكون عادته أنه لا يصلي الليل، فإذا زاره إنسان أو صديق أو عزيز عليه نهض لقيام الليل وقراءة القرآن، وأطال ذلك وحسنه حتى يقول الزائر: إن هذا الإنسان من قوام الليل، مع أن الباعث له على العمل الرياء، أو أنه يصلي قيام الليل وهذا من عادته، ولكنه يصلي على نحو معين وكيفية معينة غير هذه الكيفية، فإذا زاره أحد غير الكيفية إلى الأحسن؛ رجاء المدح والثناء، ولكن هذا كان في أثناء الصلاة أو في آخرها، فمن اعتبر أن الأعمال بالخواتيم أبطل هذه الصلاة، ومن اعتبر أن الأعمال بمقاصدها الأولى قال: لا تبطل العبادة إلا إذا دخل فيها لغير الله ابتداء، والمسألة محل بحث طويل، وقد تعرض لها الحافظ ابن رجب في شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، في كتاب جامع العلوم والحكم، فمن شاء فليرجع إليه؛ ليقف على كثير من النصوص التي تحذر من الرياء في القول والعمل.
قال: [قال ﵊: (الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل أو دبيب الذر)].
والذر: هو النمل، [(قال أبو بكر: يا رسول الله! أيكون شركًا لا يجعل مع الله إلهًا يعبد من دونه؟)]، يعني: هل هناك شرك غير الشرك الذي هو إشراك إله آخر الله تعالى في العبادة؟ [(فقال النبي ﵊: ثكلتك أمك يا أبا بكر!)].
وهذه كلمة كانت تقولها العرب لا يقصدون بها الدعاء، وإلا لو قصد النبي ﷺ بها الدعاء لمات أبو بكر فورًا، لكنه لم يقصد الدعاء، وهذا كما قال لـ أبي ذر: (ثكلتك أمك يا أبا ذر!)، فهذا من الكلام الدائر على ألسنة العرب، كما قال ﵊: (أفلح وأبيه إن صدق).
فهو لا يقصد به اليمين، أو أنه قبل ورود النهي في ذلك.
قال: [(وقال يا صديق! الشرك أخفى من دبيب النمل أو دبيب الذر، ولكني سأدلك على ما يذهب صغار الشرك وكباره -أو قال: صغير الشرك وكبيره- تقول عند الصبح: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)]، أي: أن يستعيذ بالله مما وقع منه من شرك وهو يعلم، ومما وقع منه من شرك وهو لا يعلم.
[ ٣٣ / ٤ ]
حديث أبي بكر (كفر بالله ﷿ ادعاء نسب)
قال: [قال أبو بكر سمعت النبي ﷺ يقول: (كفر بالله ﷿ ادعاء نسب لا يعرف، وكفر بالله تعالى تبرؤ من نسب وإن دق)].
فلو أن شخصًا سئل عن اسمه فقال: اسمي كذا، فقيل: من أبوك؟ فقال: فلان وذكر رجلًا آخر غير أبيه، كأن يكون اسمه محمد بن أحمد فقال: محمد بن إبراهيم، فهو ملعون، والنبي ﵊ يقول: (لعن الله من انتسب لغير أبيه).
واللعن في حق المسلم يدل على الكبيرة، فالله تعالى لعن الكافرين في كتابه، ولعن من ارتكب ذنوبًا معينة من المسلمين في كتابه، ولعن المذنب لا يخرجه عن الإسلام، وإنما هو علامة من علامات الكبائر، فمن علامات الكبائر أن يأتي فيها الوعيد الشديد، وللكبائر علامات تعرف بها، ويكفي ورود علامة واحدة ليكون هذا الذنب من الكبائر.
ومن هذه العلامات هي: العلامة الأولى: أن يأتي فيه التهديد والوعيد الشديد بالنار أو العذاب أو السخط أو اللعن أو غير ذلك.
العلامة الثانية: أن يقام عليه الحد في الدنيا؛ لأنه لا حد إلا في كبائر الذنوب.
فاللعن دليل على أن هذا العمل من الكبائر، كما في قوله ﷺ: (لعن الله من غير منار الأرض).
فلو أن الحكومة وضعت على مفترق طرق علامة مكتوبًا عليها: المنصورة على بعد (٥٠) كيلو نحو اليمين، فجاء شخص وغير هذه العلامة إلى مفرق طريق المنفية، وقال: المنصورة على بعد (٥٠) كيلو من هنا، فإذا بالمار يجد نفسه في المنفية، فهذا بلاء عظيم جدًا على من يقصد المنصورة أن يذهب المنفية، فمن فعل هذا فقد دخل في لعنة الله تعالى ولعنة رسوله والملائكة والمؤمنين، (لعن الله من غير منار الأرض)، وفي رواية: (من غير منار الأرض فليس منا).
وقال ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، يعني: أفسدها على زوجها، إلى غير ذلك من هذه الأحاديث أو النصوص التي حملت وعيدًا شديدًا فيما يتعلق ببعض الذنوب.
وهذا الذي غير العلامة من مفرق المنصورة إلى مفرق المنفية لا يكفر بذلك، ولا يقول هذا إلا من كان من الخوارج.
فهذه النصوص خرجت مخرج التهديد والوعيد الشديد لمن فعل ذلك في الحياة، فهو ذنب عظيم جدًا يلزمه أن يتوب منه.
[ ٣٣ / ٥ ]
الكبيرة لا تستلزم الحد
ولا يلزم أن الكبيرة تستلزم الحد، والدليل على ذلك أن عقوق الوالدين كبيرة باتفاق أهل العلم، ولم يخالف في ذلك أحد، ولا يجب على الحاكم أن يقيم عليه الحد، وليس هناك نص يأمر بهذا، بل قد ورد الوعيد والتهديد الشديد لمن عق والديه بالنار، كما قال النبي ﵊ لما صعد درجات المنبر، فقال في كل مرة: (آمين آمين آمين، فقالوا: يا رسول الله! سمعناك تقول قولًا ما سمعناك تقوله من قبل، فقال: أتاني جبريل وقال: يا محمد! رغم أنف امرئ أدرك والديه أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة).
فقوله: (رغم أنف) للتهديد، وهذا دليل على الخسران والهوان والذل في الدنيا والآخرة.
وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]، فأخبر ﷾ في هذا الكلام أن قطيعة الرحم متعلقة بالفساد في الأرض أو هي من الفساد في الأرض، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد من الله ﷿.
فالكبيرة لا تستلزم أن يكفر صاحبها كفرًا أكبر، بل هذا مذهب الخوارج، كما أنه لا يلزم منها إقامة الحد.
وقوله ﵊: (كفر بالله ﷿ ادعاء نسب لا يعرف) هذا من الكفر العملي الذي لا يخرج به صاحبه من الملة، ولكن النبي ﷺ قال ذلك لبيان عظم وهول هذا الأمر.
[ ٣٣ / ٦ ]
حكم التبني
وهناك سؤال يطرح كثيرًا، وربما لا يمر أسبوع أو أسبوعان إلا وهناك من يسأله، وهو أنه يقول: أنا لم أرزق بأولاد، فذهبت امرأتي إلى الملجأ الفلاني وأتت بولد، أو ذهبت إلى الملجأ فوجدت ولدًا على باب الملجأ في خرقته، وكان جميلًا، فعز عليها أن تتركه فأتت به، وأنا قد سميته باسمه ونسبته لنفسي، فهل هذا العمل حلال؟
و
الجواب
هذا العمل حرام، وفيه من المحاذير الشيء الكثير، المحذور الأول: أنه نسبة إلى غير الأب الشرعي، وهذا باطل، فقد أبطل الإسلام التبني، وقد كان زيد يدعى زيد بن محمد ثم صار يدعى زيد بن حارثة، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، يعني: انسبوهم لآبائهم؛ لأن هذا هو العدل الذي فرضه الله ﷿.
المحذور الثاني: أن هذا الولد سيتعامل مع هذا الرجل على اعتبار أنه أبوه باستمرار، وبالتالي ستكون امرأة هذا الرجل هي أمه باستمرار، فيتعامل معها ويدخل عليها بعد أن يبلغ السن التي يكلف فيها بغض النظر إلى النساء، وهو سيتعامل مع هذه المرأة الأجنبية عنه باعتبار أنها أمه، وربما قبلها أو حضنها أو نام بجوارها أو سافر معها أو غير ذلك.
المحذور الثالث: ربما يرزق الأب بأولاد آخرين، فيدعون أخوة أو أخوات لهذا الأجنبي، وليس الأمر كذلك، وإنما هذا الولد حلال له أن يتزوج بهذه البنت التي رزق بها هذا الأب الدعي، ولكن الوضع القائم يحرم عليه أن يتزوج منها؛ لأنها أخته في الأوراق الرسمية وغير ذلك.
المحذور الرابع: إذا مات الأب الدعي النسيب أو ماتت الأم فإن هذا الولد المتبنى هو الذي يرثهما، وحينئذ يأخذ هذا الولد مالًا ليس له، ويأخذه بغير حق، وكذلك إذا مات هذا الولد وكان له مال ورثه أمه وأبوه المزعومان، فيأخذان مالًا ليس لهما.
وهذه كلها مخالفات وظلمات بعضها فوق بعض، وهذه المخالفات هي الإعراض عن شرع الله ﷿ أو الوقوع فيما نهى الله ﷿ عنه، وهذا من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة، ولكنه كبيرة من الكبائر.
قال: (وكفر بالله تعالى تبرؤ من نسب وإن دق)، أي: وإن كان صغيرًا أو حقيرًا يراه الإنسان.
وإذا قال الأب لابنه: أنت لست ابني وأنا لا أعرفك، وقال هذا الكلام زجرًا للولد أو تهديدًا له، أو طرده من البيت أو غير ذلك فلا بأس به، ولا يترتب عليه أحكام، وأما لو أنكر في مجلس القضاء أنه ولده أو نفاه عن نفسه تمامًا؛ فلا شك أن هذا نفي لنسب صحيح، فلا يحل له أن ينفيه عن نفسه، كما أنه قذف لأم الولد.
وهذه المسألة خطيرة جدًا.
[ ٣٣ / ٧ ]
حديث أبي هريرة (لا ترغبوا عن آبائكم)
قال: [قال أبو هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا ترغبوا عن آبائكم)، أي: لا تزهدوا في النسبة إلى آبائكم الشرعيين.
[(فإنه من رغب عن أبيه فإنه كفر به).
والحديث رواه الشيخان، يعني: كفر بذلك، وهذا كفر عملي، والكفر العملي إن استحله المرء بعد قيام الحجة عليه وبلوغ العلم إليه خرج عن ملة الإسلام.
والمهاجرون إلى أوروبا وأمريكا في أيامنا هذه يسعدهم ويشرفهم جدًا أن يتخلصوا من نسبهم تمامًا، فبعد أن كان اسمه محمد بن أحمد بن إبراهيم بن زيد يصبح اسمه هناك كذا ابن كذا، ويتسمى باسم إنجليزي أو أمريكي يشتهر في البلاد التي نزل فيها، وهذا يكون عند أخذ ما يسمى عندهم الكرت الأخضر أو التأشيرة النهائية أو الرخصة أو الجنسية، فيحلو له أن يغير اسمه تمامًا، ثم إذا نزل في مطار القاهرة وسئل عن اسمه قال: اسمي ماركو بن شارون.
وهذا دمه خفيف، ويعرف في أي مكان.
فالتسمي بغير الأسماء الحقيقية في النسب هي رغبة عن النسبة للآباء الشرعيين، وفاعل هذا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه قد قامت عليه الحجة، فيكون كفرًا أكبر.
قال الحافظ في شرح هذا الحديث: المراد من استحل ذلك، يعني: المراد أنه كافر كفرًا مخرجًا من الملة إذا استحل ذلك مع علمه بالتحريم، أي: أنه إذا استحل ذلك مع قيام الحجة عليه وأصر عليه فإنه يكفر به ويقتل.
قال: أو المراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما ورد على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أن فاعله فعل فعلًا هو شبيه بأفعال الكفار فنسب إليهم ولم يكن منهم.
وقال النووي في شرح هذا الحديث: له تأويلان: أحدهما: أنه في حق المستحل، يعني: يكفر به ويخرج من دائرة الإسلام، والثاني: أنه كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يخرج به من الملة.
وإذا كان مستحلًا مع قيام الحجة عليه وبلوغ العلم إليه كفر كفرًا أكبر.
وإذا كان هذا النص على ظاهره ليس مرادًا فيحمل على أنه كفر النعمة والإحسان، ويعني: الكفر بحق الله تعالى وحق الأب.
[ ٣٣ / ٨ ]
حديث ابن مسعود (سباب المسلم فسوق)
قال: [عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)].
والسباب فوق الشتم، فالإنسان السباب طويل اللسان، بخلاف من سب مرة أو مرتين، وسباب المسلم فسوق، ولكن هذا الفسق لا يخرجه من الملة.
وأما قوله: (وقتاله كفر) أي: إذا كان مستحلًا لذلك.
وقتل المؤمن ليس كفرًا، ولا يكفر القاتل، وقال ابن عباس: لا توبة لقاتل المؤمن، وهذا القول انفرد به ابن عباس ولم يوافقه عليه أحد من الصحابة، وقيل: إن ابن عباس رجع عنه.
والدليل على أن قاتل المؤمن ليس كافرًا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨].
فسماه أخًا.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، أي: بغت إحدى هاتين الطائفتين المؤمنتين على أختها، فسمى هذه مؤمنة وهذه مؤمنة مع أن بينهما قتالًا أو مقتلة، وهذا أمر لا ينجو فيه من قتل بعض الأفراد من الطائفتين أو قتل الطائفتين جميعًا، ومع هذا سماهم الله تعالى مؤمنين، وهذا يدل على أن قاتل المؤمن لا ينفى عنه الإيمان بالكلية، وإنما ينفى عنه كمال الإيمان وتمامه، ويبقى له أصل الإيمان.
ولو أن أحدًا ذهب إلى مؤمن ليقتله فقيل له: قتلك لهذا المؤمن ذنب عظيم جدًا، فقال: ليس بذنب أصلًا، فقيل له: هل فعل ما يستوجب القتل؟ قال: لا، ولكني سوف أقتله، فقيل له: لقد حرم الله تعالى القتل بدليل قوله سبحانه كذا وقول رسوله كذا وإجماع أهل العلم وغير ذلك، فقال: ومع هذا فأنا سأقتله وذهب فقتله؛ فهذا مستحل، وقد قامت عليه الحجة بحرمة هذا الدم ولكنه لم يعبأ بهذه النصوص، فقتل من غير تأويل سائغ ولا اجتهاد مقبول، بل رأى أن قتل هذا الرجل ليس حرامًا وإنما هو حلال.
قال: [وقال ابن مسعود: سباب المؤمن فسوق وأخذ برأسه كفر].
وقوله: (أخذ برأسه) يعني: قطع رقبته.
[ ٣٣ / ٩ ]
حديث (من أتى عرافًا أو كاهنًا)
قال: [وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)].
وهذا يشمل العراف والكاهن والساحر وغير ذلك، فلو أن إنسانًا أتى أحدًا منهم وصدقه بما يقول، فهذا منه ما يكون كفرًا أكبر ومنه ما يكون كفرًا أصغر، فأما الأصغر فمثل إنسان عز عليه ما ضاع منه فدله عليه هذا الساحر أو الكاهن أو العراف أو الدجال، فذهب إلى هناك وهو يعلم في نفسه أن هذا حرام، فهذا لا يدل على الاستحلال، وإنما ذهب رجاء الحصول على الشيء الذي ضاع منه فقط، وهو يكره ذلك جدًا، وهذا من الغيب الذي أطلع الله ﷿ عليه بعض خلقه.
وأهل العلم يقولون: حد الساحر ضربة بالسيف، وجماهير أهل العلم على أن الساحر لا يكفر، والبعض على أنه يكفر؛ لأنه لا يتعلم السحر إلا إذا كفر بالله ﷿ حتى يكون له من الأقران والجن والشياطين من يطيعونه في أمره ونهيه.
والذهاب إلى الساحر أو العراف أو الدجال أو من يضرب الودع أو في الرمل وغير ذلك في حد ذاته كفر، وأما الذاهب إليه فإنه يكفر كفرًا عمليًا، فإن اعتقد أن هذا الساحر يعلم الغيب فقد كفر كفرًا أكبر؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله ﷿.
قال: [وعن صفية ﵂ عن بعض أزواج النبي ﷺ قال: (من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا)].
[ ٣٣ / ١٠ ]
حديث (ثلاث من الكفر بالله: النياحة وشق الجيب والطعن في النسب)
قال: [عن كريمة بنت الحسحاس المزنية قالت: سمعت أبا هريرة في بيت أم الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ: (ثلاث هن من الكفر بالله: النياحة، وشق الجيب، والطعن في النسب)].
ولو أن كل من ناح خرج من الملة فربما لا يبقى في الأمة أحد، فالبلدة كلها تنوح على الميت، فمنهم من ينوح ليؤدي واجبًا، ومنهم من ينوح ليرجع الجميل؛ لأنه قد نيح له من قبل، ومنهم من ينوح بإخلاص، يعني: أنه قد مسه ألم الموت ونزلت به المصيبة.
والعرب تقول: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، وكان العرب إذا مات لهم ميت يستأجرون نساء يلطمن وجوههن ويشققن جيوبهن، ويقفن على الباب ينحن؛ حتى يعرف الذي في الخارج أن هذا البيت فيه ميت، وكانوا يعتبرون أن النياحة على الأبواب هي النعي، ولذلك جاء في صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ نهى عن النعي، أي: نعي الجاهلية.
وقال هنا: (ثلاث هن من الكفر بالله)، أي: الكفر العملي، فواحدة تقول: يا جملي! يا سبعي! يا الذي كنت مالي في البيت! وهكذا، وهذا نوع من أنواع النياحة.
والقائلة بهذا لا شك أنها واقعة في كبائر الذنوب، لكنها لا تكفر بذلك.
وكذلك الشاقة لجيبها أو الشاق لجيبه يعني: الذي يدخل يده في الثوب أو تدخل يدها في الثوب وتشقه كله، وهذا عمل من أعمال الجاهلية، والمرء لا يكفر بهذا كفرًا يخرجه عن الملة.
وكذلك الطعن في النسب، مثل من يقول: فلان ليس ابن فلان، وإنما فلان هذا زنى بأمه وقد أخبرني بذلك، وحتى لو كان الأمر كذلك فلا يحل التكلم بهذا، وإقرار الزاني عندك لا قيمة له؛ لأن العبرة بإقرار المذنب أمام القاضي أو الحاكم والسلطان، وأما أمامك فلا عبرة به، بل لو تكلمت به لكنت قاذفًا، ووجب إقامة حد القذف في ظهرك.
والشهادة بالزنا لا يقبل فيها إلا أربعة شهود، ويشهدون أنهم قد رأوا الإيلاج حقيقة، يعني: رأوا الذكر في فرج المرأة، وإلا لم يحل لهم أن يتكلموا بكلمة واحدة، وإذا تكلم ثلاثة وجب على الحاكم أن يقيم عليهم الحد.
وقد رمي رجل في زمن عمر بن الخطاب باللواط بطفل، فشهد الأول عند عمر أنه رأى، وشهد الثاني أنه رأى، وشهد الثالث أنه رأى، فجاء الرابع فقال عمر: اتق الله ﷿ في أخيك هل رأيت؟ قال: يا أمير المؤمنين! رأيت شرًا، قال: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن فلانًا وفلانًا قد التحفا بلحاف واحد يرتفع وينخفض، فقال عمر: الله أكبر، ثم أقام حد القذف على الثلاثة.
والحدود تدرأ بالشبهات، وليس لازمًا من كون الرجل مع المرأة في لحاف واحد، أو رجل مع رجل، أو امرأة مع امرأة؛ أنه قد تم بذلك الزنا أو اللواط أو السحاق.
ولما كانت هذه من الأمور العظائم في الأمة وضع لها الشرع ضوابط دقيقة وسديدة، حتى لا تتهم الأعراض أو الأشخاص الذين هم في أصل أمرهم برآء من هذه الذنوب، وهذه الدساتير الواقية من انتشار الفواحش في المجتمع المسلم كفيلة بنقاء وصفاء هذا المجتمع، وأما نشر الأخبار هكذا بأن فلانًا زنا بأمه، وفلانًا يعمل كذا، والرجل مع بنته، والبنت مع أبيها، وغير ذلك على صفحات الجرائد، بل وتخصيص مجلات لنشر هذه الأخبار؛ فهذا باب عظيم من أبواب إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.
ولذلك تجد الإنسان لا يعرف شيئًا عن هذه الحوادث، لكنه إذا قرأ جريدة الحوادث حصل عنده حب واستطلاع لممارسة هذه الحوادث بنفسه، وأنا أنكر على مثل هذه المواقف، ولا أريد الاستفاضة في هذا الباب؛ حتى لا أقع فيما أحذر منه.
[ ٣٣ / ١١ ]
حديث ابن عمر (من قال لأخيه يا كافر)
قال: [عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قال لأخيه: كافر فقد باء بها أحدهما)]، يعني: إما أن يكون كذلك وإما أن ترجع إليه، فإذا قال فلان عن فلان: إنه كافر، وقصد الكفر العملي لارتكابه ما قد يؤدي به حقًا إلى الكفر العملي فهو أولى بذلك، وإذا استوجب فاعل من اتهم بالكفر الكفر الأكبر كان أحرى وأولى أن يلحق ذلك به، ومثال ذلك: لو قال رجل الآن: نوال السعداوي كافرة ومرتدة فهذا اتهام، ولا بد أن ننظر في حيثياته، وما الذي جعل القائل يقول: نوال السعداوي مرتدة وكافرة؟ فيقول: نوال السعداوي تقول: الحج وثنية، مع نصوص الكتاب والسنة الآمرة به، وقد زعمت هذه المجرمة الملحدة المرتدة أنها قرأت القرآن أربعين مرة ودرسته على يد أبيها، ولا نعلم من أبوها هذا، ثم تقول: وأنا طلقت قبل زوجي هذا اثنين، وفي رواية لها تقول: وأنا خلعت قبل زوجي هذا اثنين، لو أنها اختلعت من زوجها فهذا قد أقره الشرع، ولكنها تقول: وأنا طلقت قبل هذا، والطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة.
وثالثًا: أنها أنكرت الختان، واتهمت الشريعة، ورابعًا: أنها تكلمت على الفقهاء والعلماء وقالت: إن عندهم لوثة جنسية، وأنا لا أدري ما مصدر هذا القول، وهل فجر بها أحد مشايخ الدين أو علماء الشريعة؟ أو أن أحدًا منهم طلب أن يجامعها أو يزني بها، أنا لا أظن أن كلبًا أو خنزيرًا تتوق نفسه ويشتاق إلى مواقعتها، فضلًا عن آدمي حتى وإن كان كافرًا أو مرتدًا، فضلًا عن أن يكون شيخًا من شيوخ الدين.
وهذا بلا شك إهدار لكرامة الإسلام والمسلمين، وهو باب عظيم جدًا من أبواب الكفر والردة، وقالت غير ذلك الشيء الكثير جدًا الذي يهدم ثوابت وأصولًا في الدين.
إذًا: قول القائل: إنها مرتدة وكافرة وخارجة عن الملة لا ينكر عليه، بل هي أولى به؛ لأنها قد أتت ما استوجب لحوق الكفر ونسبته إليها، وأما إذا لم تقل شيئًا من ذلك ولم تأت ما يستوجب الخروج من الملة ونسبها إلى الردة والكفر، فهو بلا شك أولى بهذا الحكم.
وهذا واق من الوقيعة في أعراض آخرين إلا بحقها، ولذلك قال ﵊: (من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عصم بها دمه وماله وعرضه إلا بحقها وحسابه على الله).
قال: [وعن ابن عمر قال النبي ﵊: (من كفر أخاه فقد باء بها أحدهما)].
قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا قال الرجل للرجل: أنت عدوي فقد كفر أو فقد كفر أحدهما بالإسلام]، يعني: إما أن يكون المقول له هذا القول أولى بذلك أو أنها ترجع إلى القائل.
[ ٣٣ / ١٢ ]
حديث ابن مسعود (أنه سئل عن الرشوة)
قال: [عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال: هي من السحت، أي: من الحرام، قال: فقال: أفي الحكم؟ يعني: هذا من السحت في الحكم؟ قال: ذلك الكفر]، أي: أن الرشوة في الحكم أو السحت في الحكم من الكفر وليس من السحت فقط، ولكنه كفر عملي، وهذا كما لو كان شخص له شيك على أحد من الناس لا يقدر على أخذه، فلما عرف الدائرة التي ستعرض فيها قضيته وعرف القاضي الذي سوف ينظر في القضية -والقضاة معظمهم ذممهم خربة- ذهب إليه في بيته وقال له: أنا لي شيك بخمسة آلاف جنيه، فخذ منها ألفًا واحكم لي بسرعة وخلصني، فقال: نعم، وهو لما حكم بهذا حكم حكمًا شرعيًا، ولكنه يأثم لأخذه الرشوة، ولو أن الخصم هو الذي ذهب إليه وقال له: صحيح أن علي الخمسة آلاف جنيه هذه، وأنا لا أريد أن أدفعها، وسأعطيك نصفها لو أنهيت القضية وأخرجتني منها، والقاضي في حقيقة أمره يعلم أن هذا قضاء زور، وأن الله حرم هذا، وأن القضية من أولها إلى آخرها حرام في حرام، وأنها ظلمات بعضها فوق بعض، وهو لما حكم بهذا يعلم في حقيقة أمره أن حكمه باطل ومخالف للشرع، ويقول: أنا حكمت لأجل أن آخذ المال، أو لأنه من الجيران، فحكمت له لكي أتخلص من أبيه وعمه وخاله وجدته وأمه وأخته والذي يأتي والذي يذهب.
وهناك من يجلس على كرسي في أي منصب ويقول: أنا أعرف أن هذا الكرسي كله ظلم وأني ظالم، وأن عملي الذي أعمله غلط مخالف للشرع، وسيحاسبني الله ﷿ عليه يوم القيامة، فإذا قلت له: فلماذا تجلس عليه قال: أنا أحب الكرسي، ولو وقفوني عن العمل فيمكن أن أموت، ولتعلق قلبي بالكرسي أنا جالس عليه، والمهم أن لا أتركه.
فأنت تقول له: هذا ظلم، وهو يقول لك: أنا أعلم منك، فأنا أعمل كذا من البلاء، فهذا لا يكفر ولا يخرج من الملة، بل هذا كفر عملي.
وهناك من غير كون الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد أو المصدر الأول من مصادر التشريع، وقال: هذا كلام ليس له أساس، بل القانون الفرنسي هو المصدر الأوحد للقضاء في مصر، يعني: زحزح الشريعة جانبًا وأحل محلها تشريعًا يتصف بالتبديل والتغيير المطلق، وقال: هذا هو دين ربنا، وخمسة وتسعون في المائة منه يتطابق تمام المطابقة مع الشرع، والذي يقول هذا القول هو شيخ من أهل العلم، ويقول هذا، وإذا كان هذا كلامه هو فسيقول الآخرون: مائتين في المائة، مع أننا نرى الفرق بين أحكام الشريعة وهذه القوانين في قضايا الزنا والسرقة وشرب الخمر والعري والبلايا وغيرها، فهذه القوانين لا توافق شرع الله ولا حتى في خمسة في المائة أبدًا، وما وافق من هذه القوانين شرع الله فلا نأخذ به، وإنما نأخذ بشرعنا.
والتغيير العام لحكم الله ﷿ وشرعه كفر أكبر، وأما التغيير في بعض المسائل بناء على الشهوة أو حب المال أو المنصب أو مخافة عدو أو غير ذلك لا يكفر به الفاعل.
ولكن الفاعل يكفر إذا غير وجه الأرض في مكان يستطيع هو بكلمة واحدة أن يطبق شرع الله فيه، ولكنه عدل عن ذلك إلى شريعة بني صهيون، ولذلك قال مسروق: قلنا لـ عبد الله: ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال عبد الله: ذاك الكفر، أي: الكفر العملي.
[ ٣٣ / ١٣ ]
حديث ابن عباس (أنه سئل عن الذي يأتي امرأته في دبرها)
قال: [عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها؟ فقال: هذا يسألني عن الكفر]، وهذا من الكفر العملي لا من الكفر الاعتقادي، الذي يخرج به المرء من الملة.
ليس كل من وقع في الكفر يكون كافرًا، كما أنه ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعًا، وذلك مثل شخص رأى أناسًا يعملون عملًا معينًا، فدخل معهم في هذا الشيء ظنًا منه أن هذه طاعة لله ﷿، ثم بعد ردح من الزمن وسنوات طويلة اكتشف أن هذه بدعة فانتهى عنها، فهذا ليس مبتدعًا عندما كان يفعل البدعة، ولكنه لا يكون بذلك متبعًا لظنه أن هذه طاعة، وهو لم يأتها ظنًا منه أنها بدعة، ولم يخبر بأنها بدعة، فلما أخبر بأنها بدعة انتهى عنها.
وأما هؤلاء المبتدعة فإنهم وإن ظنوا أنهم على صواب وحق إلا أنهم نوقشوا مرارًا أنهم على الباطل، وأن ما هم عليه هو باب من أبواب البدع، ومع هذا لم ينتهوا، بل كان منهم الصدود عن قبول النصيحة، (الدين النصيحة)، كما قال ﵊.
فليس كل من وقع في الكفر يكون كافرًا، كما أنه ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعًا.
وهناك من يسأل: بأن هناك شخصًا مبتدعًا، فهل تجوز الصلاة خلفه؟ فهو يحكم عليه أنه مبتدع مع أنه لم يجالسه ويبين له أن ما هو عليه أمر مبتدع وليس من دين الله، وأن دين الله في هذه المسألة كيت وكيت، وكان الأولى أن يشغل نفسه بذلك بدلًا من أن يشغل نفسه بفلان كافر وفلان مؤمن وفلان فاسق، فالأولى به أن يشغل نفسه بنفي الكفر عن الناس وإحلال الإيمان محله، وهذا واجب، خاصة والسؤال يدل على أن صاحبه من طلاب العلم.
[ ٣٣ / ١٤ ]
حديث أبي الدرداء (سئل عن الرجل يأتي المرأة في دبرها)
[قال أبو الدرداء لما سئل عن الرجل يأتي المرأة في دبرها: لا يفعل ذلك إلا الكافر]، أي: الكافر كفرًا عمليًا وليس اعتقاديًا.
وقد سألتني امرأة في هذا اليوم بعد صلاة العصر وقالت: زوجي يأتيني في دبري وأنا لم أوافقه إلى لحظتي هذه، فسألتها هل يريد أن يأتيها من دبرها في قبلها أو من دبرها في دبرها؟ فقالت: يأتيني من دبري في دبري، قلت: هذا حرام، قالت: يهددني بالطلاق، قلت: حتى وإن وقع الطلاق، فينبغي أن تتوكلي على الله ﷿ وألا تمكنيه من ذلك وإن وقع الطلاق، فإنك باختيارك طاعة الله ﷿ لا بد أن يبدلك الله خيرًا منه، وهذا اعتقاد، وإذا لم تكوني على يقين من هذا فانتظري عقوبة أخرى، يعني: إذا لم يتعقد المرء أنه إذا ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه فلينتظر عقوبة أخرى، وهي عقوبة ترك التوكل على الله ﷿، فعلى المرء أن يفعل ما أمره الله به وينتهي عما نهاه عنه، ثم يحسن الظن بربه.
وهذا هو منتهى الرجاء الذي كان عليه السلف ﵃.
وهناك من تقول: أنا مضطرة لأن أبقى متبرجة؛ حتى يراني الشباب ويتقدموا لي، وبعدها سوف أتغير، وهي لا تعرف أنها ما دامت متبرجة فلن يتقدم لها إلا من كان على شاكلتها، ثم ربما إذا صارحته بنيتها هذه بعد العقد أو بعد الزواج قال: لا، أنا لن أتزوج واحدة تلبس خيمة.
وهذا مثل الشخص الذي كان من قبل يسمي الحجاب الذي أنزله الله من السماء خيمة؛ استهزاء بشرع الله ﷿.
فيجب على كل امرأة أن تلتزم منذ بلوغها شرع الله من أوامر ونواه، وحلال وحرام، وعقائد وأحكام، وسلوك وأخلاق، ثم تحسن الظن بربها بأنه سوف يأتيها برزقها.
وهذه المرأة المتبرجة تتصور أنها سوف تتزوج رجلًا غير الذي كتب لها في اللوح المحفوظ، وكذلك الرجل الذي يحلق لحيته حتى إذا تقدم لامرأة يقولون له: نعم، أنت شكلك جميل، فنقبلك يا رجل! فهو يتصور أنه يمكن أن يقبل في بيته إلا في البيت الذي كتب له في اللوح المحفوظ.
وعلي بن أبي طالب لما قيل له: ما القدر؟ وضع إبهامه على لسانه هكذا، وأطبقه في كفه وقال: القدر أن هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، أي: أن الذي عملته مكتوب في اللوح المحفوظ أن علي بن أبي طالب سوف يعمله في وقت كذا في لحظة كذا.
وقال أحمد بن حنبل لما سئل: ما القدر؟ قال: إن الله على كل شيء قدير، وفي رواية عنه قال: القدر هو قدرة الله ﷿.
وقدرة الله لا منتهى لها، وأعمال العباد واقعة تحت مشيئة الله وقدرته، سواء المشيئة الشرعية الدينية أو الكونية القدرية، وأنت لا تتزود ولا تعمل ولا تذهب ولا تجيء ولا تروح إلا بقدرة الله، والله ﵎ كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وقد جفت به الأقلام وطويت عليه الصحف، فلا يخاف المرء على رزقه أو على عمره أو على مستقبله، فكل ذلك مكتوب، وما هي إلا أسباب أمر أن يلتمسها.
ولا بد أن يعلم أن السبب يجب أن يكون مشروعًا.
والقول بأن الغاية تبرر الوسيلة ليس كلام المسلمين، بل هذا كلام الصهاينة واليهود، وأما عند المسلمين فلا بد أن تكون الغاية والوسيلة مشروعتين، فإذا أردت أن أصل إلى غرض نبيل معين لكني سوف انتهك الحرمات في سبيل الوصول إلى هذا الغرض، فهذا الطريق غير مشروع، ولا أطالب بسلوكه أبدًا، فمثلًا الصدقة على الأيتام مشروعة، وهي عمل حسن، ولكن هذا العمل الحسن لا يحل له أن يسرق أموال الناس، بل لابد أن يكون الغرض مشروعًا والسبيل إليه كذلك مشروعًا، وكلام اليهود لا علاقة لنا به.
فهذه المرأة التي يحملها زوجها على إتيانها من الدبر يحرم عليها تمكينه من ذلك، وهذا كفر عملي.
وبعض البلاد الإسلامية ابتليت بهذا البلاء العظيم جدًا، حتى صار إتيان النساء من أدبارهن سجية عندهم، وقد ذهبت أخت من أخواتنا -جزاها الله خيرًا- طبيبة إلى أحد المستشفيات في تلك البلاد، وجلست عشرين يومًا ورجعت فارة بسرعة، وأنا في الحقيقة كنت قد أدخلت أناسًا إلى تلك البلاد، ولا أعرف هذا البلاء، فسألتها: لماذا رجعت؟ قالت لي: الله يسامحك، كيف أدخلتني إلى هناك وأنا لا أعرف شيئًا؟ قلت لها: ماذا هناك؟ هل تعاملوا معك معاملة ليست طيبة؟ قالت: عاملوني معاملة طيبة، وكنت أظل طول النهار واقفة في غرفة العمليات ولابسة القفاز ويدي في أدبار النساء، فما دخلت امرأة المستشفى إلا وزوجها يأتيها من دبرها، والبلد كلها هكذا، وهذا بلاء عظيم جدًا.
وهذا كفر عملي بالله ﷿، وقد انتشر هذا البلاء في البلد حتى صار وضعًا عاديًا جدًا.
[ ٣٣ / ١٥ ]
حديث أبي بكرة (لا ترجعوا بعدي كفارًا)
قال: [عن الحسن وابن سيرين عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: (لا ترجعوا بعدي كفارًا -قال أحدهما: أو ضلالًا- يضرب بعضكم رقاب بعض)]، فقوله: (كفارًا) يعني: الكفر العملي وليس الكفر الاعتقادي.
[ ٣٣ / ١٦ ]
حديث جرير (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة)
قال: [عن عمر السعدي قال: كان جرير يحدث عن النبي ﷺ قال: (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة، وإن مات مات كافرًا)]، لكن يجب أن نفرق بين العبد والأجير، فمرة كان هناك شخص يبني بيتًا ثم هرب منه الصانع، فجاء الرجل وهو غضبان إلى المسجد يقول: أريد فلانًا، وهو في المسجد موجود معنا، فقلت له: لماذا أنت غاضب؟ قال: إنه عبد آبق، تركني منذ خمسة وعشرين يومًا، ولم يأت لينهي عمله، وتركني وذهب يعمل عند هذا يومين وهذا يومين وهذا يومين، قلت: صحيح هو مقصر في العمل، ويحتاج إلى ضرب على رأسه، لكن التوصيف الفقهي الذي تقوله ليس صحيحًا، فالأجير يأخذ أجرة، والعبد لا يأخذ أجرًا، وهذا هو الفارق بين العبد وبين الأجير، فلو قال السيد لعبده: ابن لي هذا الحائط فهو ملزم ببنائه، والسيد ليس ملزمًا بأن يعطيه أجرًا، فقال الرجل: أحد المشايخ قال لي لما أخبرته القصة: قال النبي ﵊: (إذا أبق العبد من سيده فمات على ذلك مات كافرًا)، وأنا والله -يا شيخ- لا أخفي عنك أني جئت لأقتله على اعتبار أنه كافر، وهذا والله ما حدث، لتعلموا ماذا في الأمة، قلت له: وأنت جئت لتقتله بيدك؟ هذا رجل صنائعي وأنت رجل لست قويًا، قال: من الذي قال لك ذلك؟ وأخرج لي شيئًا كأنه سيقتل به جملًا وليس شخصًا، قلت له: أنت أتيت بقوة، قال: ومعي كذا كذا، ثم جلس حتى هدأ، وكان الصنائعي يسمع هذا الكلام كله، فقال لي: كثر الله خيرك يا شيخ! هل أنت متأكد أنني لست آبقًا؟ فحتى هو أيضًا متشكك هل هو آبق أم لا؟ فالعبد الآبق هو الهارب، والأبوق أو الإباق: هو الهروب.
وهذا يدلنا على حكمة الإسلام، وأن الإسلام خاطب القلوب والعقول، ولو لم يكن هناك أي عقوبة دنيوية أو أخروية على الإباق والهروب؛ لكان كل عبد قد هرب من سيده وذهب إلى أي بلد آخر وجلس فيه، ولكن الإسلام خاطبه وقال له: لو أبقت فيوم القيامة سوف تدخل النار.
فالعبد يجلس مع سيده مراقبة لله ﷿، والإسلام يريد قلوبًا وعقولًا نظيفة تتعامل معه، ليس مثل عقل مصطفى محمود وغيره، فهذه العقول لا تصلح مع الإسلام أبدًا، فالإسلام يحتاج إلى قلوب وعقول تقول لأوامر الله: سمعنا وأطعنا، وإن خفيت حكمة الأمر والنهي على هذه العقول والقلوب؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والإذعان لأوامر الله تعالى، كإذعان العبد لسيده والمريض بين يدي الطبيب، والطفل بين يدي أمه.
واليوم يخرج علينا كل يوم إناء ينضح بما فيه، ويقول: هذا الحديث لا يعجبني شكله وإن كان في الصحيحين، ويقول: لازم نعرض كل حديث على العقل، مع أن عقله ليس نظيفًا، ولن يفهم هذا قط.
ونحن لما كانت عقولنا نيرة بنور الإيمان فهمنا هذا وعلمنا أنه حق، ويكفي في كونه حقًا أننا نعتقد أن النبي قد قاله ﵊ قد قاله، حتى وإن خفيت علينا العلة.
قال: [وعن جرير البجلي قال: قال النبي ﷺ: (إذا أبق العبد إلى العدو برئت منه الذمة).
وقال -أي جرير -: مع كل أبقة كفرة، يعني: لو أن العبد أبق مرة كفر مرة، وإن أبق الثانية كفر الثانية، وهكذا، فمع كل مرة يأبق فيها العبد يكفر بها كفرًا عمليًا يلزم منه التوبة واسترضاء سيده.
[ ٣٣ / ١٧ ]
حديث ابن مسعود (أنه دخل على امرأته فلمس صدرها، فإذا في عنقها خيط مثل التميمة)
قال: [عن أبي عبيدة قال: دخل عبد الله -أي: عبد الله بن مسعود - على امرأته فلمس صدرها، فإذا في عنقها خيط مثل التميمة قد علقته في صدرها أو في عنقها، فقال: ما هذا؟ قالت: شيء رقي له فيه من الحمى] تعني: فيه رقية مكتوبة أعلقها على رقبتي لكي تذهب الحمى، [فنزعه وقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك].
والذي يعلق هذه التميمة على صدره ويعتقد أن هذه التميمة تنفع وتضر بنفسها من دون الله ﷿ مع قيام الحجة عليه يكفر ويخرج من الملة، ومن اعتقد أن النفع والضر بيد الله ﷿، وأنه الشافي، وأنه المحيي المميت، وأنه لا ينفع ولا يضر غيره ﷾، ولكنه ظن أن هذه التميمة سبب من الأسباب فعلقها، فهو كافر كفرًا عمليًا لا يخرج به من الملة، ولذلك [قال علي بن أبي طالب: إن كثيرًا من هذه التمائم والرقى شرك بالله ﷿، فاجتنبوها].
قال: [وعن ابن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (الرقى والتمائم والتولة شرك)]، والمقصود بالرقى التي هي شرك الرقية الغير شرعية، وإلا فالنبي ﵊ قد رقى ورقاه الناس، ولكنها رقية شرعية بلسان عربي مبين، وبكلمات الله ﷿ وآياته وأسمائه وصفاته، فهذه رقية مشروعة، وأما الرقية بغير العربية كالسريانية وغيرها وبتمتمات وكلام غير مفهوم، وغير ذلك من ضرب الودع والرمل وغير هذا؛ فهذا بلا شك شرك بالله ﷿.
والتميمة: هي التي يعلقها المرء.
والتولة: ضرب من ضروب السحر، وهي خاصة بعمل تعمله المرأة لأجل أن تتحبب إلى زوجها ويتحبب إليها زوجها.
يعني: إذا رأت المرأة أن زوجها بدأ يفكر في الزواج ثانية تقول: سأعمل له عملًا حتى أجعله يحبني ولا يتزوج امرأة أخرى، فتذهب إلى ساحر يعمل لها ما يحببها إلى زوجها، وهذا العمل يسمى تولة إذا كان خاصًا بمحبة الزوج لامرأته أو محبة رجل لامرأة، ولا يسمى رقى ولا تمائم ولا شيئًا من هذا، وهو من الشرك بالله ﷿.
[ ٣٣ / ١٨ ]
حديث أبي ذر (ليس من رجل ادعى لغير أبيه)
قال: [عن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ معقده من النار، ومن دعا رجلًا بالكفر]، أي: ومن نسب رجلًا إلى الكفر، [أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه)]، أي: رجع إليه مرة أخرى.
[ ٣٣ / ١٩ ]
حديث (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر)
قال: [قال النبي ﷺ لما أمطرت السماء: (قال الله ﷿: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال مطرنا بفضل الله، فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي، أو كافر بي مؤمن بالكواكب)].
فمن زعم أن المطر إنما ينزل بفعل الكواكب، وأن الكواكب مؤثرة في نزول الأمطار ورفعها بغير فضل الله ﷿ ولا إذنه وأمره، فلا شك أنه قد كفر كفرًا اعتقاديًا، وأما من زعم أن الكواكب لها تأثير في المطر بفضل الله ﷿ فهو كلام غير صحيح، والقائل بذلك يكفر كفرًا عمليًا لا كفرًا اعتقاديًا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والأثر من ألف وثلاثة وأربعين إلى آخر الباب يضاف إلى باب الخوف والرجاء، وهو الباب التالي بإذن الله تعالى؛ لأنه منه، ولكن سر جعله في هذا المكان أنه وقع للراوي في هذا الكتاب عن ابن بطة وجادة، بخلاف غيره فوقع سماعًا.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٣٣ / ٢٠ ]