الإيمان قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد نزل القرآن بترتيب فرائض الإيمان، حتى اكتمل الدين وتمت النعمة، وأوضح رسول الله ﷺ أنه شعب مختلفة في المرتبة والأهمية، فمنها ما لو تخلف العبد عن الإتيان بها فلا يصح إيمانه، ومنها ما لو تخلف العبد عن الإتيان بها نقص إيمانه مع صحته في أصله.
[ ٢٤ / ١ ]
باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فمع الجزء الخامس من كتاب (الإبانة) وهو جزء جديد وباب جديد يتعلق بالإيمان والإسلام، وقواعد الإيمان والإسلام وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالإيمان والكفر، وهو تقريبًا سيكون أهم باب في هذا الكتاب، وما تقدم يعتبر كالمدخل لهذا الموضوع.
قال المؤلف ﵀: [الجزء الخامس من كتاب (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة) وهو الأول من الإيمان] يعني: هذا أول الكلام فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر.
قال: [وفيه ثمانية أبواب: الأول: باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن، وترتيب الفرائض وأن الإيمان قول وعمل.
الثاني: باب معرفة اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية.
الثالث: باب معرفة الإسلام وعلى كم بني.
الرابع: باب معرفة الإسلام والإيمان، وسؤال جبريل النبي ﷺ عن ذلك.
الخامس: باب فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم.
السادس: باب كفر تارك الصلاة، ومانع الزكاة، وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك.
السابع: باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق، وعلامات المنافقين.
الثامن: باب ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارق الإيمان، فإن تاب راجعه] أي: رجع إليه الإيمان.
ثم يتكلم ابن بطة عليه رحمة الله في مقدمته لمعرفة أصول هذا الكلام، أي: أصول هذه الأبواب فيقول: [بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بعونك، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الذي هو ربنا وبه نستعين، وإياه نسأل أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، الذي أنعم عليهم بهدى القرآن فاتبعوه واهتدوا، ومنَّ عليهم بمحمد ﷺ وبسنته فسلكوا سبيله واقتدوا، متبعين غير مبتدعين، ومذعنين غير طاعنين، وموقنين غير شاكين ولا مرتابين، وهادين بدعوته غير ضالين ولا مضلين.
فسلموا عاجلًا -أي: في الدنيا- من السخط والشك والارتياب، واستحقوا آجلًا -أي: في الآخرة- الرضا وجزيل الثواب، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
وصلى الله على من ختم به الرسالة، وأكمل به الحجة، وأوضح به المحجة، وأرسله إلى جميع عباده كافة على فترة من الرسل، ودروس من العلم -أي: وذهاب للعلم- فأنقذ به من عباده من سبقت له الرحمة في كتابه، ففتح أبواب السماء برحمته، وجعله الداعي إلى الحق، والهادي إلى الرشد، والقائم بالدين، ذاك -والله- محمد المصطفى، ونبي الله المرتضى، خير خلقه نفسًا، وأكرمهم طبعًا، وأطهرهم قلبًا، وأصدقهم قولًا، وأكملهم عقلًا، وأشرفهم خلقًا، النبي الأمين الزكي المرضي، فدعا الناس إلى الإقرار بتوحيد الله ومعرفته، والبراءة من الأضداد والأنداد، وأن محمدًا رسوله الصادق، من اتبعه اهتدى فنجا، ومن خالفه هلك وغوى، جعلنا الله وإياكم ممن سبقت له الحسنى، فعُصم من متابعة الهوى، وموافقة أهل الزيغ والردى، ووفقنا وإياكم لاتباع الكتاب والسنة اللذين الدين فيهما مشروع -أي: لا يشرع شيء في الدين إلا من خلال الكتاب والسنة-، والحكم فيهما مجموع، وخير العاجلة والآجلة فيهما موضوع، قد قطع بهما عذر كل معتل، وسد بهما فاقة كل مختل، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
أما بعد: وفقكم الله! فإني مبين لكم شرائع الإيمان التي أكمل الله بها الدين، وسماكم بها المؤمنين، وجعلكم إخوة عليها متعاونين، وميز المؤمنين بها من المبتدعين المرجئة الضالين، الذين زعموا أن الإيمان قول بلا عمل، ومعرفة من غير حركة].
يتكلم ﵀ في هذه المقدمة بكلام صريح في نبذ عقائد الفرق الضالة، وتثبيت وتأييد عقيدة الفرقة الناجية، فقال: [وميز المؤمنين من المبتدعين المرجئة الضالين الذين زعموا -وهذا أصل اعتقاد المرجئة، ماذا زعموا؟ - زعموا أن الإيمان قول بلا عمل، ومعرفة من غير حركة] أي: إقرار بالقلب من غير عمل.
ثم قال: [فإن الله ﷿ قد كذبهم في كتابه وسنة نبيه وإجماع العقلاء والعلماء من عباده] أي: أن الله تعالى كذبهم في كتابه، ورسوله ﵊ كذبهم في سنته، وإجماع العلماء على بطلان عقائد المرجئة، ولكنه يتكلم كلامًا مجملًا هنا؛ لأن التفصيل سيأتي معنا في أثناء الكتاب.
ثم قال: [فتدبروا ذلك وتفهموا ما فيه، وتبينوا علله ومعانيه، فاعلموا رحمكم الله أن الإيمان إنما هو نظام اعتقادات صحيحة].
يعني: الإيمان كالعقد الذي له حلقات مسلسلة.
ثم يقول: [بأقوال صادقة، وأعمال صالحة، بنياتٍ خالصة، بسنن عادلة، وأخلاق فاضلة، جمع الله فيها لعباده مصالح دنياهم وآخرتهم، ومراشد عاجلهم وآجلهم].
يعني: هذا هو مضمون الإ
[ ٢٤ / ٢ ]
سبب إرسال الرسل وإنزال الكتب على الخلق
قال ﵀: [وذلك أن الناس قد جبلوا -في نقصان عقولهم وحجرها- عن الإحاطة بحقائق الأشياء، والوفاء بالإدراك لكل ما فيه الفائدة والمصلحة، ومن استيلاء شهواتهم واحتكام أهوائهم بعدت عليهم سبل مراشدهم، واستغمضت عليهم مخارج هداياتهم، وذلك موضوع كله في جبلتهم].
يعني: هم مفطورون ومجبولون على هذا.
ثم قال: [فلو وكل كل منهم إلى نظره وفكره ورأيه وتدبيره واختياره فيما يؤثر من السير والمذاهب والشيم والخلائق، لكان واجبًا لا محالة أن يظهر عجزه عن كفاية نفسه، وحاجتها من أبواب الرشاد، وإعطائها حظها من دواعي الصلاح الذي فيه رضا خالقها ونجاتها من هلكتها].
يعني: الإنسان بطبيعته يعجز عن أن يقوم تجاه نفسه بما يصلحها في معاشها، الواحد منا أحيانًا يختار بابًا من الأبواب، أو شيئًا من الأشياء، ويظن بل يعتقد اعتقادًا جازمًا أن مصلحته التي ليس دونها مصلحة في الحصول على هذا الشيء، فإذا نظر وقيم هذا الشيء من واقع الشرع علم أنه ليس في صالحه؛ ولذلك يحرمه الله تعالى بفضله ورحمته ومنِّه من الحصول على ذلك الشيء، والواحد منا أحيانًا يسعى سعيًا حثيثًا إلى نكاح امرأة معينة، ثم يفاجأ أنها خطبت أو نكحت لغيره، فربما يصدم في مشاعره وفي قلبه وفي شهوته وهواه، فإذا ما تزوج بامرأة أخرى فظهر صلاحها ودينها، ونظر هو إلى سيرة المرأة التي كان يحبها آنفًا، فإذا بها في غاية فساد الأخلاق مع زوجها التي تزوجته، فحينئذ يحمد الله ﷿ أن لم تكن هذه المرأة من نصيبه، وعلم الله ﷿ أن هذه المرأة لو تزوجها هذا الذي كان يحبها لكانت سببًا في فساد دينه وانحرافه عن الجادة، فاختار له الخير، لكن من الذي يعلم هذا الخير؟ الله ﷿، وفر له ما يصلح دينه ودنياه، ولكن هذا العبد لأول وهلة لما فوجئ بأن هذه المرأة فلتت منه أصيب في قلبه، وظن أن الخير كله قد فاته، وإذا بالخير كله قد خزن له في زواج من امرأة أخرى.
وعلى هذا فقس كل حياتك، في واقع عملك، وتجارتك ومصنعك ومالك وأولادك وغير ذلك، ربما يتمنى المرء أن يرزق ولدًا جميلًا أبيض، فيرزق بأولاد سود أو عندهم من الدمامة في خلقتهم الشيء الكثير والأُدمة وغير ذلك مما لا يرغب فيهم كثير من الناس، ثم يرزق بالولد الأبيض الجميل، فيكون هذا الولد هو مصدر تعاسته وشقائه، أما الأولاد الذين كره منظرهم ولونهم فهم أبر الأبناء به في كبره، فالله ﷿ علم أن الخير في هؤلاء، وأن الشر في ذاك الولد، فربما يحرم المرء ما يتمنى، ولأجل هذا جعل الله ﷿ لبعض الخلق بنين وبنات، وجعل لبعض الخلق البنات دون البنين والعكس في آخرين، ولم يجعل الله ﷿ لزوجين معينين أولادًا قط؛ لأن الخير فيما اختاره الله ﷿.
فينبغي الإيمان والرضا والتسليم لقدر الله ﷿، واعتقاد أن كل قدر الله هو خير كله، ومصلحة كله، وإذا وجد الخير فثم دين الله ﷿ وشرعه.
ثم قال: [فلما علم الله تعالى ذلك منهم كفاهم برحمته ورأفته المئونة] أي لما سبق في علم الله الأزلي مصالح العباد كفاهم ذلك، فاختار لهم.
ثم قال: [وأعظم بلطفه وجوده المعونة، فأمدهم في كتبه وعلى ألسن رسله بوظائف من الأمر والنهي، بين لهم فيها ما يأتون وما يذرون، ووفقهم إلى ما يرتكبون ويجتنبون، ليكون كل أحد من عباده المؤمنين -قويت خبرته في النظر والاختيار أو ضعفت، وكملت آلته في المعرفة والتمييز أو نقصت- معرضًا لحظ يصل إليه من مراشده، ونصيب يتوفر عليه من منافعه، فيكون الجميع منهم في ضمن فضله ورحمته اللذين وسعا كل شيء، كما وصف الله تعالى نفسه فقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣].
ولتكون حجته مع ذلك بالإرشاد والبينة لازمة لكل مأمور ومنهي].
يعني: الله ﷿ لم يخلقنا هملًا، ولم يخلقنا سدى، فإنه لما خلق الله تعالى الخلق أراد أن يقيم عليهم الحجة بمعرفة الخير والشر، فأمر ونهى في كتبه التي أنزلها على رسله، وركب فيك عقلًا تميز به بين الخير والشر، وبين الصالح والطالح، وبين النافع والضار؛ وبهذه الثلاثة الأمور قد أقيمت عليك الحجة، حتى إذا هلكت هلكت عن بينة، وإذا حييت بنور الهدى حييت كذلك على بينة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] أي: بعد إقامة الحجة عليه: ﴿وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] هذه الحجة مصدرها الهدى والنور الذي نزل من عند الله ﷿ في كتبه المنزلة على أنبيائه بواسطة جبريل ﵇.
إذًا: عندي الكتاب وعندي الرسول، ولدي العقل، ولذلك لا يكلف إلا العاقل البالغ، أما الصبي الذي لم يبلغ فليس محلًا للتكليف، وكذلك البالغ لكنه غير عاقل لعرض الجنون أو غير ذلك ليس مكلفًا، حتى إذا كان بالغًا عاقلًا مميزًا لا يكون مكلفًا ولا يأثم إذا كان مكرهًا وغير ذلك من الأعذار المانعة للحوق الإثم.
فالله ﷿ نفى عنك الإثم في كل هذا، وأثبت لك الإثم بعد
[ ٢٤ / ٣ ]
تفاوت الناس في معرفة الأوامر والنواهي والفرائض
قال: [والدين وإن كان قد انتظم في نفسه جميع ما وصفناه، فليس يقف أو يقع الكل على موضع هذه الفضائل فيه؛ لكنهم يستبقون من أحكامه وشرائعه، وموضع هذه المصالح من مفروضه -أي: من فرائضه- وأوامره في ذلك، ويتفاضلون على حسب مراتب المعقول، وتوفيق البارئ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لهم].
يعني: ليس كل الناس يوفق إلى معرفة الأوامر والنواهي والفرائض، بل هذا باب وطريق طلب العلم.
[ ٢٤ / ٤ ]
تابع باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل
قال: [باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن، وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل].
[ ٢٤ / ٥ ]
أثر ابن عباس في معرفة الإيمان
قال: [عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]]، وإن كان في سنده ضعف، إلا أن الشواهد كثيرة تشهد لهذا المعنى، [قال: إن الله بعث نبيه ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم لا يزال أمرهم في ازدياد حتى أكمل لهم الله تعالى دينه، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
قال ابن عباس: وكان المشركون والمسلمون يحجون جميعًا].
وفي هذا إثبات أن الكافر يأتي بالعمل الصالح، لكن لا يثاب عليه إلا في الدنيا، أما في الآخرة فإنه لا ثواب له، يثاب على عمله الصالح في الدنيا، من الصدق ومكارم الأخلاق وحسن الضيافة وغير ذلك من أعمال البر والصلة وأعمال الصلاح كلها، وإذا أسلم كتب له ما كان قد عمل من عمل صالح في الجاهلية، وجوزي عليه في الإسلام.
ثم قال: [فلما نزلت سورة (براءة) نفي المشركون عن البيت -أي: طردوا عنه- وحج المسلمون فقط، لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، وكان ذلك من تمام النعمة وكمال الدين، فأنزل الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]].
[ ٢٤ / ٦ ]
أثر عثمان بن حنيف في معرفة الإيمان
قال: [عن عثمان بن سهل بن حنيف أنه سمع عمه عثمان بن حنيف يقول: (كان رسول الله ﷺ مقامه بمكة يدعو الناس إلى الإيمان بالله، والتصديق به قولًا بلا عمل)] أي: في أول الأمر، وأنتم تعرفون أن التكاليف الشرعية نزلت في المدينة.
فإذًا: إقام النبي ﵊ في مكة سنوات طويلة يدعو إلى الإيمان وتوحيد الله ﷿، لم تنزل التكاليف بعد.
فقوله: (بلا عمل) أي: بلا عمل من أعمال الجوارح، وإلا فالإيمان نفسه عمل القلب، وعمل القلب بالاعتقاد والإقرار والإذعان، وكذلك هو عمل الجارحة وهو اللسان، أي: النطق بالشهادة، لكنه هنا تجّوز في اللفظ؛ لأنه يتكلم هنا عن أعمال الجوارح، أي: ولم يكن مطلوبًا منهم عمل الجوارح.
ثم قال: [والقبلة إلى بيت المقدس، فلما هاجر إلينا -أي: إلى المدينة- نزلت الفرائض فنسخت المدينة مكة، والقول لها أم القرى، ونسخ البيت الحرام بيت المقدس، فصار الإيمان قولًا وعملًا] أي: أن الفرائض والأوامر والنواهي والحلال والحرام كل ذلك نزل في المدينة، والإيمان بعد أن كان قولًا بلا عمل صار قولًا وعملًا.
[ ٢٤ / ٧ ]
أثر سفيان بن عيينة في معرفة الإيمان
قال: [قال: محمد بن عبد الملك بن مسلم أبو عبد الله المصيصي: كنا عند سفيان بن عيينة -وهذا في حديثه سنة (١٧٠هـ) فسأله رجل عن الإيمان فقال ابن عيينة: قول وعمل، قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله] يعني: يزيد إلى ما شاء الله لا منتهى لزيادته؛ لأن زيادة الإيمان متعلقة بالأعمال، فكلما ازداد المرء من العمل ازداد إيمانًا.
ثم قال: [يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار إلى إصبعه].
يعني: يزيد الإيمان في قلب العبد بسبب العمل والاعتقاد حتى يكون كالجبال الرواسي، وينقص بسبب ترك العمل حتى لا يبقى منه إلا ذرة أو شعيرة، أو لا يبقى منه شيء ألبتة.
ثم قال: [قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده] يعني: القول بأنه قول بلا عمل كان قولًا صحيحًا في أول الأمر، وفي صدر الشريعة في العهد المكي.
ثم قال: [إن الله ﷿ بعث محمدًا ﷺ إلى الناس كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله].
يعني: لم يكن مطلوبًا منهم في العهد المكي غير التوحيد بلا عمل، تكاليف قلبية، من نبذ للأصنام، وهذا كله في الظاهر عمل، لكن يحمل كلامه على الفرائض والحدود، وعلى مباني الإسلام، وإن كان الإيمان والتوحيد في حد ذاته عملًا قلبيًا يترجم في صورة ولاء وبراء لعبادة غير الله ﷿.
قوله: (فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها) أي: إلا ما ينقضها.
وقوله: (وحسابهم على الله) أي: إذا نافقوا بهذا القول فحسابهم على الله، لكنهم إذا صرحوا بالإيمان والتوحيد بألسنتهم عصموا دماءهم وأموالهم، فكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وأما هم عند الله ﷿ فهم منافقون كفار، يجازيهم الله ﷿ على النفاق النار، وهذا معنى قوله: (وحسابهم على الله).
ثم قال: [فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة] أي: لما استقر الإيمان والتوحيد في قلوبهم، وعلم الله تعالى صدق هؤلاء، ولم يكن عندهم نفاق؛ لأن النفاق إنما نشأ في المدينة، أما أهل مكة فليس عندهم نفاق، ولذلك كان الواحد منهم يعذِبه مولاه في قول التوحيد، وكان بإمكانه أن ينافق، ويخرج من أذى سيده ومولاه بأن ينطق بكلمة الكفر، وعنده في ذلك الرخصة، ومع هذا آثر العزيمة، فلم يكن ينطق بها حتى يسحب على بطنه تارة وعلى ظهره تارة في حر الرمضاء، وهو يقول: أحد أحد! ربما غلب على ظنه في ذلك الوقت أن العزيمة لها تأثير كبير في قلوب كل من رأى هذا العذاب؛ ولذلك أتى خباب بن الأرت ﵁ النبي ﵊ وهو مسند ظهره إلى الكعبة، فقال: (يا رسول الله! ألا ترى ما قد نزل بنا؟) أي: من أذى هؤلاء المشركين، (ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا)، يطلب دعوة النبي ﵊ أن يرفع عنهم هذا البلاء، ولكن هذا الطلب للنبي ﵊ أثار غضبه وحفيظته، كان مسندًا ظهره إلى الكعبة فجلس، كأنه يعلّم خبابًا ومَن وراء خباب إلى قيام الساعة سنن الله الكونية، وأن الحرب دائرة رحاها بين الإيمان والكفر، وأهل الضلال وأهل الاعتدال، وأن ذلك سنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير، فالعداوة قائمة ومستحكمة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر.
قال النبي ﵊: (إن من كان قبلكم كان يخد له الأخاديد فيوضع فيها، وينشر بالمناشير من رأسه إلى أخمص قدميه، حتى يلقى على الأرض شقين، لا يرده ذلك عن دينه).
ثم يبشر خبابًا والحالة هذه الناظر إليها يقول: لا أمل قط في ظهور هذا الدين، يعني: تصور قلة المؤمنين في ذلك الزمان، وكثرة المعاندين المحاربين والكائدين لهذا الدين، وما نزل بهذه الثلة المؤمنة القليلة من التعذيب والفتك والضرب والطرد والتشريد بلا شك بحسابات جميع البشر يقول: لا أمل قط في ظهور هذا الدين، ولا خروجه من حيز مكة.
ثم تأتي البشارة وهي من أعلام نبوته ﵊، قال: (وليظهرن الله ﷿ هذا الأمر -أي: هذا الدين- حتى لا يبقى بيت حجر أو مدر إلا دخله) أي: أخبار هذا الدين تدخل في كل بيت، وهل هناك بيت الآن على هذه الأرض لا يسمع بمحمد ودين محمد؟
الجواب
لا؛ ولذلك هذه بشارة عظيمة من النبي ﵊ ليطمئن أهل التوحيد والإيمان وأصحاب الدعوة إلى الله ﷿ على هدى وبصيرة من أهل السنة والجماعة أنهم ظاهرون إلى قيام الساعة.
ويدل على ذلك أيضًا قوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم) أي: من أهل البدع أو الشرك والكفر والإلحاد والقتال: (لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) وهي
[ ٢٤ / ٨ ]
باب معرفة اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)
قال: [باب معرفة اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية] وهي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
[ ٢٤ / ٩ ]
أثر عمر في معرفة اليوم الذي نزلت فيه (اليوم أكملت لكم دينكم)
قال: [عن طارق بن شهاب قال: (قال يهودي لـ عمر: لو علينا معشر يهود نزلت هذه الآية: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» وعلمنا اليوم الذي أنزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا)] يعني: لكمال الدين وتمام النعمة، والرضا عن هذا الدين، فهي فرحة عظيمة جدًا.
قال: [(فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والساعة، وأين كان رسول الله ﷺ حين نزلت؟ نزلت ليلة جمع، ونحن مع رسول الله ﵊ في عرفات)] ليلة الجمع هي ليلة الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة، أي: نزلت بعرفات بعد غروب الشمس، ويقال لهذه الليلة: ليلة جمع؛ لمشروعية جمع المغرب والعشاء في المزدلفة، مع أن المغرب في يوم التاسع من ذي الحجة يؤذن له وأنت في عرفة، لكنك لا تصلي المغرب والعشاء إلا في المزدلفة، فتكون صلاة المغرب والعشاء في غير المكان الذي دخلت فيه وقت الأولى وهو عرفة، فهذه الآية نزلت ليلًا في عرفات ليلة جمع.
قال: [وعن طارق بن شهاب: (أن اليهود قالوا: لـ عمر: إنكم تقرءون آية لو أنزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: إني لأعلم حيث أنزلت وأي يوم أنزلت؟ أنزلت بعرفة ورسول الله ﷺ واقف بعرفة).
قال سفيان: وأشك أكان يوم جمعة أم لا؟ يعني: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»]، لكن هذا الشك زال؛ لقول عمر في الطريق الثاني: (أنزلت يوم عرفة يوم جمعة).
وهذه الآية ليست آخر آيات القرآن نزولًا، وبعض أهل العلم قال: هي آخر آية نزلت، لكن جماهير أهل العلم على أن آخر آية نزلت على الإطلاق هي: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
أما هذه الآية فهي آخر آية نزلت بمكة، نزلت في حجة الوداع في يوم عرفة، وكان يوم جمعة.
[ ٢٤ / ١٠ ]
أثر ابن عباس في معرفة اليوم الذي نزلت فيه (اليوم أكملت لكم دينكم)
قال: [عن عمار مولى بني هاشم قال: قرأ ابن عباس: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وعنده رجل من أهل الكتاب، فقال: لو علمنا في أي يوم نزلت هذه الآية جعلناه عيدًا، فقال -أي: ابن عباس - لقد نزلت يوم عرفة، يوم الجمعة].
[قال عبيد الله بن محمد: لقد علم العقلاء من المؤمنين ومن شرح الله صدره ففهم هذا الخطاب من نص الكتاب وصحيح الرواية بالسنة، أن كمال الدين وتمام الإيمان إنما هو بأداء الفرائض والعمل بالجوارح، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، مع القول باللسان والتصديق بالقلب] هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة.
فقوله: (لقد علم العقلاء من المؤمنين) الذين هم أهل السنة، بعد أن شرح الله صدورهم فهموا الخطاب من نص كتاب الله ﷿، ومن سنة النبي ﵊ التي صحت عنه، أن تمام الدين وتمام الإيمان إنما هو بثلاثة أشياء: الأول: أداء الفرائض والعمل بالجوارح مثل: الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، مع القول باللسان والتصديق بالقلب، فقد جمع لنا هنا أصول الإيمان التي هي معتقد القلب، أي: عمله قولًا وفعلًا، ثم قول اللسان وعمل الجوارح والأركان.
ومراد ابن بطة هنا إثبات أن عمل الجوارح من الإيمان، للرد على المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
ثم قال: [وعلموا أيضًا المعنى الذي أنزلت فيه هذه الآية، ومراد الله تعالى فيها، واليوم الذي أنزلت فيه على رسول الله ﷺ، فبان لهم -أي: لأهل السنة- كذب من افترى على الله، وعلى كتابه وعلى رسوله، وعلى صحابته والتابعين، والعقلاء من علماء المسلمين، فتأول هذه الآية بغير تأويلها، وصرفها إلى غير معانيها، وزعم أنها نزلت في غير المعنى الذي أراد الله بها، وفي غير اليوم الذي أنزلها فيه، فآثر هواه، وباع آخرته بدنياه، ويح من كان دينه هواه، فقد بارت بضاعته، وخسرت صفقته، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين].
هذه مقدمة رائعة جدًا في إثبات أن الإيمان قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح والأركان، فمحل الإيمان القلب واللسان لمن كان قادرًا على ذلك، أي: على النطق، والجوارح كذلك.
اختلف العلماء في تعلق الإيمان بالعمل، فأهل السنة والجماعة على أن العمل من الإيمان؛ ولذلك قال ﵊: (الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة، أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
لو نظرنا في هذا الحديث لوجدنا قوله كما في مسلم: (أعلاه لا إله إلا الله) أي: أعلاه شهادة أن لا إله الله، والشهادة عمل اللسان، فالمرء يشهد بلسانه، فلو أن امرأً شهد بلسانه بهذه الشهادة ولم يعتقد قلبه صحة هذه الشهادة، فإنه يكون منافقًا بالإجماع.
إذًا: هذه الشهادة إن تلفظ بها الإنسان ولم يكن لها رصيد في القلب لم يكن مؤمنًا، بل كان منافقًا، وحينئذ نقول: إن هذه الشهادة لا بد لها من النطق إذا كان صاحبها قادرًا على النطق، وإلا فتكفيه الإشارة، أي: الإشارة إلى السماء، كما في حديث الجارية: أن النبي ﵊ قال لها: (أين الله؟) وفي رواية: (فأشارت إلى السماء) أي: جهة العلو والارتفاع لله ﷿، قال: لو لم يكن لهذه الكلمة التي صدرت على اللسان رصيد في القلب لا تقبل من قائلها إلا فيما يتعلق بأحكام الدنيا.
أما إذا كان يعتقد صحة هذه الكلمة بقلبه، ولم ينطق بها مع قدرته على النطق، فهل يثبت له الإيمان أو الإسلام؟ أنتم تعلمون أن أبا طالب كان يؤازر النبي ﵊، وكان يحوطه من جميع جوانبه، وحينئذ لما صرح أبو طالب في غير ما مرة أن ابن أخيه على الحق، وإنما الذي يمنعه من الدخول فيه قوميته، كان أبو طالب رجلًا قوميًا يضمر القومية العربية، فمنعه ذلك من أن يدخل في دين محمد ﷺ، حتى لا يقال: صبأ أبو طالب، وترك دين آبائه وأجداده؛ ولذلك لما علم النبي ﵊ منه إيمانه الجازم بصحة رسالته، قال: (يا عماه! قلها كلمة أشفع لك بها عند ربي، فقال: لو لم تعيرني بها العرب لقلتها) فهو يؤمن بها في قلبه، لكنه لم يتلفظ بها، فهل تنفعه حينئذ؟ أنا الآن ضربت صورتين، الأولى: أنه تلفظ بها بلسانه ولم يعتقدها بقلبه، فهذا منافق، والمنافق كافر معلوم، ومن اعتقدها بقلبه ولم يتلفظ بها بلسانه فلا يقبل ذلك منه، بل هو باق على أصل كفره في الدنيا والآخرة، فهاتان صورتان لإثبات أن الإيمان لا بد فيه من اعتقاد القلب والنطق باللسان لمن كان قادرًا على ذلك.
يأتينا دور العمل، فكلمة التوحيد لها شروط ومقتضيات، سنتعرض لها بإذن
[ ٢٤ / ١١ ]
الأسئلة
[ ٢٤ / ١٢ ]
الرد على شبهة كون الله ﷿ خلق الخلق وجعل بعضهم معاندين للحق رافضين له
السؤال
لقد سبق في علم الله ﷿ أن هؤلاء الكفرة والملحدين لن يستجيبوا لرسوله، فكتب عليهم الشقاء الذي هم فيه، ولكن قد يقول القائل: هذه النفس العنيدة التي لا تستجيب للحق، أوليس الله ﷾ هو الذي خلقها وأودعها في عباده، وجعلها متكبرة عنيدة تأبى الحق، ولو شاء الله سبحانه لجعلها نفسًا صالحة طيبة تستجيب للحق إن جاءها، فكيف نرد على إشكالهم هذا؟
الجواب
هذا سؤال لا يعدو كونه شبهة من الشبهات، لكني أذكر لك مثالًا: لو أن غرضًا من الأغراض يؤدي إليه طريقان: أحدهما معبد ممهد، والثاني ليس كذلك، بل قد امتلأ بالشوك والحجارة الجارحة وغير ذلك، وأتينا بأقذر خلق الله وقلنا له: أمامك غرض يؤدي إليه هذان الطريقان، طريق سهل مرصوص معبد ممهد للسالكين، والآخر كما ترى قد امتلأ بالشوك والحجارة وغير ذلك من المعسرات، فعليك أن تصل إلى الغرض في مدة زمنية معينة، فماذا سيسلك هذا السالك؟ هل تتصورون أنه يدع الطريق الممهد؟ أنت يا أخي عندما تسير بسيارتك وأمامك طريق مكسر قريب، وطريق آخر ممهد وهو بعيد، فإنك ستسلك الطريق الممهد، وتقول: إنه طريق جيد نمشي عليه؛ لأن الطريق المكسر قد يكسر سيارتي ويكسر لي عظمي حتى وإن مشيت على رجلي، هل هذا الفعل الذي يقوله هذا الفاعل متعلق بالتمييز والإدراك، ممكن أن يأتي مجنون ويقول لك: أنا سأسلك هذا الطريق الذي به حفر، إنه حلو جدًا وجميل جدًا.
نقول: هذا إنسان غير مكلف، لكن هذا الفاجر العنيد قد بينا له أن الهدف أمامه وهو ينظر إليه، ويؤدي إليه طريقان: أحدهما قد امتلأ بالشوك، والآخر معبد ممهد مرصوص وجميل، فماذا على هذا الفاجر أن يسلك؟ هل هناك أحد من العقلاء يمكن أن يقول: سيسلك الطريق الذي امتلأ شوكًا، لا يمكن، ولو فعل لحكمنا عليه بالجنون.
وإذا كان الأمر هكذا في هذا المثل فلله المثل الأعلى، وقد أعذر الله ﷿ لجميع خلقه بأن أرسل لهم رسلًا، وهؤلاء الرسل كانت مهمتهم إثبات وحدانية الله ﷿ وربوبيته، وهداية الخلق إليه ﷿ الذي خلقهم ورباهم وتولى أمرهم وقام على شئونهم، وأنزل مع الرسل الكتب فيها الهدى والنور، هذا فيما يتعلق بالكتب والرسل، وجعل العباد مكلفين بشرط أن يكون عندهم عقل، فركب فيهم العقول التي تميز بين الخير والشر، بين النافع والضار، بين الحق والباطل، فعلموا أن هذا هو الحق، ولكنهم عاندوا من عند أنفسهم، كمن عاند وسلك الطريق الذي قد امتلأ شوكًا ليصل إلى الهدف، لكن هذا العنيد إن سلك طريق المعصية فإنه لا يصل إلى الجنة؛ لأنه لا حظ له فيها، كما أن سلوك هذا الطريق يؤدي به إلى النار التي خلقها الله ﷿، وأعد لها من أعد من خلقه؛ لما سبق في علم الله ﷿ أن الحجة قد قامت.
ثم هذا السائل الذي يسأل هذا السؤال، لو أني قلت له: لو كان لك ولد وقلت له: يا بني! أنا سآتي لك بالطعام والشراب، وأذهب بك إلى المدرسة ذهابًا وإيابًا، وآتي لك بالمدرسين، وأسعى لك في كل واد في سبيل تحصيل التفوق في نهاية العام، ولكن هذا الولد آثر العناد وعدم الانتباه والامتثال لكلام المدرسين، ولم يعبأ بكل ما صنعه معه والده، وفي نهاية العام حقق رسوبًا شديدًا، ماذا يكون موقف الوالد، يضربه؟ يشتمه؟ يوقع به أشد العذاب؟ كل ذلك يمكن أن يكون من الوالد، لماذا؟ لأن الوالد يرى أنه ما قصر، وأن هذه النتيجة ليست من قدر الله ﷿ الشرعي، إنما هي من قدره الكوني نسبة إلى تقصير هذا الولد.
إذًا: مرد ذلك إلى التقصير والعناد أم لا؟ وإلا فلماذا يضرب الوالد ولده؟ ونحن نؤمن أن الكل من عند الله، لكن ما كان من عند الله تعالى في ذات الخير والشرع والدين والمحبة، كل ذلك راجع إلى ما أمر الله تعالى به على ألسن رسله في باب المحبة والرضا والشرع، أما ما وقع من شر في الكون، فإنه وقع بسبب تقصير من العباد بعد قيام الحجة، فالله تعالى علم ذلك قبل أن يخلق الخلق، كما في حديث ابن مسعود ﵁: (وإن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) الله تعالى لا يحب الكفر، والكفر موجود، فهل وجد الكفر في الكون رغمًا عن الله ﷿؟ حاشا لله، إنما وجد الكفر في الكون بإرادة الله الكونية القدرية، ومعنى إرادته الكونية القدرية أنه قدر ذلك وشاءه كونًا لا شرعًا، وإلا فالله تعالى قدر تقديرًا شرعيًا الإيمان الذي هو في مقابلة الكفر، وأحبه ورضيه، ولما علم الله ﷿ سلفًا أن عبده فلانًا الذي يخلق في الساعة الفلانية واللحظة الفلانية إذا كبر اختار طريق الضلال، وعبده الآخر إذا كبر اختار طريق الهداية، بعد إفراغ الأعذار لجميع العباد؛ تجد أن بعض العباد سيختار طريق الهداية، وبعض العباد سيختار عنادًا طريق المعصية أو طريق الكفر والإلحاد، فأعد الله ﷿ لهؤلاء الجنة في نهاية أمرهم، وأعد لهؤلاء النار في نهاية أمرهم، فهل هذا عدل من الله ﷿ أم جور؟ عدل؛ لأن الله تع
[ ٢٤ / ١٣ ]
حكم من أدرك الإمام في الركوع
السؤال
من أدرك الركوع في الركعة الأولى، وهو يأخذ بمذهب أنه: (لا صلاة إلا بأم الكتاب)، فهل يلزمه أن يقوم بعد التسليم، أم تحسب هذه هي الخامسة، فتبطل معها الصلاة كلها، أم ماذا؟
الجواب
واضح أن السائل جاهل؛ لأنه إذا كنت صاحب مذهب فالأصل أنك تلم بفرعيات عظيمة.
أما قراءة الفاتحة خلف الإمام ففيها مذاهب: المذهب الأول: أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في الجهرية والسرية.
والمذهب الثاني: قراءة المأموم ليست واجبة في حقه خلف الإمام في الجهرية.
والمذهب الثالث وهو مذهب الأحناف: أن قراءة المأموم للفاتحة ليست واجبة عليه لا في الجهرية ولا في السرية.
والذي يترجح لدي أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم في الجهرية والسرية؛ لقوله ﵊ كما في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين وغيرهما: (لا صلاة إلا بأم الكتاب)، ولحديث أبي هريرة وغيره أن النبي ﵊ قال: (من صلى بغير فاتحة الكتاب فصلاته خداج خداج خداج).
وأمر عمر المأمومين أن يقرءوا بها خلف الإمام، قال رجل: أأقرأ بها يا أمير المؤمنين وأنت تقرأ؟ قال: نعم، اقرأ بها في نفسك يا فارسي.
والأدلة كثيرة جدًا على وجوب فاتحة الكتاب للمأموم في الجهرية والسرية.
أما إذا أدرك المأموم الإمام في الركوع فليركع معه وليعدها ركعة، ولا يطالب حينئذ بقراءة الفاتحة لفوات محلها، أي: لفوات وقت الوجوب، وهو إدراك القيام مع الإمام، والله تعالى أعلم.
[ ٢٤ / ١٤ ]
حكم الحج نتيجة الفوز بمسابقات وجوائز
السؤال
هل يصح الحج نتيجة الفوز بمسابقات وجوائز؟
الجواب
نعم يصح، إذا كانت مسابقة وأعلن أن الفائز فيها يكافأ بالحج، فلا حرج حينئذ أن يدخل من التمس في نفسه أهلية لهذا، فإذا فاز فهنيئًا له الحج.
[ ٢٤ / ١٥ ]
حكم معالجة المريض على حساب الدولة
السؤال
هناك امرأة مريضة تعالج على حساب الدولة، سواء كان في الداخل أو في الخارج، فهل هذا جائز؟
الجواب
نعم جائز، بل هو واجب على الدولة في حق الفقراء، إن لم تقم به الدولة يأثم جميع المختصين أو القائمين بهذا الشأن، فلا يصح أن يكون هذا العمل كله محسوبية، الذي له قريب في وزارة الصحة هو الذي يعالج، والذي ليس له قريب يموت، لا يصح ذلك، بل كل فقير غير قادر على النفقة أو العلاج أو التعليم أو غير ذلك، يجب على الدولة أن تقوم برعايته وحسن تدبير أمره، وإلا فيأثم جميع المختصين بذلك.
[ ٢٤ / ١٦ ]
حكم استبدال الأدوية الزائدة لمريض بدواء آخر لمريض آخر
السؤال
هل يجوز استبدال بعض الأدوية الزائدة التي يصرفها التأمين الصحي أو الدولة لمريضة بدواء آخر لأمها المريضة؟
الجواب
نعم يجوز ذلك؛ لأنها تأخذ حكم البنت من جهة أنها فرد من أفراد المجتمع، وأنها فقيرة ليس في إمكانها علاج نفسها.
[ ٢٤ / ١٧ ]
حكم لبس المرأة الذهب المحلق
السؤال
هل الذهب المحلق من الذهب المحرم على النساء؟
الجواب
لا.
ليس من الذهب المحرم، وأنا أعتقد أن مذهب شيخنا الشيخ الألباني ﵀ مذهب مخالف لعلماء الأمة؛ ولذلك ليس محل اعتبار عندي، وأن الذهب كله حلال للنساء، حرام على الرجال.
[ ٢٤ / ١٨ ]
حكم الجهاد في فلسطين أو غيرها
السؤال
هل الجهاد في فلسطين أو غيرها فرض عين على الشباب في مصر أو غيرها؟
الجواب
الجهاد في الأماكن التي ترفع فيها راية الجهاد فرض كفاية على المسلمين لا فرض عين، فالجهاد فرض عين في نفس المكان الذي اعتدي فيه عليك، مثلًا: الجهاد في فلسطين فرض عين على الفلسطينيين هناك، وعلى من كان في فلسطين من غير أهلها فرض عين عليهم، ولا يكون فرض عين على من تلاهم من أهل البلدان إلا إذا عجزوا، فإذا عجز مجموع المسلمين من البلدين تعين على الثالث، فإذا عجزوا جميعًا تعين على الرابع وهكذا.
أما الجهاد على الشباب في مصر فليس فرض عين، وإنما هو فرض كفاية، وشرط فرض الكفاية: سلامة الطريق، وأنتم تعلمون أن الطريق غير سالم وغير آمن.
الشرط الثاني: أن يأذن الوالدان، وهذا شرط لصحة الجهاد في فرض الكفاية، فإذا لم يأذنا يأثم المجاهد؛ لأن النبي ﵊ أرجع بعض أصحابه لخدمة والديه، ولو تعين عليه الجهاد لم يرجعه، وستأتي هذه المسألة بالتفصيل بإذن الله تعالى في كتاب الجهاد في صحيح مسلم.
[ ٢٤ / ١٩ ]