وردت كثير من الآيات والأحاديث متوعدة بالعذاب على بعض المعاصي، وقد استدل أهل البدع بهذه الآيات والأحاديث على كفر مرتكب هذه الذنوب، أما أهل السنة والجماعة فقد أولوا هذه النصوص ولم يحملوها على ظاهرها، ليجمعوا بينها وبين بقية النصوص.
[ ٣٢ / ١ ]
باب ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارقه الإيمان وإن تاب راجعه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارقه الإيمان وإن تاب راجعه] أي: رجع إليه الإيمان.
هذا الباب متعلق بذكر الذنوب التي إذا وقع فيها المرء ذهب عنه الإيمان، فإذا تاب إلى الله ﷿ رجع إليه الإيمان مرة أخرى.
[ ٣٢ / ٢ ]
روايات حديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)]، أي: في الوقت الذي يزني فيه لا يكون مؤمنًا، أو ينزع عنه الإيمان، كما لو كان لابسًا ثوبًا فنزعه، ثم لبسه مرة أخرى، فهو حين ارتكابه لهذا الذنب ينزع عنه الإيمان كما يخلع ثوبه، فإذا تاب إلى المولى ﷿ عاد إليه الإيمان كما لو عاد هو للبس ثوبه.
[(ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، وكان أبو هريرة ﵁ يقول: ولا ينتهب نهبة يرفع الناس أبصارهم إليه فيها وهو مؤمن حين ينتهبها].
وقد صحت هذه اللفظة مرفوعة من قوله ﵊.
والنهبة هي أخذ الأموال غلولًا أو أخذ الأموال ظلمًا أو غير ذلك، فيقال للشيء اليسير: نهبة إذا انتهبها، ويقال كذلك للشيء العظيم: نهبة إذا انتهبها، ولكن لما كان الشيء اليسير حقيرًا لدى أهله ومجتمعه لم يكن داخلًا في هذا الوعيد.
والنبي ﵊ يقول: (لا قطع في أقل من ربع دينار).
فمن سرق أقل من ربع دينار فما دون ذلك لم يقطع، وإنما القطع في ربع دينار فما فوقه، وإن كان الكل يطلق عليه سرقة، ولكن ليس من سرق جنيهًا كمن سرق ألفًا، ولا من سرق ألفًا كمن سرق ملايين، وإن كانت كلها يطلق عليها سرقة، ولكن لا يقام على السارق الحد إلا إذا توفرت فيه شروط السرقة، ومنها: أن يبلغ المسروق بلغ ربع دينار فصاعدًا، والدينار تقريبًا حوالي مائة وثلاثين جنيهًا؛ لأن الدينار هو الدينار الذهبي، وأن يكون المسروق من حرز، يعني: في مكان محفوظ ومغلق عليه، وأتى هذا السارق وقطع هذا الحرز وأخذ منه ما بداخله.
وأما لو وجده ملقى في الشارع فالتقطه فلا يقال لمثله: سارق، وإنما يقال له: ملتقط؛ لأنه التقط شيئًا من الأرض وهذا يدخل في حكم اللقطة.
قوله: (ولا يشرب الخمر حين يشربها)، أي: حين يشربها عامدًا عالمًا بأنها خمر.
(ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم)، أي: يقولون: إن فلانًا ينهب مال فلان، أو يأخذ مال فلان، وهذا شيء عظيم، بدليل أن الناس فزعوا لما وقع منه هذا، وجلسوا ينظرون إليه ويتطلعون إلى فعله.
فهذا لا يكون مؤمنًا في وقت فعله لهذا.
ومن نفس طريق [أبي هريرة أن رسول الله ﵊ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن)].
[وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الحدود يعني الخمر)، أي: لا يشرب ما يستوجب الحد.
[(حين يشربها وهو مؤمن، والذي نفس محمد بيده لا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها وهو حين ينتهبها مؤمن، ولا يغل حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم).
والغلول مهما قل فهو غلول، وهو يختلف عن النهبة وعن السرقة، وإن كان الكل أخذًا لمال الغير، فالنهبة أخذ مال الغير، والسرقة أخذ مال الغير، والغلول أخذ مال الغير، ولكن كل واحد منها له مصطلح يخصه، وأحكام تحدد معالمه.
فالغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها، وقد كان للنبي ﵊ مولى مجاهد، فلما قتل في المعركة قال الصحابة: (هنيئًا له؛ إنه مولى رسول الله، وإنه شهيد، وإنه في الجنة، قال ﵊: والذي نفسي بيده إني لأراه الآن في نار جهنم، قيل: ولم يا رسول الله ألم يمت شهيدًا؟! قال: إنما حجزه بردة غلها)، أي: كساء أو ثوب أو عباءة غلها وأخذها من الغنيمة، قال: (وإني لأراها الآن عليه تشتعل نارًا).
مع أن ثمنها قليل جدًا، فالمرء يعذب بكل شيء مهما دق، حتى وإن كان عودًا من أراك، أي: ليس عودًا كاملًا من أراك، وإنما العود الصغير يعذب به المرء؛ لأنه نهبة أو سرقة أو غلول، قال: (فإياكم وإياكم)، يعني: احذورا هذه المعاصي.
وفي رواية قال: (والتوبة معروضة بعد)، يعني: من وقع منه ذنب من هذه الذنوب أو من غيرها، فإن باب التوبة مفتوح أمامه، إما باب التوبة العامة أو الخاصة، فباب التوبة العامة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها على غير عادتها، وهذا من أواخر علامات الساعة الكبرى.
وأما باب التوبة الخاصة فهو مالم تبلغ الروح الحلقوم وما لم يغرغر المرء، و(إن الله يقبل التوبة عن عبده ما لم يغرغر)، أي: فحينئذ لا تقبل توبته.
[ ٣٢ / ٣ ]
كلام السلف في معنى حديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن طاوس في هذا الحديث عن أبيه: إذا فعل ذلك زال عنه الإيمان]، يعني: قال طاوس اليماني: إذا وقع في هذه الذنوب زال عنه الإيمان، [وقال: الإيمان كالظل]، يعني: يذهب شيئًا فشيئًا، ولا يذهب دفعة واحدة، وإنما يذهب شيئًا فشيئًا، وهكذا الإيمان، فإذا أذنب العبد ذنبًا ذهب عنه نور الإيمان شيئًا فشيئًا.
[وعن الأوزاعي قال: قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، قلت له: إنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنًا فما هو؟ أي: إن المعتزلة والخوارج يقولون: إذا قال النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)]، فإذا نفى عنه النبي الإيمان لم يبق له إلا الكفر، فهنا الأوزاعي ينقل إلى الزهري قول الخوارج الذين يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر، والخوارج يقولون: هذا حكمه في الدنيا والآخرة، وهو من المخلدين في النار، والمعتزلة يقولون: هو في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، فلا يثبتون له الإيمان ولا الكفر، وأما في الآخرة فإنهم يقولون بتخليده في نار جهنم.
وهذا يناقض ما عليه أهل السنة والجماعة، لأن المرء لا يمكن أن يحكم عليه بهذا، بل لابد أن يكون مؤمنًا أو كافرًا، يعني: إما أن يكون مؤمنًا بإيمانه، أو فاسقًا بذنوبه التي أهلته لدرجة الفسق.
ولذلك فأهل السنة والجماعة يقولون: إن المرء قد يجمع لنفسه إيمانًا وفسقًا، فالطاعات مصدرها الإيمان، والذنوب تؤدي إلى الفسوق، والمؤمن يفعل الطاعة وقد يفعل المعصية، فيكون مؤمنًا بطاعته فاسقًا بكبيرته، ولا يكفر.
فلما [قال الأوزاعي للزهري: فإن لم يكن مؤمنًا فما هو؟ أنكر ذلك وكره مسألته].
والإمام الأوزاعي من عظماء أئمة السنة، وهو بيروتي لبناني، وكان دائمًا متصديًا للملاحدة والمنحرفين في تلك البقعة الطيبة من الأرض، ولم يكن في زمن الأوزاعي من يدانيه، فضلًا عن أن يساويه في العلم والعمل والورع، فلما سمع بـ الزهري وهو أكبر منه، قال: إنهم يقولون إذا لم يكن مؤمنًا في حال وقوعه في الذنب، فماذا يكون؟ وكأنه يعرض بكلام الخوارج، كما قالوا لـ علي بن أبي طالب ﵁: إذا كنت رفضت أن تكون أمير المؤمنين فلا بد أن تكون أمير الكافرين.
وجعلوا الكلام في مسائل الإيمان والكفر كالكلام في الرياضيات والحسابات، مثل ١+١=٢، ولا يمكن إثبات أنهما أكثر من اثنين أو أقل من اثنين أحيانًا، فالمسائل الإيمانية والفطرية لا تقاس بالطريقة الحسابية.
وقوله: (حين ينتهبها) ظرف زمان، فيقولون: إن الإيمان يزول عنه في وقت ارتكابه لهذه الذنوب، فإذا خرج من ذنبه عاد إليه الإيمان وراجعه.
[وعن الحسن قال: قال النبي ﷺ: (ينزع منه الإيمان، فإن تاب أعيد إليه الإيمان)] أي: يزول عنه الإيمان ما دام على الذنب.
وإذا قال الحسن عن النبي ﵊ فهو مرسل، ومراسيل الحسن البصري من أضعف المراسيل.
عن الحسن عن النبي ﷺ: ينزع منه الإيمان فإن تاب أعيد إليه الإيمان.
[وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قال عبد الله بن الزبير: (بينما أنا عندها إذ مر برجل قد ضرب في الخمر على بابها)]، يعني: ضرب الحد في شرب الخمر.
[(فسمعت حس الناس، فقالت: أي شيء هذا؟)]، أي: علام هذا الصياح؟ [(قلت: رجل أخذ سكراب من خمر فضرب، فقالت: سبحان الله! سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن -تعني: الخمر- ولا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب منتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها رءوسهم وهو مؤمن، فإياكم وإياكم)].
[وعن ابن عباس موقوفًا عليه قال: (لا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن)].
[ ٣٢ / ٤ ]
دائرة الإيمان ودائرة الإسلام
[وعن محمد بن علي -وهو المعروف بـ ابن الحنفية - قال في قوله ﵊: لا يزني ولا يسرق ولا يشرب قال: إذا أتى شيئًا من ذلك]، يعني: إذا قارف المؤمن ذنبًا من هذه الذنوب، [نزع منه الإيمان، فإن تاب تاب الله ﷿ عليه].
فهذه كبيرة من الكبائر، والكبيرة إذا تاب صاحبها تاب الله ﷿ عليه، وإذا لم يتب منها فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإن أقيم عليه الحد فالحدود كفارات لأهلها.
[قال ابن الحنفية: هذا الإسلام، وأدار إدارة واسعة.
وأدار في جوفها إدارة صغيرة وقال: هذا الإيمان]، يعني: في داخل هذه الدائرة الكبيرة التي سماها الإسلام، وقال: هذا الإيمان، فإذا قارف العبد ذنبًا خرج من هذا، أي: خرج من هذه الدائرة أو من هذا الإيمان إلى الدائرة الكبيرة وهي الإسلام.
وهذا كلام جميل جدًا.
وكلام محمد بن الحنفية والزهري وغيرهما من أهل العلم هو الذي يحل إشكالية الأحاديث التي ظاهرها الكفر؛ لأنه ليس مؤمنًا، وإذا لم يكن مؤمنًا لا بد أن يكون كافرًا، وهذا فهم الخوارج، وأما فهم أهل السنة ففيه معادلة، فهم يقولون: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا.
فهناك إيمان عام وإيمان خاص، فالإيمان العام هو أصل الإيمان الذي لا يدخل المرء الإسلام إلا به.
والإيمان درجتان: الأولى: أصل الإيمان.
والثانية: كمال الإيمان، ومنه الكمال الواجب والكمال المستحب.
فنفي الإيمان المتعلق بالذنوب والمعاصي متعلق بالكمال، إما الكمال الواجب أو الكمال المستحب.
وأما نفي الإيمان المتعلق بأصل الإيمان الذي هو الإيمان الضروري الذي لا يثبت إسلام المرء إلا به؛ فلا بد أن يكون كفرًا؛ لأنه نزع لأصل الإيمان، وأما هذه الذنوب والمعاصي هنا فإنها متعلقة بكمال الإيمان وتمامه الذي يأثم المرء بتركه.
ولما أدار في وسطها أخرى وقال: هذا الإيمان، فالإيمان أخص من الإسلام، قال: فقول رسول الله ﵊: لا يزني حين يزني وهو مؤمن)، إذا أتى شيئًا من ذلك خرج من الإيمان إلى الإسلام، يعني: أنه يخرج من الإيمان الخاص إلى الإسلام العام، ويبقى معه أصل الإيمان.
قال: فإذا تاب تاب الله ﷿ عليه ورجع إلى الإيمان.
والمقصود من قوله: (رجع إلى الإيمان) أي: الإيمان الثاني.
[ ٣٢ / ٥ ]
حديث أنس (لا إيمان لمن لا أمانة له)
قال: [وقال أنس: (ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)].
واللام هنا نافية.
وقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، يعني: من خان الأمانة، والنبي ﵊ يقول: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك).
وهذا عهد، وإذا خنت الأمانة ولم تراعها أو تحافظ عليها فإنك لا تخرج بذلك من الإيمان إلى الكفر، ولكنك تخرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يبقى معك من الإسلام إلا الأصل الذي لا يسعك أن تأتي إلى الله ﷿ بدونه.
[ ٣٢ / ٦ ]
ما ورد عن السلف في أن الإيمان ينزع كما ينزع القميص
قال: [قال ابن عباس: إذا زنا العبد نزع منه الإيمان، وقال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوجناه]، يعني: الذي يريد منكم أن يتزوج فسنزوجه، يعني: حتى لا يزني، فهو يضع أمامهم العلاج قبل الوقوع في الذنب، ثم قال: [لا يزني منكم زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده عليه رده، وإن شاء أن يمنعه منعه]، أي: فاحذروا.
[وقال الحسن: قال: قال النبي ﵊وهذا تعضده روايات كثيرة ستأتي بعد هذا، وتعضده كذلك روايات سابقة-: (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ينزع منه الإيمان كما يخلع أحدكم قميصه، فإن تاب تاب الله ﷿ عليه)].
[وقال عقبة بن عامر الجهني ﵁: إن الرجل ليتفصل الإيمان كما يتفصل ثوب المرأة]، يعني: أن الإيمان يفصل على المرء كما أن المرأة تفصل ثوبها.
[وعن النبي ﵊ قال: (إنما الإيمان بمنزلة القميص يتقمصه مرة وينزعه أخرى)].
[وعن عمر ﵁: إنما الإيمان بمنزلة القميص، يتقمصه مرة وينزعه أخرى].
[وعن أبي هريرة ﵁: إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرة ويخلعه أخرى].
[ ٣٢ / ٧ ]
حديث أبي هريرة (إن العبد إذا أخطأ خطيئة)
قال: [عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة)]، يعني: إذا وقع في ذنب كبير، والخطيئة لا تقال لصغار الذنوب وإنما تقال للكبار، [(نكت في قلبه نكتة سوداء)].
والنكتة السوداء لا يمكن أن تجتمع مع الإيمان؛ لأن الإيمان نور في القلب يبصر به العبد طريقه، فإذا خالف هذا الطريق وخالف الطاعة وارتكب الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ولا بد أن هذه النكتة السوداء ينزع من مكانها نور الإيمان الذي كان آنفًا.
قال: [(فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت)]، يعني: أن هذه الذنوب وهذه النقطة السوداء تمحى.
[(وإن عاد زيد فيها)]، يعني: بعد أن كانت نكتة صغيرة تصبح نكتة كبيرة.
[(وإن عاد زيد فيها، وإن عاد زيد فيها، حتى يعلو قلبه الران الذي ذكر الله ﷿: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤])]، أي: بسبب ما كانوا يكسبون من ذنوب ومعاص اسودت قلوبهم ونزع منهم الإيمان.
[ ٣٢ / ٨ ]
خوف أبي الدرداء على إيمانه أن ينزع منه
قال: [عن معاوية بن قرة: أن أبا الدرداء كان يقول: نسأل الله إيمانًا دائمًا، ويقينًا صادقًا، وعلمًا نافعًا، فقال معاوية بن قرة: كأن من الإيمان ليس بدائم]، أي: كان الإيمان يذهب ويجيء، ولذلك كان من دعائه: اللهم إنا نسألك إيمانًا دائمًا، أي: مستقرًا أكيدًا لا يتزعزع ولا يزول، فكأن من الإيمان ما يزول ولا يزول إلا بالمعاصي.
قال: [وكأن من اليقين ليس بصادق]؛ لأنه قال: ويقينًا صادقًا.
قال: [وكأن من العلم علمًا ليس بنافع]، يعني: ليس كل علم نافعًا، وإنما بعضه نافع والبعض الآخر غير نافع.
[ ٣٢ / ٩ ]
حديث أبي هريرة (إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان)
[قال أبو هريرة: قال النبي ﵊: (إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان فكان كالظلة، فإذا انقطع -أي: عن ذنبه- رجع إليه الإيمان)].
قال ابن بطة: [فهذه الأخبار وما يضاهيها]، يعني: الأخبار التي في نفس هذه المعاني، [وما قد تركت ذكره]؛ لأن الأخبار طويلة جدًا، سواء في كتاب الله أو في سنة الرسول ﵊، [مما هو في معانيها؛ لئلا يطول الكتاب بها؛ كلها تدل على نقص الإيمان]، وإذا كان الإيمان يقبل النقصان فلا بد أنه يقبل الزيادة؛ لأن كل شيء يقبل الزيادة يقبل النقصان، والعكس بالعكس، فهذه الأدلة كلها تدل على نقص الإيمان، [وعلى خروج المرء منه عند مواقعة الذنوب والخطايا التي جاءت بذكرها السنة، وكل ذلك مخالف لمذاهب المرجئة التي قالت بعدم زيادة الإيمان، وقالت: إن أعظم الناس جرمًا وأكثرهم ظلمًا وإثمًا إذا قال لا إله إلا الله فهو وجبريل وميكائيل وإسرافيل في الإيمان سواء]؛ لأنهم لا يقولون بأن الأعمال من الإيمان، فالمرجئة يصرحون ويتبجحون بأن الأعمال لا علاقة لها بالإيمان، [تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا].
يقول: وليس معنى مفارقة الإيمان لمرتكب هذه الذنوب هو الانتقال إلى الكفر، فنفي الإيمان عن مرتكب هذه الذنوب لا تعني الانتقال إلى الكفر؛ ولهذا استنكر الزهري سؤال الأوزاعي: إذا لم يكن المذنب مؤمنًا فما يكون؟ فكأنه حكم عليه بالكفر، فاستنكر ذلك منه، وهذا أيضًا ما صرح به ابن الحنفية عندما ذهب إلى أن المذنب يخرج حال اقترافه للذنب من دائرة الإيمان الخاص إلى دائرة الإسلام، أي: أنه لا يكون كافرًا.
[ ٣٢ / ١٠ ]
كلام علماء أهل السنة في عدم تكفير مرتكب الكبيرة
إن التابعين ﵃ لم يأخذوا لفظ هذه الأحاديث على ظاهرها، ولم يأخذوا الحكم فيها على الإطلاق، فلم يحكموا بالكفر على مرتكب الكبيرة بمقتضى ما ورد في هذه الأحاديث من نزع الإيمان، ولم يفهم أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة المتبوعين هذا الذي فهمه الخوارج والمرجئة والمعتزلة، ولم يفهم أحد من علماء الأمة ما فهمه أهل البدعة.
وقد توارد علماء السلف على هذا، وقدموا الأدلة على ذلك.
[ ٣٢ / ١١ ]
كلام الإمام النووي في عدم كفر مرتكب الكبيرة
قال النووي عند شرحه لحديث (لا يزني الزاني حين يزني): القول الصحيح الذي قاله المحققون إن المؤمن لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وإنما يفعلها وهو ناقص الإيمان، ويبلغ به النقص إلى أصل الإيمان.
قال: وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي شيء ويراد نفي كماله، وهذا معروف في كلام العرب، أي: أن ينفى الشيء ويقصد نفي البعض، وهذا كما لو أكلت عند أحد إخوانك فقال: لم لم تأكل؟ فتقول: قد أكلت الطعام كله، وأنت في حقيقة الأمر لم تأكل الطعام كله، وإنما أكلت بعضه، ولكنك تعبر عن أنك قد أكلت حتى لم يبق في بطنك موضع.
قال: وإنما أولناه على هذا -أي: نقص الإيمان- لأنه قد جاء في الحديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق).
وهذا قد جاء في حديث أبي ذر في الصحيح، فنفي الإيمان عن الزاني والسارق لا يجتمع مع هذا الحديث الذي يقول: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق)، وإنما المعنى أنه في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه أولًا ثم خرج من النار ودخل الجنة، فمن قال لا إله إلا الله، أي: من كان موحدًا لله ﷿ فمآله إلى الجنة إما أولًا مع المؤمنين، وإما بعد أن يدخل النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، فهو لا محالة لا بد أن يدخل الجنة، إما مع الداخلين أولًا بغير عذاب ولا سابقة حساب، وإما أن يدخل النار فيتطهر من ذنوبه ثم يخرج منها ويدخل الجنة.
وأما الجنة فمن دخلها فإنه لا يخرج منها.
قال: وحديث عبادة بن الصامت ﵁ المشهور أنهم بايعوه ﷺ على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا، كما قال عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله على أن لا نسرق ولا نزني ولا نشرب الخمر).
فيدل على أن هذه المعاصي التي بايعوا على عدم اقترافها مؤثرة تأثيرًا مباشرًا في الإيمان، ولذلك قال ﵊ مبينًا لهم بعد أن بايعوه على هذه الشروط: (فمن وفى منكم فأجره على الله)، يعني: الذي يفي ببنود هذه البيعة أجره على الله ﷿، وهو سبحانه يوفيه حقه؛ لأنه قد وفى ببنود البيعة.
قال: (ومن فعل شيئًا من ذلك)، أي: ومن قارف سرقة أو زنًا أو شرب خمر أو غير ذلك، (فعوقب في الدنيا فهو كفارة له)، يعني: إن أقيم عليه الحد فهو كفارة له، ولا يؤاخذه الله ﷿ به في الآخرة.
(ومن فعل ولم يعاقب)، أي: ومن فعل منكم وتاب إلى الله ﷿ تاب الله ﷿ عليه، فإن تاب وبلغ الأمر السلطان وجب إقامة الحد ولو بعد التوبة؛ لأن الحد إذا بلغ السلطان وجب إقامته، ولا مجال لاختيار السلطان في مثل هذا، فإن لقي العبد ربه مصرًا على ذنبه مقرًا بحرمته فهو تحت مشيئتة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، يعني: أن الكفر والشرك لا يغفران قط حتى وإن تلبس صاحبهما بالطاعة بالليل والنهار، فلا يقبل منه هذا قط حتى يكون موحدًا، وإذا لم يكن موحدًا فإن جاء بكل الطاعات التي أمر بها الله ﷿ وأمر بها رسوله، فسيجد هذا العمل كله هباءً منثورًا؛ لأن الله تعالى لا يقبل عملًا صالحًا إلا إذا كان مصدره الإيمان، فإذا كان مشركًا فلا يقبل منه ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].
والذي دون الشرك هو الذنوب كبيرها وصغيرها، من السرقة والزنا وشرب الخمر وغير ذلك من الكبائر، ولما سئل ابن عباس: هل الكبائر سبع كما في حديثه ﵊: (اجتنبوا السبع الموبقات)، أي: المهلكات وعد سبعًا من الذنوب الكبائر؟ فقال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب، ولكن هذا الحديث عد أعظم الذنوب، وهذا لا ينفي أن تكون هناك ذنوب عظيمة أخرى لم يعدها الحديث.
قال: وقد أجمع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير المشرك لا يكفرون بذلك، مستدلين بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].
وقوله ﵊: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق).
مع إجماع أهل العلم أن القاتل والسارق والزاني وغيرهم من أصحاب الكبائر لا يكفرون بهذه الكبائر؛ فهم يستدلون على عدم كفر مرتكب الكبيرة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال: بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر فهم في المشيئة، إن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة.
[ ٣٢ / ١٢ ]
كلام شيخ الإسلام في عدم كفر مرتكب الكبيرة
واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على عدم كفر مرتكب الكبيرة بدليل عقلي في غاية الروعة والجمال، فقال: الدليل على أن مرتكب الكبيرة ليس كافرًا أنه لا زال بعد ارتكابه لكبيرته مخاطبًا بأصول وفروع الشريعة التي يخاطب بها المؤمنون.
قال: والتحقيق -يعني: الكلام الحق في تأويل هذه النصوص- أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
وقوله: (مؤمن بإيمانه) أي: بما عنده من طاعة وإيمان، فاسق بسبب معصيته؛ لأن الذي يرتكب كبائر الذنوب يفسق بذلك حتى وإن كان ذنبًا واحدًا.
وقد قلت سابقًا: إنه يجتمع في العبد إيمان وفسق، أما الإيمان فمصدره الطاعة، وأما الفسق فمصدره المعصية، والعبد المؤمن يكون بين هذا وذاك، والصحابة ﵃ منهم من زنا، ومنهم من سرق، ومنهم من قتل، ولم يقل النبي ﵊ لأحد منهم: أنت مرتد أو كافر، ولو كفر أحدهم بذلك لأقام عليه حد الردة، والنبي ﵊ لما ماتت الغامدية التي زنت صلى عليها، ولو كانت مرتدة كافرة بهذا الزنا لما صلى عليها؛ لأنه لا تصح الصلاة على الكافر.
وماعز الإسلمي لما زنا وأقيم عليه الحد سبه أحد الصحابة، فقال له النبي ﵊: (لا تفعل، فوالله إني لأراه الآن يسبح في أنهار الجنة).
والكافر لا يسبح في أنهار الجنة، والمسلمون اليوم يكفر بعضهم بعضًا بالمعاصي.
قال: والتحقيق أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، أو يقال: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يعطى اسم الإيمان المطلق.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: فاسق بكبيرته.
ولا يعطى اسم الإيمان المطلق، وإنما يعطى اسم مطلق الإيمان.
الفرق كبير جدًا بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فمطلق الإيمان هو أصل الإيمان، وهو اليسير الذي يلزم من ثبوته الإسلام لمدعيه، فإذا قال أحد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فإنه يلزم مع هذه الشهادة التي يثبت له بها الإسلام أن يكون معه أصل الإيمان الذي استقر في القلب بصحة هذه الشهادة التي شهد بها، وأن يعتقد حقيقة أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وأما كمال الإيمان فلا يكون إلا بالصلاة والصوم والزكاة والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر الطاعات.
والإنسان إذا دخل في الإيمان أو في الإسلام ومات قبل أن يتمكن من العمل فهو كامل الإيمان، فإذا أسلم شخص ونطق بالشهادتين، ثم فاضت روحه، فقد مات على كمال الإيمان وتمامه.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ولا ينسب إليه اسم الإيمان المطلق -أي: السارق والزاني والقاتل وشارب الخمر- إنما ينسب إليه أصل الإيمان.
فالإيمان الكامل لا يكون إلا بالعمل، وأما مطلق الإيمان فهو في أصل الإيمان، وهو يثبت للمرء بدخوله في الإسلام وإن لم يعمل.
وعندما ننفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة فإنما نقصد به الإيمان الكامل، أو الإيمان الوافي، ولو قصدنا بنفي الإيمان نفي أصله فإنه يلزمنا أن نخرجه من الإسلام.
قال: فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق، واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله؛ لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه.
[ ٣٢ / ١٣ ]
كلام ابن كثير في التفريق بين الإيمان والإسلام والإحسان
قال ابن كثير عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]؛ قال: في هذه الآية دليل على أن الإيمان خير من الإسلام، يعني: الإيمان مرتبة أعلى من مرتبة الإسلام، كما أن الإحسان مرتبة أعلى من مرتبة الإيمان، كما في حديث جبريل في بيان مراتب الدين.
فكل محسن مؤمن، ولا يلزم أن يكون كل مؤمن محسنًا، وهكذا.
قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فنفي الإيمان عنهم هنا إنما هو نفي لكماله، ولو قلت: إنها نفي للأصل فتكون الآية على هذا خطأ، ومن قال بذلك كفر.
﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤] أي: الإيمان الكامل، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: معكم أصل الإيمان، وأما كماله وتمامه وواجبه فلا؛ لأنكم لا تبلغون ذلك إلا إذا دخل الإيمان في قلوبكم، قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، ولا يدخل الإيمان في القلب إلا بالعمل.
وكونه لا يعمل لا يزال من أهل الإسلام، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، وهذا دليل على أن الإيمان أخص من الإسلام.
[ ٣٢ / ١٤ ]
كلام ابن حجر في عدم كفر مرتكب الكبيرة
استدل الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري في الجزء الثاني عشر على عدم كفر مرتكبي الكبائر بدليل عقلي، فقال: اختلاف مقادير الحد.
يعني: أن حد الشارب غير حد الزاني وغير حد السارق وغير حد القاتل، فليست الحدود واحدة، بل مختلفة.
يقول: واختلاف مقادير الحد في الزنا مثلًا باختلاف أحوال الزاني ككونه حرًا وعبدًا، وكونه محصنًا أو غير محصن، فلو كان الذين يرتكبون هذه المعصية كفارًا لتساوت في حقهم إقامة الحدود، أي: لو كفر بارتكابه الذنب فيستوي أن يكون حرًا أو عبدًا، رجلًا أو امرأة، محصنًا أو غير محصن، لأن الكفر شيء واحد، فلا يختلف الحد، فاختلاف الحد دليل على أنه ليس بكافر، كما أن اختلاف الشهود في العقوبات يدل على أن الكبائر كلها ليست مخرجة من الإيمان.
قال: فلو كان من يرتكبون هذه المعصية كفارًا لما اختلفت مقادير الحد عليهم؛ حيث يتساوى المكلفون جميعًا في حد الكفر، وهو القتل، كما قال ﵇: (من بدل دينه فاقتلوه).
وإذا كان السارق يكفر بسرقته، والقاتل يكفر بردته، والزاني يكفر بزناه، فكيف جعل الإسلام لهؤلاء الكفار جميعًا حدودًا مختلفة؟ والأصل أن من وقع في ردة أو كفر كان عقابه واحدًا مهما اختلف العصاة واختلفت أوصافهم وأعدادهم.
وأصحاب البدع أكثرهم يقول بكفرهم، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨].
ولو كانوا كفارًا لقال تعالى: اقطعوا رقابهما؛ لأنهما كافران.
والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فسماه أخًا رغم أنه قاتل.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، وهذا الكلام لا يمكن أن يكون مع كافر، ولا أدري كيف يرد هؤلاء على هذه الآيات أو الأحاديث الصحيحة.
قال الحافظ: ومن أقوى ما يحمل على ترك ظاهره إيجاب الحد بالزنا على أنحاء مختلفة في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، أي: فلو كان المراد بنفي الإيمان الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كانت العقوبة مختلفة دل ذلك على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة.
[ ٣٢ / ١٥ ]
كلام ابن أبي العز في عدم كفر مرتكب الكبيرة
قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: وأهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية كما قال الخوارج، إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًا يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص.
فلو أنك قتلت فلانًا من الناس فأتى أولياء القتيل فعفوا فإنه يقبل منهم العفو، ولو كان القتل كفرًا فلا يقبل منه الإيمان؛ لأنه يصبح من مسائل الإيمان والكفر التي لا متعلق لها بالمكلفين، وإنما هي حق الله ﷿، ولما وجبت الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ فهذا القول معلوم البطلان، وفساده في الضرورة معلوم.
[ ٣٢ / ١٦ ]
تأويل علماء السنة للأحاديث التي تنفي الإيمان عن مرتكبي بعض المعاصي
الأحاديث التي تكلمت في هذه الكبائر ونفت الإيمان عن أصحابها لأهل العلم فيها أقوال كثيرة جدًا، يعني: حتى أهل السنة ليسوا على اتفاق في تأويل ظواهر هذه النصوص.
وهذه الأقوال هي: القول الأول: يكون بذلك منافقًا نفاق معصية لا نفاق كفر، وأن نفي الإيمان هنا يثبت به النفاق، ولكن ليس النفاق العقدي الذي يخرج به صاحبه من الملة.
وهذا مذهب في الحقيقة غير سليم؛ لأن الزاني ليس منافقًا، والسارق كذلك، والقاتل كذلك، فحمل نفي الإيمان على ثبوت النفاق العملي ليس سديدًا.
القول الثاني: أنه ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به، ولم يستحضر مراقبة الله تعالى ولا إجلاله، وإلا لم يفعل الذنب.
يعني: كأنه أصابته غفلة عن مراقبة الله ﷿، ولو كان متيقظًا لما أقدم على معصيته.
ولكن هذا الكلام يقال في الورع، ولا يقال في تفسير هذا الحديث أو هذه النقطة.
ويقول هذا المذهب: إن هذا كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة.
القول الثالث: أنه شابه الكافر في عمله، ولا بأس باعتبار هذا الفعل؛ لأنه لا يزني حين يزني وهو مؤمن، يعني: يمكن أن يقال: إن عمله عمل الكافر ولكنه لا يكفر، ولكنه تخلق بأخلاق الكفار، كما في قوله ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها).
ومعنى (خبب): أفسد، كأن يتقرب إلى امرأة جاره إلى أن تحبه، ثم تبدأ تتقلب على زوجها وتطلب منه الطلاق، وفي النهاية يتزوجها ذاك الرجل.
وهذا بلا شك من كبائر الذنوب، ولكن لا يكفر بهذا الذنب.
والرأي الأول والثاني ليس لهما أدنى علاقة بالعلم الشرعي والتأصيل العلمي.
ولو علم العبد أنه في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فهذا يكفيه أن لا ينام بقية عمره، ولو أنك فعلت ذنبًا استوجب اللوم أو العتاب أو الضرب أو الطرد من البيت، أو إيقاع الإيلام والعذاب على بدنك، من والدك أو من أستاذك أو ممن له الولاية عليك؛ فلا بد أنك ستبيت واقفًا تفكر ماذا سينزل بك من العذاب من صاحب هذا الحق، فما بالك بالله ﷿؟ ولله المثل الأعلى، فلو أنك انتهكت حرمة من حرماته فتوعدك أنك صرت بين مشيئتين، يعني: دخولك النار أو الجنة، وليس هناك وعد وإنما هو وعيد، تدخل أو لا تدخل، يعذبك أو لا يعذبك، ولا شفيع يشفع لك ابتداء، وإنما الشفاعة تنفعك إذا دخلت النار، وشفاعة النبي ﵊ لا تنفعك إلا في المحشر، وشفاعة من دونه تنفع بعد ذلك في نار جهنم؛ فإنك ستبيت فرقًا ومرعوبًا وخائفًا أن تكون من أصحاب هذا الوعيد، وأن تدخل النار.
ولو كان أحد يتعامل بمنتهى الوحشية والقسوة، ويحرق بالنار أو يضرب بالجريد والنعال، فإنه إذا فعل أحد به ذنبًا واستوجب عقاب ذنبه؛ فإنه لا يبيت هانئًا حتى ينزل به العقاب، ثم يعيش بعد هذا العقاب معيشة ذل وهوان.
والله تعالى إنما يعذب بعدل ويرحم بفضل، فإذا كان ذلك منه سبحانه، فينبغي على المرء أن يحرص كل الحرص على أن تكون أحواله وأفعاله وحركاته وسكناته، بل وأنفاسه كلها طاعة لله ورسوله.
القول الرابع: أن المراد به -أي: المراد ينفي الإيمان- الزجر والتنفير.
القول الخامس: أنه يسلب منه الإيمان حال تلبسه بالكبيرة فقط.
يعني: في وقت ارتكابه الكبيرة.
القول السادس: أن المراد منه النهي وإن ورد على صيغة الخبر.
القول السابع: أنه على ظاهره، ويحمل على من فعل ذلك مستحلًا، ولا بأس بهذا إذا قامت عليه الحجة وعلم الحكم في هذا ولكنه استحل ذلك، فكل مستحل لما حرم الله كافر.
القول الثامن: أن الكفر اللازم عن نفي الإيمان عن مرتكب المعاصي المذكورة إنما هو كفر النعمة.
القول التاسع: وهو أرجح المذاهب، وهو مذهب جماهير علماء الحديث وعلماء السنة؛ أن المراد منه نفي الكمال.
وقد رجحه النووي وتبعه ابن حجر وقبلهما ابن قتيبة وغيرهما من علماء السلف، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية قيدًا على ما ذكره هؤلاء، وهو أن المراد نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه.
فقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، أي: وهو مؤمن الإيمان الواجب الذي إذا تخلى عنه صاحبه استحق الذم واللوم والعذاب.
ولعل أولى التأويلات بالقبول هو القول الأخير، وهو كذلك، وإنما ذهب هؤلاء العلماء إلى القول بنزع كمال الإيمان فقط وليس بنزعه كلية لبقاء أصل التصديق في القلب، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أجمل بيان فقال: ومن أتى الكبائر مثل الزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو غير ذلك؛ فلا بد أن يذهب ما في قلبه من الخشية والخضوع والنور وإن بقي أصل التصديق في قلبه.
والعلماء لما قسموا الإيمان إلى مراتب استراحوا ولم يعد في الحديث أي إشكال، فإذا قلنا: إن الإيمان عبارة عن أصل وإيمان واجب وإيمان مستحب، فإن الآيات والأحاديث التي قالت بنفي الإيمان عن مرتكبي الذنوب والتي توعدت بالنار والكفر البواح؛ إنما تعني الإيمان الأصلي.
قال: وهذا في الإيمان الذي ينزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبي ع
[ ٣٢ / ١٧ ]
الأسئلة
[ ٣٢ / ١٨ ]
حكم الأناشيد
السؤال
ما حكم الأناشيد؟
الجواب
الأناشيد قبيحها قبيح وحسنها حسن، وليس منها الأناشيد التي ينشدها الإخوة في الأفراح، بل هذه فيها الموسيقى، وأما التي لا بأس بها فهي التي لا إثارة فيها، وأنا لا أعلم دليلًا قط بجوازها للرجال من سنته ﵊، وهذه فتوى الشيخ الألباني، وأما ما يفعل من تحويل المقاطع الشعرية فهذا غير مرغوب، وإنشاد الشعر في الأعراس وغيرها إنما يكون للنساء، وأما الرجال فلا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣٢ / ١٩ ]