كلام السلف ﵃ في لزوم السنة والجماعة، والمحافظة على ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته من السنة كثير، وهو يدل على أهمية ذلك، وأنه عصمة من الزلل، والناظر في كلامهم رضوان الله عليهم يجد أنه يشهد له كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.
[ ٩ / ١ ]
تابع باب ما أمر به من التمسك بالسنة والجماعة والأخذ بها، وفضل من لزمها
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
لا يزال الكلام موصولًا عن فضل الجماعة ولزوم السنة، وذكرنا في الدروس الماضية بيان ذلك من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﵊، وموعدنا في هذه الليلة مع ذكر بعض النصوص لبعض السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين في أهمية لزوم ذلك، والناظر في كلام السلف ﵏خاصة الصحابة منهم- يعلم علمًا يقينيًا أنه ما من قائل تكلم في هذا الباب بكلمة إلا ولها أصل يشهد له من كتاب الله ﷿ أو من سنة النبي ﵊، وهكذا شأن من عاين الأمر معاينة وعاش معه سنوات كثيرة، ولذلك الواحد منا إذا عاش عيشة معينة أدبية أو نفسية أو غير ذلك يتأثر بها مع مرور الوقت.
فالصحابة ﵃ لكثرة وطول ملازمتهم للنبي ﵊، ولما كانت السنة وحيًا من عند الله ﷿ كاد السلف أن ينطقوا بالوحي، وكادوا أن يكونوا أنبياء، لأنهم اعتادوا لسنوات طويلة ألا يتكلموا إلا بوحي السماء قرآنًا أو سنة، ولذلك تجد كلام الصحابة أشبه بكلام النبي ﵊، ويُشتاق لكل قول من كلامهم في لزوم السنة وأهميتها.
[ ٩ / ٢ ]
حديث: (كان قتادة إذا تلا قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا»
فهذا قتادة وهو سيد من سادات التابعين [كان إذا تلا قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠]] أي: شهدوا وأقروا بربوبية الله ﷿، وبأنهم مربوبون لله ﷿، «ثُمَّ اسْتَقَامُوا»: على ما أقروا به.
[قال: إنكم قد قلتم: ربنا الله.
فاستقيموا على أمر الله].
أي: إذا كنتم أقررتم بالربوبية والألوهية؛ لأن الإقرار بالربوبية إذا جاء منفردًا شمل معه الإلهية، وإذا كان الإقرار بالإلهية منفردًا شمل معه الربوبية، أما إذا ذكر الإلهية والربوبية في نص أو في دليل فإن لكل واحد منها مدلولًا، فالإلهية لها مدلول والربوبية لها مدلول آخر، كما في قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فهذه الآية قد شملت الإلهية كما في قوله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ»، والربوبية كما في قوله: «رَبِّ الْعَالَمِينَ»، فهذه الآية قد تكلمت عن الإلهية وعن الربوبية في آن واحد، أما إذا قال العبد: (الحمد لله) فإنه قد أقر بالإلهية والربوبية على السواء، وإذا قال: ربنا الله، فإنه أقر بالربوبية والإلهية كذلك، وهذا في معنى قولهم: الإلهية والربوبية إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وهذا كالإيمان والإسلام والإحسان.
قال: [إنكم قد قلتم: ربنا الله.
فاستقيموا على أمر الله وطاعته وسنة نبيكم، وامضوا حيث تؤمرون]، أي: استمسكوا بالعمل حيث قد أمرتم.
قال: [فالاستقامة]-أي: فاستقامة المرء على الإسلام [أن تلبث على الإسلام]- أي: أن تقر وأن تعمل بالإسلام [والطريقة الصالحة، ثم لا تمرق منها] أي: لا تخرج من الإسلام، ولا من طريقته الصالحة، [ولا تخالفها ولا تشذ عن السنة، ولا تخرج عنها، فإن أهل المروق من الإسلام] أي: أهل الردة والخروج عن الإسلام، [منقطع بهم يوم القيامة].
أي: منقطع بهم آخر الانقطاع، فلا يصلون إلى الله ﷿.
قال: [ثم إياكم وتصرف الأخلاق]، أي: وابتعاد أخلاقكم عن أخلاق نبيكم، [واجعلوا الوجه واحدًا، والدعوة واحدة، فإنه بلغنا أنه من كان ذا وجهين وذا السانين كان له يوم القيامة لسانان من نار].
هكذا قال قتادة ﵀، وهو من سادات التابعين، وتربى على يد أنس بن مالك.
[ ٩ / ٣ ]
أثر ابن عباس: (عليك بالاستقامة)
[قال عثمان بن حاضر الأزدي: دخلت على ابن عباس فقلت: أوصني].
وأنتم تعلمون منزلة ابن عباس فهو من بيت النبوة، وهو ابن عم النبي ﷺ، وأبوه من كبار أصحابه ﵊، وهو عم النبي ﵊، وهو ممن بذل الغالي والرخيص في سبيل نصرة الإسلام والإيمان، وابن عباس هو ربيب بيت النبوة، وقد دعا له النبي ﵊ فقال: (اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين)، (علمه التأويل) أي: تفسير القرآن الكريم بمعرفة معانيه وأسراره وحكمه.
[قال عثمان بن حاضر لـ ابن عباس: أوصني.
قال: عليك بالاستقامة، اتبع ولا تبتدع].
قوله: (عليك بالاستقامة) أي: الاستقامة على أمر الإسلام، وعلى أخلاقه وآدابه وعقائده.
قال: اتبع أي: اتبع ذلك كله، ولا تبتدع من عند نفسك شيئًا، فإن من ابتدع في دين الله شيئًا، فكأنما اتهم الله ﷿ بالنقص في شرعه وعدم كماله، واتهم النبي ﵊ أنه ما بلغ عن ربه ﷾.
[ ٩ / ٤ ]
أثر الزهري: (الاعتصام بالسنة نجاة)
[وعن الزهري قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة]، والزهري من فقهاء المدينة، فإما أن يقول هذا عن متأخري أصحاب النبي ﵊، أو عن كبار التابعين، كما كان يروي عن أنس بن مالك، ويقرأ عن كبار التابعين، وأي رواية عن الزهري يرويها عن بعض أهل العلم، فيقول: كان من مضى من علمائنا، فمعناه أنها عن الصحابة أو كبار التابعين يقولون: (الاعتصام بالسنة نجاة).
أي: التمسك والاستمساك بحبل الله المتين وبسنة نبيه الأمين نجاة من كل هلكة.
وحبل الله تعالى هو كتابه الكريم، وهو وحي السماء إلى الخلق أجمعين، فهذا الكتاب له طرفان، طرف بيد الله ﷿، وطرف بأيدي الموحدين، كما جاء ذلك في رواية عن النبي ﵊.
قال: [الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضًا سريعًا]، أي: يرفع رفعًا سريعًا، وتكلمنا في دروس مضت وفي خطب مختلفة أن قبض العلم لا يكون برفع العلم، وإنما يكون بقبض العلماء، فقبض العلماء علامة على نهاية الزمان، وقرب الساعة، وبئست هذه العلامة للناس، وبئس قوم يموت علماؤهم ويبقون هم بلا علم وبلا علماء، كيف يعيشون والعلماء هم منارات الهدى في كل عصر وفي مصر؟ فإذا مات عالم في قرية فأشبه بموت القرية بأسرها، وأنتم تعلمون أن العالم في القرية ينفع أهل القرية في أرواحها وفي عقيدتها، وفي الأخذ بنواصيها إلى الله، فهو كعين تنبع لهم بالماء وتغذيهم؛ لأن العالم يغذي الأرواح والقلوب، ويقيم الأفكار والعقول على كتاب الله ﷿ وعلى سنة النبي ﵊، بخلاف الدنيا فإنها تغذي الأبدان، وشتان ما بين الجنتين.
قال: [والعلم يقبض قبضًا سريعًا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وذهاب العلم ذهاب ذلك كله].
وعن الزهري قال: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضًا سريعًا، فنعش العلم ثبات الدين، وذهاب ذلك كله ذهاب العلماء.
[ ٩ / ٥ ]
قول ابن مسعود (الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة)
[وقال عبد الله: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة].
وهذا كلام لا يقوله إلا إنسان قد عايش الوحي، ولهذا الكلام عدة معانٍ، يشهد لذلك قوله ﵊: (خير العمل أدومه وإن قل)، والصحابة رضوان عليهم لا يتكلمون بكلام إلا ولكلامهم أصل في كتاب الله أو في سنة نبيه ﵊، فقول ابن مسعود قد قاله غير واحد، ولكنه أول من قال هذا، قال: (الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة)، يعني: تداوم على العمل القليل الخيري المستقيم الصالح وإن كان قليلًا، كما في قوله ﵊: (لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)، فهذا في مقدور كل إنسان أن يفعله، ومع هذا لا يفعله كثير من الناس، وأبناء الصحوة لا يفعلون هذا، بل كثير منهم يجيد العلو ووسائله، مع أن النبي ﵊ أولى بذلك لو كان عملًا صالحًا، لكنه كان يتهلل فرحًا لأصحابه ويستبشر لقدوم غائبهم، وغير ذلك من أخلاقه العالية ﵊.
يذكر أن أعرابيًا كان يأتي من البادية ومعه طعام، فيهديه للنبي ﵊، وكان إذا دخل على النبي ﵊ يستقبله بالبشر والترحاب، وذات يوم أتى هذا الأعرابي بغير ما كان يتزود به في كل مرة، فاستحيا أن ينزل على النبي ﵊؛ فنزل في سوق المدينة، وكان النبي ﵊ في السوق، فعرف الرجل، فأتى من خلف ظهره ووضع يديه على عينيه، وقال: (من يشتري العبد؟) وهو ليس عبدًا، بل هو حر، فعرف هذا الأعرابي صوت النبي ﵇، قال: (يا رسول الله! إذًا: يجدني كاسدًا) أي: لن يربح من ورائي شيئًا قال: (لا والله بل رابحًا) فبكى هذا الأعرابي فرحًا بلقاء النبي ﵊، وبممازحته له ﵊، وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ كان يضاحك النساء والرجال على السواء، وهو من هو في منزلته، وهذا في حقنا يجوز مع من تكون محرمًا له، أما من لم تكن كذلك فلا يحل لأحد مخافة الوقوع في الفتنة إلا للنبي ﵊.
قال: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، أي: أن تكون تابعًا لغيرك في لزوم سنة، خير لك من أن تكون رأسًا في البدعة.
هذا التفسير الثاني، الأول: ألا تحقر من المعروف شيئًا، وأن تداوم على العمل الصحيح الصالح وإن قل، والتفسير الثاني: لأن تكون تابعًا في الحق خير لك من تكون رأسًا في الباطل، فحين نرى إنسانًا مغمورًا على التزام السنة خير من أن يتشبه بـ واصل بن عطاء وهو رأس الاعتزال، وأنتم تعلمون أن الخميني رأس في البدعة، فهل تريد أن تكون في منزلة الخميني رأسًا في الشيعة، أم تريد أن تكون إنسانًا مغلوبًا مقهورًا وقد رزقت الحفاظ على السنة والعمل بالسنة، وإن لم يسمع بك أحد؟ أتريد أن تكون رأسًا في البدعة أو أن تكون تابعًا في الحق؟ بلا شك أن تكون تابعًا في الحق.
وهكذا كان السلف ﵃، كانوا يلتزمون بالسنة في كل حياتهم، حتى قال ابن المبارك إن استطعت ألا تحك قفاك إلا بأثر فافعل، فتصور أن السنة أقيمت إلى هذا الحد، ألا يتحرك أحدنا بحركة ولا يقرأ القرآن، ولا يفعل شيئًا إلا ومعه دليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فالعلة من الاتباع هو العصمة، أن يعصم الإنسان نفسه من الزلل، ويعصم نفسه من الزيغ والانحراف؛ لأن كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة ﵃ ليس فيه زيغ ولا انحراف، بل قد أتى بالحكمة من جميع الجوانب، فمن تمسك به فهو عن الزلل والانحراف أبعد، وإذا انحرف الإنسان عن كتاب الله وسنة رسوله وهدي السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإنه سريع إلى الوقوع في الانحراف والابتعاد عن الخير.
[ ٩ / ٦ ]
أثر عمر بن الخطاب: (أيها الناس إنه لا عذر لأحد بعد السنة)
[قال الأوزاعي: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: أيها الناس! إنه لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها، ولا في هدى تركه، حسبه ضلالة، فقد بينت الأمور، وثبتت الحجة وانقطع العذر]، هذا الكلام لو صح عن عمر -وهو غير صحيح- لاحتاج إلى مجلدات في شرح هذه الكلمات، ولكنه لم يقل: قال عمر، وإنما قال: بلغني أن عمر بن الخطاب، وهذا القول روي بلاغًا، والبلاغ منقطع، وهو علة في عدم ثبوت النص، لكن هب أنه ثبت من طريق آخر عن عمر ﵁، فمعناه العام: أن السنة قد ظهرت ظهورًا يجب على كل أحد أن يطلبها إن لم تذهب إليه، وهناك فرق بين مجتمع العلم فيه غالب، وبين مجتمع العلم فيه غير غالب، فلو أن شخصًا في السعودية الآن أو قطر أو الكويت أو غيرها من بلاد الإسلام يقول: أنا لا أدري أن الصلاة فرض من فرائض الإسلام، فهل يقبل منه ذلك؟ هل يقبل من أحد يسمع الأذان في اليوم خمس مرات أن يقول: أنا لا أدري ما الصلاة، أو لا أدري ما الزكاة؟
الجواب
لا يقبل منه في بلاد الإسلام، إنما يقبل من إنسان في بلاد الكفر قد أسلم حديثًا، وهو لا يعرف الصلاة ولا الصيام ولا الزكاة ولا غير ذلك من فرائض وشرائع الإسلام، أما إنسان في بلاد الإسلام فقد قامت عليه الحجة بظهور السنة في كل هذا، فلا عذر له حينئذ.
[ ٩ / ٧ ]
وصية عمر بن عبد العزيز لبعض عماله: (أوصيك بتقوى الله والاتباع وعدم الابتداع)
[وقال سفيان: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله] أي: بعض طلابه وأنصاره: [أوصيك بتقوى الله]، وهكذا كانت وصية الله للأنبياء والمرسلين، وهي وصية الأنبياء بلغتهم وأخلاقهم.
قال: [أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره].
أي: أخذ الدين شيئًا فشيئًا؛ لأن من أخذ العلم جملة فاته جملة، ولابد أن تعلم أن هذه سنة الله تعالى في طلب العلم، شخص الآن يأتي يريد أن يحصل على شهادة من شهادات الدنيا، يصبر على الدراسة في الجامعات والمدارس عشرين عامًا حتى يحصل عليها، وبعد أن يحصل عليها ربما لا تنفعه، ومع هذا تجده صابرًا محتسبًا، وربما صابرًا غير محتسب، وفي طلب العلم الشرعي ربما يطلب العلم شهرًا أو شهرين ثم يتطرق إليه الملل والنفرة، وإذا أشكل عليه علم من العلوم تجده ينصرف عنه بكليته ولا يختاره ولا يدرسه، كعلم أصول الفقه، أو علوم اللغة، أو علم مصطلح الحديث، فهذه علوم جافة تحتاج إلى تفصيل، فهب أنه رزق بأستاذ أو بشيخ لا يحسن التفصيل فتجده ينصرف ولا يثبت، وهو في الجامعة يدرس مواد لا قبل له بها ولا طاقة، ومع هذا يصبر عليها؛ لأنه قد وضع نصب عينيه أن يحصل على بكالوريوس كذا، ولا سبيل له إلى الحصول عليه إلا أن يصبر على المر في سنوات دراسته.
إذًا: فعلوم الشرع أولى بذلك كله، ولا سيبل لك إلى الاستقرار في العلم الشرعي إلا بطلب السهل والعسير، والصبر عليهما على السواء.
فقال: أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره.
أي: أن تأخذه شيئًا فشيئًا.
شخص يقول لك الآن: أن لا أفهم شيئًا من الحديث، فإنه يقول: عن وعن وعن ما هذا؟ فحتى أصل إلى قائل القول أكون قد نسيت الأول، ثم تجده ينصرف إلى أصول الفقه، فيجد أن هذا العلم هو عبارة عن طلاسم وكلام غير مفهوم، وهو أشبه بالسحر، هكذا يعبر عن علم أصول الفقه، ثم يتركه وينصرف إلى علم الاعتقاد، فيجد الشيخ الذي يدرس المادة يدخل في تفصيلات وفرعيات الفلاسفة، فيقول: لا يمكن أن يكون هذا دينًا، ثم ينتقل إلى العلم الرابع والخامس، ثم ينتقل من المسجد إلى الشارع، ومن الشاعر إلى المقاهي، ومن المقاهي إلى النساء، ومن النساء إلى الخمور وهكذا، لابد أن ينتهي به الأمر إلى الانحراف؛ لأنه لم يصبر ولم يحتسب في أمر الله، بل لابد أن يأخذ العلم قليلًا قليلًا.
ولذلك يقول الإمام الزهري: العلم نتف -يعني: قليلًا قليلًا- فمن رامه جملة -أي: فمن طلبه دفعة واحدة- فاته جملة.
فالذي يحفظ عشر آيات في اليوم أو خمس آيات يستطيع أن يحفظ في الغد مثلها، ويستطيع أن يحفظ بعد الغد مثلها، ويتقن الآيات في كل يوم ولا ينساها، أما من يحفظ ربع جزء أو ربعين أو ثلاثة أرباع أو نصف جزء أو جزءًا فإنه سرعان ما ينساه في الغد وفي الباكر مباشرة، فإذا أراد أن يحفظ شيئًا آخر وضم محفوظ اليوم إلى محفوظ الأمس وكان قدرًا كبيرًا لا يستطيع أن يحفظ بعد الغد جملة مستكثرة كما كان يحفظ في الأمس أو قبل الأمس.
فالعلم لابد أن يؤخذ قليلًا قليلًا، وقد ثبت عن كثير من السلف أنه حفظ القرآن في ثلاثة أشهر، بل قد جاء عن بعض السلف أنهم حفظوا القرآن من قراءتين -أي: من مراجعتين- أو ثلاث مراجعات عن ظهر قلب، لكن هدي السلف ليس كذلك، فإن الصحابة ﵃ كانوا يحفظون العشر الآيات، ثم لا يتجاوزونها حتى يعلموا ما فيها من أحكام وآداب وأخلاق ويعملون بكل هذا، ثم ينتقلون إلى عشر آيات أخريات، هذا منهج السلف في طلب العلم، أما من جلس مجلسًا وقد شعر بنشاط وحيوية فيريد أن يحفظ ثلاثة أرباع أو أربعة أرباع من سورة البقرة في يوم واحد، فإنك فقط لو سألته عن معنى آية لا يعرفها، ولا يحل له أن يتكلم في معناها بغير علم مما ورد من كلام المفسرين، ثم هو في اليوم الثاني يكسل أن يراجع هذه الآيات، لماذا يكسل؟ لأنه قد أنهك نفسك بالأمس، فلم تبق عنده قدرة ولا طاقة ولا قوة كما كانت عنده بالأمس، فالعلم يا إخواني! نتف يؤخذ شيئًا يسيرًا فشيئًا يسيرًا؛ حتى يتمكن المرء من علمه.
ولذلك يذكر عن الشعبي والأوزاعي وغيرهما أنهم كانت تعقد لهم مجالس الحديث بالآلاف المؤلفة، حتى إنه كان يحضر للواحد منهم ثلاثون ألفًا، فيحدث بالحديث والحديثين والثلاثة، فإذا قيل له: حدثنا بالرابع أو الخامس، يقول: لا والله.
لقد أكثرت عليكم، تصور أن ثلاثين ألفًا أو أربعين ألفًا يحضرون مجلس العلم، ثم لا يقومون منه إلا بثلاثة أحاديث، هل هذا قليل؟!
الجواب
ليس قليلًا، فقد كان الواحد من الصحابة يرحل للحديث الواحد من المدينة إلى مصر، ومن المدينة إلى الشام.
قال: [أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله ﷺ، وترك ما أحدث المحدثون بعده فيما قد جرت به سنته، وكفوا مئونته، واعلم أنه لم يبتدع إنسان بدعة إلا قدم قبلها ما هو دليل عليها وعبرة فيها]، إلا قدم عليها دليلًا أنها بدعة وأنها ليست من دين الله، [فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، واعلم أن من سن السنن قد
[ ٩ / ٨ ]
تفسير سعيد بن جبير لقوله تعالى: (وعمل صالحًا ثم اهتدى)
[وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، قال: لزم السنة والجماعة].
«عَمِلَ صَالِحًا» أي: لزم السنة، «ثُمَّ اهْتَدَى» أي: إلى التمسك بالجماعة وعدم الخروج عليها.
[وعن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، قال: استقام] أي: على الإيمان والعمل الصالح بعد التوبة.
[ ٩ / ٩ ]
أثر عطاء الخراساني: (ثلاث لا تنفع اثنتان دون الثالثة)
[وعن حسان بن عطية أنه سمع عطاء الخراساني يقول: ثلاث لا تنفع اثنتان دون الثالثة]، يعني: أن الأمر يلزم فيه ثلاث أشياء ولا يكفي شيئان، بل لابد من اجتماع الثلاث، إذا اختلت واحدة فإن الاثنتين لا تنفعان صاحبهما، قال: [الإيمان والصلاة والجماعة]، ونحن قد ذكرنا معظم الكلام الذي ورد عن السلف ﵃: أن الصلاة من الإيمان، وأن تارك الصلاة مارق عن الإسلام، أما من يترك الصلاة بالكلية فإنه مارق عن الإيمان والإسلام.
[ ٩ / ١٠ ]
أثر ابن مسعود: (عليكم بالعلم قبل أن يقبض)
[وقال ابن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وإياكم والتنطع والتبدع والتعمق، وعليكم بالعتيق].
وهذه وصية جامعة.
قال: (عليكم بالعلم قبل أن يقبض)، أي: قبل أن يموت العلماء، و(إياكم) أسلوب تحذير، و(عليكم) أسلوب حث.
قال: (وإياكم والتنطع) وأنتم تعلمون أن النبي ﷺ دعا على المتنطعين فقال: (هلك المتنطعون ثلاثًا)، والتنطع: هو التعمق والتكلف فوق الحد، ودائمًا أنا أقول لكم: إن العزيمة والشدة يحسنهما كل أحد، أما الرخصة فلا يحسنها إلا فقيه، (والنبي ﵊ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا)، فهذا هو استخدام الرخصة في محلها، فالنبي ﵊ يستخدم العزيمة في موطن يحتاج إلى عزيمة، ويستخدم الرخصة في موطن يحتاج إلى الرخصة، أما أن تستخدم العزيمة دائمًا في كل وقت وحين فإن هذا أمر ينخرط عقده ولا يصل.
أي: لا يصل بصاحبه إلى الله ﷿.
وانظر إلى أي إنسان مستقيم دائمًا تأخذه العزيمة بالعزيمة، وفجأة تراه نازلًا إلى الهاوية، اصعد يا فلان! يقول لك: لا أستطيع، لقد تعبت؛ لكن من أخذ في أمره بالرفق، وكلف نفسه من العمل ما يطيق لابد أنه سيستمر؛ لأن هذه سنة الله في الكون وفي الخلق، فمن سعادة المرء أن يوفق لشيخ أو عالم يأخذ بيديه ويعلمه منهجية السلف في العلم والعمل؛ لأن العمل يحتاج إلى جهد، فإذا بذل العبد مجهودًا فوق طاقته انقطع به الطريق.
قال: (وإياكم والتنطع والتبدع) أي: والابتداع، (والتعمق)، وهو بمعنى: التنطع، (وعليكم بالعتيق) والعتيق: القديم، يعني: إذا حزبك أمر فليس لك من عاصم إلا الوحي، ولا يوصف الوحي بأنه قديم، وإنما يقصد به الأمر الأول، أي: عليك بالأمر العاصم من كل قاصمة وزلة وانحراف، فإذا نزل بك أمر فلا تطلب رأي فلان ولا علان، بل اطلب حكم الله تعالى وحكم الرسول ﵊؛ لأن هذا هو الأمر الأول العاصم من كل فتنة.
[وقال محمد: كانوا لا يختلفون عن ابن مسعود في خمس]، أي: خمس أمور كانوا يروونها عن ابن مسعود، وكأن هذه وصية ابن مسعود دائمًا لأصحابه؛ حتى وردت عنه بالتواتر أنه كان يقول: [إن أحسن الحديث كتاب الله]، وهذه المسألة من جهة العقل ليست محسومة، فعندنا في هذا الزمان من يعترض على الله بعقله، وكأنه يقول بلسان حاله: كلامي أحسن من كلام الله، أليس هذا حاصلًا؟ حال العلمانيين والمنافقين الموجودين الآن على صفحات الجرائد والمجلات والصحف أنهم يعترضون على كلام الله ﷿، وعلى كلام رسوله ﵊، فإذا كان الاعتراض على آية من كتاب الله يقولون: أنتم لا تفهمونها فهمًا صحيحًا، ومن هو ابن كثير هذا؟ ومن هو الطبري؟ ومن القرطبي؟ ثم بعد ذلك يطعنون في كتب المفسرين، وكلامهم هم فقط هو الصحيح، ومنظورهم للآية هو المنضبط، هكذا يزعمون ويدعون، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم بأنهم منافقون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وهم يعلمون أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة، فلا يعقل أن معنى الآية يخفى على الأمة ألفًا وأربعمائة وخمسين سنة ويظهر لواحد من هؤلاء الكلاب الموجودين في هذا الزمان، وإلا فالأمة في ضلال منذ ألف وأربعمائة سنة، والعلماء فيها لم يكن لهم قيمة ولا مذهب، ولم يفهموا هذه الآيات، بل خبطوا فيها خبط عشواء، وهذا كلام لا يقوله إلا إنسان قد فقد عقله أو فقد قلبه، أو فقد قلبه وعقله على السواء مع الله ﷿، فخرج من الإيمان بالكلية خاصة إذا كان يقصد ذلك، أما إذا كان يردد كلام هؤلاء عن جهل فهو على خطر عظيم، فهو إذًا على خطر في الحالين.
قال: [إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير السنة سنة محمد ﷺ، ولا خلاف على ذلك، وشر الأمور محدثاتها]، أي: محدثات الأمور وبدع الأمور في دين الله ﷿.
وهذا بلاء.
قال: [وإن أكيس الكيس التقى].
أفضل الأعمال أن يأتي العبد تقيًا لله ﷿.
قال: [وإن أحمق الحمق الفجور]، سواء في القول أو العمل أو الاعتقاد.
هكذا حفظ أصحاب ابن مسعود عنه هذا الحديث.
[ ٩ / ١١ ]
خطبة ابن مسعود: (إن أصدق الحديث كلام الله)
[وعن إياس]، وهو ابن معاوية بن قرة المزني القاضي المشهور، وهو من سادات التابعين، يروي [عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول دائمًا في خطبته: إن أصدق الحديث كلام الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وأحسن القصص هذا القرآن].
وهذا نهج المذكرين والوعاظ لو يعلمون صدق هذا الكلام وروعته، وهو كلام ابن مسعود سادس ستة في الإسلام، فهو من المسلمين الأوائل.
والمعروف أن في القرآن عشرات القصص والأمثال، وكذلك السنة قد امتلأت بالقصص والأمثال، والقصص تجد طريقها لقلوب الناس، خاصة قلوب العامة، بل تجد طريقها في قلوب العامة والخاصة، والقصص مسلية، لكنها ذكرت في القرآن والسنة للعبرة والعظة وتقريب المقال وغير ذلك، فيا ليت الوعاظ يلتزمون قصص القرآن الكريم وقصص سنة النبي الأمين ﵊.
والناظر في قصص القرآن وقصص السنة يجد أنها قد تصل إلى أكثر من (٣٠٠) قصة، فلو أن كل واعظ انشغل بقصة من القصص فعلمها للناس، واستخرج منها العظات والفوائد والنكات، وأنزلها على واقع المسلمين اليوم، وطاف بها البلدان؛ لكان في هذه القصص الخير الكثير، لا كما يطوف بالقصص الصوفية والأولياء ويطوفون بالكلام الذي قد ورد في كتب الموضوعات والخرافيات وغيرها، وللأسف الشديد أن وعاظنا يرددون هذا الكلام على مسامع العامة؛ حتى صرنا أشبه بسلفية صوفية كما هو مصطلح أحد الزعماء الكبار.
يقول: دعوتنا سلفية صوفية.
كيف تكون سلفية صوفية؟! إن النار والجنة لا يمكن اجتماعهما قط؛ لأنه إما أن تؤثر السلفية في الصوفية فتستقيم، وإما أن تؤثر الصوفية في السلفية فتنحرف، أما اجتماعهما فمحال؛ فكيف تكون الدعوة موصوفة بأنها سلفية تارة وصوفية تارة أخرى؟! إلا أن يكون المراد بالصوفية الزهد، ولذلك حملناها على أصل معناها الذي وضعت له في مصطلح الصوفية.
فقوله: [إن أصدق الحديث كلام الله وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وأحسن القصص هذا القرآن، وأحسن السنن سنة محمد ﵊، وأصدق الحديث ذكر الله، وخير الأمور عزائمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف القتل موت الشهداء]، يعني: أحسن القتل هو أن تموت شهيدًا في ساحة القتال، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الشهادة في سبيله.
قال: [وأغر الضلالة الضلالة بعد الهدى]، يعني: أسوأ الضلالة الضلالة بعد الهدى، فالإنسان الذي نشأ في ضلالة هو أقل قبحًا ممن عرف الهدى ثم انحرف عنه، وفي الغالب أن من خالط الإيمان بشاشة قلبه لا يترك الإيمان رغبة عنه.
قال: [وأغر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع].
يعني: أنفع العلم وأحسن العلم ما ينفعك في دنياك وآخرتك.
قال: [وخير الهدى ما اتبع]، أي: خير الهدى اتباع النبي ﵊، [وشر العمى عمى القلب].
كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فشر العمى عمى القلب، ويتبعه عمى العقل، أما عمى البصر فربما يمدح المرء لأنه أعمى البصر، ولو لم يكن تمني البلاء مذمومًا في الشرع لتمنى المخلصون الذين يتأذون بالمعاصي العمى؛ لأن المرء الآن لا يكاد ينظر في شرق ولا غرب ولا فوق ولا تحت إلا وتقع عيناه على ما يغضب الله ﷿، فهذا أمر يحمل على طلب العمى في هذا الزمان، لولا أنا قد نهينا عن تمني البلاء، والعمى بلاء، فالمرء ربما يغبط على بلاء قد نزل به وإن كان عمى في بصره.
ثبت في الأثر أن صحابيًا أصيب بالعمى، فلما جاء إلى النبي ﵊ يطلب منه أن يدعو له بذهاب البلاء عنه قال النبي ﵊: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك.
قال: يا رسول الله! بل أصبر)، وقال النبي ﵊: (من أصيب في حبيبتيه فصبر فليس له جزاء إلا الجنة)، والحبيبتان: هما العينان، أي: من أصابه العمى في عينيه فصبر على هذا واحتسب الأجر عند الله ﷿ فله الجنة.
قال: (وشر العمى عمى القلب).
فعمى القلب وعمى العقل التابع لعمى القلب من أعظم الأمراض الفتاكة بالشخص التي تودي به إلى جهنم والعياذ بالله، لكن إذا كان أعمى البصر، وقلبه قد عمر بالإيمان والتوحيد فهذا شيء عظيم جدًا، أما أن يعمى القلب عن معرفة الحق فلا يكاد يميز بين الحق والباطل، بل ربما زعم أن الحق باطل وأن الباطل حق، بل ذهب يدعو إلى الباطل وينحرف عن الحق؛ فهذا منتهى العمى ومنتهى الضلالة.
وأنتم تعلمون أن ابن مسعود في مسجد الكوفة الكبير كان يذكر الناس عشية كل خميس، ثبت في صحيح البخاري في كتاب العلم: (أن أصحاب ابن مسعود قالوا له: يا أبا عبد الرحمن! إنا نحب كلامك فهلا ذكرتنا في كل يوم؟ فقال: إن النبي ﵊ كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا) ي
[ ٩ / ١٢ ]
أثر ابن مسعود: (أنه كان يذكر كل عشية خميس)
قال: [إن ابن مسعود: كان يذكر كل عشية خميس، فيحمد الله ويثني عليه ويقول: إن أحسن الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وشر الرواية رواية الكذب]، يعني: شر الحديث الكذب فيه، [وسمعته يقول: يا أيها الناس! عليكم بالطاعة]، والطاعة هنا لأولياء الأمور وللعلماء.
قال: [عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة].
فانظر إلى الكلام الجميل: (إن ما تكرهون في الجماعة) أي: في جماعة الإمام والخليفة خير لكم مما تحبونه حين تفرقكم.
قال: [وإن الله ﷿ لم يخلق في هذه الدنيا شيئًا إلا وقد جعل له نهاية ينتهي إليه].
لابد.
أخرج البخاري في كتاب الأدب في باب إثبات تواضع النبي ﵊ حديث أنس: (أن دابة النبي ﵊ القصواء لم تسبقها دابة قط، فجاء رجل من الأعراب بدابته، وقال له: يا رسول الله! تسابقني؟ قال: أسابقك)، انظر النكتة التي استفادها البخاري من هذا الحديث، فبوب هذا الحديث: باب إثبات تواضع النبي ﵊؛ لأنه وهو نبي ورسول رضي أن يسابق أعرابيًا أتى من البادية، مع أن هذه القصواء لم تسبقها ناقة ولا جمل ولا حمار (قال له: يا رسول الله! تسابقني؟ قال: أسابقك، فسبقه الأعرابي.
فقال الصحابة: خلأت -عضبت- القصواء، فقال النبي ﷺ: لا تقولوا هذا، ما بلغ شيء تمامه إلا نقص)، أي: ما من شيء يرتفع إلا ومصيره النزول.
انظر في نفسك حيث كنت جنينًا، ثم وليدًا رضيعًا، ثم طفلًا، ثم صبيًا، ثم شابًا، ثم رجلًا فتيًا قويًا، وبعدما تصبح فتيًا قويًا يبدأ العد التنازلي مرة أخرى، كان هناك عد تصاعدي، واختلف أهل العلم في هذا، فمنهم من قال: يبدأ النزول بعد سن الأربعين، ومنهم من قال: يبدأ بعد سن الخمسين، ومنهم من قال: بعد سن الستين، فأيًا كان اعتبر أن صفوة قوتك وشبابك من أربعين إلى الستين، وبعد الستين يبدأ العد التنازلي السريع لا محالة، ففي قوتك تفعل ما تشاء من خير أو شر، لكن الإنسان الذي بلغ تمام قوته، ثم بدأ ينزل بعد ذلك على حتفه، لابد أن يعمل ألف حساب لهذا اليوم الذي ينزل فيه، ولابد أنه نازل مهما طال به الزمان وعاش، وقد أعجبني جدًا كتاب رجل سماه: انتبه فقد بلغت الأربعين، (ولقد أعذر الله ﷿ إلى امرئ بلغه الستين)، يعني: تكون فاجرًا، تكون زانيًا، تكون سارقًا، تكون قاتلًا، ليس لك في ذلك عذر واحد، فالله ﵎ مد في عمرك وأقام عليك الحجة منذ ستين عامًا، ولا زلت مصرًا على المعصية؟ إنك على خطر عظيم جدًا بين يدي الله ﷿.
فقال ابن مسعود: [وإن الله ﷿ لم يخلق في هذه الدنيا شيئًا إلا وقد جعل له نهاية ينتهي إليها، ثم يزيد وينقص إلى يوم القيامة، وإن هذا الإسلام اليوم مقبل].
والإسلام قادم لا محالة، والإسلام باق إلى قيام الساعة، لكنه يخبو أحيانًا ويظهر أحيانًا، حسب تمسك أهله به، والعاقبة للتقوى.
قال: [وإن هذا الإسلام اليوم مقبل، ويوشك أن يبلغ نهايته، ثم يدبر وينقص إلى يوم القيامة، وآية ذلك أن تفشو الفاقة]، يعني: علامات ذلك أن يكثر الفقر بين الناس؛ لبخل الأغنياء، وتركهم لأداء زكاة أموالهم وعموم الصدقات.
قال: [وتقطع الأرحام].
فمن منا أيها الإخوة يعرف رحمه ويعرف نسبه؟
الجواب
قليل جدًا، حتى واصل الرحم فينا يصل من وصله ويقطع من قطعه، وليس هذا هو الوصل، بل إن الواصل من يصل من قطعه، أما ذاك الذي يقال له: صل أخاك فيقول: الذي يأتي إلي أذهب إليه، والذي لا يأتي إلي لا آتي إليه، فلا أحد أحسن من أحد، وهذا من مصطلحات الجاهلية التي كانت قبل بعثة النبي ﵊ نقولها نحن اليوم، فنحن في جاهلية عظيمة جدًا، وأمثلنا وأحسنا من يصل أباه، أمه، أخاه، عمته، خالته، فإنه يصل المحارم دائمًا، وهل هؤلاء فقط هم المحارم؟
الجواب
لا، بل هم أعظم من هؤلاء بكثير، فهناك صلة رحم عامة وهناك صلة رحم خاصة، وليس هذا وقت تفصيل ذلك.
قال: [وآية ذلك أن تفشو الفاقة، وتقطع الأرحام حتى لا يخشى الغني إلا الفقر].
الغني يخشى أن يخرج الزكاة ويفتقر، مع أنه يعطي الفقراء مقابل حق الله وحق الفقراء والمساكين في ذلك الذي فرضه الله عليه.
قال: [حتى لا يخشى الغني إلا الفقر، ولا يجد الفقير من يعطف عليه، وحتى إن الرجل ليشكو إلى أخيه وابن عمه، وجاره غنيُّ لا يعود عليه بشيء]، يعني: الواحد يكون له ابن عم وابن خال في بلد أخرى، فيقول له: يا ابن عمي! أنقذني ويا ابن أخي! أرسل لي خبزًا آكله، وجاره الذي ساكن بجواره المأمور بألا ينام وجاره جائع، والمأمور بأنه إذا طبخ لحمًا أن يكثر المرق ويتعاهد الجيران، لا يعطيه شيئًا، فالواحد منا محتاج إلى صدقة تأتيه من بلدان بعيدة أو أماكن بعيدة، وجاره الذي فرض الشارع عليه حق الجوار، وأمره ألا ينام إلا
[ ٩ / ١٣ ]