لقد كان الصحابة ﵃ يشنعون على المكذبين بالقدر، وينكرون عليهم أشد الإنكار، ويتبرءون من معتقدهم، ويحاجونهم بكتاب الله وسنة رسوله، ويحذرون الناس من مجالستهم والاستماع إليهم.
[ ٥٦ / ١ ]
تابع ما روي عن الصحابة فيما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من التشنيع على المكذبين بالقدر
[ ٥٦ / ٢ ]
إثبات علي بن أبي طالب للقدر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: فإن أفضل الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب العاشر: ما روي عن الصحابة ﵃ فيما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﵊ من التشنيع على المكذبين بالقدر].
وقد روينا فيه عن أبي بكر الصديق، وعن عمر ﵄ وغيرهما، وأما اليوم فنذكر الكلام الثابت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعن غيره من الصحابة والتابعين.
[قال يعلى بن مرة: إن أصحاب علي قالوا: إن هذا الرجل في حرب، وإلى جنب عدو، وإنا لا نأمن أن يغتال، فلو حرسه منا كل ليلة عشرة، قال: وكان علي إذا صلى العشاء لزق بالقبلة، فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم انصرف إلى أهله، فصلى ذات ليلة ثم انصرف، فأتى عليهم -يعني: ذهب إلى أصحابه الذين اجتمعوا- فقال: ما يجلسكم هذه الساعة؟ قالوا: جلسنا نتحدث، قال: لتخبرونني! فأخبروه -أي: أخبروه الخبر أنهم قد اتفقوا أن يحرسه في كل ليلة منهم عشرة؛ مخافة أن يغتال- فقال: من أهل السماء تحرسوني أو من أهل الأرض؟ قالوا: نحن أهون على الله من أن نحرسك من أهل السماء، بل نحن نحرسك من أهل الأرض.
قال: فلا تفعلوا، إنه إذا قضي أمر من السماء عمله أهل الأرض، وإن علي من الله جنة -أي: وقاية- حصينة إلى يومي هذا ثم تذهب، وإنه لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يستيقن غير ظان -أي: شاك- أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه].
وهذا ربما يشير ظاهره إلى عدم الأخذ بالأسباب، والنبي ﵊ قد اتخذ لنفسه الحراس والخدم والعبيد والموالي، وغير ذلك، فإذا كان الاغتيال بقدر الله؛ فكذلك الحراسة من قدر الله ﷿، ولكن الإمام علي ﵁ أراد أن يعلمهم درسًا عظيمًا جدًا في التوكل على الله تعالى، والإيمان بما قدره الله تعالى.
وقال -أي علي بن أبي طالب -: [ما آدمي إلا ومعه ملك يقيه ما لم يقدَّر عليه، فإن جاء القدر خلاه وإياه] أي: تركه حتى ينفذ فيه القدر.
[وعن أبي البحتري: أن عليًا كان يقول: إياكم والاستنان بالرجال -أي: إياكم أن تستنوا بآراء الرجال، فإنما ذلك بالكتاب والسنة، من كان مستمسكًا فليستمسك بالكتاب والسنة- فإن كنتم مستنين لا محالة فعليكم بالأموات] أي: عليكم برأي من مات، فإن الحي يقول الرأي اليوم ويرجع عنه غدًا، وإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أما الميت فقد نجا من الفتنة وانقطعت عنه بموته.
قال: [لأن الرجل قد يعمل الزمن من عمره بالعمل الذي لو مات عليه دخل الجنة، فإن كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار فمات؛ فدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن من عمره بعمل أهل النار، فإذا كان قبل موته بعام تحول فعمل بعمل أهل الجنة فمات؛ فدخل الجنة].
وهنا لا يلزم أن نذكر كل ما ورد في ترجمة الإمام، وفي كلامه عن القدر، بل نجتزئ بالبعض دون البعض الآخر.
[وعن علي بن أبي طالب أنه ذكر عنده القدر يومًا فأدخل أصبعيه في فيه السبابة والوسطى -أي: لما ذكر عنده القدر ذات يوم أدخل السبابة والوسطى في فمه وبلهما بريقه- فأخذ بهما من ريقه فرقم بها في ذراعيه -أي: طبع بهما على ذراعيه- ثم قال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب].
يعني: أن كل شيء إلى قيام الساعة مكتوب عند الله تعالى في أم الكتاب، وفي اللوح المحفوظ.
[وعن عمر بن سلام عن إسحاق بن الحارث من بني هاشم وذكر عنده القدرية، فقال الهاشمي: أعظك بما وعظ به علي بن أبي طالب ﵁ صاحبًا له، فقال: إنه قد بلغني أنك تقول بقول أهل القدر، قال: إنما أقول: إني أقدر على أن أصلي وأصوم وأحج وأعتمر.
قال علي: أرأيت الذي تقدر عليه -أي: هذا الذي ذكرت من الصلاة والصيام والزكاة والحج- أشيء تملكه مع الله، أم شيء تملكه من دون الله؟ -يعني: هل تستطيع أن تعمل ذلك مع الله تعالى، أو بدون الله تعالى؟ - قال: فارتج الرجل، فقال علي ﵁: مالك لا تتكلم؟ أما لئن زعمت أن ذلك شيء تملكه مع الله ﷿؛ فقد جعلت مع الله مالكًا وشريكًا، ولئن كان شيئًا تملكه من دون الله؛ لقد جعلت من دون الله مالكًا، قال الرجل: قد كان هذا من رأيي، وأنا أتوب إلى الله ﷿ منه توبة نصوحًا لا أرجع إليه أبدًا].
يعني: هو في الحالين مشرك، ورأيه يوافق رأي المجوس.
[وعن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده قال: أتى رجل علي بن أبي طالب ﵁ فقال: أخبرني عن القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، قال: أخبرني عن القدر، قال: بحر عميق فلا تلجه، قال: أخبرني عن القدر، قال: س
[ ٥٦ / ٣ ]
ما قاله عبد الله بن سلام في إثبات القدر
قال: [عن عبد الله بن سلام قال: خلق الله ﷿ الأرض يوم الأحد والإثنين، وقدر فيها أقواتها، وجعل فيها رواسي -أي: جبالًا- من فوقها في يوم الثلاثاء، والأربعاء، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها يوم الخميس والجمعة، وأوحى في كل سماء أمرها، وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة، ثم تركه أربعين ينظر إليه ويقول: تبارك الله أحسن الخالقين، ثم نفخ فيه من روحه، فلما دخل في بعضه الروح ذهب ليجلس -أي: تعجل آدم الجلوس.
قال الله ﷿: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]- فلما تبالغ فيه الروح -أي: اشتد أمر الروح فيه- عطس؛ فقال الله ﷿ له: قل: الحمد الله، فقال: الحمد لله، قال الله له: رحمك ربك! ثم قال: اذهب إلى أهل ذاك المجلس من الملائكة فسلم عليهم، ففعل، فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك، ثم مسح ظهره بيديه فأخرج فيهما من هو خالق من ذريته إلى أن تقوم الساعة، ثم قبض يديه ثم قال: اختر يا آدم، قال: اخترت يمينك يا رب، وكلتا يديك يمين، فبسطها وإذا فيها ذريته من أهل الجنة، فقال: ما هؤلاء يا رب؟ قال: هو ما قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة، فإذا فيهم من له وبيص -أي: لمعان وضياء- قال: ما هؤلاء يا رب؟ قال: هم الأنبياء، قال: فمن هذا الذي له فضل وبيص؟ -أي: نور ساطع- قال: هذا ابنك داود، قال: فكم جعلت عمره؟ قال: ستين، قال: فكم عمري؟ قال: ألف سنة، قال: فزده يا رب من عمري أربعين سنة -أي: أعطه من عمري أربعين سنة، فيكون عمر آدم ألف سنة إلا أربعين، ويكون عمر داود مائة عام- قال: إن شئت، قال: يا رب! قد شئت -وفي هذا إثبات أن للعبد مشيئة- قال: إذًا يكتب ثم يختم ثم لا يبدل].
يعني: كأن الله تعالى يقول: انظر يا آدم ما تقول! فإننا لو أخذنا منك الأربعين فوضعناها في عمر ابنك داود؛ فهذا القول لا يبدل، وسيكتب في اللوح المحفوظ ولا رجعة فيه.
قال: [ثم رأى في آخر كف الرحمن آخر له فضل وبيص، قال: فمن هذا يا رب؟ قال: هذا محمد، هو آخرهم وأولهم أدخله الجنة.
فلما أتاه ملك الموت ليقبض نفسه -أي: أتى آدم- قال: إنه قد بقي من عمري أربعون سنة، قال: أولم تكن وهبتها لابنك داود؟! قال: لا، قال: فنسي آدم فنسيت ذريته، وعصى آدم فعصت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته، فذلك أول يوم أمر بالشهداء] أي: أول يوم استدعى الله تعالى فيه الشهود على آدم.
هذا الحديث وإن كان موقوفًا على عبد الله بن سلام؛ فإن له في صحيح مسلم شواهد كثيرة.
[ ٥٦ / ٤ ]
موقف ابن مسعود وابن عمر ممن كذب بالقدر
قال: [وعن ابن مسعود قال: ما كان كفر بعد نبوة قط إلا كان مفتاحه التكذيب بالقدر.
وعنه قال: لئن أعض على جمرة حتى تبرد أحب إلي من أن أقول لشيء قد قضاه الله: ليته لم يكن.
وعن أبي حازم قال: ذكر عند ابن عمر قوم يكذبون بالقدر، فقال: لا تجالسوهم، ولا تسلموا عليهم، ولا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تشهدوا جنائزهم، وأخبروهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء، وهم مجوس هذه الأمة.
وعن يحيى بن يعمر قال: قلت لـ ابن عمر: إن عندنا رجالًا بالعراق يقولون: إن شاءوا عملوا، وإن شاءوا لم يعملوا -يعني: أرجعوا الأمر كله إلى مشيئتهم دون مشيئة الله تعالى- وإن شاءوا دخلوا الجنة، وإن شاءوا دخلوا النار -يعني: حتى دخول الجنة والنار بمشيئتهم- وإن شاءوا وإن شاءوا وذكر أشياء أخرى، فقال: إني منهم بريء وإنهم مني براء.
وقال رجل لـ عبد الله بن عمر: إن ناسًا من أهل العراق يكذبون بالقدر، ويزعمون أن الله ﷿ لا يقدر الشر، قال: فبلغهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء، وأنهم منه براء، والله لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره] أي: أن الخير والشر من عند الله ﷿.
[ ٥٦ / ٥ ]
موقف ابن عباس ممن يتكلم في القدر
قال: [وعن أبي الزبير قال: كنا نطوف مع طاوس -أي: طاوس بن كيسان اليماني - فمررنا بـ معبد الجهني -وهو زعيم القدرية- فقيل لـ طاوس: هذا معبد الذي يقول في القدر -أي: الذي ينكر القدر- فقال له طاوس: أنت الكاذب على الله ﷿ بما لا تعلم؟ قال: فقال: يكذب علي! -أي: هم يفترون علي، فهذا الذي وصلك وبلغك عني كذب وافتراء- فدخلنا على ابن عباس فقال له طاوس: يا أبا عباس! الذين يقولون في القدر -يعني: هنا أناس قاعدون في هذا المجلس يتكلمون في القدر- قال ابن عباس: أروني بعضهم، قال طاوس: صانع ماذا؟ -يعني: لو أريناكهم ماذا ستصنع بهم؟ - قال: أدخل يدي في رأسه ثم أدق عنقه].
وابن عباس كان كفيفًا في كبره.
[وعن مجاهد قال: ذكر القدرية عند ابن عباس، فقال: لو أريت أحدًا منهم عضضت أنفه].
أي: عضضت أنفه حتى أقطعه.
[وذكروا عند ابن عمر فقال: من لقيهم منكم فليبلغهم أني منهم برئ، وأنهم مني براء].
يعني: ليسوا منا ولسنا منهم؛ لأنهم مجوس وليسوا مسلمين، فالذي يقول: إن الله لم يقدر الشر، وما علمه إلا بعد أن وقع، وأن هذا لم يكن مكتوبًا في اللوح المحفوظ؛ فهو كافر وخارج عن ملة الإسلام، وهذا ظاهر كلام عبد الله بن عمر في الحديث الطويل؛ حديث جبريل ﵇ عند الإمام مسلم، وقال النووي: ظاهر كلام عبد الله بن عمر أنه يكفر القدرية.
[وعن ابن عباس قال: الإيمان بالقدر نظام التوحيد -يعني: أصل التوحيد- فمن وحد الله وكذب بالقدر؛ كان تكذيبه بالقدر نقضًا للتوحيد -يعني: لم يكن موحدًا، بل كان مشركًا مجوسيًا، وقد شابه المجوس في جعلهم للكون إلهين: إلهًا للخير، وإلهًا للشر- ومن صدق بالقدر كانت العروة الوثقى التي لا انفصام لها].
قوله: (ومن صدق بالقدر) أي: من آمن به، وأن كل شيء بقدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وأن الله تعالى قدر الخير وأراده وشاءه، وأمر به وأحبه وأحب أهله، وقدر الشر، وأذن في وجوده وخلقه ولم يرضه، بل توعد فاعله بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة.
[وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]-يعني: الله يمنع العبد من أن يأتي خيرًا أو شرًا- قال: يحول بين المؤمن وبين المعاصي، وبين الكافر وبين الإيمان].
فالله تعالى يحول بين المؤمن وأن يقع في المعصية، ويحول بين الكافر وأن يؤمن بالله تعالى.
[وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]، قال: أضله على علم قد علمه عنده].
أي: أضله الله تعالى على علم منه بأن عبده هذا سيكون عبدًا ضالًا.
[وجاء عبد الله بن عباس في ثلاثة نفر يتماشون، فقالوا: هيه يا ابن عباس! حدثنا عن القدر، قال: فأدرج كم قميصه حتى بدا منكبه] يعني: كأنه يقول: تريدون أن نتكلم عن القدر؟ ثم شمر عن ذراعيه إلى حد المنكب، وهذه حركة ظريفة جدًا من ابن عباس مع أنه كفيف، فأبدى الاستعداد لمحاربة أهل البدع.
[ثم قال: لعلكم تتكلمون في القدر؟ قالوا: لا، قال: والذي نفسي بيده! لو علمت أنكم تتكلمون فيه لضربتكم بسيفي هذا ما استمسك في يدي] يعني: سأضربكم بسيفي إلا أن تغلبوني فتأخذونه مني.
[وعن طاوس قال: كنا جلوسًا عند ابن عباس وعنده رجل من أهل القدر، فقلت: يا أبا عباس! كيف تقول فيمن يقول: لا قدر؟ -يعني: ليس هناك شيء اسمه قدر، وأن الله ما قدر شيئًا، بل ما علم شيئًا إلا بعد وقوعه- قال: أفي القوم أحد منهم؟ قلت: ولم؟ -يعني: لماذا تسأل؟ - قال: آخذ برأسه، ثم أقرأ عليه آية كيت وآية كيت -أي: الآيات المثبتة للقدر- حتى قرأ آيات من القرآن؛ حتى تمنيت أن يكون كل من تكلم في القدر قد شهده، فكان فيما قرأ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤]].
وهذا الذي تمر به الأمة اليوم هو العلو الثاني والأخير لبني إسرائيل، فلا علو بعد هذا العلو أبدًا، وآية ذلك أن العلو الثاني علامته وأمارته أن جاء الله تعالى بهم لفيفًا -أي: جماعات وأفواجًا من الأرض كلها- حتى نزلوا أرض فلسطين؛ ليتم وعد الله الأخير في هلاك بني إسرائيل، وفي هلاك دولة اليهود.
فالله تعالى لما قال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ
[ ٥٦ / ٦ ]
أقسام الإرادة والمشيئة
وفي الآية الثانية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، ولم يقل: كأنما يصعد، وإنما أتى بصيغة مبالغة: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
فهذه الآية أثبتت قدر الخير وقدر الشر، وأثبتت المشيئة الشرعية الدينية والمشيئة الكونية القدرية، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، هذه إرادة شرعية دينية، ومبناها على المحبة والرضا.
فقوله: ﴿أَنْ يَهدِيَهُ﴾ [الأنعام:١٢٥]، هذه هداية.
وقوله: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] يعني: يقبل الإسلام فيكون مسلمًا، والإسلام محبَّب إلى الله تعالى، وقد أمر الله به، وألزم العباد به، وإرادته الإسلام للعبد مبناها على المحبة والرضا، إذًا: فهذه مشيئة شرعية وإرادة شرعية.
والإرادة الثانية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٥]، والضلال لا يحبه الله، والذي خلق الضلال هو الله! لأنه لا خالق إلا الله.
﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ﴾ [الأنعام:١٢٥] فهو الذي يجعل، ﴿صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] يعني: روحه تصعد، أي: ومن أراد الله تعالى له الضلال أضله حتى جعل صدره ضيقًا حرجًا، كأنما يصعد في السماء.
إذًا: الذي أراد الهداية هو الله، والذي أراد الضلال هو الله، والذي خلق الهداية والضلال هو الله.
والله تعالى أذن في وجود الضلال وفي خلق الضلال، ولكن الله تعالى حذر منه، وتوعد عليه بالنار والعذاب والعقاب، وهذا الضلال مبغض إلى الله، والله تعالى يمقته ويغضب عليه ويسخط منه، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب؛ لأجل أن يهرب الخلق من الضلالة إلى الهداية.
والله تعالى بعلمه الأزلي علم أن بعض العباد مع إنزال الكتب وإرسال الرسل لا يَقبلون الإسلام، وإنما يُقبلون على الضلال، فخلقه لهم، أي: أذن في وقوع الضلال لهؤلاء؛ لأن الله تعالى بعلمه الأزلي السابق علم أنهم لا يقبلون هداية الإسلام، وإنما يَقبَلون ويُقبِلون على الضلال؛ فخلق الله بعلمه الأزلي السابق الضلال، وخلق كذلك بعلمه الأزلي السابق الهدى، وكل ميسر لما خلق له.
[ ٥٦ / ٧ ]
عدم جواز الاحتجاج بالقدر على المعاصي
[وعن ابن عباس قال: الزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والسرقة بقدر].
وهذا يدل على أن جميع المعاصي بقدر، ولا يعني أن هذه المذكورات فقط بقدر وما دونها ليس كذلك، بل هذه المذكورات على سبيل المثال في المعاصي، فكذلك سائر المعاصي كلها بقدر، أي: أن الله تعالى علمها، وعلم أن العبد الفلاني سيشرب الخمر ويزني ويسرق ويقتل ويأكل الخنزير، ويخالف بذلك آيات التنزيل؛ فكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فكتب ما علم ﷾، وهذا لا يعني أن الله تعالى يحب الزنا أو شرب الخمر.
كما أنه لا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على المعاصي، ويقول: كتب الله تعالى علي الزنا فزنيت، وكتب السرقة فسرقت، وكتب شرب الخمر فشربت؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعايب، وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، فلان مرض عنده حمى عمل عملية جراحية، لأن الله تعالى قدر عليه ذلك؛ فيجوز لك أن تحتج بالقدر على المصائب.
أما إنسان يزني أو يسرق أو يقتل، فإذا سئل: لم فعلت هذا؟ يقول: أليس هذا مقدرًا؟ طرح هذا السؤال بهذا النحو في هذا الموطن ليس من دين الإسلام ألبتة، وإلا لبطل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وهدمنا الدين كله؛ ولذلك أهل العلم يقولون: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر، وأن كل شيء بقدر، لكن لا يجوز الاحتجاج به قط على وقوع المعصية، اللهم إلا أن يتوب منها، فيوقن حينئذ أنه بعد التوبة لم يكن قد ارتكب ما ارتكبه إلا بقدر، والتوبة تستجلب الحد، يعني: إذا أقيم عليه الحد فهو كفارته، وإلا فإن كان هناك عجز عن قيام الحد -كما هو حال أمة الإسلام اليوم- فلا أقل من أن يتوب توبة نصوحًا بينه وبين ربه؛ فحينئذ يتوب الله تعالى عليه.
[قال ابن عباس: ما في الأرض قوم أبغض إلي من قوم من القدرية؛ يأتونني يخاصمونني -يعني: يجادلونني وينازعوني- وذاك أنهم أحسب لا يعلمون قدرة الله ﷿] يعني: أنا على يقين أن هؤلاء لا يعلمون أن الله على كل شيء قدير، ويشكون في قدرة الله.
[ ٥٦ / ٨ ]
معنى قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)
قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، هذه الآية تشير إلى أفعال الله تعالى: إدخال الله تعالى لبعض خلقه الجنة، وللبعض الآخر النار، فهذا من أفعال الله، فهو قادر على ذلك، ولو أن الله تعالى أدخل الطائعين النار، وأدخل العصاة الجنة لا يكون ظالمًا لأحد الطرفين، بل فعل ذلك لحكمة وعدل، لأن اليقين أن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة، وأن الله تعالى منزه عن جميع صفات النقص، متصف بجميع صفات الكمال، ولما كان الأمر كذلك؛ جل ربنا ﵎ أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل المؤمنين النار، فجعل الجنة لأهل الإيمان والتوحيد، وجعل النار لأهل الكفران والإلحاد والعصيان.
وهذا من تمام وكمال عدل الله ﷿ في أهل النار، ومن كمال وتمام فضل الله ﷿ على أهل الجنة، وإلا فلو عمل العاملون بطاعة الله ﵎ منذ أن خلقوا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا يستحقون بذلك الجنة، ولكنها فضل الله ﷿؛ ولذلك قال ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]: السر هو ما أسره الإنسان في نفسه، ولم يطلع أحدًا عليه؛ فهذا يسمى: سرًا، والله تعالى هو الذي يعلمه، وهناك من الأمور في حياتي ما لا أعلمها أنا، وما فكرت فيها أصلًا، والذي يعلم أني غدًا سأفكر في كيت وكيت هو الله.
فهذا خفي علي من أمري ومصالحي وحياتي، وأنا ما فكرت فيها، ولا أعلم منها شيئًا، وقد علم الله أني سأفعل كذا غدًا وبعد غد حتى آخر لحظة في حياتي، فعلم الله تعالى وسجل حياتي قولًا وعملًا حركة وسكونًا، وأنا لا أعلم من حياتي إلا ما قد وقع بالفعل؛ فيصلح في حقي أني لا أعلم شيئًا، وأن الأمر بالنسبة لعلمي وإرادتي أنف، أي: لا أعلمه إلا بعد الوقوع، وأما الله تعالى فإنَّ علمه الأزلي سابق في خلقه، فقد علم ما كان منهم وما يكون، وما سيكون منهم حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
[ ٥٦ / ٩ ]
معنى قوله تعالى: (يعلم السر وأخفى)
[قال ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] قال: السر: هو ما أسره الإنسان في نفسه، ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] أي: ما لم يكن وهو كائن] يعني: ما لم يكن في الماضي وهو كائن الآن وفي المستقبل؛ يعلمه الله ﷿.
[وعن ابن عباس قال: كلام القدرية كفر].
أي: أن نفي العلم عن الله، ونفي الكتابة التي كتبها الله تعالى في اللوح المحفوظ والرق المنشور كفر بالله تعالى.
قال: [وكلام الحرورية -أي: الخوارج- ضلالة، وكلام الشيعة هلكة]، وستأتي هذه الفرق معنا بإذن الله تعالى.
قال: [لا أعرف الحق إلا في كلام قوم ألجئوا ما غاب عنهم من الأمور إلى الله] يعني: هذا هو عين الحق، فالذين يكلون أمورهم كلها إلى الله ﷿ هم قوم قد آمنوا بالله.
قال: [وفوضوا أمورهم إلى الله، وعلموا أن كلًا بقضاء الله وقدره] وكل شيء بقدر، حتى وضعك يدك على خدك، يعني: أو عبثك بلحيتك، كل هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، فشخص الآن جالس يريد أن ينام لأنه مرهق هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، وآخر قعد وهو منتبه وحريص جدًا على سماع كل كلمة مكتوب في اللوح المحفوظ؛ ليدل على تمام علم الله تعالى، وتمام قدرة الله، وأنها نافذة في خلقه لا محالة.
[ ٥٦ / ١٠ ]
إثبات عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهم للقدر
[وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: من كان يزعم أن مع الله قاضيًا أو رازقًا، أو يملك لنفسه ضرًا أو نفعًا؛ أخرس الله لسانه، وجعل صلواته هباء، وقطع به الأسباب، وأكبه على وجهه في النار.
وقال: إن الله ﷿ خلق الخلق وأخذ منهم الميثاق وكان عرشه على الماء].
[وقال أبو سعيد الخدري ﵀: لو أن رجلًا صام النهار وقام الليل ثم كذَّب بشيء من القدر؛ لأكبه الله في جهنم رأسه أسفله] يعني: يكبه في جهنم بحيث يكون رأسه إلى الأسفل، اللهم سلم يا رب! [وعن أبي الدرداء قال: أي رب! لأزنين، أي رب! لأسرقن، أي رب! لأكفرن.
وقال أبو هريرة: أي رب! لأسرقن ولأزنين؛ فقيل: يا أبا هريرة! أتخاف؟ قال: آمنت بمحرف القلوب].
أي: آمنت أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يجعل العفيف خبيث النفس، ويجعل الخبيث طيب النفس؛ كل ذلك بقدر، الإنسان يجاهد نفسه ألا يزني فيزني، ويجاهد ألا يسرق فيسرق، وغير ذلك من أعمال الطاعة وأعمال المعصية، ويذهب إنسان ليسرق؛ فيصرفه الله، ويحاول إنسان ألا يقع في المعصية فيقع في المعصية، فإذا كانت الطاعة والمعصية بيد الله ﷿، وأن الله تعالى هو الذي يقدرها لعباده وعلى عباده؛ فينبغي أن يكون الملجأ والملاذ إلى الله ﷿.
وإذا كان الله تعالى هو الذي يملك الجنة والنار، والثواب والعقاب، والخير والشر، والطاعة والمعصية؛ فينبغي ألا يكف المرء في قيامه، ولا في نومه وحركاته وسكناته أن يتضرع إلى الله ﷿ أن يعصمه من الذنوب، وأن يوفقه دائمًا للطاعات، فنؤمن حقيقة أن كل شيء بقدر، وأن الله تعالى هو الذي قدر الأمور كلها، وقدر لها أسبابها.
[وقال عمرو بن دينار: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن].
أي: أن الله تعالى هو الذي يهدي العباد وهو الذي يفتنهم، فالهداية مخلوقة خلقها الله، والفتنة مخلوقة خلقها الله.
[وعن طاوس قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، حتى العجز والنشاط].
أي: الإنسان لما يشعر بأن عنده فتورًا، ولا يقدر أن يقضي مصالحه وهو يسير بالعافية، فهذا مكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا مخلوق في العبد، بسبب أو بغير سبب، والنشاط والقوة بسبب أو بغير سبب، والذي خلقها وركبها فيك هو الله ﷿.
والعجز في ظاهر النص هو الضعف أو الخمول، والخمول هذا مخلوق، والله تعالى هو الذي خلقه وركبه فيك، ومهما اتخذت من أسباب فلن تنجو من هذا إلا بأن يكون الله تعالى كتب لك الانتقال من العجز إلى النشاط.
واحد يقول: أنا لم أنم طوال الليل، ولما صليت الفجر ورحت أنام لم يأتني النوم، وأحسست بمنتهى القوة والنشاط فأنا مستعد أن أواصل اليوم بدون نوم؛ فالنشاط هذا مخلوق، مع أنه مناف لأسباب النشاط ومنها: أن تنام جيدًا، وأن تأكل جيدًا، وأن تمارس الرياضة جيدًا.
وليس معنى ذلك أن يقول شخص: أنا سأترك الأكل والشرب، وسأرى هل النشاط سيأتي أو لا؟ لا، ليس بلازم، وإنما أردنا أن نبين أن العجز والكيس مخلوقان، فالذي خلقهما هو الله ﷿، فالله هو الذي خلق الطاعة والمعصية والإيمان والكفر، وما من شيء إلا وخالقه الله ﷿ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، طاعة أو معصية إيمانًا أو كفرًا ثوابًا أو عقابًا جنة أو نارًا ملكًا أو نبيًا أو شيطانًا؛ كل ذلك فالله تعالى هو الذي خلقه وأراده وقدره، وأما الخير فأراده الله تعالى إرادة شرعية دينية، وأحبه ورضيه وأمر به، والشر أراده إرادة كونية قدرية، بمعنى: أنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله ﷿، لكن هذا محل سخط الله ﷿، وتحذيره ووعيده وعقابه، ويقذف أهله في النار ولا يبالي غير ظالم لهم، فلا بد أن تعتقد صحة ما قلنا؛ لأن هذا هو الإيمان بالقدر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٥٦ / ١١ ]
الأسئلة
[ ٥٦ / ١٢ ]
حكم نظر الرجل إلى فرج امرأته
السؤال
ما صحة هذا الحديث: (يا أيها الناس! إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني، وأؤدبكم مما أدبني، فلا يكثرن أحدكم الكلام عند الجماع؛ فإنه يكون منه خرس الولد، ولا ينظرن أحدكم إلى فرج امرأته إذا هو جامعها؛ فإنه يكون منه العمى، ولا يقبلن أحدكم امرأته إذا هو ضاجعها؛ فإنه يكون منه صمم الولد، ولا يديمن أحدكم النظر في الماء؛ فإنه يكون منه ذهاب العقل)؟ وما رأيكم في كتاب: وصايا الرسول للشيخ محمد خليل الخطيب؟
الجواب
أنا لا أعرف صاحب الكتاب ولا الكتاب، وأما الحديث الأول فهو حديث موضوع، والصواب -وهو مذهب جماهير العلماء- أنه لم يصح حديث في النهي عن نظر الزوج إلى فرج زوجته، فالنظر إلى فرجها جائز بلا خلاف بين من يعتد برأيه.
[ ٥٦ / ١٣ ]
حكم كشف بطن قدم المرأة وهي في الصلاة
السؤال
إذا صلت امرأة في بيتها؛ وفي أثناء الصلاة كشف بطن القدم ولا يراها أحد، فهل تصح الصلاة أم تبطل؟
الجواب
هذا محل نزاع كبير جدًا بين أهل العلم، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب تغطية باطن القدم.
[ ٥٦ / ١٤ ]
حكم العمليات الاستشهادية في فلسطين
السؤال
الشباب الفلسطيني الذين يفجرون أنفسهم هل هم شهداء؟
الجواب
نعم، نحسبهم عند الله تعالى شهداء، وهذه العمليات عمليات استشهادية جهادية وليست عمليات انتحارية، هذا الذي يترجح لدي، وأما الدليل عليه فقد سبق أن تكلمنا عنه بالتفصيل في محاضرة المؤتمر الذي انعقد في هذا المكان في شهر أغسطس الماضي.
[ ٥٦ / ١٥ ]
حكم العادة السرية
السؤال
أنا شاب عندي تسعة عشر عامًا؛ أفعل العادة السرية، كيف أمتنع من هذه العادة؟ وكيف أحافظ على الصلاة وأترك المعاصي؟
الجواب
العادة السرية محرمة في أرجح أقوال أهل العلم، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵀، فقد اعتمد في ذلك على قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، فهذا اعتداء على أعضاء الإنسان بما لم يجزه الشرع؛ لأن الشرع ما أجاز هذا إلا في إتيان الزوجة أو في إتيان ملك اليمين، وما فوق ذلك فهو حرام.
وأما ما جاء عن عبد الله بن عباس وابن عمر أنهما سئلا عن ذلك فأجازاه في رواية، ومنعاه في أخرى، فالجواز والمنع متعلق بالضرورة، ولذلك سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أيجلد أحدنا عضوه في الجهاد؟ وذكر الجهاد لأن النساء لا يخرجن إلى الجهاد؛ فيكون في ذلك شيء من العنت والمشقة، وربما أوقع الإنسان في حرج، أو ربما طلب الإنسان العودة إلى أهله وترك الجهاد؛ فأذن في ذلك ابن عباس، كما أذن عبد الله بن عمر ﵄ في أن يجلد الإنسان عميرة، هكذا سماه.
قالوا: يا أبا عبد الرحمن! أيكون أحدنا في الفتنة -أي: تعرض عليه فتنة النساء- فإما أن يزني وإما أن يجلد؟ قال: أجلد عميرة؟ قالوا: نعم، قال: اجلد عميرة.
ولكن لو أنك نظرت إلى أصل المسألة: إما أن يزني، وإما أن يستمني؛ فحينئذ على قاعدة ارتكاب أخف الضررين الاستمناء أرحم بكثير، ولا مقارنة بينه وبين الزنا، فلو أن المرء فعل ذلك فانطفأت نار شهوته، وابتعد عن الزنا؛ لكان ذلك أولى، وليس هذا يعني أن الاستمناء حلال أو جائز، هو جائز إذا كان هناك خروج من مأزق شرعي خطير كارتكاب كبيرة الزنا، وأما في الأصل فالأصل أنه حرام.
ويستعين الإنسان على ذلك بأنه لا ينظر في المجلات المتخصصة في هذا البلاء المجلات التي تعرض الصور العارية، وهذه المجلات أمثال الصحف القومية الآن، فمثلها مثل أي مجلة جنسية، ومن ذلك تلك المجلات التي تزعم أنها مجلات إسلامية، فقد عرضت كثير من المجلات الشرعية والإسلامية بعض الصور لفاتنات وغير ذلك تحت باب الدعاية والإعلان وغير ذلك، فهذا بلا شك بلاء عظيم جدًا أوشك أن يدخل إلى تلك الجرائد والصحف الإسلامية، فنسأل الله العافية والسلامة.
فحينئذ يستعين المرء على ترك هذه العادة بألا ينظر في هذه الصور والمجلات والجرائد مطلقًا؛ لأنها تؤدي به إلى المحظور الشرعي، ومجرد النظر إلى هذه الصور محظور شرعي، بل إن ابن القيم عليه رحمة الله ما ألف كتابه العظيم: (الداء والدواء) أو (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) إلا لبيان أمراض القلوب خاصة عشق الصور.
وإخواننا -الله يغفر لهم- في بلاد أوربا وأمريكا مفتونون بالصور، فالمجلات القبيحة تلقى إليهم على أبواب العمارات وأبواب الشقق حتى صار الوضع عندهم مألوفًا جدًا، وأنا أستغرب جدًا أن تصير المعصية مألوفة، ففي إحدى الزيارات للإخوة في مدينة شيكاغو وجدت بعض الإخوة أتوا بمجلة جنسية، وفي الغالب لا يوضع عليها دبابيس، وصاروا يفرشون سفرة الطعام بهذه المجلة، وفيها صور لا يمكن النظر إليها، فقلت لهم: ماذا تفعلون؟! فلما ألفوا ذلك قالوا: أنت زعلان من هذه الصور! قلت: هذا شيء مقبول عندكم أم ماذا؟ قالوا: نحن متأسفون، فهم ناسون تمامًا احترام شعور الضيوف، قالوا: لو قعدت هنا سنة أو سنتين فستألف هذا الوضع ويكون طبيعيًا جدًا.
ثم قام واحد منهم وشقق الستارة وقال: تعال انظر إلى هذه الصور صورناهم وهم يمشون في الشوارع، فقلت: والله ليس لكم إلا الهجرة من هذه البلاد، وهم في الحقيقة يقبلون كل شيء إلا أن تأمر أحدهم بأن يترك البلاد إلى بلاد الإسلام، ومهما كان في بلاد الإسلام من بلاء وفتن فيبقى فيها الرحمة، وتبقى فيها شعائر الإسلام قائمة، وهذا يكفيك، فأنت لما تروح دولة مثل أمريكا تقعد عشر سنين لا تسمع أذانًا، فماذا سيكون حال قلبك لما تقعد عشر سنين لا تصلي جمعة ولا غير جمعة؟ لأنك ذهبت إلى مدن ليس فيها مساجد، ولا حتى شقة يجتمع فيها المسلمون نهائيًا، فقلت لهم: كيف تصلون صلاة الجمعة؟ قالوا: نحن لا نصلي الجمعة، وكل واحد يصلي في بيته، ويكون يوم المنى لما يجتمعون على الغداء يوم السبت يوم الإجازة أو الأحد في بيت أحدهم، فتجتمع ثلاث أو أربع أسر فتصير هذه فرحة ما بعدها فرحة، وأما هذا الاجتماع الذي نحن مجتمعين فيه هذا الوقت لو اجتمعوه هناك يمكن ألا يتمالكوا أنفسهم من الفرحة، فالحمد لله نحن في نعمة عظيمة جدًا والله.
[ ٥٦ / ١٦ ]
حكم صلاة الجمعة على المسافر
السؤال
هل يجوز قصر صلاة الجمعة أثناء رحلة جامعية بغرض الدعوة؟
الجواب
كم عدد ركعات صلاة الجمعة حتى تسأل عن قصرها؟! هي كلها ركعتان، والقصر لا يكون إلا في الصلاة الرباعية، فإذا كنت في سفر فأبشر، قال النبي ﵊: (لا جمعة على مسافر)، فالمسافر إذا صلى الجمعة فيكون هذا من باب الاستحباب، وليس من باب الوجوب، خلافًا للمقيم.
والرحلة الجامعية بغرض الدعوة مشروعة، وسبيل الدعوة لا بد أن يكون مشروعًا، ولا يمكن قصر الجمعة إلى ركعة واحدة.
[ ٥٦ / ١٧ ]
الرد على من يخصص الإمام عليًا وأولاده بالسلام
السؤال
يا شيخ! مع المعذرة، تخصيص سيدنا علي وأولاده إحدى عشرة مرة بلفظ الإمام يوحي بالتشيع، كقول المرء عنهم: ﵈، وفضيلتك يعلم أنه يجب البعد عن ذلك، وذلك ورد في فتوى هيئة كبار العلماء في الرد على أشرطة طارق السويدان؟
الجواب
أنا لم أقل هذا، وقد ذكرت هذا ورديت عليه، فواضح أن الأخ كان نائمًا وصحا على كلمة الإمام.
[ ٥٦ / ١٨ ]
حكم متابعة الإمام إذا زاد ركعة ناسيًا
السؤال
هل يتابع الإمام في صلاته إذا زاد ركعة ناسيًا؟ وماذا على المأموم في ذلك إذا فعل؟
الجواب
لا يتبع المأموم الإمام في الزيادة إذا قام إلى الخامسة مثلًا، بل ينبه الإمام بأن يجلس في التشهد، فإذا لم يجلس واستمر في صلاته؛ بطلت صلاته وصلاة المأمومين، وهذا الذي استظهره ابن قدامة في المغني، وهو الراجح.
[ ٥٦ / ١٩ ]
حكم من نذر أن يذبح ثم رأى أن يتصدق بثمن الذبيحة
السؤال
نذر شخص أن يذبح، ثم رأى أن يخرج ثمن الذبيحة لذوي الحاجات أفضل، فهل يجوز ذلك؟ وما عليه في هذه الحالة؟
الجواب
لا يجوز له ذلك، بل الذي يجب عليه أن يفي بعين النذر ما دام قادرًا ومستطيعًا.
[ ٥٦ / ٢٠ ]
حدود اللحية
السؤال
ما حدود لحية الوجه، هل هي شعر اللحيين فقط؟
الجواب
اللحية هي شعر اللحيين مع العارضين، أي: الخدين مع الذقن، هذه هي حدود اللحية.
[ ٥٦ / ٢١ ]
حكم النقاب
السؤال
فتاة تريد أن تنتقب، وقد كانت متبرجة سافرة، فهل تنتقب مباشرة أم ماذا؟
الجواب
الذي أعتقد أن النقاب واجب، فلو أنها فعلت ذلك لأدت ما عليها، نسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياها.
[ ٥٦ / ٢٢ ]
درجة حديث: (لا راد لقضاء الله لا حيلة في الرزق)
السؤال
حديث قدسي: (لا راد لقضاء الله لا حيلة في الرزق لا شفاعة في الموت لا سلامة من ألسنة الناس لا راحة في الدنيا) هل هناك راحة في الدنيا أم لا؟
الجواب
لا راحة للمؤمن حتى يضع رحله في الجنة، هذا كلام أهل العلم، وأما هذا الحديث فهو حديث غير ثابت عن الله ﷿؛ فهو حديث ضعيف.
[ ٥٦ / ٢٣ ]
حكم دعاء القنوت قبل الركوع وبعده
السؤال
رجل يقصد القنوت -يعني: الدعاء- فقنت بعد الركوع في الركعة الثانية، ثم تذكر وأتم القنوت، ثم صلى الركعتين الباقيتين ثم سلم، فما صحة صلاته؟
الجواب
الصلاة صحيحة، وإن كان الأصل أن يتم ذلك قبل الركوع من الركعة الأخيرة، وإذا تم بعد الركوع فلا بأس.
[ ٥٦ / ٢٤ ]
حكم أداء أذكار الصباح والمساء جماعة بصوت واحد
السؤال
ما حكم أذكار الصباح والمساء جماعة بصوت واحد؟
الجواب
هذه بدعة لم يكن عليها السلف، إلا أن يكون ذلك على سبيل التعليم.
[ ٥٦ / ٢٥ ]
حكم تلاوة ورد الرابطة قبل صلاة المغرب
السؤال
وما حكم تلاوة ورد يسمى الرابطة، يفعله بعض الملتزمين قبل صلاة المغرب كل يوم؟
الجواب
أنا أشعر أن هذا منهج المتصوفة، وليس من الملتزمين، ثم ما هو ورد الرابطة؟ فالأوراد المشروعة هي التي جاءت في الكتاب والسنة.
[ ٥٦ / ٢٦ ]
حكم تصرف المستأجر بالعين المؤجرة إذا أذن المؤجر
السؤال
استأجر رجل مع شريك له محلًا تجاريًا منذ عشر سنوات، ثم دفع أحدهما للآخر مبلغًا من المال وأصبح هو المستأجر بمفرده، ثم أنفق على هذا المحل حوالي عشرة آلاف جنيه، فهل يجوز أن يعطي هذا المحل لمستأجر جديد ويأخذ مالًا مقابل هذا مع علم صاحب العقار؟
الجواب
إذا أذن في ذلك صاحب العقار وإلا فلا.
[ ٥٦ / ٢٧ ]
حكم استعمال العقاقير الطبية لمنع نزول الحيض عند أداء العمرة
السؤال
امرأة تريد أن تذهب إلى أداء العمرة، وهي تعلم أنها أثناء العمرة سوف تكون حائضًا، فماذا تفعل: هل تذهب أم لا؟ مع العلم أنها إذا لم تذهب الآن لا تتوفر لها ظروف أخرى للسفر؟
الجواب
تذهب وتأخذ عقاقير طبية تمنع نزول الدورة؛ حتى تؤدي العمرة.
[ ٥٦ / ٢٨ ]
معنى كلام شيخ الإسلام: من قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في المجلد السابع في كتاب الإيمان: من قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات؛ سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا له أو جزءًا منه؛ كان مخطئًا خطأً بينًا، وهذه بدعة الإرجاء؟
الجواب
هذا الكلام جميل جدًا، وحاصل ذلك: أنه إذا كان الإيمان قولًا وعملًا فكذلك الردة تكون بالقول وبالعمل، وهذا شرحه يطول، وأظن أننا قد تكلمنا فيه مرارًا لما كنا نتكلم عن الجزء الأول والثاني من كتاب الإبانة.
[ ٥٦ / ٢٩ ]
حكم من يصلي ويسب أمه
السؤال
رجل يصلي ويسب أمه، ويسب جدته ويضربها، ويغيظ إخوته، فهل تقبل صلاته؟ وكيف يمنع من ذلك؟
الجواب
إذا كان هذا الرجل يصلي ويصوم لكنه يسبُّ أمه التي لا دخول له الجنة إلا بها وبرضاها، وكذلك يسبُّ جدته ويضربها ويغيظ إخوته هذا إنسان سيئ الخلق، وينبغي أن يؤدب بالطريقة اللائقة.
[ ٥٦ / ٣٠ ]
حكم العمل في شركة سياحة
السؤال
أعمل محاسبًا في شركة سياحة، مع العلم أنني كنت لا أعمل لفترة طويلة ولم أجد عملًا غيره، فهل مرتبي حلال أم ماذا؟
الجواب
مسألة الحل والحرمة متعلقة بنوع العمل الذي تعمله، أو بالعمل الذي تقوم به الشركة، وشركات السياحة على ألف لون في العمل، فهل هذه الشركة تقوم بالعمل السياحي المشروع المأذون فيه شرعًا، أم أنها غير ذلك؟
[ ٥٦ / ٣١ ]
حكم الاستخارة في الحضور لأحد المشايخ الذي يحذر من بعض العلماء
السؤال
هل يجوز الاستخارة في الحضور لأحد المشايخ وهو يحذر من بعض الشيوخ، ويقول: إنهم ليسوا من أهل السنة، وأنا لا أعرف من هو على الحق؛ لأني لا زلت مبتدئًا في الالتزام؟
الجواب
لا يا أخي! احذر ممن حذرك منهم، فإنهم أهل السنة وليسوا بخوارج.
[ ٥٦ / ٣٢ ]
حكم حلق اللحية لمن كان في الجيش
السؤال
أنا شاب ملتح وسأذهب إلى الجيش إن شاء الله تعالى، فهل أحلق لحيتي أم ماذا؟
الجواب
لا خيار لك، فهذا أمر مفروض علينا وعليكم.
[ ٥٦ / ٣٣ ]
الرد من زعم أن أمريكا هي المسيح الدجال
السؤال
لماذا لا تكون أمريكا هي المسيح الدجال، خاصة وأن قسوتها وفتنتها بدأت في أفغانستان، أي: في المنطقة التي تنبأ الرسول ﷺ بظهوره وسطوعه وخروجه منها، وأن بعض المفسرين الإسلاميين الكبار من علماء الأزهر الشريف سبق وأن أكدوا أن المسيح الدجال ليس بالضرورة أن يكون رجلًا من لحم ودم، بل من الجائز أن يكون ظاهرة أو قوة؟
الجواب
هذا كلام باطل، وحتى لو قال الأزهريون ذلك فهو كلام باطل، والمسيح الدجال له أوصاف وعلامات، وهو من لحم ودم، فقد يكون ابن صياد وقد يكون غيره، وهذه المسألة محل نزاع: هل المسيح الدجال هو ابن صياد المذكور في صحيح مسلم في كتاب الفتن أم غيره، هذا محل نزاع بين أهل العلم، فلا نجزم بواحد من القولين، والعلم عند الله تعالى.
ويؤسفني جدًا أني سمعت بعض المشايخ في أحد الأشرطة يقول: أمريكا هي المسيح الدجال، فسألته: لم؟ قال: لأن المسيح الدجال ليس شخصًا، وإنما هو قوة عظمى، واحتج بكلام بعض علماء الأزهر الذين ماتوا، فقلت له: هم قد أفضوا إلى بارئهم، ولا شك أن كلامهم خطأ.
[ ٥٦ / ٣٤ ]
حكم تخصيص علي بن أبي طالب بعبارة: كرم الله وجهه
السؤال
عند ذكر الإمام علي يقال كرم الله وجهه دون باقي الصحابة، لم ذلك؟
الجواب
نحن لا نوافق على ذلك، فـ علي بن أبي طالب وأهل بيته من الصحابة، وحكمهم كبقية الأصحاب، فيقال عنهم: ﵃.
[ ٥٦ / ٣٥ ]
حكم العمل في الإدارة العامة للأمن المركزي
السؤال
يقول: أعمل محاسبًا مدنيًا في الإدارة العامة للأمن المركزي، مع العلم أني جاهدت حتى انتسبت إلى هذا العمل بلحيتي، فهل يجوز العمل هناك؟
الجواب
نعم يجوز.
[ ٥٦ / ٣٦ ]
الحكم على حديث: (عمار بيت المقدس خراب يثرب)
السؤال
(عمار بيت المقدس خراب يثرب)، هل هذا حديث؟ وهل هو صحيح؟
الجواب
نعم، وكأن المعنى: أن علامة خراب يثرب -أي: المدينة- سيوافق عمارة بيت المقدس.
[ ٥٦ / ٣٧ ]
حكم الجمع بين الظهر والعصر والمغرب
السؤال
أعمل في الوردية الليلية؛ ولذلك أجمع الظهر والعصر، وأحيانًا المغرب، فهل هذا حلال أم حرام؟ وما الحل؟
الجواب
جمع الظهر والعصر والمغرب ليس مشروعًا ولا مسنونًا، بل المشروع جمع الظهر والعصر في وقت أحدهما، والمغرب والعشاء في وقت أحدهما، وأما أن تجمع ثلاثة فروض فلا وألف لا، فلو أنك فصلت السؤال لفصلنا الجواب.
[ ٥٦ / ٣٨ ]
حكم التحدث تلفونيًا بين الرجل وخطيبته
السؤال
ما حكم التحدث بين الرجل وخطيبته في التلفون، هل هو خلوة غير شرعية؟
الجواب
بلا شك أنه ليس خلوة، لكنه كلام مع أجنبية لغير ضرورة.
[ ٥٦ / ٣٩ ]
المبرر للحملة الشعواء ضد كتاب هرمجدون
السؤال
هل هناك مبرر للحملة الشعواء ضد كتاب هرمجدون ومؤلفه، رغم اعتماد المؤلف في كتابه على أحاديث معظمها في الصحيح، وعلى بعض الآثار للإمام نعيم بن حماد شيخ البخاري، والتي قد حدث الكثير منها بالفعل، فما القول الفصل في هذا الأمر؟
الجواب
الحقيقة طرح السؤال بهذا الأسلوب يدل على سوء أدب الكاتب أو السائل.
أما كتاب هرمجدون فليس بأفضل من كتبه السابقة، فهو كتاب قد امتلأ بالتزوير الشرعي والتاريخي للأحداث والنصوص الشرعية، فمؤلفه قد حشد وجيش الجيوش في أول الصفحات؛ حتى لا ينتقده أحد، وهذا ليس منهجًا علميًا ولا أدبيًا، ثم ذهب يمدح نعيم بن حماد بما يخالف به جماهير النقاد من حكمهم على نعيم بن حماد بأنه ضعيف في الرواية، ولكنه يبرز نعيم بن حماد دائمًا ويقول: وهو شيخ البخاري، وما معنى قوله: شيخ البخاري؟ يعني: لا يكون ضعيفًا، وقد حدث البخاري عن كل الثقات، وليس في مشايخه أحد من الضعفاء، وهذا غير صحيح، فـ نعيم بن حماد عند جماهير النقاد ضعيف، وهو القول المعتمد، ولا يحتج بروايته خاصة إذا انفرد.
ثم هذه المخطوطات وهذه المصادر التي اعتمد عليها الكاتب أو المؤلف أين هي في عالم الكتب وعالم التوثيق؟ لا ندري، ويقول: المخطوط عندي، فأقول: ماذا تصنع به؟! لمَ لمْ تخرجه إلى الوجود؟ ثم إن هذا المخطوط مداره على نعيم بن حماد، ويذكر فيه حديثًا طويلًا جدًا للنبي ﵊ يبين فيه أحداث آخر الزمان، فيأخذ من الصدام أنه صدام، ويأخذ من السادات أنه أنور السادات، ويأخذ من الناصر أنه عبد الناصر! وهو بهذا قد ظلم مبارك؛ لأنه لم يذكره مع هذه الإنجازات العظيمة، ولا حتى بالشر فضلًا عن الخير، فلم يذكره بشيء.
ثم إن النبي ﵊ لم يتكلم إلا عن مصر فقط، فلم تكن هناك دولة من دول الإسلام إلا مصر فقط، وكان الناقص في هذا المخطوط أن يأتي بعناوين وتلفونات هؤلاء الرؤساء، هذا ما نقص هذا المخطوط! فهذا كلام سخيف وبارد جدًا، ولا أتصور أن عاقلًا يكتب هذا الكلام.
وللأسف الشديد أن هذه الكتب لها من يهتم بها كثيرًا؛ لخلو هؤلاء من التأصيل العلمي، بل أكثر من ذلك، ولا أريد أن أستفيض في هذا.
[ ٥٦ / ٤٠ ]
الحكم على حديث: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)
السؤال
(من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)، هل هذا حديث صحيح؟
الجواب
هذا الحديث ضعيف.
[ ٥٦ / ٤١ ]
حكم المظاهرات الجماهيرية
السؤال
في جامعة الأزهر هناك بعض الشباب يسمون بجند النصر المنشود، يشددون على قضية فلسطين عند دعوة بعض الشباب الذين يدعونهم، وأكثرهم لا يصلون، فهل طريقتهم في الدعوة صحيحة؟
الجواب
جيل النصر المنشود في جامعة الأزهر أو في غير جامعة الأزهر هم جيل المظاهرات، ونحن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن المظاهرات عمل غير مشروع، ولا مستند لها في الشرع لا من كتاب ولا من سنة، ولا حتى في فعل السلف، فليس عليها أي دليل، هذا من جهة الشرع.
ومن جهة الواقع وقياس المصلحة والمفسدة؛ هذه المظاهرات ليس من ورائها أي مصلحة، فلم تحقق شيئًا، فالأمة لها الآن فوق الخمسين سنة تتظاهر، فماذا أثمرت من مصالح عامة أو خاصة هذه المظاهرات؟ ليس هناك أي مصلحة.
وأما المفسدة فهناك مفاسد كثيرة جدًا، وآخرها موت اثنين من المتظاهرين في الإسكندرية، فلحساب من ولمصلحة من؟ هذا أمر ينبغي الوقوف عنده، وهذا مخالف لقاعدة: (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، فما بالك وليس هناك مصلحة! ثم الأصل الثالث وهو: من المتظاهر؟ شاب ماجن فاسق مطارد للبنات تارك للصلاة والصيام محاد لله ورسوله، وكذلك الفتاة، حتى في المظاهرات نفسها تجد الولد يأخذ البنت فوق كتفه وهو يظاهر! فماذا نصنع بهؤلاء؟! أنا أريد أن أعرف ماذا تريدون؟ هو حماس وعاطفة فقط، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فالجهاد ليس مطلوبًا لذاته، وإنما هو مطلوب لأجل أن نحقق العبودية الكاملة لله ﷿، فلماذا تظاهر وأنت تارك للصلاة والصيام، وأنت إنسان فاجر في أقواله وأفعاله، ولو رأيته في الأيام العادية لوجدته قاعدًا في أحضان ثلاث أو أربع من البنات، وفي المظاهرات نفسها ترتكب أشياء كثيرة من ذلك، فماذا تريد من المظاهرة يا بني؟ هذا تشويش.
ولذلك قلَّ أن نجد واحدًا منكم في مظاهرة؛ لأنها لو كانت طاعة لكنا نحن أولى الناس بهذه الطاعة، ومهما ترتب عليها من نتائج فهي طاعة ويكفي، فمجيئنا نصلي في المسجد مغامرة، وكذلك قعودنا في هذه الدروس مغامرة أيضًا، فلو كانت هذه المظاهرات مشروعة لغامرنا فيها وليحصل ما يحصل، لكن لما كان اعتقادنا أنها غير مشروعة فلا مشاركة لنا فيها، ولا موافقة لنا عليها، فهذا عمل غير مشروع.
والجهاد لا يراد لذاته، وإنما يراد للتمكين في الأرض الذي يؤدي إلى عبودية الله ﵎ العبودية الحقة، وهؤلاء لا لهم علاقة بالعبودية، ولا بالصلاة والصيام، وهم شباب تافه جدًا، لكن كوننا ننكر على هؤلاء الشباب أفعالهم غير المنضبطة على أصول الشرع؛ كذلك ننكر الطريقة الهمجية جدًا التي تقابل بها تلك المظاهرات، فننكر على الطرفين، ولا بد من فتح مائدة المفاوضات، ولماذا مائدة المفاوضات ليست فاضية ودائمًا مشغولة، ويقابل هؤلاء بالقنابل المسيلة للدموع، وأحيانًا بضرب النار؟! مع أن القانون يقول: إن ضرب النار في المظاهرات لازم يكون تحت الرجلين، فما الأمر الذي جعل ضرب النار يكون في الصدر وما قابله؟! وهل يأمن الذين تصدوا لهذه المظاهرات أن يقابلوا من هؤلاء الشباب بمثل أعمالهم فتكون هناك مجزرة دموية؟ ومن المستفيد منها في النهاية؟ فهذا أمر لا نوافق عليه ألبتة لا من هنا ولا من هناك.
وأريد أن أقول لك: لا تفترض فرضًا نظريًا، فأنت تقول: ربما يكون فيها تأثير؟ فأقول: هل هذا التأثير وليد اليوم، أم أنه نتج من تتبع العادات؟ فالأمة لها خمسون سنة تتظاهر فماذا عملت؟ ومن الذي استجاب لها؟ فلم تثمر إلا الحنظل، وبعد كل مظاهرة نجد الثمرة مرَّة، فلماذا لا نتعلم؟ إن الحكومات الإسلامية لا تحترم شعوبها، ولا تحترم شعور الشعوب، ولا أعراف الشعوب، ولا أخلاق الشعوب أبدًا، هؤلاء في واد والحكومات في واد آخر، ولا يوجد أي ثمرة حصلت نهائيًا على مدار الخمسين سنة إلا ثمار الحنظل المر، فعلى الأقل نستفيد من التجارب السابقة.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٥٦ / ٤٢ ]