القرآن كلام الله غير مخلوق، وبذلك جاءت الأدلة من الكتاب والسنة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يستعيذ بكلمات الله التامات، ويعوذ الحسن والحسين ببعض سور القرآن، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق، فدل ذلك على أن القرآن كلام الله وصفة من صفاته غير مخلوق.
[ ٦٥ / ١ ]
خطورة القول بخلق القرآن
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
تكلمنا في الدرس الماضي في إثبات أن كلام الله تعالى غير مخلوق، وأن الله تعالى متكلم ولا يزال متكلمًا بما شاء وكيف شاء ﷾، لا ينتهي كلامه، وبينا ذلك من آيات الكتاب المبين.
ودرسنا في هذه الليلة في إثبات أن القرآن كلام الله تعالى، وأنه غير مخلوق من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ، وعن أصحابه -أي: من المرفوع والموقوف- بأن القرآن كلام الله].
في الدرس الماضي بعض الإخوة كتبوا إلي رسالة وقالوا: ما قيمة هذا الكلام؟ ما قيمة ذكر هذه الفتنة خاصة وأن الناس لا يعرفونها؟ وهذه حقيقة، وقد أتتني رسائل في الدرس الماضي بعد أن شرحت أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبينت خطر القول بخلق القرآن، لكن لا يزال الأمر غامضًا على بعض الناس، وقد سألوا عن خطورة القول بخلق القرآن، خاصة وأن بعض الوعاظ -كما ذكر بعض السائلين- يصعدون على المنابر يقولون: قال النبي ﷺ: (الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، فأما الصيام فيقول: أي رب! أظمأت نهاره فشفعني فيه، وأما القرآن فيقول: أي رب! أسهرت ليله فشفعني فيه)، ويسأل عن صحة الحديث.
الحديث صحيح، لكن بدون لفظة: (وقال القرآن أي رب!) القرآن ما قال ذلك، ولكن الحديث: (الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة، أما الصيام فيقول: أي رب!)؛ لأن الصيام مخلوق، والصيام فعل العبد، وأفعال العباد مخلوقة، (فيقول الصيام: أي رب! أظمأت نهاره فشفعني فيه، وأما القرآن فيقول: أسهرت ليله فشفعني فيه) ولم يقل القرآن: أي رب! ومن الخطأ الفادح فعلًا قول بعض الأئمة أو الخطباء في هذا الحديث: أي رب!، كما أن من الخطأ الشائع على ألسنة الناس إذا أراد أن يقسم يمينًا مغلظًا أخذ القرآن بيمينه وقال: (ورب هذا القرآن) فجعل القرآن مربوبًا، والمربوب مخلوق، فهذا يمين خطأ في الاعتقاد، ولا يصح؛ لأن القرآن ليس مربوبًا، ولو كان مربوبًا لكان حادثًا، ولو كان حادثًا للزم أن نقول: إن الله لم يكن متكلمًا حتى خلق لنفسه الكلام، كما أنه لا بد أن يفنى إذا كان حادثًا؛ لأن كل حادث يطرأ عليه الفناء لا محالة.
ولذلك قامت مناظرة في زمن المعتصم في مجلسه، وكانت في فتنة خلق القرآن، وكان الذي تولى كبرها عالم من علماء السلطة في ذلك الزمان يسمى أحمد بن أبي داود أو أحمد بن أبي دؤاد، ينطق هكذا وهكذا، وهو الذي وشى بالإمام أحمد عند الخليفة في زمن العباسيين وقال: إن أحمد يقول: إن القرآن ليس مخلوقًا وهو مخلوق؛ لأن القرآن شيء، والله تعالى خلق كل شيء، فلما كانت المناظرة بين الإمام أحمد وبين إمام الضلالة أحمد بن أبي دؤاد بين يدي المعتصم قال ابن أبي دؤاد: يا أحمد! أليس القرآن شيئًا؟ قال: بلى.
قال: أوليس الله تعالى خلق كل شيء؟ قال: بلى.
قال: إذًا: القرآن مخلوق.
فقال أحمد بن حنبل: يا ابن أبي دؤاد! أليس القرآن شيئًا؟ قال: بلى.
قال: أوليس الله تعالى قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]؟ قال: بلى.
قال: هل تقول: إن القرآن يدمر؟ -أي: يفنى ويزول- إذا قلت ذلك فقد كفرت، فسكت أحمد بن أبي دؤاد ولم يعر ابن حنبل جوابًا.
وانتهت المناظرة وكل مسلم ومسلمة ينتظر هذه الصولة وهذه الجولة لمن تكون: لـ أحمد بن حنبل أم لـ أحمد بن أبي دؤاد؟ فلما انهزم ابن أبي دؤاد ولم يعر أحمد بن حنبل جوابًا انصرف الناس وقد كتبوا عن أحمد بن حنبل في هذه اللحظة: القرآن كلام الله غير مخلوق.
ولا زال أهل السنة إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة يعتقدون أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
والقرآن هو كلام الله ﷿، والمخلوق منا لم يكن متكلمًا، فلما خلق الله له الكلام تكلم، والمخلوق منا جاهل، فلما خلق الله له العلم صار عالمًا، والمخلوق منا جهول، فلما خلق الله الحلم صار حليمًا، وغير ذلك من الصفات التي يتصف بها المخلوقين لم يكونوا يتصفون بها ابتداءً، فلما خلقها الله اتصفوا بها؛ ولذلك قال النبي ﵇: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم) فلم يكن المرء منا عالمًا حتى خلق فيه
[ ٦٥ / ٢ ]
ما جاءت به السنة عن النبي وعن أصحابه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق
في هذا الدرس نثبت من سنة النبي ﷺ أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
[ ٦٥ / ٣ ]
حديث: (فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي)
قال: [عن جابر بن عبد الله قال: (كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف)] أي: يعرض نفسه على القادمين لأداء نسك الحج، وأنتم تعلمون أن أهل الجاهلية كانوا يحجون إلى بيت الله الحرام، ويعظمون شعائر البيت، ولكن على غير ما سنه لنا الله ﵎ ورسوله، فإنهم كانوا يحجون، فمنهم من كان يحج على ملة إبراهيم، ومنهم من كان يحج على غير ذلك، فكان النبي ﵊ يعرض نفسه على الناس بالموقف، أي: على مداخل مكة أو مشارفها أو في عرفات أو مزدلفة أو غير ذلك.
[فيقول: (هل من رجل يحملني إلى قومه؟ -أي: يأخذني إلى قبيلته وقومه- فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي)].
وهذا الشاهد: (فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي).
إذًا: الرب يتكلم؛ ولذلك كان من بعض حجج أهل التوحيد على أهل الشرك وعباد الأصنام: أنهم كانوا يقولون لهم: أتعبدون أصنامًا لا تتكلم ولا تعي ولا تعيركم جوابًا ولا ولا ولا؟ وثبت في السنة أن أم سليم لما هلك زوجها مالك بن النضر والد أنس بن مالك ﵁ تقدم لها أبو طلحة، فقالت: يا أبا طلحة! مثلك لا يرد، ولكنك رجل مشرك وأنا امرأة مؤمنة، يا أبا طلحة! أتعبد أصنامًا لا تسمع ولا تعقل ولا تتكلم؟ ولا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا؟ قال: يا أم سليم! أنظريني ثلاثة أيام -أي: أعطيني مهلة ثلاثة أيام لأنظر في كلامك هذا- فأتاها بعد ثلاث وقال: يا أم سليم! جزاك الله خيرًا، لقد فكرت في كلامك فوجدت أنه شرك، وأن ما أنت عليه توحيد وإيمان.
قالت: اذهب إلى رسول الله ﷺ فآمن بين يديه، فذهب وأعلن إسلامه، ثم أتى إليها وقال: يا أم سليم! هل لك في نكاحي؟ قالت: نعم.
ومهري إسلامك، فلم تأخذ شيئًا في صداقها غير إسلام أبي طلحة، فكانت أم سليم تفاخر النساء.
تقول: زوجكن آباؤكن على الدينار والدرهم وتزوجت على الإسلام، وهو بلا شك شرف عظيم جدًا، وأثمن مهر، ويكفي أنه سبب للعتق من النار ودخول الجنة.
فقوله: (فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي) فيه إثبات أن الرب ﵎ يتكلم.
[ ٦٥ / ٤ ]
حديث: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة)
قال: [عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا تكلم الله بالوحي -إذًا: كلام الله تعالى وحي- سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا)] إذا تكلم الله تعالى بكلامه بالوحي سمع أهل السماء من الملائكة للسماء جرسًا وأصواتًا عالية كجر السلسلة على الصفا وهو الحجر الأملس، أي: كما لو أتيت بسلسلة أو جنزير ووضعتها على حجر أملس ناعم لا يستقر عليه شيء، ولو أجريت السلسلة على هذا الحجر لا بد أنك تسمع صوتًا عاليًا، فكذلك إذا تكلم الله تعالى بالوحي [(سمع الملائكة في السماء لهذا الوحي صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون)]، وهذا من شدة الوحي.
وأنتم تعلمون حديث عائشة ﵂: (أن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ في الليلة شديدة البرد، فما ينفصم عنه الوحي إلا وهو يقطر عرقًا) ﵊ من شدة الوحي.
وكذلك كان النبي ﵊ يتغير لونه تمامًا إذا نزل عليه الوحي، فكان وجه يصفر أو يحمر، وذلك من شدته عليه ﵊، فكذلك يصعق الملائكة جميعًا [(حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم -أي: كشف عنهم الفزع- فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربك؟ -وفي هذا إثبات أن الرب يتكلم- قال: يقول الحق)] قول الله تعالى هو الحق، وقوله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قال: [(فينادون: الحق الحق)].
أي: فيتنادون فيما بينهم: الحق الحق، أي: تكلم الله تعالى بالحق، تكلم الله تعالى بالحق.
ومصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣].
وله شاهد من حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: أن نبي الله ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير)، فوصفوا كلام الله تعالى بأنه قول الحق.
[ ٦٥ / ٥ ]
حديث: (إذا تكلم الله سمع صوته أهل السماء)
قال: [عن عبد الله قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، فيخرون سجدًا، حتى إذا فزع عن قلوبهم نادى أهل السماء أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا)] ويتكلمون بما تكلم الله ﵎ به.
[ ٦٥ / ٦ ]
حديث: (القرآن كلام الله)
قال: [عن عبد الله بن مسعود: عن النبي ﷺ أنه قال: (القرآن كلام الله).
قال وسمعت الدغشي يقول: قال مجالد: قال عامر: قال مسروق: قال عبد الله: من قال غير ذا فقد كفر].
فهذا نص بعضه مرفوع والبعض الآخر موقوف.
أما المرفوع: (القرآن كلام الله) وأما الموقوف فقول ابن مسعود: من قال غير ذا أي: من قال غير أن القرآن كلام الله فقد كفر.
[ ٦٥ / ٧ ]
حديث: (فأحسن الكلام كلام الله)
[عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: (إنما هما اثنتان: الكلام والهدي -أي: الكلام والسنة والطريقة والهداية- فأحسن الكلام كلام الله)] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] إذًا: الله تعالى يتكلم ويتحدث، فأحسن الكلام كلام الله، [(وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ)].
وأما قوله: (إنما هما اثنتان) من قول ابن مسعود، فالكلام هو كلام الله ﷿ وهو أحسن الكلام، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ.
قال: [(ألا وإياكم -أسلوب تحذير- ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)].
قال البيهقي: والظاهر أن ابن مسعود أخذ هذا من النبي ﷺ، أي: أخذ هذا القول: (إنما هما اثنتان الكلام والهدي) من النبي ﷺ.
وقال ابن حجر: هكذا رأيت هذا الحديث في جميع الطرق موقوفًا على ابن مسعود.
وقد ورد بعضه مرفوعًا من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود وأخرجه صاحب السنن، وجاء أكثره مرفوعًا من حديث جابر، وهو عند مسلم وأبي داود والنسائي وأحمد وابن ماجه، وذكر الحافظ هذا في الفتح.
ثم قال في شرحه للحديث في كتاب (الاعتصام) أن هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن هذا الكلام لا يقال من قبل الرأي، أي: لا مدخل للرأي فيه، فلا بد أن يكون مستنده المعصوم ﵊.
ولذلك قال: لأن فيه إخبارًا عن صفة من صفاته ﷺ، وهو أن هديه خير الهدي، وهو أحد أقسام المرفوع.
وقل من نبه على ذلك.
وأما حديث جابر المرفوع في صحيح مسلم: (إنما هي اثنتان: الكلام والهدي) فهو كذلك في باب تخفيف الصلاة والخطبة من كتاب الجمعة عند الإمام مسلم.
[ ٦٥ / ٨ ]
وصية خباب بن الأرت لفروة بن نوفل بالتقرب إلى الله تعالى
قال: [عن فروة بن نوفل قال: قال خباب بن الأرت] وخباب بن الأرت هو ابن جندلة بن سعد التميمي صحابي جليل ﵁، وهو من السابقين الأولين في الإسلام، وكان يعذب في الله عذابًا أليمًا، ويصبر على ذلك، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد.
[عن فروة قال: قال خباب بن الأرت وأقبلت معه من المسجد إلى منزله فقال: إن استطعت أن تقرب إلى الله ﷿ فإنك لا تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه].
خباب بن الأرت ينصح فروة بن نوفل من التابعين: إذا أردت يا فروة! أن تتقرب إلى الله فليس هناك أحب إلى الله ﷿ من كلامه أن تتقرب به إليه، من تلاوته وتعظيمه وتشريفه والعمل به، والدعوة إليه، وغير ذلك.
[قال ابن أبي العوام: اشهدوا عليَّ أن ديني الذي أدين الله ﷿ به: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، وهذه كانت مقالة أبي].
فهذا قول ابن مسعود وابن أبي العوام، وكذلك قول أبي العوام نفسه.
قال: [عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جارًا لـ خباب فقال: يا هناه -أي: يا صاحبي أو يا صديقي- تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه] ﷾.
[ ٦٥ / ٩ ]
أثر عمر: (إن هذا القرآن إنما هو كلام الله)
قال عمر بن الخطاب ﵁ في غيرما طريق عنه: [إن هذا القرآن إنما هو كلام الله فضعوه مواضعه].
أي: قدروه حق تقديره.
[ ٦٥ / ١٠ ]
حديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)
قال: [عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ: (خياركم من تعلم القرآن وعلمه)]، يعني: من أفضلكم من تعلم القرآن لنفسه وعلمه الناس.
[قال أبو عبد الرحمن - أبو عبد الرحمن السلمي الذي روى ذلك عنه-: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا].
أي: طلبي لأن أكون من خير خلقه هو الذي جعلني أتعلم القرآن وأعلمه إياكم مما أجلسني في هذا المكان، طلبًا للخيرية والرفعة.
قال: [فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا.
وكان يعلم القرآن في مسجد الكوفة أربعين سنة].
أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي كان يعلم القرآن في مسجد الكوفة الكبير أربعين سنة طلبًا للخيرية.
[ ٦٥ / ١١ ]
أحسن الحديث كلام الله
قال: [وقال ثابت بن قطبة: كان عبد الله بن مسعود يذكر كل عشية -يعني: كل يوم بعد صلاة المغرب أو العشاء يذكر الناس بكلمة يسيرة- فيحمد الله ويثني عليه ويقول: إن أحسن الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ.
وذكر باقي الحديث]، وهو المعروف بخطبة الحاجة، وكان النبي ﵊ يبدأ بها كلامه وخطبه ودروسه وغير ذلك.
[ ٦٥ / ١٢ ]
تعويذ النبي ﷺ للحسن والحسين بكلمة الله
قال: [عن ابن عباس قال: (كان نبي الله ﷺ يعوذ حسنًا وحسينًا ﵄)] كان يعوذهما يعني: يرقيهما.
يرقي الحسن والحسين.
وفي هذا بيان استحباب أن يعوذ الرجل أولاده أو المرأة أولادها، خاصة عند الصباح وعند المساء حتى لا يمسه الشيطان لا في نهاره ولا في ليله، فكان النبي ﷺ يعوذ حسنًا وحسينًا ﵄، ويقول: [(أعيذكما بكلمة الله التامة من كل شيطان وهامة، وشر كل عين لامة، ثم يقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ اسماعيل وإسحاق)] يعني: كان إبراهيم يعوذ بنفس هذه الكلمات ولديه إسماعيل وإسحاق.
قال: (أعيذكما بكلمة الله التامة) الكلمة التامة هي كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
أما الكلمة التامة في زمن إبراهيم ﵇ فهي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم رسول الله ﵊)، إذ لم يكن محمد ﵊ قد بعث في ذلك الوقت، فكان إبراهيم ﵊ يعوذ إسماعيل وإسحاق بكلمة التوحيد، وكذلك النبي ﵊ كان يعوذ الحسن والحسين ويقول: (أعيذكما بكلمة الله التامة من كل شيطان وهامة، وشر كل عين لامة) أي: التي تلم الفساد، من اللم: وهي التي تجمع أنواع الشرور والفساد.
[ ٦٥ / ١٣ ]
حديث: (لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله)
[عن رجل من أسلم قال: (أتى النبي ﷺ رجل -وهذا الحديث عند مسلم - فقال: إني لدغت الليلة يا رسول الله! فلم أنم حتى أصبحت قال النبي ﵊: ما لدغك؟ قال: عقرب، فقال له النبي ﵊: أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله)]، لو أنك قلت هذه الكلمة ما كان للعقرب عليك من سلطان، وما لدغك، بل ربما نام العقرب بجوارك لا يقدر على لدغك؛ لأنك تعوذت واستعذت ولجأت واعتصمت بالله تعالى وبكلماته التامة.
قال: [(أما إنك لو قلت حين أمسيت -وهذا في أذكار المساء- أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق -والعقرب منها- من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله)].
[ ٦٥ / ١٤ ]
حديث عائشة: (أن النبي ﷺ إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذات)
[عن عائشة زوج النبي ﷺوالحديث في الصحيحين-: (كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات)]، أي: بالمعوذتين، وبعض أهل العلم أدخل في المعوذات: الإخلاص تجوزًا، أطلقوا عليها معوذة؛ لأن المرء عندما يقرؤها يستعيذ بالله تعالى من الشرور والآثام.
والغالب أن من تعوذ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] يجمع معهما سورة الإخلاص وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، وهي السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي اشتملت كل آياتها على توحيد الله ﷿، فكل سور القرآن ربما تجد فيها الأمر بالتوحيد وقد لا تجد، وربما تجد فيها أحكامًا حلالًا وحرامًا، أخلاقًا وآدابًا، لكن سورة الإخلاص هي التي تكلمت عن التوحيد من أولها إلى آخرها، وقالوا: هذه السورة هي نسب الله ﷿.
وقد جاء في الأثر: (أن قريشًا أتت إلى النبي ﷺ وقالوا: يا محمد! انسب لنا ربك) فأخذوا على نسب آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، فلو أنهم سئلوا: انسبوا لنا اللات أو العزى لاستطاعوا نسبة آلهتهم؛ لأنها من حجر أخذوه من جبل كذا، والذي صنعه ونحته وجعله على هذه الصورة فلان بن فلان، والذي حمله من مكان كذا إلى مكان كذا هو فلان بن فلان، وتم صنعه في ساعة كذا وفي يوم كذا، وتم تنصيبه وعبادته في ساعة كذا، وأول من عبده فلان، وهكذا يستطيعون أن ينسبوا آلهتهم.
ولذلك أجروا عادتهم مع آلهتهم مع النبي ﵊: (انسب لنا ربك) فنزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] الذي تلجأ الخلائق كلها إليه ﷾ رغم أنوفهم في سرائهم وضرائهم، حتى المشرك يلجأ إليه في وقت الضر، فإذا كشف عنه الضر رجع لعبادة الأصنام، وهذا دليل فطري أنه لا يكشف الضر ولا يسوق النفع إلا الله ﷿، علم ذلك المشركون، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص:٢ - ٣]، ليس أبًا لأحد، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، ليس ابنًا لأحد، فليس له ولد ولا والد، هذا نسب الله ﷿.
عن عائشة: (أن النبي ﵊ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات).
[ ٦٥ / ١٥ ]
التعوذ بكلمات الله
[قال الشيخ: فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي ﷺ بمخلوق؟] لو كان القرآن هذا مخلوقًا فهل كان يحل للنبي ﷺ أن يتعوذ بالمخلوق؟ حاشا وكلا أن يتعوذ بالمخلوق، فمن تعوذ بالمخلوقين قلنا: هذا عمل عملًا شركيًا، فمن تعوذ بفلان أو بقبر جده أو بتربة النبي ﷺ أو حتى بالنبي ﷺ أو بالكعبة أو غير ذلك قلنا: هذا شرك بالله ﷿؛ لأنه قد تعوذ بمخلوق، والأصل لمن تعوذ أن يتعوذ بالخالق وأسمائه وصفاته؛ لأنها غير مخلوقة.
فإذا كان القرآن مخلوقًا فكيف يتعوذ به النبي ﷺ؟ قال: [ويتعوذ هو ﵊ بمخلوق ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟] هذا كلام عظيم جدًا وافتراء عليه ﷺ.
قال: [وهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله؟] يعني: هل أقول: أعوذ بنفسي من شر ما نزل بي؟ هل يصح ذلك؟
الجواب
لا يصح؛ لأني مخلوق، لا يصح التعوذ بالمخلوق، ولا أقول: أتعوذ بـ البدوي أو بـ الحسين أو بالسيدة أيًا كانت السيدة، أو غير ذلك من سائر وسائل الشرك التي يقع فيها كثير من الخلق، فهذا كله من الأعمال الشركية، والتوسل غير المشروع، فيقول: أعيذ نفسي بالسماء، السماء لا ترقى، بالجبال؟ بالأرض؟ بالأنهار؟ بالبحار؟ بالأنبياء؟ بالعرش؟ بالكرسي؟ كل ذلك مخلوق أم لا؟ كل ذلك مخلوق، هل سمعنا أحدًا تعوذ بالسماء أو تعوذ بالأرض أو الجبال؟ ما سمعنا ذلك، أو بالكرسي والعرش؟ ما سمعنا ذلك.
قال: [وإذا جاز أن يتعوذ المخلوق بمخلوق مثله فليعوذ نفسه وغيره بنفسه فيقول: أعيذك بنفسي]، وإذا كان لأحد أن يعوذ بنفسه فليس هناك أفضل من النبي ﵊، وليس هناك أشرف مخلوق منه ﵊؛ ومع ذلك ما كان يعوذ أحدًا بنفسه، وإنما كان يقول: (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، الله يشفيك، باسم الله أرقيك)، ولم يقل: أعيذك بنفسي، وكان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة، ولم يكن يعوذهما بنفسه، فلو كان التعوذ بالمخلوق جائزًا لكان من أفضل الأعمال والقربات أن يعوذ النبي ﷺ أصحابه بنفسه؛ لأنه أشرف مخلوق، فلما لم يكن ذلك منه دل على حرمة التعوذ بالمخلوقات جميعًا وإن عظمت كالسماء والأرض والجبال والأنبياء والملائكة وغير ذلك، كما أن التعوذ بالقرآن تعوذ بغير مخلوق؛ وذلك لأننا نفينا مشروعية التعوذ بالمخلوقين، وثبت التعوذ بالقرآن الكريم إذًا: القرآن غير مخلوق.
هذا الذي يريد أن يذهب إليه الإمام.
[ ٦٥ / ١٦ ]
الكفارة المترتبة على من حنث في حلفه بكتاب الله دليل على أنه كلام الله
قال ابن بطة: [أوليس قد أوجب عبد الله بن مسعود ﵀ على من حلف بالقرآن بكل آية كفارة؟ فهل يجب على من حلف بمخلوق كفارة؟] إنما كفارته أن يقول: لا إله إلا الله، كما قال ﵊: (من حلف بغير الله فليقل: لا إله إلا الله).
فقد أوجب ابن مسعود على من حلف بكتاب الله ﷿ في كل آية كفارة؛ لأنه يمين مشروع، والكفارة تترتب على اليمين المشروع دون اليمين الممنوع، إذ إن اليمين الممنوع يحتاج إلى توبة، كما لو حلف إنسان بالكعبة أو بأبيه أو بتربة جده أو بـ الحسن أو البدوي فإنما يلزمه أن يتوب إلى الله ﷿؛ لأن هذا شرك، لكن لو أن إنسانًا حلف بالله فحنث فعليه الكفارة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فحينئذ الكفارة تترتب على اليمين المشروع دون اليمين الممنوع، فإن اليمين الممنوع يحتاج إلى توبة؛ ولذلك أوجب ابن مسعود على من حلف على كتاب الله ﷿ وحنث بكل آية كفارة، انظروا إلى خطورة الأمر، وفي هذا إثبات مشروعية الحلف بكتاب الله ﷿، لا على أنه كتاب، وإنما على أنه كلام الله، وأنه صفة من صفاته؛ لأن اليمين المشروعة تكون بالله وأسمائه وصفاته، فلك أن تحلف بقدرة الله وعزة الله وجلال الله وعظمة الله، وغير ذلك من سائر صفات الله ﷿ فهو يمين عظيم منعقد، ولكن من حلف بكتاب الله ﷿ فقد أوجب ابن مسعود عليه في وقت الحنث بكل آية كفارة إما أن يطعم (١٠) مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة، فإن لم يجد شيئًا من ذلك أطعم عن كل آية (١٠) مساكين.
عد كم آية في كتاب الله ﷿؟ (٦٢٣٦) إذًا: (٦٢٣٦) × (١٠) مساكين، فالحانث يحتاج إلى وزارة شئون اجتماعية كاملة تقف بجواره لأداء هذه الكفارات؛ وذلك لأنه حلف يمينًا منعقدة مشروعة على كتاب الله الذي هو كلام الله، والذي هو صفة من صفات الله ﷿، وهذه اليمين مشروعة، أما لو كان صادقًا فإنه لا كفارة عليه، ولا حنث عليه؛ لأنه صادق فيما حلف عليه.
قال: [عن عبد الله بن مرة عن أبي كنف عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رجلًا يحلف بسورة البقرة فقال: أما إن عليه بكل آية منها يمينًا].
يعني: قد حلف (٢٨٦) يمينًا؛ لأنه حلف بسورة البقرة فقط، وهي: (٢٨٦) آية، قال: عليه (٢٨٦) كفارة إذا كان حانثًا في هذا اليمين، وإذا لم يكن حانثًا فلا شيء عليه.
وقد أورده كذلك الإمام اللالكائي في كتاب أصول الاعتقاد من طريق حنظلة بن خويلد العنزي قال: أخذ عبد الله بن مسعود بيدي فلما أشرفنا على السدة -أي: وصلنا إلى الباب- إذ نظر إلى السوق فقال: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها.
وكان النبي ﷺ يسأل هذا السؤال إذا نزل قرية، قال: (اللهم إنا نسألك خير هذه القرية وخير ما فيها ومن فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها ومن فيها).
وكذلك قد ثبت في السنة: أن شر البقاع الأسواق، وخير البقاع المساجد.
قال ابن مسعود لما أشرف على باب السوق: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها، قال: فمر برجل يحلف بسورة من القرآن، فقال ابن مسعود: أما إن عليه بكل آية منها يمينًا.
قال: [عن الحسن -وهو من مراسيل الحسن - قال النبي ﷺ: (من حلف بسورة من القرآن فبكل آية منها يمين)]، ولا شك أن مراسيل الحسن ضعيفة، لكن عمل بمقتضى هذا النص سلف الأمة ومنهم عبد الله بن مسعود، ولم يعلم له مخالف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وروي كذلك عن مجاهد مرفوعًا كما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ثم قال البيهقي: هذا الحديث إنما روي من وجهين جميعًا مرسلًا: عن مجاهد وعن الحسن.
وروي عن ثابت بن الضحاك موصولًا مرفوعًا، لكن في إسناده ضعف، ثم ذكر حديث ابن مسعود السابق لهذا، ثم قال: فقول عبد الله بن مسعود ﵁ مع الحديث المرسل فيه دليل على أن الحلف بالقرآن يكون يمينًا في الجملة، ثم التغليظ في الكفارة متروك بالإجماع.
[عن إبراهيم وهو - النخعي - أنه كان يقول: من حلف بسورة من القرآن فبكل آية يمين].
وهذا قد سبق.
وقول إبراهيم قد رواه كذلك موقوفًا عن ابن مسعود: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع.
والحرف إما أنه بمعنى الآية من القرآن الكريم، أو بمعنى: طريقة النزول؛ لأن القرآن نزل على سبعة أحرف، فمن كفر بحرف منه فكأنما كفر بجميع الأحرف، أي: بالقرآن، وقد جاء من طرق متعددة مو
[ ٦٥ / ١٧ ]
إثبات أبي بكر ﵁ أن القرآن كلام الله
قال: [عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي -وكانت له صحبة- قال: (لما نزلت ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢] قالت قريش لـ أبي بكر ﵀: يا ابن أبي قحافة! لعل هذا من كلام صاحبك -أي: سورة الروم هذه لعلها من كلام محمد ﵊- قال: لا ولكنه كلام الله ﷿)] فلا زال الله تعالى متكلمًا.
[ ٦٥ / ١٨ ]
قول الإمام الشافعي في الحلف بأسماء الله والحلف بالمخلوقات
قال: [كتب لي أبو محمد بن أبي حاتم الرازي أجازني الرواية عنه، قال: حدثنا الربيع بن سليمان المصري في أول لقاء لقيه في المسجد الجامع، فسألته عن هذه الحكاية، وذلك أني كتبتها عن أبي بكر بن القاسم عنه قبل خروجي من مصر، فحدثني الربيع قال: سمعت الشافعي ﵀ يقول: من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة].
كما لو قلت: والعزيز والسميع والبصير، فمن حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، وأنتم تعلمون أن الكفارة لابد أن تكون في اليمين المشروع.
قال: [لأن اسم الله غير مخلوق].
وأسماء الله تعالى قد وردت في كتابه الكريم، والكتاب كله ليس مخلوقًا وكلام الله تعالى كله ليس مخلوقًا.
إذًا: الأسماء الواردة في القرآن الكريم لكونه كلام الله ليس مخلوقًا، وكذلك بقية الأسماء الواردة في السنة.
قال: [ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة؛ لأنه مخلوق وذاك غير مخلوق].
أي: أن أسماء الله غير مخلوقة، وما دون ذلك من الكعبة أو الصفا والمروة أو الأنبياء أو السماء أو الأرض أو الجبال أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها مخلوقة ولا كفارة فيها، وبالتالي يلزم الحالف بها أن يتوب إلى الله ﷿.
تعليقًا على كلام الشافعي ﵀: من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة -يعني: اسم الله غير مخلوق- ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة؛ لأنه مخلوق وذاك غير مخلوق.
قال: حكى الربيع عن الشافعي ﵁ أنه قال: من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، فإن قال: وحق الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله، يريد بها اليمين أو لا نية له فهو يمين، ثم ذكر باقي الكلام.
قال: ولا يجوز الحلف بغير الله تعالى لما ورد في الحديث: أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يحلف بغير الله -أي: بغير الله وأسمائه وصفاته- فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
وهذا بلا شك كفر عملي، أو شرك عملي؛ لأنه لو كان كفرًا اعتقاديًا فهو مخرج من الملة، فأنتم تعلمون أن يمين المصريين بالنبي ﷺ عن بكرة أبيهم إلا من تعلم، سواء كانوا يقصدون به اليمين أو لا يقصدون، المهم أن يمينهم يسبقه الواو أو التاء أو الباء، وهذه أحرف القسم.
قال ابن عمر: سمعت النبي ﵊ يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
قال الترمذي: وفسر هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: (فقد كفر أو أشرك) على التغليظ، يعني: المراد بهذا النص ليس ظاهره وإنما هو التغليظ، والحجة في ذلك: حديث ابن عمر: أن النبي ﵊ يقول: (وأبي وأبي -كالمنكر على من قال ذلك- فقال: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) فمن الناس من يقول: ورحمة أبي، فيقال: ما دام قد حلف برحمة أبيه فهو صادق.
فإن قلت له: وإن حلف بالله؟ لقال: محتمل قد يكون صادقًا، وقد يكون كاذبًا، وإن قلت له: فإن حلف بتربة أبيه؟ لقال لك: هي أعز من رحمة أبيه، فلا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا في هذا اليمين.
وهذا هو شأن العراقيين، فالعراقي يحلف بالله فيكون كذابًا، وإن حلف بشرف صدام وكان كاذبًا فيه فمصيره الإعدام لا محالة، عجيب! كان لدينا صاحب عام (١٩٨٣) م في الأردن، أخذ سيارته وسافر إلى العراق، وجلس هناك فترة من الزمن، وجاء بدولارات معه، وكان يمنع خروج الدولارات في تلك الأيام من العراق، فجاء صاحبنا بحبل من الحبال المغلفة بالبلاستيك، ووضع مكان السلسلة دولارات، فكانت الدولارات داخل الغلاف البلاستيك غير ظاهرة؛ لأن الغلاف سميك، فخرج من العراق بسيارته، فأخبر عنه من أخبر أنه قد خرج بالدولارات -طبعًا هذه جريمة لا تغتفر- فتبعه أربعة من الضباط الكبار، فأدركوه على الطريق، فقالوا: معك دولارات؟ قال لهم: لا.
ليس معي دولارات.
قالوا: جنب السيارة.
فجنب السيارة على اليمين، وأخذوا يفتشون السيارة شمالًا ويمينًا، إلى أن فكوا العجلات وما وجدوا شيئًا، ونزعوا الكراسي وقطعوها قطعًا فما وجدوا شيئًا، فلما فتحوا شنطة السيارة أخذوا هذا الحبل ورموه على الأرض، واستمر التفتفيش ثلاث ساعات أو أربع ساعات وما وجدوا شيئًا.
قالوا: أمعك دولارات؟ قال لهم: لا.
قالوا: أتحلف بشرف صدام أنه ليس معك دولارات.
قال لهم: إذا حلفت بشرف صدام أنه ليس معي دولارات؟ قالوا: إذا حلفت بشرف صدام سنتركك.
فقال: وشرف صدام معي دولارات.
قالوا: أين؟ قال لهم: في الخرطوم الذي رميتموه على الأرض، فأخذوا الخرطوم ومزقوه حتى أخرجوا الدولارات كلها، ولم يجرءوا قط أن يمسوه بأدنى أذى؛ لأن الذي سيتو
[ ٦٥ / ١٩ ]
مس القرآن على طهارة دليل على أنه كلام الله
قال الشيخ ابن بطة: [ومما يحتج به على الجهمي الخبيث الملحد أن يقال له: هل تعلم شيئًا مخلوقًا لا يجوز أن يمسه إلا طاهر طهارةً تجوز له بها الصلاة؟ -أي: هل تعلم شيئًا مخلوقًا لا يجوز للمحدث مسه، ويصح بها الصلاة؟ - فلولا ما شرف الله به القرآن، وأنه كلامه وخرج منه لجاز أن يمسه الطاهر وغير الطاهر، ولكنه غير مخلوق، فمن ثم حظر الله تعالى أن يمس المصحف أو ما كان فيه مكتوب من القرآن إلا طاهر، فقال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]].
ولكن الإمام في الحقيقة يخالف جماهير العلماء الذين يقولون في هذه الآية: ﴿لا يَمَسُّهُ -أي: اللوح المحفوظ- إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] يعني: الملائكة، والإمام بهذا يخالف، وكأنه يجمع الأدلة من هنا وهناك لإثبات صحة ما يقول، ونحن نعتقد صحة ما قال وما يقول بدون التكلف الذي تكلفه في تأويل قول الله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩].
وفي حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر -وهو ابن عمرو بن حزم - قال: [(كتب رسول الله ﷺ لجدي -أي: أبي بكر بن عمرو بن حزم - إن القرآن كلام الله، فلا يمس القرآن إلا طاهر)]، وليس في الروايات: إن القرآن كلام الله وإنما النص الثابت في كتابه ﵊ لـ أبي بكر بن عمرو بن حزم: أنه قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر).
وهذا الكتاب قد روي بطرق متعددة، وفي كل طريق منها ضعف، فمنهم من يثبته من جهة الإسناد ومنهم من يرده، وإن كانت الأمة أجمعت على وجوب العمل بهذا الكتاب؛ لأنه من قبيل الوجادة، والوجادة نوع من أنواع صيغ التحمل الثمانية التي منها: التحديث، والسماع، والإجازة، والعرض، وكذلك منها الوجادة، وصورة الوجادة: أن يجد الراوي كتابًا مكتوبًا فيه شيء من العلم، بخط فلان يعرفه جيدًا، ويثبت أن هذا من حديثه، فحينئذ لا يقول: سمعت ولا حدثنا ولا أخبرنا، وإنما يقول: وجدت في كتاب فلان قال: كذا وكذا، وهذه الوجادات موجود منها شيء ليس باليسير في مسند الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الله بن الإمام: أنه وجد كتابًا في بيت أبيه.
وهو يعرف أنه لأبيه، فقال: وجدت في كتاب أبي أنه قال: حدثنا فلان، ثم يذكر الإسناد ويذكر المتن.
فقول الراوي: وجدت في كتاب فلان؛ هذا يعبر عنه العلماء بالوجادة، فكذلك الكتاب الذي أرسله النبي ﵊ لـ عمرو بن حزم كتاب وجده أبو بكر بن عمرو بن حزم، أو وجده موجهًا من النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم؛ فهو عند أهل العلم من باب الوجادة.
[عن نافع عن ابن عمر: أنه كان لا يأخذ المصحف إلا طاهرًا].
أي: لا يمس المصحف إلا وهو على طهارة.
وفي الصحيحين من حديثه أيضًا: أن النبي ﵊ قال: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) وفي رواية زيد فيها: (مخافة أن يناله العدو)، والمقصود بالعدو هنا: العدو المحارب لا العدو المسالم؛ لأن العدو منه من يكون محاربًا، ومنه من يكون مسالمًا، فالعدو الذي لا يقاتلني عدو مسالم، والعدو الذي رفع راية الحرب عدو محارب، وكذلك هناك عدو بيني وبينه عهد وأمان، وعدو ليس بيني وبينه عهد، فالأعداء كثيرون، ولكن لكل منهم حكمه، منهم من كان معاهدًا، أو بيني وبينه عهد وأمان، ومنهم من نقض العهد فصار حربيًا، فقول النبي ﷺ: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) إنما قصد العدو المحارب، وأنتم تعلمون أن نقض العهد يكون لأدنى شيء، وما وجد الكفار قط أحفظ ولا أرعى للعهود والمواثيق من المسلمين على مر التاريخ، ما نقض المسلمون عهدًا قط، وإنما الذي كان ينقض دائمًا هو العدو وخاصة إذا كان العدو يهوديًا، فإن اليهودي ما حفظ وما رعى عهدًا قط، فاليهود قوم غدر، وأظن أن غدرهم لا يخفى على أحد، حتى الساسة أنفسهم يعلمون بغدر اليهود بالليل والنهار؛ لأنهم إذا نقضوا العهد مع المسلمين فإنما ينقضون العهد مع الساسة المسلمين أولًا، فهم أعرف الناس في المسلمين بغدر اليهود وبحيلهم وألاعيبهم، فالساسة أعلم بهم منا، إذ نحن نعلم أنهم أهل غدر وخيانة من القرآن والسنة، ولكن غدرهم وخيانتهم في الواقع واقعة على السياسين بالدرجة الأولى.
فقوله: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو) أي: إذا خيف وقوع المصحف بأيديهم.
[عن نافع عن ابن عمر: (أن النبي ﵊ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو)]، وأنتم تعلمون أن العدو إذا نال المصحف أو استهزأ به أو سخر منه أو ضربه بقدمه أو بعصاه فقد انتقض العهد؛ لأنه لا يحت
[ ٦٥ / ٢٠ ]
تنزيه القرآن من قراءته في الأماكن المستقذرة دليل على أنه كلام الله
قال ابن بطة: [ولأجل أنه كلام الله وخرج منه أمر القارئ بتنزيهه والإمساك عن قراءته عند الروائح المنتنة، وفي الأماكن المستقذرة].
[فعن ذر -وقيل: ذر بن صهيب: قال: سألت عطاءً: أقرأ فتخرج مني الريح؟ قال: أمسك عن القراءة حتى تذهب].
أي: أمسك عن القراءة حتى تذهب عنك الريح أو تخرج من الأماكن المستقذرة.
و[عن عبد العزيز بن أبي رواد عن مجاهد: أنه كان إذا صلى فوجد ريحًا أمسك عن القراءة].
قال ابن بطة: [فهذا ومثله كثير مما أمرنا به من إعظام القرآن وإجلاله، وتنزيهه وإكرامه لفضله على سائر الكلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩].
وقال ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٦٥ / ٢١ ]
الأسئلة
[ ٦٥ / ٢٢ ]
حكم الحلف بالتوراة والإنجيل
السؤال
هل يجوز الحلف بالتوراة والإنجيل على أنهما كلام الله قياسًا على الحلف بالقرآن الكريم؟ وكيف يكون ذلك؟
الجواب
ما سمعنا أن أحدًا من أهل العلم قال ذلك قط ولا أجازه، وإنما التوراة والإنجيل كتابان محرفان، حرفهما اليهود والنصارى؛ ولذلك لا يجوز الحلف بهما قط، وإن كان الأصل أنهما من كلام الله ﷿، لكن بعد أن دخلهما التحريف فلا يجوز الحلف بهما، والقرآن الكريم ناسخ لهذين الكتابين، فلا يجوز الحلف بهما أبدًا.
[ ٦٥ / ٢٣ ]
حمل كلام ابن مسعود في كفارة الحلف بكل آية من كتاب الله على التغليظ
السؤال
ما معنى قول البيهقي: (ثم التغليظ بالكفارة متروك بالإجماع) عند كلامه على أثر ابن مسعود؟
الجواب
كلام الإمام البيهقي على قول ابن مسعود: من حلف بكتاب الله ﷿ فعليه بكل آية كفارة؛ لأن الكفارة لا تكون إلا في اليمين المشروع.
قال: (انعقد إجماع أهل العلم على جواز الحلف بكلام الله ﷿ على أنه صفة من صفاته، وقد ترك العلماء الكفارة وحملوها على التغليظ).
يعني: لا يلزم الحالف بكتاب الله حين الحلف أن يكفر عن كل آية كفارة، وإنما يكفر كفارة واحدة، فحمل كلام ابن مسعود على التغليظ والوعيد الشديد للاحتياط في الحلف بكلام الله ﷿ كذبًا، وليس المقصود منه الظاهر، وإنما المقصود منه: التغليظ.
[ ٦٥ / ٢٤ ]
الحكم على حديث: (يدخل الجنة سبعون ألفًا من أمتي) وبيان معناه
السؤال
يقول الرسول ﵊ (يدخل الجنة سبعون ألفًا من أمتي بغير حساب ولا سابقة عذاب -وذكر من أوصافهم أنهم- لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)، فهل هذا الحديث صحيح؟
الجواب
نعم.
الحديث في الصحيحين، ومعنى هذا الحديث: أن هؤلاء السبعين يدخلون بغير حساب ولا سابقة عذاب، وأوصافهم: أنهم لا يكتوون، والكي مشروع، لكنه آخر الدواء.
قال رسول الله ﷺ: (ثلاث فيهن الشفاء: شرطة بمحجم -وهي الحجامة- أو شربة عسل - ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]- أو كية بنار).
وقال: (آخر الدواء الكي) قيل: هو حديث، والحقيقة أنه ما روي من طريق إلا وفيه ضعف، فمنهم من قال: ليس بحديث أصلًا، ومنهم من ضعفه، وبعض المتساهلين قد أثبته حديثًا للنبي ﵊.
والنبي ﷺ أخبرنا أن من أوصاف هؤلاء السبعين الذين يدخلون الجنة ومع كل واحد سبعون ألفًا قال: (هم الذين لا يكتوون) أي: لا يكتوون لأول وهلة، أو أنهم يدعون الكي توكلًا على الله ﷿، وأملًا في الشفاء من عنده؛ حتى يدركهم الموت بغير كي، فجمعوا بين ترك التداوي والتوكل على الله ﷿، ولا شك أن هذه درجة عظيمة، والتداوي مشروع وجائز؛ ولذلك قال ابن القيم: ما كنا نتداوى إلا إذا مر على الداء ثلاثة أيام، وكنا نسترقي بفاتحة الكتاب وغيرها، فوالله لقد وجدنا أنها نافعة في الرقية.
ذكر هذا الكلام في بداية كتاب الداء والدواء، كما أنه ذكره في كتاب زاد المعاد، في الجزء الثالث: الطب النبوي.
قال: (هم الذين لا يسترقون ولا يرقون)، وقوله: (ولا يرقون) رواية شاذة؛ وذلك لأن النبي ﵊ رقى، كان يرقي الحسين ويعوذ الحسن والحسين بالمعوذتين.
أما قوله: (هم الذين لا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية، لكن هذا لا يمنع أن تقع عليهم الرقية بغير طلب، فالذي يطلب الرقية يسترقي؛ لأن الألف والسين والتاء للطلب، فاسترقى فلان أي: طلب الرقية، فكونه استرقى خرج من السبعين ألفًا، وبعض الناس يفهم من هذا الكلام أنه لو استرقى دخل فيهم، وهذا خطأ، إنما المفهوم أنه خرج من الفئة التي تدخل الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
إذًا: النص الصحيح: (يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب.
قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون).
أما الرواية القائلة: (هم الذين لا يرقون) فهي رواية شاذة، والصحيح أنهم: (الذين لا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم.
[ ٦٥ / ٢٥ ]
التوسل المشروع
السؤال
ما هو التوسل المشروع؟
الجواب
التوسل المشروع يكون بأسماء الله تعالى وصفاته، وكذلك التوسل بالعمل الصالح، والدليل على ذلك: حديث أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة.
وكذلك يشرع التوسل بدعاء الصالحين الأحياء والدليل على ذلك: حديث عمر عندما استسقى بدعاء العباس عم النبي ﵊.
قال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بدعاء نبيك وقد مات نبيك والآن نستسقي بدعاء عم نبيك العباس.
إذًا: الاستسقاء والتوسل بدعاء الصالحين من الأحياء من التوسل المشروع، وما دون ذلك من التوسل الممنوع.
[ ٦٥ / ٢٦ ]
نسبة الأشاعرة إلى أهل السنة والجماعة أم إلى أهل القبلة
السؤال
أريد أن أعرف بكل دقة: ما حكم أصحاب العقيدة الأشعرية؟ وهل هم من الفرق الضالة التي في النار التي ذكرها الرسول ﵊ أم لا؟ وهل يصح القول بأنهم فاسدو العقيدة أم لا؟
الجواب
بلا شك أن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة والجماعة، وكوننا ننفي عنهم ذلك لا يلزم منه الحكم بتكفيرهم، لكن إذا قلنا: فلان ليس من أهل السنة لا يمنع أن يكون من أهل القبلة، فالأشاعرة من أهل القبلة مسلمون، ولكنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة.
[ ٦٥ / ٢٧ ]
حكم الاتكاء على اليد اليسرى في الجلوس
السؤال
هل نهى الرسول ﵊ عن الاتكاء على اليد اليسرى في الجلوس؛ لأنها جلسة أهل النار؟
الجواب
نعم نهى عن الاتكاء على اليد اليسرى، والحديث ثابت عند أبي داود، وقال: (إنما هي جلسة أهل النار).
والحديث الذي عند أبي داود فيه النهي عن الاتكاء على اليدين: اليد اليسرى واليد اليمنى، ومن باب أولى أن يكون النهي شاملًا لليد الواحدة، فهذا النهي ثابت والحديث فيه صحيح، وهي جلسة أهل النار، وفي رواية: (أنها جلسة الشيطان).
[ ٦٥ / ٢٨ ]
النهي عن تسريح الشعر كل يوم
السؤال
هل نهى النبي عن تسريح الشعر والاغتسال في كل يوم.
وما صحة ذلك؟
الجواب
نعم.
نهى النبي ﷺ عن الترجل إلا غبًا، أي: نهى عن تسريح الشعر ودهنه إلا غبًا، والغب: هو اليوم بعد اليوم أو الأيام بعد الأيام، كما قال النبي ﵊: (زر غبًا تزدد حبًا) يعني: عندما تحب أن تزور شخصًا لا ينبغي لك أن تزوره كل يوم من باب المحبة في الله إلى أن يكرهك في الله.
والمقصود: أن تزوره كل فترة من الزمن إذا تطلب الأمر ذلك، لا أن تقلقه في عائلته، كل وقت تطرق عليه الباب إلى أن تؤثمه، فالنبي ﵊ يقول: (الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد عن ذلك فهو صدقة).
وكان عبد الله بن عمر إذا زار أحدًا أخذ مولاه نافعًا معه، فكان إذا انتهت الثلاثة أيام قال: يا نافع! أخرج طعامنا من الكيس.
لأنه انتهى حقهم في الضيافة.
ولذلك قال النبي ﵊: (ولا يحل لأحدكم أن يؤثم أخاه)، يعني: بعد الثلاثة أيام ترحل بنفسك، ولا توقع أخاك في الإثم بكراهة وجودك، أو بتقديم الطعام لك على غير نية صالحة، أو بأنك ثقيل على قلبه، أو توقعه في بغضك، ولا شك أن المسلم لا يتصف بهذا كله إلا لعلة وضرورة، فلا تكن أنت السبب في إيقاع أخيك في هذا الإثم، فقوله: (ولا يحل لأحد أن يؤثم أخاه) أي: يوقعه في الإثم بسبب المكث عنده أكثر من ثلاثة أيام، لكن هل هذا الحديث في البادية أم في المدينة؟ اختلف أهل العلم، والذي يغلب على ظني أن هذا في البادية؛ لأن البادية لا يتمكن المرء من مكان يقيم فيه، ولا من مطعم يطعم فيه، لكن في المدينة هناك المطاعم والفنادق وغير ذلك، فبإمكانك أن تنزل فيها.
كما أن في القاهرة والمدن الكبيرة هذه العادات مسألة في غاية العسر، خاصة إذا كان الضيف صعيديًا؛ لأن هذه أعراف، والحقيقة الإخوة الصعايدة المقيمون في القاهرة في غاية العنف والمشقة من هذا الأمر، إذ يأتيه أخوه من خارج البلد فيمكث عنده شهرًا كاملًا.
وعندما يذهب للعمل يأخذ أخاه معه، فلو أنه أخذ أخاه ثلاثة أيام أو أربعة أيام معه في العمل فإن أصحاب العمل سيتحرجون جدًا، فلا يقدمون طعامًا ولا شرابًا، فيصبح قاعدًا على الكرسي، وهكذا يثقل على أخيه؛ فلذلك ينبغي أن يكون حريصًا على خفته، فلا يجلس شهرًا بلا هدف ومن غير مصلحة، إن جاء للزيارة مكث شهرًا، وإن جاء لمصلحة مكث السنة كلها، وأخوه ماذا يفعل؟ هل يتركه مع امرأته في البيت؟ إذًا تقع المحاذير والانتهاكات الشرعية، وانتهاك الحرمات وغير ذلك، وإن قلت له: تعال معي العمل قال: هذا لا يأمنني، بل يعتبرني خائنًا! فنقول: أفضل شيء هو تطبيق الشرع حتى وإن وجد في نفسه وغضب، فهذا دين الله ﷾، فلابد أن يقول المضيف: أكرمتك ثلاثة أيام وقدمت فروض الطاعة لك، وقد انتهت الثلاثة أيام.
والأنكى من ذلك أن الأسرة في البلد تتفق مع أسرة أخرى أو مع بعضها البعض أن كل ثلاثة أيام يزورون شخصًا! وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٦٥ / ٢٩ ]