منهج أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر ينبني على أصول وقواعد، هذه الأصول والقواعد تمنع من إطلاق الكفر على المسلمين، إلا إذا أتى المسلم ناقضًا من نواقض الإسلام، أو عملًا نص الكتاب أو السنة على أنه كفر، مع تحقق الشروط وانتفاء موانع التكفير.
[ ٣٩ / ١ ]
سبب اختلاف الناس في مسائل الإيمان والكفر اختلافهم في تعريف الإيمان
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
في الدرس الماضي تكلمنا عن قواعد ومسائل، قلنا إنه ينبغي أن نقف عليها قبل أن ندخل في سرد أقوال السلف فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر، وقد اتفقنا تقريبًا على بعض القواعد والأصول، ونكمل في هذه المحاضرة بقية هذه القواعد التي ينبغي أن نتفق عليها، وإلا فإننا إذا اختلفنا في الأصول فلابد أن نختلف في الفروع.
من هذه القواعد: أن علة الاختلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا فيما يتعلق بمسألة الإيمان والكفر اختلافهم في حقيقة الإيمان ومعناه، فلو أنهم جميعًا اتفقوا على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص لما كان هناك خلاف، ولكنهم اختلفوا في تعريف الإيمان.
فمنهم من قال: الإيمان هو التصديق، وهذا قول المرجئة.
ومنهم من قال: الإيمان هو الإقرار.
ومنهم من قال: الإيمان هو المعرفة، يعني: معرفة الإنسان لله ﷿ بقلبه، ولاشك أنه على هذا التعريف يكون إبليس مؤمنًا، وفرعون مؤمنًا؛ وذلك لأنهم مقرون داخلًا بالله ﷿.
ومنهم من قال: الإيمان هو العلم، أي: العلم المجرد بعيدًا عن النطق، وبعيدًا عن الاعتقاد، فهم يعلمون في أنفسهم أن الله إله واحد، ولكنهم لم ينطقوا ولم يعملوا بذلك، فهم عند الجهمية مؤمنون.
فلما اختلف تصور الناس، واختلف تصور العلماء حول حقيقة الإيمان فلابد أن يقع الاختلاف فيما يتعلق في المسائل المتعلقة بالإيمان سلبًا وإيجابًا، فعلة الاختلاف: هي الخلل الواقع في تعريف الإيمان.
[ ٣٩ / ٢ ]
معرفة الإيمان وحقيقته عند أهل السنة والجماعة
الذي يعنينا من هذا كله هو معرفة الإيمان عند أهل السنة والجماعة.
إن النبي ﵊ لما قال: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة)، الصحابة ﵃ لما علموا سلفًا أن هذه الفرق لا تعنيهم وإنما الذي يعنيهم هو معرفة الحق سألوا عنه؛ ولذلك لما قال: (كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟!)، ولم يقولوا: من هم؟ فلم يسألوا عن الضلال وإنما سألوا عن الحق؛ لأنه هو الذي يلزمهم، وإذا عرف الإنسان الحق عرف أن ما عدا هذا الحق هو الباطل الذي يجب عليه أن يتجنبه وأن يحذره، ولذلك من المناهج الفاسدة الخاطئة في هذا الزمان وعلى الساحة الدعوية أن يعلم الشيخ تلاميذه ومدرسته أصول الفرق الضالة قبل أن يعلمهم أصول أهل السنة والجماعة، فمن الأصول التي ينبغي على طالب العلم أو على المسلم عمومًا أن يتعلمها وأن يعتقدها اعتقادًا جزمًا: معرفة الإيمان وحقيقته.
فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل.
ومنهم من قال: قول وعمل ونية.
ومنهم من قال: قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان.
وهذه التعاريف مؤداها واحد، وهو أن الإيمان قول وعمل، قول باللسان، وعمل بالقلب والجوارح.
هذا تعريف الإيمان.
[ ٣٩ / ٣ ]
دخول العمل في الإيمان واختلاف الأعمال في تأثيرها على الإيمان
والإيمان على هذا النحو يشمل العمل، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فلابد أن يزداد وينقص على حسب عمل العامل، فإذا كان عاملًا بالطاعة ازداد إيمانه، وإذا كان عاملًا بالمعصية نقص إيمانه، فينقص ثم ينقص حتى لا يبقى منه شيء، وكما قلنا من قبل: إن دائرة الإيمان ضيقة في وسط دائرة عظيمة واسعة اسمها دائرة الإسلام، وإذا انتفى الإيمان عن العبد فلا يعني ذلك أنه قد خرج من الملة، وإنما يعني ذلك: أنه سقط من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام.
وإذا قرأنا قول النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)، علمنا أن نفي الإيمان هنا هو نفي للإيمان الواجب، فعندي أن الإيمان ثلاثة كما أن الأعمال ثلاثة، فارتباط الأعمال بالإيمان وارتباط الإيمان بالأعمال ارتباط وثيق، فإذا كان العمل متعلقًا بأصل الدين الذي إذا انتفى هذا العمل انتفى معه الدين، فهذا يدل على ردة من أتى هذا العمل، كمن سب الله تعالى، أو سب الشريعة، أو سب الرسول ﵊، أو استهزأ بآيات الله ﷿، هذا كله عمل، فمن فعل ذلك خرج من الملة وارتد عن دين الإسلام بالكلية.
إذًا: نفي الإيمان هنا إنما هو نفي لما هو أصل الإيمان لا للإيمان الواجب، أما الإيمان المستحب أو المندوب فهو المتعلق بالسنن والنوافل وغيرها، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: (ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، وقال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به -أي: لا يسمع إلا بي، ولا يحب أن يسمع إلا ما يرضيني- وكنت بصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) إلى آخر الحديث.
فلو أن واحدًا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فبلا شك أن هذا في الظاهر يثبت له الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، لكن إن قال هذه الكلمة وهو يبغضها، أو لا ينقاد لها ولا يذعن لها، أو يشك فيها ويرتاب؛ فلا شك أنه عند الله منافق وإن ثبت له الإسلام ظاهرًا، حتى وإن عمل ظاهرًا بمقتضى هذه الكلمة ولكنه يشك فيها، أو لا يؤمن بها، أو قالها تعوذًا، فهذا شأن المنافقين.
إذًاَ: عندي تفريق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فمطلق الإيمان هو أصل الإيمان الذي إذا جاء ذكر النفي له فهو نفي لحقيقة الإسلام، أما الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل التام، وإذا جاء ذكر لنفي هذا الإيمان فإنما هو نفي الكمال والتمام، ونفي الإيمان الكامل لا ينفي أصل الإيمان.
شخص يقتل، أو يزني، أو يسرق، أو ينتهب نهبة أو غير ذلك من المعاصي، فنقول له: أنت لست مؤمنًا.
نعني: لست مؤمنًا كامل الإيمان، أما قولنا: لست مؤمنًا بمعنى أنه كافر فهذا لا يكون إلا فيما يتعلق بأصل الديانة، أو ارتكاب ما يخل بأصل الدين، أو عمل عملًا أثبت النص أن من عمله فقد خرج من الملة، أو انعقد الإجماع على ذلك، فإننا كما قلنا من قبل: إن هذه المسائل لابد أن يكون فيها نص أو إجماع، فإذا قال لي شخص: ما هو الفارق والضابط بين اعتباري لهذا العمل أنه من أصل الإيمان أو من الإيمان الواجب؟ سأقول له: الضابط لذلك أن يأتيني نص يثبت هذا أو إجماع انعقد على أن من فعل ذلك فقد ارتد.
[ ٣٩ / ٤ ]
إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة على أن العمل من الإيمان
القاعدة الثانية: إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن العمل من الإيمان.
هذا الإجماع نرد به على المرجئة الذين يقولون: لا علاقة للعمل بالإيمان، ويقولون: إن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، وهذا كلام في غاية البطلان والتهافت والسقوط؛ وذلك لأن الإيمان عندهم هو التصديق، فإن قيل: لماذا وقع المرجئة في هذا؟ أقول: للخلل في معرفة حقيقة الإيمان، فإذا بالمرجئة يقولون: هذا الإيمان ليس قولًا ولا عملًا ولا يزيد ولا ينقص، إنما هو التصديق، فإذا صدق المرء بقلبه، ويا حبذا لو نطق ذلك بلسانه؛ فقد ثبت له الإيمان الكامل وإن لم يعمل شيئًا، أي: وإن ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج، وارتكب جميع الموبقات، قالوا: لأن العمل خيره وشره ليس من الإيمان، ولا علاقة له بالإيمان، فأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان وعن حقيقة الإيمان، فسواء عمل هذا المصدق الطاعة أو ارتكب المعصية فسيان، وعند المرجئة لو أن العامل أو المؤمن عمل صالحًا وانتهى عن السيئات فهذا فضل منه، يعني: يثاب على ذلك فوق الكمال والتمام، وهذا بلا شك تجن وتأل على الله ﷿.
نحن قلنا من قبل: إن الإجماع من مصادر التشريع، ويا حبذا لو كان هذا الإجماع هو إجماع الصحابة، فلا يجرؤ أحد أن يطعن في الإجماع، خاصة إجماع الصحابة؛ لأن إجماع الصحابة محل اتفاق، فإذا أجمع الصحابة والتابعون على أن العمل من الإيمان كان هذا دليلًا في وجه الجهمية وفي وجه المرجئة في آن واحد؛ لأنهم أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان.
[ ٣٩ / ٥ ]
الكفر منه ما هو اعتقادي ومنه ما هو عملي، ولكل منهما ضوابط
القاعدة الثالثة: الكفر منه ما هو اعتقادي ومنه ما هو عملي، وضابط الكفر العملي والاعتقادي كذلك النص والإجماع؛ لأن بعض الناس تصور أن الضابط لمعرفة الناقض للإيمان -كفريًا أو عمليًا- أن يكون هذا المنقوض متعلقًا بالإيمان، أو متعلقًا بالعمل؛ فهكذا اجتهد، وهذا كلام لم يقله أحد من أهل العلم، وإنما هذا من بنات أفكاره، والصواب: أن الضابط لمعرفة ما إذا كان هذا كفرًا اعتقاديًا أو عمليًا، هو ورود النص أو وجود الإجماع المنعقد على أن هذا كفر عملي أو كفر اعتقادي.
النبي ﵊ يقول: (قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق) هذا نص، فإذا قلت: هل هذا الكفر اعتقادي أم عملي؟ لابد أن أقول: إن هذا الكفر كفر عملي ليس مخرجًا من الملة، وذلك لوجود النص ووجود الإجماع، أما النص فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فسمى الله تعالى القاتل أخًا: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ)، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فأثبت أن القتال يكون بين طائفتين من أهل الإيمان، فالقتال لم ينف عنهما صفة الإيمان، كذلك إجماع الأمة على أن المسلم إذا قتل صاحبه فلا يكفر بهذا القتل، وإلا لو كان كافرًا للزم قيام الحد عليه ردة، لكن قيام الحد يكون قصاصًا، فالذي يقام عليه الحد قصاصًا هل يكون مرتدًا أو كافرًا؟ لا يكون كذلك، وانعقد الإجماع على أن قاتل المسلم لا يكفر بذلك.
[ ٣٩ / ٦ ]
التفريق بين الكفر العملي المخرج من الملة والكفر العملي غير المخرج منها
عند هذه النصوص: (قتال المسلم كفر)، أريد أن أعرف: هل هذا الكفر اعتقادي؟ إذا كان اعتقاديًا كفر به صاحبه وخرج من الملة والإسلام، أما إذا كان عمليًا فينظر: إذا كان من العمل الذي إذا ارتكبه العامل أخرجه من الإسلام، أم أنه من الأعمال التي لها مكفرات وحدود حدها الشرع كحد الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر وغير ذلك من الحدود لم يخرج من الإسلام؛ لأن بعض الناس انطبع في ذهنه أن الكفر الاعتقادي مخرج من الملة، وهذا كلام سديد، أما الذي ليس كذلك فهو ما انطبع في أذهانهم أن الكفر العملي مطلقًا لا يخرج به صاحبه من الملة، وهذا هو الخطر، بل هذا بيت القصيد بين أهل السنة ومن عداهم، فغير أهل السنة يعتبرون أن الكفر العملي مطلقًا لا يخرج به صاحبه من الملة، ويقولون: هو كفر عمل -أي: كفر دون كفر- ليس هو الكفر الذين تذهبون إليه المخرج من الملة.
والحقيقة أن الكفر العملي لابد أن ننظر فيه إلى نوع العمل الذي انتهشه وارتكبه العامل، فإن كان متعلقًا بالدين نصًا أو إجماعًا فإن الكفر العملي حينئذ معناه بالخروج من الملة، وإذا كان متعلقًا بالإيمان الواجب، بالحلال والحرام والواجبات في الإسلام وغير ذلك، فلاشك أن نفي الإيمان هنا إنما هو نفي للإيمان الواجب وليس الكامل، أما الكامل فهو المستحبات والمندوبات وغير ذلك، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السابع، فقد خصص هذا المجلد كله من أوله إلى آخره فيما يتعلق بقضايا الإيمان والكفر، وهذا الكتاب لا يشبع منه القارئ، وهو مجلد متعلق بالإيمان ومسائل الإيمان، لا يمل منه طالب العلم أبدًا؛ لأنه كلام أحلى من العسل، كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فضلًا عن تلميذه البار ابن القيم عليه رحمة الله في غالب كتبه، إذا تكلم عن مسائل الاعتقاد فإنه يقرر ما سمعتموه الآن، وهو ما تلقاه عن شيخ الإسلام ابن تيمية.
إذًا: الذي يعنيني في هذا الأصل: أن تقسيم الكفر إلى اعتقادي وعملي لا يلزم منه أن العملي لا يكفر به صاحبه، بل لابد من النظر إلى أصل هذا العمل، فإذا كان متعلقًا بأصل الدين فلابد أننا سنحمل نفي الإيمان هنا على نفي الإيمان الأصلي، وإذا كنا نقول: إن العمل عملان: عمل يكفر به صاحبه؛ وعمل لا يكفر به صاحبه، فلا شك أن العمل الذي لا يكفر به صاحبه ليس متعلقًا بأصل الديانة، وإنما هو متعلق بأصل الإيمان.
مثال: الذبح لغير الله عمل، فإذا كان الكفر العملي لا يخرج به صاحبه مطلقًا من الملة، إذًا: الذبح لغير الله ليس كفرًا مخرجًا من الملة، وكذلك السجود لغير الله، فإذا قلنا: إن الكفر العملي مطلقًا لا يخرج به صاحبه من الملة يلزمنا أن نقول: إن من سجد لغير الله لا يكون كافرًا، وأنتم تعلمون يقينًا أن من سجد لغير الله كفر وخرج من الملة مع أنه عمل، وكذلك من سب الله أو سب الرسول أو سب الشرع أو سب الدين، أو استهزأ بآيات الله أو غير ذلك؛ كل هذا من الأعمال أو الأقوال، ومع هذا فقد أجمعت الأمة أن من ارتكب شيئًا من ذلك خرج من دائرة الإسلام ودخل في حظيرة الكفر.
إذًا: الذي يعنيني في هذا الأمر أن تقسيم الكفر إلى اعتقادي وعملي تقسيم سديد وقال به كثير من السلف، أما اعتقاد أن الكفر العملي هو الذي لا يخرج به صاحبه من الملة فلا، فمن العمل ما يكفر به صاحبه -وقد ذكرت لكم أمثلة- ومن العمل من لا يكفر به صاحبه، والنبي ﵊ يقول: ليس منا من فعل كذا وكذا وكذا، ولفظ (ليس منا) قد ورد في أحاديث كثيرة: قال ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها) (خبب) بمعنى: أفسد.
وقال ﵊: (ليس منا من غير منار الأرض)، أي: علامات وإشارات الأرض والدلالات على قوارع الطرق أو غير ذلك، فقوله ﵊: (ليس منا) المقصود به العملي أم الاعتقادي؟ العملي، وهذا العمل لا يخرج صاحبه من الملة.
عندما يقف شخص عند كبري (المنصورة) ويجد لافتة فيها سهم إلى جهة الغرب يؤدي إلى المنصورة، وسهم إلى الجنوب يؤدي إلى الإسكندرية فقام هذا الشخص بتغيير هذه اللافتة؛ فأصبح طريق الإسكندرية هو طريق المنصورة والعكس، هذا الذي قال ﵊: (ليس منا من غير منار الأرض)، فهل قوله: (ليس منا) يعني أن من عمل ذلك كفر وخرج من الملة؟ هل (ليس منا) نفي للإسلام والإيمان، أو نفي لأخلاق النبوة وآدابها، وأخلاق المسلمين وما هم عليه من التزام أوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه وغير ذلك؟ فهذا بلا شك من العمل الذي لا يكفر به صاحبه، خلافًا للأعمال السابقة التي ذكرتها، وقد انعقد الإجماع فضلًا عن هذا النص على أن من ارتكب شيئًا منها خرج من الملة.
ونقل غير واحد الإجماع كـ ابن حزم على أن الكفر يكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقاد، لا خلاف بين أحد من الناس أن الكفر يكون بالاعتقاد، كما أنه لو قال كفرًا متعمدًا غير جاهل ولا متأول ولا مكره كفر بالله.
يعني
[ ٣٩ / ٧ ]
ضوابط الكفر بالقول ومذهب الفرق الضالة فيه
والكفر الثاني: وهو كفر القول، لو أن قائلًا قال قولًا كفرًا مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع كفر بالإجماع؛ لكن الخلاف وقع في الكفر بالعمل على النحو السابق الذي ذكرت في تقسيم الكفر العملي إلى مخرج وغير مخرج، ومنهم من يقول -وهم المرجئة والجهمية على جهة الخصوص- لا يكفر العامل بعمله البتة حتى وإن كان العمل في ذاته كفرًا؛ وذلك لأنهم يقولون إن العمل لا علاقة له بالإيمان، ولذلك سواء تعلق هذا العمل بالكفر أو لم يتعلق بالكفر؛ فإنه لا يؤثر على إيمان العبد بل على كمال إيمانه وتمامه، وهذا ضلال مبين، إذا رجعنا شيئًا إلى الوراء وقلنا: الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، فلا شك أننا نقول: إن القول جزء من الإيمان لا يكون إلا به، وكذلك العمل جزء من الإيمان لا يكون إلا به، فإذا اختل العمل لابد أن يختل الإيمان، واختلال الإيمان المتعلق باختلال العمل يتوقف على نوع العمل.
الشاهد من ذلك أنني أقول: الإيمان قول وعمل، فإذا كان يتكون الإيمان من هذين فلابد لي أن أقول: وجود الإيمان مرتبط بوجود أمرين إذا انعدم أحدهما انعدم الإيمان، وأحيانًا يكون القول ليس شرطًا في حق أحد الناس، فقد يكون شخصًا أخرس غير قادر على النطق، فالنطق ليس شرطًا في حقه، فإشارته إلى السماء بسبابته كافٍ، أو حتى مجرد إعرابه عن فهمه للكلام أو الإشارات الموجهة إليه كافية في إثبات ذلك؛ لأن عجزه عن الكلام والنطق وصممه أدى به إلى عدم النطق، فمن عجز عن القول كمن عجز عن بعض الأعمال، فالذي أخرج به من هذه القاعدة: إذا كان الإجماع قد انعقد على أن الكفر يكون بالاستحلال، والاعتقاد، والتكذيب، والجحود، فكذلك يكون الكفر بالقول ويكون الكفر بالعمل؛ لأن بعض الناس يقولون: العمل لا يكفر به العامل إلا إذا استحل، وهذا كلام المرجئة وكلام الجهمية، يقولون: مهما عمل العامل من عمل وإن كان ظاهره الكفر إلا أن الفاعل لا يكفر إلا إذا استحل، فمن أين يعرف أنه استحل؛ لأن الاستحلال شيء قلبي؟ ننظر لمتأخري الأحناف وبعض أهل العلم، قالوا: نعم.
سب الله كفر.
نقول: سب الله عمل، إذًا: أنتم تناقضتم مع أنفسكم؛ لأنكم قلتم: إن العامل لا يكفر بعمله إلا إذا استحل، فإن قالوا: لا، خالفوا الإجماع، كما خالفوا النص: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وغيره من النصوص، فالإجماع انعقد على أن من سب الله أو الرسول أو الشرع أو وطئ المصحف بقدمه أو سجد لصنم أو لغير الله كافر خارج من الملة، هذه مسائل من مسائل الإجماع لم يختلف عليها أحد.
فإذا قالوا: من سب الله لم يكفر؛ لأن هذا عمل، قلنا: خالفتم النص والإجماع، ومن خالف النص والإجماع فقوله غير معتبر، وإذا قالوا: نعم.
قلنا: هذا عمل، ومن أصول مذهبكم أنكم لا تكفرون بالعمل إلا إذا استحل العامل هذا العمل.
قال القائل منهم: نعم.
من أصولي أن العامل إذا عمل عملًا ظاهره الكفر لا يكفر بذلك إلا إذا استحل.
نقول: لم كفرته هنا؟ قال: لقرينة، فانظر إلى الكلام الفاسد.
قال: لقرينة.
فأنا لم أكفره بمجرد العمل، وإنما سبه لله تعالى يدل على بغضه الداخلي لله، وهكذا رد المسألة للاستحلال والاعتقاد؛ وذلك لأن العامل عندهم لا يكفر إلا إذا اعتقد، أي: استحل، وهذا كلام في قمة الفساد، ولم يقل به واحد من أهل العلم من سلف الأمة.
[ ٣٩ / ٨ ]
يسر الإسلام باعتبار موانع التكفير
من موانع التكفير الجهل، وأنتم تعرفون أنه لو لم يكن الجهل من موانع التكفير لوقع معظمنا في هذا المحظور، فنحن نخطئ كثيرًا في المسائل العملية، بل نخطئ في المسائل الاعتقادية، بل نخطئ في الأسماء والصفات وبما يتعلق بالذات العلية، فإذا لم نكن معذورين بهذا الخطأ أو بهذا الجهل، فإن الله تعالى كان ينبغي أن يكون له معنا شأن آخر، فمن رحمة الله ﷿ ويسر هذه الشريعة أن جعل الجهل مانعًا من موانع التكفير.
وكذلك الخطأ أو الشبهة: شخص يعمل عملًا خطأً أو متأولًا، عنده شبهة يعتقد أنه على الحق، فإذا به على الخطأ المبين؛ لذلك هو يقول قولًا ويرجع عنه غدًا، يقول قولًا اليوم، فإذا تعلم وبانت له الحقائق رجع عن قوله وذم التعصب.
وكذلك الإكراه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وهذه طبعًا الرخصة، أما العزيمة فهي أن يثبت المرء على إيمانه وإن قتل؛ وذلك لأنه يضحي بأمر عام، خاصة إذا كان من أصحاب الوجاهة، وممن يشار إليه بالبنان.
ابتُلي أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بفتنة خلق القرآن، فـ أحمد بن حنبل طيلة عمره كان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال إنه مخلوق فقد كفر، وإذا بالخليفة يحبسه ويضربه ويركبه على دابة، ويجعل ظهره في مكان وجهه، ووجهه في مكان ظهره، فيكون وجهه في دبر الدابة، ويطوف به بغداد، ويقول له: يا أحمد! قل للناس: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أحمد بن حنبل، فلا يزيد أحمد إلا أن يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك كفر.
إصرار منه إلى آخر لحظة، فطافوا به على بغداد، وجيء به فأدخل السجن، ودخل عليه رجل يشفق عليه.
قال: يا إمام! كلمة قلها تنج بها من الأسر؛ فنظر أحمد إلى ثلاثين ألفًا قد وقفوا بمحابرهم وأقلامهم، وقال: أقول كلمة يكتبها هؤلاء فتكون دينًا إلى قيام الساعة، لا والله لا أقولها، فخرج وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق.
وجاء أحمد بن أبي دؤاد عالم السلطة في ذلك الزمان، فقال: يا أحمد! أليس القرآن شيئًا؟ قال: بلى.
قال: أليس الله ﷿ خالق كل شيء؟ قال: بلى.
قال: إذًا: الله تعالى خالق لهذا القرآن.
قال أحمد بن حنبل: يا ابن أبي دؤاد! أليس القرآن شيئًا؟ قال: بلى.
قال: أليس الله تعالى قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] أتقول: أن هذا القرآن يدمر؟ فسكت أحمد بن أبي دؤاد؛ لأنه لو قال: نعم.
كفر وهو يعلم ذلك، وإن قال: لا.
أقيمت عليه الحجة، وانصرف الناس جميعًا وقد أخذوا قول أحمد، ولا يزال أهل السنة والجماعة يعتقدون صحة قول أحمد إلى أن تقوم الساعة، فإمام الفتنة في ذلك الزمان هو أحمد بن أبي دؤاد، وإمام الهدى والتقى والعلم هو أحمد بن حنبل ﵁ ورحمه، رجل علم أن مدار كلمة الأمة وصحة اعتقادها على قوله، فلابد أن يثبت وإن كان ثمن ذلك ذهاب روحه وخروج نفسه، فهذه من العزيمة في حقه، إذ لا يحل لـ أحمد بن حنبل أن يأخذ بالرخصة حينئذ، أما إنسان آخر من غثاء الناس لا يؤبه بقوله ولا يعبأ به، فلا بأس أن يقول كلمة الكفر حين الإكراه.
إن يحيى بن معين إمام من أئمة العلم في زمن أحمد بن حنبل، بل هو شيخ أحمد بن حنبل في الرجال، سقط هذه السقطة.
قال: القرآن كلام الله مخلوق، فخاصمه أحمد ولم يكفره، وهذا أمر سنتعرض له بعد قليل، فلما دخل يحيى بن معين لزيارة أحمد أشاح عنه أحمد بوجهه، فقال يحيى: يا إمام! والله إنك لتعلم أني لا أعتقد ذلك، وأنت تعلم أني أعتقد أنه غير مخلوق؛ ولكني قلت ذلك مخافة السوط.
اقرأ ترجمة يحيى بن معين تجده رجلًا نحيف البدن، هزيل الجسم، فضربة بسوط أو سوطين تنهي أمره ويكون ميتًا، ما قال ذلك إلا هروبًا من الضرب، فهو معذور في هذا، والإكراه له شروط ليس هذا أوان سردها.
فموانع التكفير: الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه، حيث إن التكفير حكم شرعي له ضوابطه، وأحكامه وحدوده يجب مراعاتها، فلابد من قيام الحجة وفهمها، وفي الدرس الماضي قلنا: ليست العبرة في قيام الحجة على الشخص، بل العبرة في أنه يفهم هذه الحجة.
مثال ذلك: لو أنك قلت لشخص: الذي تعمله هذا حرام؛ لأن ربنا قال كيت وكيت وكيت، والرسول قال كيت وكيت، وهو لم يفهم نصًا واحدًا، هل أقمت عليه الحجة بهذا؟ فهو لم يفهم معنى كلام الله ولا معنى كلام الرسول ﵊، ولا يفهم ما معنى إجماع الأمة، فلابد أن يفهم الرجل الحجة، كما يجب أن تتوفر الشروط المؤدية إلى إلحاق الكفر به، وتنتفي عنه الموانع المانعة من إلحا
[ ٣٩ / ٩ ]
الفرق بين القول: العمل الفلاني كفر، والعامل كافر
إثبات الفارق بين قولنا: العمل الفلاني كفر، وقولنا: العامل كافر، هناك فرق بين القولين، وهذا أدى بكثير من الناس إلى إطلاق أحكام التكفير، فلو قلنا: إن سب الدين كفر، فلا شك أن هذا من مسائل الإجماع، لكن بشرط أن تتوجه إرادة الساب إلى قصد سب الدين، أما إذا كان هذا الساب عاملًا بأحكام الشرع ظاهرًا وباطنًا في الليل والنهار، وسبق لسانه في غير قصد منه إلى سب الدين فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد هذا السباب، ولم تتوجه إليه إرادته.
ولو أن شخصًا قصد بالدين الخلق كخلق المسبوب، إذ لم تتوجه إرادته قط إلى الدين الذي نزل من السماء، وإنما قصد بالدين خلق هذا المسبوب، فإن هذا لا يكفر حتى وإن كان سب الدين في ذاته كفرًا، فنقول: القول الذي قلته كفر، لكن هل تكفر به؟ هذا موطن النزاع، القول قول كفر بلا نزاع، والنزاع: هل يكفر القائل أو العامل أو لا؟ ولذلك ليس كل من وقع في الكفر كافرًا، كما أنه ليس من وقع أو تلبس ببدعة مبتدعًا.
ولذلك جاء عن بعض السلف أنهم كانوا متلبسين ببعض البدع ظنًا منهم أنها السنن، فلما علموا أنها بدع انتهوا عنها، وذموا ما كانوا عليه سلفًا، وعملوا بالسنن عملًا مستأنفًا، وتحسروا وندموا أشد الندم على ما كان منهم، لكنهم يعلمون يقينًا أنهم غير آثمين بذلك؛ لأنهم ظنوا أن ما كانوا عليه قربة إلى الله ﷿.
إذًا: عندما أرى شخصًا على بدعة لا أبادر إلى تبديعه أو تفسيقه أو الحكم عليه حتى تقام عليه الحجة الرسالية، فربما وقع فيه بجهل أو بخطأ أو بتأويل أو بشبهة أو إكراه، وهذه هي الموانع، فلا أبادر بإلحاق الكفر عليه إلا بعد قيام الحجة عليه وفهمه لهذه الحجج، إذًا: هذا الأصل الذي نذهب إليه ونقرره دائمًا: أن الفارق قائم بين كفر العمل وكفر العامل، والعمل البدعي وبدعية العامل، فليس كل من ارتكب الكفر كافرًا، كما أنه ليس كل من تلبس ببدعة مبتدعًا.
الأصل الذي يلحق بهذا، لو أن قائلًا قال بمقولة قال بها بعض أهل الفرق الضالة متأولًا أو مجتهدًا يظن أن هذا هو الحق، ولو علم أن الحق في خلافه لانتهى عنه، يا إخواني كم من عالم من علماء السنة عميت عليه مسائل اعتقادية على طور التاريخ وعرضه، ولك أن تنظر في كتب التراجم كسير أعلام النبلاء، أو تهذيب الكمال، أو غير ذلك من الكتب التي ترجمت لعلماء السلف والخلف معًا، ستجد أن الرجل كانت إليه الرحلة من أقطار الأرض، ومع هذا له زلة، وهذه الزلة في العلم أو العمل أو العبادة أو العقيدة، وأيًا كانت لكن السؤال الآن: هل يخرج هذا الرجل بهذه الزلة عن حظيرة أهل السنة والجماعة؟
الجواب
لا، لماذا؟ لأنه لابد من صناعة الموازنة في حق هذا الرجل بين إصابته وخطئه، فمن غلبت إصابته على خطئه كان الأصل فيه الاستقامة، ويُرَدُّ شره لخيره.
فلو ضربنا مثلًا لذاك لوجدنا أن الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله ذاك العلم الذي يشار إليه بالبنان، ولا يفهم أحد كلام النبي ﵊ في صحيح البخاري إلا من طريق الحافظ ابن حجر، ولا يقول بغير ذلك إلا متكبر بطر الحق وغمط الناس، هذا الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله إمام من أئمة الهدى، وداعية من دعاة السنة أخطأ في مسائل من أقوال الأشاعرة؛ فقال بقول الأشاعرة، فهل يعد بهذا أشعريًا؟
الجواب
لا؛ قولًا واحدًا؛ لأننا إذا نظرنا إلى الرجل وجدنا أن الأصل فيه الاستقامة على منهج السلف، والدعوة إلى منهج السلف وعقيدة الصحابة ﵃ علمًا وعملًا، وهذا موجود في كل كتابات الحافظ ابن حجر فنقول: عميت عليه هذه المسائل بعينها، والقول فيها على غير عقيدة السلف لا يخرج الحافظ من دائرة أهل السنة؛ لأن الأصل فيه الاستقامة.
كما أنه لا يصلح أبدًا أن نقول في رجل معروف بالبدعة، والأصل فيه الانحراف والزيغ عن عقيدة أهل السنة: إن هذا رجل من أهل السنة، فلو أن محيي الدين بن عربي -إمام من أئمة الضلال- قال قولًا وافق فيه أهل السنة، فهل هذا القول يخرجه عن حد البدعة؟ لا يخرجه؛ لأن الأصل فيه الانحراف عن عقيدة أهل السنة، ولو أن ابن تيمية عليه رحمة الله الآن وقفنا له على قول يخالف فيه أهل السنة، ويوافق فيه قول بعض أهل البدع، فهل يكون مبتدعًا بهذا القول؟ لا يكون مبتدعًا بهذا القول؛ لأن النظر إلى أصله هو الاستقامة، فلابد من صناعة موازنة في حق كل إنسان على حدة، إذا كان خطؤه عظيمًا كان الأصل فيه الانحراف، وإن أصاب فإن إصابته لا تخرجه عن طريق الانحراف، والعكس بالعكس، إذًا: لا يلزم من الوقوع في الكفر أن يكون الشخص كافرًا، كما لا يلزم من الوقوع في البدعة أن يكون صاحبًا مبتدعًا.
إن الحافظ ابن حجر شن حملة شعواء في المجلد الأول والثالث عشر على الأشاعرة، وبين فساد معتقدهم، وانحرافهم عن الجادة والصواب، ثم وقع فيما وقعوا فيه؛ لكن بالنظر إلى ما أصاب فيه لا يساوي شيئًا، فيبقى أن الأصل فيه الاستقامة، وأن هذا الانحراف مغفور له بإذن
[ ٣٩ / ١٠ ]
الحق يؤخذ من كل من جاء به حتى وإن كان كافرًا
الأصل الثاني الذي هو محل اتفاق: أن الحق يؤخذ من كل من جاء به حتى وإن كان كافرًا، والباطل يرد على كل من جاء به وإن كان شيخ الإسلام، فهذا الأصل لا علاقة له بالأشخاص؛ لأن الحب يعمي ويصم، وكما يقال: (حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط) فهذا يا إخواني! ليس فيه أدنى موضوعية ولا تجرد لله ﷿، فأنا حبي لله ﷿ وحبي للرسول ﷺ وللصحابة ينبغي أن يفوق كل محبوب؛ ولذلك النبي ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا)، (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، إذًا: تحب الله وتحب رسوله، وإذا كنت صادقًا في هذه المحبة فاعلم أن حبهما اتباع واقتداء وعمل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
الشاهد من هذا: أنني أحب فلانًا ولا أحب فلانًا آخر، فهل عدم حبي لفلان يحملني على رد قوله وإن كان حقًا، فمن كان هذا شأنه فإن هذا باب من أبواب الزندقة والإلحاد، وكما يقولون: الطالب الذي له شيخ واحد كالرجل الذي له امرأة واحدة، إذا حاضت حاض معها، وإذا نفست نفس معها.
يقول ابن المعتز: لا تعلم الحق إلا إذا سمعته من غير شيخك، فلو دخل علينا الآن رجل وأخبرنا بخبر وكان ثقة عندنا صدقناه، فإن دخل الثاني وأخبرنا بنفس الخبر ازددنا به تصديقًا، وكذلك الثالث والرابع؛ حتى نستطيع أن نقسم على صحة هذا الخبر، لماذا؟ لأن هذا الخبر قد بلغنا بالتواتر والعلم اليقيني الذي يضطر الإنسان إلى تصديقه بغير نظر ولا بحث، بخلاف خبر الآحاد.
إذًا: في هذه الحالة يا إخواني! نتفق على ترك التعصب؛ لأنه لا يصلح أن يكون التعصب خلقًا لمسلم فضلًا عن أن يكون خلقًا لطالب العلم، والحق يؤخذ من كل من أتى به لأنه الحق، وأنا محاسب عليه سلبًا وإيجابًا -إيجابًا أثاب فيه، وسلبًا أعاقب عليه لتركه- تصور لو أن شنوده أو شارون وجد مسلمًا يزني أو يسرق أو يقتل وقال: يا فلان! اتق الله أليس الله قد حرم عليك هذا؟ فقال المسلم: من أجل أنك شارون لن آخذ بنصحك، وسأستمر في معصيتي.
هل يقول بهذا عاقل يا إخواني؟ لا؛ لأن الحق يؤخذ من كل من جاء به حتى وإن كان شارون، طبعًا هو لا يأتي بالحق مطلقًا، لكن على فرض أنه أخطأ مرة وجاء بالحق.
فهل يقبل منه؟ نعم، لأن هذه قواعد مقررة لا خلاف عليها.
إذًا: التعصب للنبي ﵊، والتعصب للكتاب والسنة، والتعصب لسلف الأمة، أما ما دون ذلك فعار أن تتعصب له أيًا كان هذا الشخص؛ لأنه يخطئ ويصيب.
كما أن المسلم يتعصب للإجماع؛ لأن الأمة معصومة من الوقوع في الضلال، وإذا قلت: إن هذه المسألة من مسائل الإجماع، فمعناه إجماع علماء الأمة المعصوم في الجملة، فالتعصب لا يكون إلا لأمثال هؤلاء.
فنفرق بين فعل الكفر أو البدعة وبين من وقع فيها، فلا يلزم من إثبات كفر الفعل إثبات كفر الفاعل، ولا يلزم من إثبات بدعية الفعل بدعية الفاعل، فربما قام بينه وبين الكفر والبدعة مانع من موانع التكفير أو التفسيق أو التبديع.
وهذا أصل من أصول أهل السنة، أنهم يفرقون دائمًا بين إطلاق القول بالكفر وكفر المعين، فالإمام أحمد بن حنبل كان دائمًا يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، والذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق في زمان أحمد بن حنبل هم المعتزلة ومن خاف من بطشهم من علماء السنة، كـ يحيى وغيره، ومع هذا لم يكفر أحمد بن حنبل الحكام في زمانه بأعيانهم، ولم يكفر العلماء ومنهم يحيى بن معين كما سبق؛ وذلك لأن هناك فارقًا عظيمًا بين كفر العمل وكفر العامل أو كفر المعين، وقد سئل أحمد بن حنبل: ألست تقول يا أحمد إن من قال القرآن مخلوق فقد كفر؟ قال: بلى.
قيل له: فلم لم تكفر فلانًا وفلانًا من حكام المعتزلة وأمراء المؤمنين؟ قال: أليسوا قالوا ذلك ابتغاء وجه الله وإقامة دينه؟ يعني: هم ما فعلوا ذلك إلا جهلًا منهم، وهم يتصورون أنهم يقيمون بذلك الدين، فالمعتزلة في ذلك الزمان كانوا يحاربون أحمد بن حنبل من باب أن أحمد بن حنبل يقول: القرآن غير مخلوق؛ ظنًا منهم أنه يخرب عقيدة المسلمين، فهم كانوا يتهمون أحمد بن حنبل بأنه خرب عقيدة المسلمين، وما قاموا عليه قومة رجل واحد إلا من باب حماية الدين وحراسته، فما فعلوه مع الإمام أحمد بن حنبل كان مصدره ومنشؤه الجهل، وما كان حرصهم على ذلك إلا لتثبيت مسائل الاعتقاد لدى المسلمين، فعملوا كل ذلك لأنهم يحبون الله ورسوله والقرآن، فعندما يأتي عالم كـ أحمد بن حنبل ويقول: القرآن ليس مخلوقًا فإنه سيقلب الموازين ر
[ ٣٩ / ١١ ]
أحكام الدنيا تجري على الظاهر بخلاف أحكام الآخرة فإن مردها إلى الله
الأصل الأخير في المحاضرة: هو أن أحكام الدنيا تجري على الظاهر بخلاف أحكام الآخرة فإن مردها إلى الله ﷿.
لو قال رجل الآن: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فإنه قد أسلم ما لم يأت بناقض من نواقض الإسلام، وهذا يعني أن كل من ثبت له الإسلام باليقين فإنه لا يزول عنه بالشك أو الظن المحتمل؛ وذلك لأن الشك لا يزيل اليقين قط، ولا يزول اليقين إلا بيقين مثله، ما لم يتلبس بناقض من نواقض الإسلام القولية أو العملية، كأن يقول: أنا كافر بالله، مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع، أو يعمل عملًا نص الشارع على أن من عمله خرج من الإسلام، أو أجمعت الأمة أن هذا العمل ردة وكفر.
نكتفي بهذا القدر.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣٩ / ١٢ ]