لقد أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز بأن خلقًا من خلقه لا يهتدون للحق ولا يسمعونه ولا يبصرونه، بل يختارون الكفر على الإيمان، والضلال على الهدى، وهذا داخل في إرادة الله الكونية، فهو قد كتب قبل أن يخلق خلقه أن من عباده من هو من أهل الإيمان والسعادة، ومنهم من هو من أهل الكفر والشقاوة.
[ ٤٣ / ١ ]
ذكر ما أخبرنا الله تعالى به في كتابه أنه ختم على قلوب من أراد من عباده
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فالباب الأول من كتاب القدر في ذكر ما أخبرنا الله تعالى في كتابه أنه ختم على قلوب من أراد من عباده.
إذًا: الختم بإرادة الله ﷿، فهم لا يهتدون للحق ولا يسمعونه ولا يبصرونه، فقد طبع على قلوبهم؛ لأن هناك ختمًا، وقفلًا، وإغلاقًا، وطبعًا، وكل ذلك بإرادة الله ﷿.
وهنا إن أراد الله تعالى أن يطبع على قلب العبد، ويختم على سمعه وغير ذلك فعل ﷾، إذ إن الله تعالى يعلم أن عبده فلانًا لن يسمع كلام الله، بل لن يطيع الله تعالى، ولن يكون متبعًا لأنبيائه ورسله، فختم الله ﵎ على قلبه وسمعه بناءً على علمه الأزلي السابق ﷾، وأن هذا العبد إذا بلغه العلم فإنه لا يقبله، وهذا من عدل الله ﷿.
[ ٤٣ / ٢ ]
ذكر بعض الآيات الدالة على ختم الله على قلوب من أراد من عباده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٦]، الله تعالى يتكلم عن الكافرين، وسواء عليك يا محمد! أأنذرتهم أم لم تنذرهم، لكن النبي ﷺ أنذرهم؛ لأن البلاغ واجب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، لماذا؟ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧].
فالله ﷿ هو الذي ختم على قلوبهم، وطبع على أعينهم حتى إنهم لا يسمعون الحق: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] فالناظر إليهم يجد أنهم بكامل حواسهم، لكن هذه الحواس في حقيقة الأمر غير عاملة، وغير منقادة لله ﷿.
وقال الله ﷿: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥]، الباء هنا سببية، أي: بل طبع الله على قلوبهم بسبب كفرهم.
إذًا: هم اختاروا الكفر أولًا، وذلك أن الله ﷿ قد علم أزلًا أنهم سيختارون الكفر على الإيمان، وأنهم سيختارون عصيان الرسل على الانقياد والإذعان والتسليم لهم، فطبع الله تعالى على قلوبهم فهم لا يؤمنون إلا قليلًا.
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١]، فهذه إرادة كونية قدرية، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١].
وقال ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام:٢٥]، والأكنة جمع كنان وهو الغطاء، ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام:٢٥]، يعني: هم لا يفقهونه، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام:٢٥].
وقال ﷿: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، هذه إرادة شرعية دينية؛ لأن الإرادة الشرعية الدينية مبنية على المحبة والرضا، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وهذه الأخرى إرادة كونية قدرية.
وقال ﷿: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٩٣].
وقال أيضًا: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨٧].
وقال ﷿: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل:١٠٨].
وقال ﷿: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥].
أي: ساترًا، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦].
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٥٧].
وقال ﷿: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الشعراء:١٩٨ - ٢٠١].
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُم
[ ٤٣ / ٣ ]
هل الإنسان مخير أم مسير؟
قال: [فهذا ونحوه من كتاب الله ﷿ مما يستدل به العقلاء من عباد الله ﷿ المؤمنين على أن الله ﷿ خلق خلقًا من عباده أراد بهم الشقاء].
قوله: (أراد بهم الشقاء)، الإرادة هنا إرادة كونية قدرية، لكن قد يتوجه سؤال وهو: إذا كان الله تعالى قبل أن يخلق العبد كتبه من أهل الشقاء، وأراد به الشقاء، ولأجله خلق النار، فلم يعذبه على ذلك؟! على أية حال الإرادة إرادة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبر الوالدين والإحسان إلى الجيران وغير ذلك، ومع هذا فإنها إرادة كونية، بمعنى: أنها تقع في الكون، وعليه فكل إرادة شرعية دينية هي كذلك قدرية كونية، وليس العكس.
وكأن السؤال المطلوب على ألسنة العامة: هل الإنسان مسير أم مخير؟ هو في حقيقة الأمر مخير بعد البلاغ، فلما علم الله تعالى أزلًا أن عبده بعد البلاغ سيختار الضلال كتبه مع الأشقياء، وهذا منتهى العدل، فالله تعالى قبل أن يخلقك وهو العليم الخبير يعلم كل شيء في الأزل، بلا أول ولا آخر؛ لأن علمه يختلف عن كل مخلوق من المخلوقين.
فالله تعالى علم أن عبده فلانًا بعد بعثة النبي محمد ﵊ لا يختار طريق النبي محمد ﷺ، وإنما يختار طريق الضلالة والغواية والكفر، مع أن الشرع قد بلغه، لكنه اختار غيره، كأن اختار طريق النصرانية أو اليهودية أو البوذية أو غيرها من الديانات، فلما علم الله تعالى أزلًا أن عبده فلانًا لا يكون منصاعًا ومنقادًا للنبي ﵊ كتبه من الكافرين الأشقياء، ولأجله خلق النار ﷾.
والله تعالى لما عذبه بإرادته ﷾ لم يظلمه، وإنما ذلك قمة ومنتهى العدل؛ لأنه سبحانه علم أزلًا أن هذا العبد لا يؤمن فكتبه أنه من الكفار، كتبه من أول ذنب شقيًا، إذ إن الله علم ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فلا إشكال حينئذ، لكن قد يقول قائل: أنا أعمل هذه المعصية، ثم أنا ذاهب إلى النار! ما أدراك أنك ذاهب إلى النار؟ من الذي قال لك هذا؟ إذ إن الأعمال بالخواتيم، وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعكس بالعكس، فالعبد لا يدري بماذا يختم له، فكيف يقطع لنفسه بالجنة أو بالنار؟ إذًا: كل ميسر لما خلق له، وكل إنسان يجتهد في طاعة الله ﷿، ولا يقول: أنا من الأشقياء! قد قضي الأمر.
لا، بل لابد أن يسلك طريق الخير والفلاح.
فلو أن طريقًا معبدًا وطريقًا غير معبد، يعني: طريق سهل والآخر عسير جدًا، وقلنا: كلا الطريقين يؤدي إلى الهدف الذي تريد أن تصل إليه، فحيئذ أي الطريقين ستختار؟ بلا شك المعبد، وهذا موقف العقلاء.
أما الطريق المكسر والمليء بالشوك والحجارة وغير ذلك فإنها لا يختارها أحد.
فكذلك طريق النار وطريق الجنة، فطريق الجنة محفوف بالمكاره، وطريق النار محفوف بالشهوات، والله ﵎ بين لك هذا في كتابه، وبينه لك رسوله ﵊ في سنته.
فقال: لا تدخل الجنة إلا إذا صليت وصمت وزكيت وحججت وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأتيت بسائر الطاعات، ونهاك عن المعاصي، فإن وقعت فيها فأنت من أهل النار، فالذي يزني أو الذي يعصي وهو يعلم أن غاية المعصية تؤدي به إلى النار ثم هو لا يتوب فهو على خطر عظيم، وإن كانت المعصية شركًا بالله أو كفرًا فهو مخلد في النار.
وإن كانت معصية كبيرة أو صغيرة وهو قائم على الإسلام وتوحيده، أو يقصر بالأوامر، فإنه بمشيئة الله ﷿، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
[ ٤٣ / ٤ ]
نفوذ علم الله السابق الأزلي
قال الإمام: [فهذه الآيات ونحوها من القرآن الكريم مما يستدل به العقلاء من عباد الله المؤمنين على أن الله ﷿ خلق خلقًا من عباده أراد بهم الشقاء، فكتب ذلك عليهم في أم الكتاب].
وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ، فعلم الله تعالى أن عبده فلانًا بعد بعثة النبي ﷺ لا يؤمن به، بل يبقى على اليهودية، فكتبه في الأشقياء في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل النفي ولا الإثبات إلا ما أثبته هو سبحانه، فقال ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩]، أي: في الكتب التي بأيدي الملائكة والحفظة الكرام، أما اللوح المحفوظ فإنه لا يمحى منه شيء كما لا يثبت فيه شيء.
فلما علم الله تعالى أن عبده فلانًا يكفر ويموت كافرًا كتبه في اللوح المحفوظ، وهذه مرتبة من مراتب القدر وهي الكتاب، والمرتبة الأولى: مرتبة العلم الأزلي لله ﷿، وأن الله تعالى كتب هذا العلم في اللوح المحفوظ، فهو لا يتبدل ولا يتغير، والعبد لا يدري ماذا كتب له، إذًا فماذا عليه؟ عليه أن يجتهد في طاعة الله ﷿، ثم يتقرب إلى ربه بجناحي الخوف والرجاء، الخوف من الله تعالى ومن عذابه وناره، والرجاء في رحمته وجنته، وأن يقبض العبد على الإيمان والإسلام.
قال: [فختم على قلوبهم، فحال بينهم وبين الحق أن يقبلوه، وغشى أبصارهم عنه فلم يبصروه، وجعل في آذانهم الوقر فلم يسمعوه، وجعل قلوبهم ضيقة حرجة، وجعل عليها أكنة ومنعها الطهارة، فصارت نجسة؛ لأنه خلقهم للنار، فحال بينهم وبين قبول ما ينجيهم منها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]]، أي: نفذ علم ربك السابق الأزلي، ففي فلان أنه مسلم، وفي فلان أنه كافر.
وانظر لحديث ابن مسعود الطويل في الصحيحين: (إن أحدكم يخلق في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك -ملك الأرحام- ويؤمر بكتب أربع: رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد)، كيف يكتب عليه الشقاء وهو لم يفعل ما يستوجب هذا الشقاء؟ الله تعالى علم أن هذا العبد إذا ولد وعاش فإنه لا يكون طائعًا ولا منقادًا، وإنما يكون شاردًا عنيدًا زنديقًا ملحدًا كافرًا، فلما علم الله تعالى ذلك أزلًا كتب هذا، بمعنى: سجله عليه بأن عبده سيفعل ذلك، وفي نهاية الأمر سيكون مآله إلى جهنم.
والله تعالى ليس بظالم لعبده مع هذا؛ لأن الله تعالى أفرغ عذره بإرسال الأنبياء، وإنزال الكتب التي فيها هدى ونور، ثم جعله محلًا للتكليف؛ لأن الصبي ليس محلًا للتكليف، والمجنون ليس محلًا للتكليف، والناسي ليس محلًا للتكليف.
لكن على أية حال هذه الموانع تجعل الله تعالى لا يحاسب العبد، فتصور طفلًا نشأ نصرانيًا ومات، أو طفلًا مات قبل أن يبلغ، فأين هو في الآخرة؟ في الجنة، لذلك فأطفال المشركين قد اختلف فيهم أهل العلم، و(النبي ﵊ لما سئل عن أطفال المشركين قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)، ولما سئل بعد ذلك قال: (هم في الجنة)؛ لأنه لم يبلغ سن التكليف حتى يعاقب ويحاسب.
وكذلك لو أن طفلًا نصرانيًا مصاب بالجنون، ومات في سن الخمسين، فهل يحاسبه الله ﷿؟ لا يحاسبه؛ لأن مناط التكليف قد ذهب عنه وهو العقل، فإذا كان الله تعالى أرسل الرسل وأنزل معهم الكتب وجعلك عاقلًا بالغًا مميزًا مكلفًا فلا بد أن يحاسبك حينئذ، وهذا من تمام عدل الله ﷿ ورحمته بعباده.
[ ٤٣ / ٥ ]
الشر المحض ليس في أفعال الله تعالى
قال: [فهذا وما أشبهه فرض على المؤمنين الإيمان به -أي: هذا الذي قلناه وذكرناه فرض على أهل الإيمان أن يؤمنوا به- وأن يردوا علم ذلك ومراد الله تعالى فيه إلى الله، ولا ينبغي للمخلوقين أن يتفكروا فيه ولا يقولوا: لم فعل الله ذلك؟ ولا كيف صنع ذلك؟ وفرض على المؤمن أن يعلم أن ذلك عدل من فعل الله].
لأنك لو لم تثبت العدل في أفعال الله تعالى فلا بد أن تثبت الجور والظلم، والله تعالى منزه عن كل صفات النقص ومنها الظلم والجور.
قال: [لأن الخلق كله لله ﷿، والملك ملكه والعبيد عبيده، يفعل بهم ما يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويشقي من يشاء، ويذمه على الشقاء]، أي: أن الله تعالى يشقي من يشاء، ومع هذا يذمه على الشقاء، فيريد الله تعالى به الشقاء إرادة كونية قدرية، الله تعالى يكره الكفر، ومع هذا خلقه، فالله تعالى يكره إبليس ويلعنه ومع هذا خلقه، فلا نقول: لم خلق الله إبليس؟ وكيف خلق الله إبليس؟ وما الحكمة من خلق الله لإبليس؟ الحكمة عظيمة جدًا من خلق هذه الأشياء التي تضر ولا تنفع في نظر العبد، لكن نفعها كامن في حكمة الله ﷿؛ ولذلك ليس من أفعاله ﵎ خلق الشر المحض، بل الشر الذي معه الخير.
كما قال النبي ﵊: (والخير في يديك، والشر ليس إليك)، أي: والشر المحض ليس من أفعال الله ﷿، لكن الشر الذي معه الخير من أفعاله سبحانه، فلو أن قاتلًا قتل، ثم أقمنا الحد على القاتل بالقصاص، فأزهقنا روح الرجل، فكان في ذلك العبرة العظمى لكل من سولت له نفسه أن يقتل، فإنه سيفكر مليون مرة أنه سيقتل في مقابل قتلته.
إذًا: لو رفعت هذه الحدود من حياة الناس فإن الجرائم سترتكب بصورة فظيعة جدًا؛ لأن القاتل يعلم أنه لا يقتل، والزاني يعلم أنه لا يرجم، والسارق يعلم أنه لا يقطع، ولو كان ذلك قائمًا في الأمة لفكر كل إنسان في جريمته قبل أن يرتكبها، وبالتالي تراجع عنها قبل الإقدام عليها.
فهذا في حد ذاته خير عام للأمة كلها، وإن كان شرًا بالنسبة للفرد.
ولو قلنا: إن أولياء القتيل قد تنازلوا عن القصاص، فالذي يتنازل عن القصاص يرجع إلى الدية، والدية مائة ناقة، ولو قلنا الآن أن الناقة بثلاثة آلاف جنيه، إذًا تكون دية هذا المقتول ثلاثمائة ألف جنيه.
فلو أن أهل القتيل فقراء، فإن ثلاثمائة ألف جنيه تغنيهم، وهذا في حد ذاته خير، وكان من العرب من يختار الدية في القتل العمد؛ لأن المسلم مخير بين ثلاث: القصاص أو الدية أو العفو، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:٢٣٧]، يعني: العفو أفضل، والقصاص والدية كلام الله ﷿، والدية هذه يسميها العامة: العوض، إذًا هذا الشر الذي قدره الله تعالى في الكون فيه جانب من جوانب الخير، حتى بالنسبة للقاتل، فهو دفع ثلاثمائة ألف جنيه، وهذا يعتبر خراب بيوت، لكن فيه أنه سيرتدع ولا يفكر فيها ألبتة؛ لأنه ربما قتل في المرة القادمة.
المهم هناك فوائد كثيرة جدًا، وأنه ليس في أفعال الله ﵎ الشر المحض، بل فيه الخير، ومن أعظم الخير للقاتل إذا دفع الدية أن يمشي آمنًا على الأرض، مع أنه قد ارتكب كبيرة من الكبائر، فهذه فائدة عظيمة جدًا، وخير عظيم جدًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، والقصاص دم مقابل دم، ونفس مقابل نفس، ورقبة مقابل رقبة، بينما لو ترك القاتل دون قصاص فانظر ما يحدث، يقول لك: فلان قتل من بني فلان أو من أسرة فلان، ونحن والله لا نرضى أن نقتل منهم فلانًا، بل لا بد أن نقتل منهم عشرة، والعشرة هؤلاء هم فلان وفلان وفلان، ويعدون أشراف العائلة التي منها القاتل، ويقولون: هذا الذي قتل ليس إنسانًا معروفًا، ولا قيمة له، وإنما نختار زينة العائلة، وأكثر من هذا من يقول لك: والله لن ندع رجلًا ولا امرأة ولا طفلًا في العائلة إلا قتلناه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]! نعم النفس بالنفس لا النفس بالأنفس، أو الأنفس بالنفس، فهي نفس واحدة وهي القاتلة، فلو أن القاتل قتل لانتهت القضية، وطهرت ساحة أهل القتيل، فيمشون على الأرض مطمئنين آمنين، إذًا فما قيمة الاعتداء بعد ذلك على الآخرين الأبرياء؟ هذا مما حرمه الله ﷿، وحرمه الرسول الكريم ﵊، فليس من أفعال الله تعالى الشر المحض، بل فيه خير وفيه شر.
أما الشر فإن الله تعالى قدره تقديرًا كونيًا قدريًا، ولم يرض عنه شرعًا ولا دينًا، وإن كان الله تعالى أذن في وجوده من جهة الخلق، أما من جهة الكسب فإن المكتسب لذلك هو العبد.
[ ٤٣ / ٦ ]
اختصاص الله برحمته من يشاء من عباده
قال: [واختص برحمته من يشاء من عباده، فشرح صدورهم للإيمان به، وحببه إليهم، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وسماهم راشدين، وأثنى عليهم بإحسانه إليهم].
يعني: هو الذي أحسن إليهم، ومع هذا أثنى عليهم بعد ذلك، كما أن الله تعالى كتب الشقاء على الأشقياء كتابة قدرية كونية، وذمهم على ذلك؛ لأن الله تعالى علم أنهم سيختارون طريق الغواية والضلال.
ثم الطريق المقابل -نسأل الله أن يجعلنا منهم- أهل الإيمان الذين حبب الله تعالى إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأحسن إليهم، ثم مدحهم وأثنى عليهم، مع أن ذلك من فضل الله ﷿، ولو أراد الله تعالى أن يضيق صدورنا لفعل، ولكن الله تعالى رحمة منه وفضلًا جعلنا مؤمنين.
قال: [لأنه خصهم بالنعمة قبل أن يعرفوه، وبدأهم بالهداية قبل أن يسألوه، ودلهم بنفسه من نفسه على نفسه رحمة منه لهم، وعناية بهم من غير أن يستحقوه، وصنع بهم ما وجب عليهم شكره، فشكرهم هو على إحسانه إليهم قبل أن يشكروه، وابتاع منهم ملكه الذي هو له وهم لا يملكونه، وجعل ثمن ذلك ما لا يحسنون أن يطلبوه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]].
مع أنه في حقيقة الأمر هم لا يقدرون على أن يدفعوا ثمن الجنة، فربنا ﷾ جعل الجنة دار نعيم يجزي بها أولياءه، وأنا لو عملت كيت وكيت وكيت فلن أستحق أدنى نعيم في الجنة، يعني: ليس على قدر ما تأخذ على قدر ما تعطي، فإن الجنة أحسن من ذلك بكثير، ويكفي فيها النظر إلى وجه الله الكريم، ولو أعطى ربنا أحدنا مليون سنة فعبد الله تعالى فيها بالليل والنهار، فهل يبلغ في المكافأة رؤية المولى ﷿؟ أبدًا، بل لا يزال المهر بسيطًا، بل والله إن الواحد منا لا يستحق الحور العين التي هي مخلوقة من المخلوقات، الحور العين التي ترى مخ ساقها من تحت سبعين ثوبًا، وإذا نظرت في خدها رأيت صورتك فيها، فضلًا عن الجنة وما فيها، إذ فيها غرف يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، (أقل أهل الجنة نعيمًا: رجل أخرجه الله تعالى من النار، وجعله يسلك الطريق المؤدي إلى الجنة، فلما رأى شجرة من بعيد قال: رب أدنني من هذه الشجرة، قال: لعلك لو دنوت منها سألتني شيئًا غيرها، قال: لا وعزتك وجلالك لا أسألك غير ذلك، فلما أدناه منها رأى شجرة أخرى على باب الجنة فقال: يا رب! أدنني من هذه الشجرة التي عند باب الجنة، قال: ما أغدرك يا ابن آدم! ألم أقل كذا وقلت: كذا؟ فقال: يا رب! إن أدنيتني منها لا أسألك شيئًا بعدها، فلما أدناه من الشجرة التي على باب الجنة نظر إلى الجنة ونعيمها فقال: رب! أسألك برحمتك أن تدخلني الجنة؟ قال: ما أغدرك يا ابن آدم!)، وفي نهاية الحديث: فأدخله الله الجنة فقال له: (تمن)، فتمنى العبد كيت وكيت وكيت وكيت، (فإذا خلصت أمنياته ذكره الله تعالى، قال: تمن كذا وتمن كذا وتمن كذا وتمن كذا)، والله تعالى يذكره أن يتمنى، فلما تمنى كل شيء من عند نفسه ومما ذكره الله تعالى به قال النبي ﵊: قال الله تعالى: (فلك مثل الدنيا وعشرة أمثالها)، وفي رواية: (لك مثل الدنيا ومثلها ومثلها ومثلها ومثلها) حتى عد عشرة أمثالها، ليس مصر ولا القاهرة ولا الجيزة ولا الإسكندرية، بل الدنيا بأسرها، وهذا نعيم آخر رجل يدخل الجنة، فكيف بأعلى نعيم لأهل الجنة؟! أولئك الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون وحسن أولئك رفيقًا، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
قال: [وأثنى عليهم بإحسانه إليهم؛ لأنه خصهم بالنعمة قبل أن يعرفوه، وبدأهم بالهداية قبل أن يسألوه، ودلهم بنفسه من نفسه على نفسه رحمة منه لهم وعناية بهم من غير أن يستحقوه، وصنع بهم ما وجب عليهم شكره، فشكرهم هو على إحسانه إليهم قبل أن يشكروه، وابتاع منهم ملكه الذي هو له وهم لا يملكونه، وجعل ثمن ذلك ما لا يحسنون أن يطلبوه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، ثم قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، فقالوا حين قبضوا ثمن ابتياعه منهم ووصلوا إلى ربح تجارتهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٤٣].
فيسأل الجاهل الملحد المعترض على الله تعالى في أمره والمنازع له في ملكه، الذي يقول: كيف قضى الله علي المعصية؟].
أي: لماذا كتب الله علي المعصية؟! إذا قلنا: إن العبرة بالخواتيم، ساعتها يا إخواني! الواحد منا دائمًا بعد الذنب وبعد التوبة منه يكون أحسن حالًا من قبل الذنب؛ ولذلك العلماء يقولون: رب معصية أدخلت صاح
[ ٤٣ / ٧ ]
الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة
لكن السؤال هنا: هل يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على المعصية؟ فلو أن واحدًا زنا، ثم سئل: لماذا زنيت يا فلان؟ يقول: كان ذلك مقدر علي! فهو يحتج بالقدر على المعصية، مع أنه لا يكون شيء في الكون إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ففعل الزنا مكتوب في اللوح المحفوظ، وإقامة الحد كذلك من تقدير الله ومكتوب في اللوح المحفوظ.
ولذلك عمر ﵁ لما أراد أن يدخل الشام وكان قد بلغه أن بها طاعونًا جلس يستشير أصحابه: ماذا نعمل؟ فقال بعضهم: لا ندخل، وبعضهم قال: ندخل، فرجع عمر ﵁ ولم يدخل القرية، فقال له أحدهم: يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله؟ يعني: توكل على الله وادخل القرية، فقال: أفر من قدر الله إلى قدر الله، يعني: هذا الذي نحن فيه كذلك مكتوب علينا.
وسئل علي بن أبي طالب عن القدر فقال: هو سر الله تعالى المكنون، أي: المكتوب فلا يسأل عنه أحد، كما سئل ﵁ عن القدر والكتابة في اللوح المحفوظ فبل إبهامه وطبع به في باطن كفه الأخرى وقال: هذا والله مكتوب في اللوح المحفوظ، أن علي بن أبي طالب سيفعل هذا في المكان الفلاني، في اللحظة الفلانية، بالطريقة الفلانية.
فإيمان علي بن أبي طالب إيمان الأثبات الأولياء، يعلم أنه ما من شيء في الكون إلا ويكون في قدرة الله ﷿، لكن هل يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية؟
الجواب
لا، وبعض الناس يظن أن الاحتجاج بالقدر على المعصية أمر لا حرج فيه.
ويحتج بما ورد عن آدم أبي البشر الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأدخله الجنة، إذ قال ﵇ لموسى: أنت موسى بن عمران الذي كلمك الله تكليمًا، وكتب لك التوراة بيده، أترى أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ؟ أي: المعصية التي عملتها -الأكل من ورق الشجر- كانت مكتوبة علي في اللوح المحفوظ، فحج آدم موسى، أي: انتصر آدم على موسى.
فآدم ﵇ لم يحتج بالقدر قبل أكل الشجرة، وإنما احتج بالقدر بعد أكله من الشجرة، وهذا نهج أهل السنة والجماعة، فإنهم لا يحتجون بالقدر على المعصية إلا بعد التوبة، أما قبلها فهذا مسلك أهل البدع، فالواحد إذا وقع في زلة أو معصية أو حتى في كبيرة من الكبائر فإن الواجب عليه أن يتوب إلى الله ﷿، وأن يمتلئ قلبه من الهم والغم والبكاء والحزن، وإذا كان هناك حد بادر إلى إقامة الحد عليه، ويقدم الاستغفار والتسبيح والتهليل والذكر والصدقة وغير ذلك مما يمحو هذا الذنب، ثم هو لا يتمادى في التأثر بهذا الذنب حتى يكون هذا التأثر سببًا في هلاكه، لأن هذا ليس مطلوبًا منه، وإنما المطلوب منه التوبة والرجوع إلى الله، لا أنه يجلس في غم وهم ونكد طيلة حياته الباقية مما يعجزه عن القيام بأدنى مهامه التي خلق لها، أو أنه يمتنع عن الطعام والشراب، أو يمتنع عن الجهاد إذا نودي إلى الجهاد، وإنما يجب عليه أن يتوب إلى الله ﷿، وأن يستغفر من ذنبه الله تعالى وغير ذلك.
ويقدم من الطاعات والأعمال ما يكون سببًا لكفارة ذنبه الذي ارتكبه.
وعلى أي حال ما وقع ذنب إلا بقدر، وإذا كان الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة فهو أمر مشروع، أما إذا كان قبل التوبة فهي طريقة أهل البدع.
قال: [قال الله ﷿: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٧]]، من الذي يهدي؟ من الذي يضل؟ يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، يهدي من يشاء مشيئة وإرادة شرعية دينية، ويذل من يشاء إرادة ومشيئة كونية قدرية.
قال: [قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهذه طريقة من أحب الله تعالى هدايته إن شاء الله، ومن استنقذه من حبائل الشياطين، وخلصه من فخوخ الأئمة المضلين].
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٣ / ٨ ]
الأسئلة
[ ٤٣ / ٩ ]
التوفيق بين كفر من ألقى المصحف إلى الأرض استهزاءً وبين إلقاء موسى للألواح
السؤال
ذكرت إجماع أهل العلم على كفر من ألقى المصحف في النجاسة أو وطئه بقدميه، فكيف نرد على من حكى نفس القصة التي ذكرت فيها عالم الأزهر، لكنه قال: إنه قطع المصحف ووضعه في دورة المياه، ثم عندما لاحظه المراقب ألقى به ووطئه بقدميه، وقال هذا الشيخ: إنه لا يكفر، واستدل بإلقاء موسى للألواح، فكيف نرد على هذا؟
الجواب
هذا الذي فعله الطالب إنما فعله من باب الخوف على مستقبله، وما كان ينبغي قط أن يفعل ذلك.
أما هل هناك وجه للمقارنة بين هذا الفعل وبين فعل موسى ﵇؟
الجواب
لا؛ لأن موسى ألقى الألواح من شدة الغضب، وفي نسختها هدىً ونور، فموسى ﵇ غضب غضبًا أخرجه في هذه اللحظة عن إدراك ما يفعله، فألقى الألواح وهو غضبان.
ثم لما هدأ ورجع إلى رشده أخذ الألواح بيده، فموسى ﵇ معذور لفرط غضبه، والمرء لو بلغ درجة الإغماء من الغضب لا يترتب على أفعاله وأقواله أحكامًا، فلو أنه ألقى ولده من أعلى، أو ألقى أحدًا من الناس من أعلى، فإنه لا يحاسب على ذلك، أي: لا يقتص منه، ولو أنه أغلق إغلاقًا وقال لامرأته في الإغلاق: أنت طالق، فإن الطلاق لا يقع منه، وغير ذلك من الأحداث.
[ ٤٣ / ١٠ ]
الإمساك عن الكلام في القدر أمر واجب
السؤال
بما أن المولى ﷿ يعلم الغيب، وكله مكتوب في اللوح المحفوظ، فلماذا يغضب الله من ذنب أو معصية يفعلها عبد من عباده، على الرغم من علمه المسبق لوقوع هذا الذنب أو المعصية، أيكون غضب الله تعالى عند اقتراف العبد لهذا الذنب وما يعقبه من عذاب هو أيضًا قدر مكتوب؟
الجواب
إذا ذكر القدر فأمسكوا، والإمساك عن الكلام في القدر هو من مثل هذه الأسئلة، فلا يحل لمسلم أن يسأل هذا السؤال.
[ ٤٣ / ١١ ]
من السنة تصويب النظر إلى محل السجود في الصلاة
السؤال
أرى كثيرًا من الإخوة الفاضلين يتهاونون في أمور كثيرة في الصلاة وبالأخص تصويب النظر، فما نصيحتكم لهم؟
الجواب
على أية حال النبي ﵊ في سنته العملية بين أن موضع السجود هو محل النظر، وهذا مذهب جماهير العلماء.
وبعض العلماء قال: لا مانع أبدًا أن ينظر المصلي أمامه، واحتجوا بظاهر قول الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، أي: اتجاه أو مقابل.
[ ٤٣ / ١٢ ]
تفسير قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)
السؤال
قرأ الإمام قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، فهل هذه الآية من المتشابهات أم المحكمات؟
الجواب
هذه الآية من المحكمات، والذي نريد أن نصححه إجمالًا أن آيات الصفات ليس فيها متشابهات، والذي يقول بذلك هو في الحقيقة معتقد أهل البدع.
أما معنى الآية: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] أي: أن عيسى ﵇ يقول: إذا كنتم تزعمون أني ولد الله وأني ابن لله ﷿ فأنا أبرأ إلى الله من هذه التهمة وهذه الفرية، وعلى فرض ثبوت كلامكم فأنا أول العابدين لله، وليس في الآية إثبات الولد لله، بل هي من أقوال المشركين الكفار، وعيسى ﵇ الذي هو نبي الله تعالى في ذلك الزمن تبرأ من هذه المقولة، وقال: إذا كنتم تزعمون أن لله ولدًا، فأنا أبرأ إلى الله تعالى من ذلك، بل أنا أقر بأني أول العابدين، ولست ولدًا كما تزعمون.
[ ٤٣ / ١٣ ]
حكم إتيان الزوجة في حال حيضها
السؤال
ما حكم من أتى زوجته وهي حائض وهو يعلم وهي تعلم؟
الجواب
كلاهما آثم، ويجب في حقهما التوبة والكفارة، والكفارة أن يتصدق كل منهما بنصف دينار، ونصف الدينار حوالي ثمانين جنيهًا تقريبًا.
[ ٤٣ / ١٤ ]
كيفية التوفيق بين ما كتب في أم الكتاب وبين أن الدعاء يرد القدر
السؤال
كيف نوفق بين ما كتب في أم الكتاب وبين أن الدعاء يرد القدر؟
الجواب
على أية حال أنا قلت: ما كتب في اللوح المحفوظ لا يقبل المحو ولا الإثبات.
والإمام ابن القيم في الداء والدواء يقول: الدعاء مع البلاء على ثلاثة أنواع: فإذا كان الدعاء أقوى من البلاء رفعه، وإذا كان البلاء أقوى من الدعاء نزل البلاء على العبد، وإذا كان الدعاء والبلاء في قوة واحدة فهما يعتلجان في السماء، هذا كلام ابن القيم عليه رحمة الله.
وكون الله تعالى قدر البلاء ثم رفعه الدعاء، يعني: كان الدعاء أقوى من البلاء، وقرب العبد لمولاه كان قريبًا، فهذا قد علمه الله تعالى أزلًا فكتب في اللوح المحفوظ أن هذا البلاء لا يصيب العبد، فإنه أحيانًا تأتي الأوامر الشرعية ولا يكون المراد منها حقيقة الابتلاء والاختبار فقط، أي: لما أمر الله ﵎ إبراهيم أن يذبح ولده، هل أراد الله لهذا الأمر أن ينفذ أم هو للابتلاء والاختبار؟ لو أراد إنفاذه فكان لا بد أن ينفذ، حتى ولو أن الله تعالى أنزل ألف كبش فداء، فلا بد أن ينفذ؛ لأن الله تعالى أراد إنفاذه، ولو أراد الله تعالى إنفاذه لما أنزل كبشًا.
إذًا: أمر الله تعالى أمرًا مفاده الابتلاء والاختبار، مع أن الله يعلم أن هذا موقف إبراهيم، والله يختبر إبراهيم ﵇، وموقف إبراهيم ﵇ معلوم لله ﷿ منذ الأزل، وإبراهيم عمل ذلك حتى يكون سنة للأمة إلى قيام الساعة، فيقال: هذا سيد الأنبياء قد فعل به كيت وكيت وصبر، وقدم ولده فداء.
[ ٤٣ / ١٥ ]
استئناف ثلاث طلقات لرجل طلق امرأته ثم تزوجها بعد زوج آخر
السؤال
إذا تزوجت المطلقة ثلاثًا زوجًا آخر، فهل يكون بذلك قد هدمت الطلقات الثلاث، بحيث لو طلقها الثاني أو مات عنها وتزوجها الأول كان له ثلاث طلقات؟
الجواب
لو أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت من بعده رجلًا آخر ثم طلقها فتزوجها الأول، فإن له عليها ثلاث طلقات، وهذا إجماع، وكذلك لو أن رجلًا طلق امرأته طلقة واحدة وتزوجها الثاني، ثم طلقها طلقة واحدة فتزوجها الأول، فكذلك له عليها ثلاث طلقات، وهذه أيضًا من مسائل الإجماع.
[ ٤٣ / ١٦ ]
حكم من قال: لا تجعلوني أكفر
السؤال
ما حكم امرأة قالت في حالة غضب: لا تجعلوني أكفر، تعني بذلك أن تشق ثيابها أو أن تلطم وجهها، وماذا تفعل كي تتوب؟
الجواب
على أية حال إذا بلغ منها الغضب مبلغًا عظيمًا جدًا فلا حرج عليها، وهذا أمر لا تكفر به إذا كان في حالة الغضب، أما إذا لم تكن في حالة غضب فإن ذلك قد يكون حرجًا، لكنها لا تكفر به أيضًا؛ لأنها قالت: لا تجعلني أكفر؛ يعني: أنا لم أقل قولًا ولم أفعل فعلًا حتى أكفر به، فهي تنهاه أن يكون سببًا في كفرها مستقبلًا، كما لو قال رجل لامرأته: سأطلقك، فهل كلمة (سأطلقك) يقع بها الطلاق؟ لا يقع بها؛ لأنه يقول لها: سأطلقك، أي: في المستقبل.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ٤٣ / ١٧ ]