الجهمية فرق ضالة منحرفة، كثير من عقائدها مأخوذ عن اليهود والنصارى، وهي تجتمع في النفي والتعطيل لأسماء الله وصفاته وأفعاله وما ينبغي له من الطاعة والعبادة، والجهمية على درجات؛ فأشدهم وأشنعهم الجهمية الغالية النفاة، ثم المعتزلة، الذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، ثم الصفاتية الذين لم يثبتوا إلا بعض الصفات ونفوا أكثرها.
[ ٦٣ / ١ ]
حكم أهل السنة والجماعة على الجهمية وتقسيمهم لهم إلى درجات
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: في الدروس الماضية تكلمنا عن مؤسس فرقة الجهمية وهو الجهم بن صفوان، وذكرنا طرفًا من شيوخه، ويحلو للإنسان أن يسميها سلسلة أهل النار، وتكلمنا في المحاضرة الأخيرة عن طرف من تاريخ الجهمية.
وقد أطلق أهل السنة وعلماء السنة لقب الجهمية على الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته.
فمعتقد الجهمية متعلق دائمًا بالأسماء والصفات، والجهمية ليسوا جميعًا على درجة واحدة، وليسوا مذهبًا واحدًا فبينهم اختلافات، فالجهمية فرقة أساسية كبيرة، تفرقت فيما بينها إلى فرق داخلية، وهذا شأن أي فرقة من الفرق؛ ولذلك كثير من أهل العلم لما تعرض لشرح حديث النبي ﵊ في افتراق الأمة ذكر من الفرق فرقتين وثلاث فرق وأربع فرق خطأً؛ لأن هؤلاء جميعًا يدخلون تحت مسمى الشيعة مثلًا، فالشيعة فرقة أساسية افترقت فيما بينها إلى ثلاث: غلاة، وإمامية، وزيدية، فهو عد الغلاة فرقة، والزيدية فرقة، والإمامية فرقة، وفي الحقيقة أن هؤلاء جميعًا فرقة واحدة، وكذلك فرق الجهمية الفرعية التي تندرج في نهايتها تحت فرقة واحدة وهي الجهمية ظن بعض أهل العلم أنها كذلك فرق، فجعل فرق الأمة أكثر من مائتي فرقة، وهذا خطأ، ويصطدم مع حديث النبي ﵊، وإنما الخطأ في فهم من تصور أن الفرع الذي انبثق من الأصل في داخل الفرقة الواحدة يعد فرقة لوحدها؛ ولذلك فالجهمية درجات:
[ ٦٣ / ٢ ]
الجهمية الخالصة الغالية (النفاة)
الدرجة الأولى من الجهمية: هم الذين يسميهم العلماء: الغلاة أو الجهمية الغالية، وقولنا: الغالية، من الغلو، أي: المغالية في تجهمها، وهم الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته، يجردون ذات الله ﷿ من كل اسم ومن كل صفة، ويقولون: الله بلا أسماء وبلا صفات.
وأحيانًا يريدون أن يحسنوا وجههم القبيح، فيقولون: لله أسماء لكنها ليست مرادة، ولله صفات ولكنها ليست مرادة، ولهم فلسفات سنتعرف عليها بإذن الله تعالى.
ولذلك يقول الشيخ هنا: وهم أشر درجات الجهمية، وهم الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته، وإن سموه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز، فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي، ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، ولا يتكلم، فحقيقة قولهم: أنهم لا يثبتون شيئًا لله.
إذا أردت أن تنظر إلى حقيقة قولهم فلا بد أن تعلم أنهم ينفون عن الله تعالى الأسماء والصفات مطلقًا.
قال: ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية، فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ -هل تعبدون ربًا لا اسم له ولا صفة له- قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، فإذا قيل لهم: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هل هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم.
فإذا قيل لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى؟ قالوا: لم يتكلم ولا يتكلم- ثم عللوا بأن الله تعالى لا يتكلم ولن يتكلم بقولهم: لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة.
يعني: الكلام لا يكون إلا بلسان وفم ولهاة، والله تعالى منزه عن ذلك.
إذًا: فقد آلة الكلام فلا يتكلم، إذ كيف يتكلم والعقلاء قد علموا أن المتكلم لا بد له من جارحة يتكلم بها، ونقول: هذا في حق المخلوقين، أما في حق الخالق فإن القياس منتفٍ، فالله تعالى يتكلم بحرف وصوت، ويتكلم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء، وما زال كلام الله ﵎ قائمًا، ولا زال الله تعالى متصفًا بالكلام لا ينتفي عنه ذلك ﷾، وصفة الله تعالى ليست مخلوقة أيًا كانت هذه الصفة، الكلام أو غير الكلام، ولكنهم يقولون: لا بد للمتكلم من جارحة، مع أن الله تعالى في القرآن أخبر أن بعض مخلوقاته يتكلم بغير جارحة، كقوله تعالى عن السماوات والأرض: ﴿َقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا -أي: تكلمتا السماوات والأرض- أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
إذًا: السماوات والأرض تكلمتا بغير جارحة، أم أن للأرض لسانًا وفمًا ولهاة، وللسماوات لسانًا وفمًا ولهاة؟ هل أحد منا يعتقد أن للأرض لسانًا أو فمًا أو لهاة؟ لا أحد يعتقد ذلك، ومع هذا أثبت الله تعالى أن السماوات والأرض تكلمتا.
وقال الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣]، من من الناس يعلم أن الرعد له لسان يسبح به؛ لأن التسبيح لا يكون إلا بجارحة؟ وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى، وكذلك الجبال، هل رأى أحد منا جبلًا له لسان، أو بحرًا له لسان؟ إن الله ﵎ سخر الجبال مع داود يسبحن والطير، هل الطير له لسان يسبح به ويتكلم كما نتكلم؟ إذًا: لا يلزم دائمًا لكل متكلم أن يتكلم بجارحة، وإذا كان هذا في حق بعض المخلوقين فما بالك بالخالق ﷾، فهو قادر على أن يتكلم كيفما شاء وبما شاء.
قالوا: والجوارح عن الله منتفية.
نقول: نعم.
الجواح عن الله منتفية.
قال الشيخ: وإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله تعالى.
الجاهل يقول: هؤلاء ما أرادوا إلا تنزيه المولى ﷿ أن يكون شبيهًا بمخلوقاته أو مثيلًا لمخلوقاته، ولكن عند النظر والتدقيق يتبين أن هؤلاء ليسوا معظمين لله ﷿، وإنما هم معطلون لأسماء الله ﷿ ولصفاته.
قال: وقد أفصح عن هذا المذهب رجل منهم يسمى ابن الإيادي.
أخطأ شيخ الإسلام ابن تيمية، وربما لا يكون هو الذي أخطأ حينما الناسخ لكتابه هو الذي أخطأ أنه قال: ابن الأباري، وابن الإيادي وابن الأباري في الرسم شيء واحد، وهو أقرب إلى التصحيف.
فالذي يقرأ عن تاريخ الفرق سواء كان في كتاب موسوعة الفتاوى لـ شيخ الإسلام أو في درء تعارض العقل والنقل، أو في كتاب منهاج السنة لـ ابن تيمية يجد ابن الأباري، وفي الحقيقة ليس هناك أحد بهذا الاسم، إنما هو ابن الإيادي، فالصواب: أنه ابن الإيادي.
قال: وكان ابن الإيادي ينتحل قول الجهمية، فزعم أن البارئ عالم، قادر، سميع، بصير في المجاز لا في الحقيقة.
يعني: أن الله ﵎ عالم مجازًا، وكلمة (مجاز) تنفي العلم الحقيقي عن الله ﷿؛ لأن المجاز ضد الحقيقة، فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم مجازًا لا حقيقة؛ لزمنا أن نقول: إن الله تعالى بذاته ليس عالمًا، وإنما أودع علمه بعض مخلوقاته؛ ولذلك الجهمية أخذوا كتاب الله وسنة النبي ﵊ من أوله إلى آخره، كلما مروا على اسم أو صفة جعلوه مجازًا لا ح
[ ٦٣ / ٣ ]
المعتزلة
أما الدرجة الثانية من درجات الجهمية: فهم المعتزلة، وهم الذين تبنوا مذهب الجهمية أو شيئًا منه؛ ولذلك ربما تجد في الشخص الواحد متناقضات وأضدادًا في عقيدته لا تدري كيف كان ذلك منه! ولكن ربما لانحرافه عن طريق السلف عاقبه الله ﷿ بأن جعل في عقله الأضداد، حتى يحيره في حياته، وقد شاهدنا في هذا الزمان كثيرًا من أهل العلم لا نظر له في الكتب ولا يحسن أن يفتح الكتب فضلًا عن أن يفهم ما فيها، قد شاهدناه يقرأ في الباب الواحد كلامًا للمعتزلة، فإذا أعجبه قصه من الكتاب وألصقه في كتاب آخر يريد إخراجه، فإذا قرأ في نفس الباب كلامًا للجهمية أعجبه وضعه تحت الكلام الأول، وللخوارج تحت الكلام الأول، وللمرجئة تحت الكلام الأول، فيجمع في مسألة واحدة بين عدة عقائد، إلا عقيدة أهل السنة والجماعة.
وللأسف الشديد بعض هذه الكتب يدرس الآن في بعض معاهد إعداد الدعاة هنا وهناك.
فالمعتزلة فرقة لا علاقة لهم في الأصل بالجهمية؛ إذ إن المعتزلة فرقة أسسها واصل بن عطاء المعتزل البصري في زمن الإمام الحسن البصري، وقصة الاعتزال معروفة، وتاريخ واصل معروف، وربما لو تسنى لنا دراسة مذهب المعتزلة لتعرفنا عليه أكثر من ذلك.
والجهمية كما علمتم من المحاضرتين السابقتين لهم مؤسس ولهم أصول ثابتة يتكئون عليها، ولهم إنكارات ونفي للأسماء والصفات، فهم يعتمدون في أصل دعوتهم على خمسة أسس، فحينئذ مذهب المعتزلة في أصله له أصول يتكئ عليها، وينافح عنها، هذه الأصول -وإن كانت في الظاهر أصول الجهمية- تخالف الجهمية.
[ ٦٣ / ٤ ]
أصول المعتزلة
أما أصول المعتزلة فهي خمسة: الأصل الأول: التوحيد.
هذا أصل أصيل يتكئ عليه أهل الاعتزال، والذي يسمع أن كلمة التوحيد أصل من أصول المعتزلة يقول: لماذا تنكرون على المعتزلة؟ أنتم تدعون إلى التوحيد وهم يدعون إلى التوحيد؟ بل حتى صار التوحيد شعارًا من شعارهم، لكن التوحيد عند المعتزلة إنما هو إبطال الصفات؛ بزعمهم أنهم ينزهون الله ﷿ عن أن يكون شبيهًا بمخلوقاته، فيقولون: الله تعالى ليس له يد، ولا ساق ولا وجه، وليس له نفس، ولا يغضب ولا يسخط ولا يفرح ولا يضحك، قالوا: لأن هذا كله لا يصدر إلا من المخلوق، والخالق منزه عن ذلك، فنحن نوحده في ذاته أن يكون شبيهًا بمخلوقاته، هذا هو التوحيد عندهم، والتوحيد عندهم فيه كلام كثير.
لكن على أية حال: إذا علمت أن هذا هو التوحيد عند المعتزلة فاعلم أن هذا عند أهل السنة إنما هو نفي وتعطيل، وقد سمى المعتزلة هذا النفي وهذا التعطيل لصفات الله تعالى توحيدًا، ولا مشاحة في الاصطلاح، فكل إنسان يصطلح لنفسه مصطلحًا، ويفعل لنفسه ما يشاء، لكن أهل السنة والجماعة إنما ينظرون إلى معنى هذه المصطلحات، يقولون: نحن نتفق معكم في نفي المماثلة ونفي المشابهة، لكننا نثبت الأسماء والصفات وأنتم تنفونها، وتظنون أن التوحيد لا يكون إلا بالتعطيل، ونحن لا نقول بالتعطيل، وإنما نقول بالتوحيد الذي هو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله الكريم ﷺ على المعنى اللائق بالله ﷿، دون استلزام مشابهته بالمخلوقات؛ لأن المخلوقات فيما بينها مختلفة في هذه الأسماء والصفات، فلو قلنا: للحمامة جناح، ولليمامة جناح، وللعصفور جناح، ولكل طائر جناح، ولجبريل ﵇ جناح، فهذه كلها أشياء مخلوقة تطير، وتطير بأجنحتها، لكن هل جناح العصفور كجناح جبريل؟
الجواب
لا.
إذًا: العصفور يتفق مع جبريل في مجرد الاسم، أما الكنه والحقيقة فشتان وهيهات، وكذلك الله تعالى له يدان وله عينان وله نفس، ويضحك ويغضب ويسخط وغير ذلك من صفاته الخبرية التي أخبر بها، وصفاته الذاتية التي أخبر بها ﷾، وأخبر بها رسوله، وكذلك شتان بين ضحك المولى ﷿ وضحك المخلوقات، حتى الحيوانات فيما بينها تضحك وتغضب وتبكي وتحزن، وليس حزنها كحزن بعضها البعض، ولله المثل الأعلى ﷾.
فالمعتزلة فضلًا عن أصولهم الخمسة تجهموا، أي: مالوا إلى مذهب الجهمية، فصاروا يضبطون أصولهم الخمسة على مذهب الجهمية ويخالفون الجهمية في بعض المسائل، لكن المعتزلة في نهاية أمرها أشربت مذهب الجهمية، وكثير من الناس يقول: هذا معتزلي جهمي، أو هذا جهمي معتزلي، وفي الحقيقة أن كل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزليًا، وهنا نقول: بين الجهمية والاعتزال عموم وخصوص، فكل معتزلي قد أشرب منهج التجهم، وليس كل جهمي يقبل مذهب الاعتزال.
قال: الدرجة الثانية: هم تجهم الاعتزال، أو المعتزلة الجهمية.
قال: وهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى -هناك النفاة لا يقرون بهذا، لكن هؤلاء يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، وكلمة (في الجملة) لها معنى، فقد قلنا بالأمس: إن مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الصفات على سبيل التفصيل والإجمال من باب أولى، فأهل السنة والجماعة إذا أرادوا إثبات الأسماء والصفات أثبتوها تفصيلًا، والذي يثبت تفصيلًا من باب أولى أنه يثبت إجمالًا، وإذا أرادوا أن ينفوا عن الله تعالى صفة النقص نفوها إجمالًا.
إذًا: نفي النقص عن الله ﷿ عند أهل السنة والجماعة يكون إجمالًا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
أما إثبات الأسماء والصفات لله ﷿ فيكون على سبيل التفصيل؛ ولذلك بينها الله تعالى إجمالًا، قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ثم أثبت الله ﵎ في كتابه وأثبت رسوله في سنته ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)، فهذا إثبات لأسماء الله تعالى وصفاته على سبيل التفصيل، خلافًا للمعتزلة الذين يثبتون الكمال إجمالًا، وينفون النقص تفصيلًا، فيقولون: ليس الله تعالى بذات ولا جسم، ولا طويل ولا قصير، ولا أبيض ولا أسود، وغير ذلك.
مع أن هذا الكلام لا يصلح أن يكون منهجًا للمخلوقين، فلو أردت أن تمدح واحدًا أو ملكًا أو شريفًا أو وجيهًا، فلا يصح منك أن تقول له: لست حمارًا ولا كلبًا ولا خنزيرًا ولا غبيًا ولا كيت وكيت وإنما تأتي بإثبات المدح مباشرة، فإذا كان هذا لا يصح في حق المخلوقين فمن باب أولى أنه منكر في حق المولى ﷿.
فهؤلاء المعتزلة الجهمية يقرون بأسماء الله الحسنى إجمالًا، لكن ينفون عنه صفاته، وهم أيضًا لا يقرون بأسماء الله كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيرًا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون، وهم الذين اعتنى العلماء بالرد عليهم.
ولذلك معظم ردود ابن بطة عليه رحمة الله في هذا الجزء الخاص
[ ٦٣ / ٥ ]
الصفاتية
إذًا: الدرجة الأولى: النفاة الغالية، والدرجة الثانية هم المعتزلة الجهمية، أي: المعتزلة الذين أشربوا منهج الجهمية، وأصل الرد على هذه الطائفة من بين الطوائف الثلاث.
أما الدرجة الثالثة فهم الصفاتية، وهم: المثبتون المخالفون للجهمية، وكلمة (المثبتون) عند الإطلاق تعني: أنهم يثبتون الأسماء والصفات في الجملة، والنفاة: هم الذين يعطلون الأسماء والصفات كذلك في الجملة، فهؤلاء هم الصفاتية، والصفاتية تعني: أنهم يثبتون الصفات في الجملة، وهم بذلك مخالفون للجهمية وللمعتزلة الجهمية.
قال: لكن هذه الدرجة فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من الأسماء والصفات الخبرية أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها.
يعني: يقولون: نحن نثبت الصفات، فنقول: يد الله فوق أيديهم، لكن المراد باليد: القوة، فهم أثبتوا الصفة لكنهم أولوها، وهذا التأويل باطل.
وإذا كان بعض الشر أهون من بعض، فهل هؤلاء الصفاتية الذين يثبتون الصفات ويؤولونها على غير ظاهرها المراد منها أقرب إلى الحق أم النفاة الذين لا يثبتون أسماء ولا صفات؟ وللتقريب نقول: هل الذي يموت كافرًا كفرًا بواحًا لم يدخل في الإسلام قط يكون كالشيعي أو القدري يوم القيامة مع أن كليهما شر؟
الجواب
بعض الشر أهون من بعض، والذي لا يصدق كلامي هذا يقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الفرقان بين الحق والباطل، فقد قال: لأن يموت الرجل جهميًا أو قدريًا أو شيعيًا أو مرجئًا أو أشعريًا خير له من أن يأتي ربه كافرًا كفرًا بواحًا لم يدخل الإسلام.
هذا قول الإمام ابن تيمية شيخ الصحوة منذ زمانه، وإن شاء الله تعالى يكتب له ذلك إلى يوم القيامة.
والعجيب أن ابن تيمية رجل واحد في الأمة، وهو الذي يقود الأمة الآن إلى قيام الساعة، أو إلى وقتنا هذا على الأقل، فأي شخص من الناس إذا التزم بحث عن كلام ابن تيمية وابن القيم، وكأن الله تعالى لم يخلق علماء قبله؛ لأن العلماء قبله كانوا مصنفين ومؤصلين ومقعدين لهذه المسائل التي أخذها ابن تيمية وفهمها فهمًا جيدًا موافقًا لمنهج السلف، فنشرها هنا وهناك بالقول والعمل، وكان مجاهدًا حقًا؛ إذ لا خلاف في شجاعته وجهاده الأعداء المبطلين في الداخل والخارج في ذلك الوقت؛ ولذلك كتب له القبول، وربما يكون سر هذا القبول الإخلاص، فكم من عالم جليل عنده من العلم ما ليس عند غيره ولم يكتب له شيء من ذلك.
إذًا: هؤلاء يثبتون الصفات لكن يؤولونها، ويحلو لنا أن نقول: إن هؤلاء من طرف خفي هم الأشاعرة، والماتريدية، فهم يثبتون الأسماء ويثبتون الصفات، لكن يقولون: ليس المراد من الصفة ظاهرها وإنما لا بد من التأويل، وابن تيمية عليه رحمة الله يقول: وهؤلاء هم أقرب الناس لأهل السنة.
ولا يعني ذلك: أنهم أهل سنة، لا والله بل هم أهل بدعة، بدليل أنهم درجة من درجات الجهمية، لكننا إذا قارناهم بالنسبة للمعتزلة الجهمية لكانوا هم أقرب الناس إلى الحق، لكن لا يعني هذا: أنهم أصابوا الحق، بل هم بعيدون عن الحق، لكنهم بالنسبة لغيرهم من أهل النفي الأصلي الكلي أو الاعتزال التجهمي هم أقرب الناس إلى الحق، ولم يصيبوا الحق بعد، فهم الصفاتية الذين يثبتون الصفات، فبلا شك أن الذي يثبت الصفة ويؤولها خير من الذي لا يثبتها، وكلاهما شر، وهذا كما قال النبي ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، لكن لا يمكن أن يستوي الخيران، فكذلك هنا: كلاهما شر لكن شتان بين المثبت والنافي، والذي نفى نفى بزعمه تنزيهًا لله ﷿، والذي أول الصفة قال: قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، هل الله له يد؟ أستغفر الله، لا.
اليد: هي القوة؛ لأننا نثبت لله القوة، والطرف الآخر يقول: ليس الله تعالى بسميع ولا عليم ولا حي ولا قادر ولا قوي، فينفون الاسم والصفة في آن واحد، فكأنهم في نهاية الأمر يذهبون إلى أن الله عدم، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا! فالله تعالى ذات، ولا بد لكل ذات من صفات، حتى هذه الورقة التي بين يدي، إذا أردنا أن نصفها نقول: مستطيلة وبيضاء، وفيها كلام مكتوب بالأزرق، ورقة جديدة أو ورقة قديمة، فهذه كلها صفات لهذه الذات، فكل ذات لها صفات، وهذا أمر مستقر في عقول العقلاء أنه لا يمكن أن يكون هناك ذات إلا بصفات، فالعجيب أن الجهمية الغالية ينازعون في أن الله تعالى ذات، والذي يقول منهم: له ذات يقول: له ذات بلا صفات، وإذا أثبتنا الصفات فإنما نثبتها على سبيل المجاز لا الحقيقة، وهو في حقيقة الأمر إلحاد وزندقة؛ لأنه يلزمهم أن يقولوا: إن الله تعالى ليس متصفًا بصفات على الحقيقة، إذًا: هو ذات عدمية، ولا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه ذات عدمية، فلا بد أن يقولوا في نهاية قولهم: إن الله تعالى عدم، خلافًا للمغالين في الإثبات أو في التشبيه أو ف
[ ٦٣ / ٦ ]
أصول الجهمية التي خالفوا فيها أهل الإسلام
ما هي الأصول التي خالف فيها الجهمية أهل السنة والجماعة؟ في الجملة: قولهم بخلق القرآن، وإنكارهم رؤية المولى ﷿ بالأبصار في الآخرة، وإنكارهم أن يكون لله تعالى وجه ويدان، وأنكروا شفاعة الرسول ﵊.
قد يقول قائل: لماذا ندرس الجهمية والمعتزلة والقدرية، هل ما زالوا موجودين؟
الجواب
كل الفرق الضالة موجودة في الأمة بأسماء غير الأسماء المعروفة، وستظل موجودة في الأمة، فهم يسمون في كل عصر ومصر بأسماء تختلف عن أسمائها الواردة في النصوص، كما قال النبي ﵊: (يستحلونها يسمونها بغير اسمها) يأتي الواحد منهم فيقول: الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] لم يقل: (الوسكي) ولم يقل: (الشنبانيا) ويبدأ بذكر عشرات ومئات الأسماء للخمر، ثم يقول: إن الله حرم الخمر ونحن مقرون بذلك، والذي ينكر أن الله حرم الخمر يكفر، لكنه لم يذكر (الشنبانيا) ولا (الوسكي)، ويقول: الربا حرام، لكن ليس في البنوك ربا، إنما هي فوائد، فما حرم الله في القرآن نقول بتحريمه، فالله قصد بتحريم الربا نوعًا معينًا ليس هو ما تتعاطاه البنوك اليوم؛ ولذلك البنوك حلال.
فنقول: البنوك قول المبطلين الأفاكين، حتى لا يفهم أحد أني أقول: إن فوائد البنوك حلال أبدًا.
قال: وجحدوا علم الله وقدرته، قالوا: ليس بعالم ولا قادر، ونفوا عن الله تعالى الصفات التي نطق بها القرآن من السمع والبصر والحلم والرضا والغضب والعفو والمغفرة والصفح والمحاسبة والمناقشة -كل هذا نفوه عن الله ﷿- وأثبتوا لأنفسهم من القدرة والاستطاعة والتمكن ما لم يثبتوه لله تعالى؛ وذلك لأنهم يقولون في هذا الباب بمذهب القدرية الذين يثبتون لأنفسهم القدرة على الفعل، وأن العبد مختار لفعله ولا علاقة لله تعالى بأفعاله البتة، وزعموا أنهم يقدرون على ما لا يوصف الله تعالى بالقدرة عليه، ويخلقون ما لا يخلقه الله تعالى من الأعمال والأقوال، وزعموا أنهم يفعلون ويقدرون على ما لا يفعله الله ولا يقدره، ويريدون ويشاءون ما يستحيل أن يكون من تدبير الله ومشيئته، ويزعمون أنهم يريدون لأنفسهم ما لا يريده الله، ولم يشأه لهم خالقهم، فيكون ما يريدون ولا يكون ما يريده ربهم.
عندما تكلمنا عن القدر الشرعي والقدر الكوني قلنا: إن الله تعالى أراد الخير والشر وخلقهما وأذن في وجودهما، ولا يكون في الكون إلا ما أراده الله ﷿، لكنه أراد الحق وأراد الطاعة والخير إرادة شرعية دينية وأعان عليها، وأراد الشر إرادة كونية قدرية، بمعنى: أنها لا تكون في الكون إلا بإذن الله خلقًا وإرادة وكسبًا من العبد، فالله تعالى أذن في وجود الشر؛ ولذلك هو الذي خلق إبليس وهو رأس الشر، فهو الذي أذن في خلقه ووجوده، مع أن الله تعالى يبغض إبليس ولا يحبه، وكذلك الله تعالى هو الذي خلق الزنا والسرقة وشرب الخمر، ونهى عنه، وقدره في الكون تقديرًا، وأذن في وجوده خلقًا، والذي باشر هذا الشر هو هذا الإنسان؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فأثبت للعبد مشيئة وأثبت لنفسه ﷾ مشيئة، فالعبد مختار لفعله بعد قيام الحجة عليه؛ ولذلك خلق الله تعالى الجنة والنار.
قال: وزعموا أن الجنة تفنى وتبيد ويزول نعيمها، وأن النار تزول وينقطع عذابها، هذا آخر ما زعموا من أصول مسائل الاختلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة، ولهم أقوال في غاية الغرابة.
[ ٦٣ / ٧ ]
مغالطات الجهمية المعتزلة وبعض عقائدهم
قال ابن بطة: ومن مغالطات الجهمية المعتزلة -الدرجة الثانية- وتمويههم على الناس قولهم: إن الله تعالى منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود.
هذا كلام جميل في الجملة في الظاهر، لكن مقصودهم غير ذلك.
قال: ومقصودهم بذلك: نفي الأفعال ونفي مباينة الله تعالى للخلق، وعلوه على العرش، فإذا قالوا: إن الله منزه عن الأعراض، لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر؛ لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد.
الأعراض كالصحة والسقم والمرض وغير ذلك، فلا شك أن الله تعالى لا يفسد ولا يمرض فهو منزه عن الأعراض، فكل ما يصيبني من أعراض الحياة من غنى وفقر، وصحة وسقم، وطلوع ونزول وغير ذلك من صفات المخلوقين الله تعالى منزه عنها، أي: لا يصيبه آفات كما تصيب المخلوقين، فلا شك أن هذا كلام جميل، ولا ريب أن الله تعالى منزه عن ذلك، لكن مقصودهم بهذا القول: (إن الله منزه عن الأعراض) أنه ليس له علم؛ لأن العلم بالنسبة لي عرض، كنت جاهلًا فتعلمت، كنت عدمًا فأحدثت بعد ذلك، كنت عدمًا فصرت بعد العدم كائنًا حيًا، كنت ميتًا ثم صرت حيًا.
قال: ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة، ولا كلام قائم به، ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها أعراضًا.
إذًا: قولهم: إن الله منزه عن الأعراض أي: منزه عن صفاته التي وردت في القرآن والسنة.
ونقول لهم: كيف يثبت الله تعالى لنفسه الصفة وأنفيها أنا زاعمًا التنزيه، هل أنا أعلم بالله من الله؟ إن الله تعالى أعلم بذاته من سائر المخلوقين؛ ولذلك وصف نفسه بصفات، فلا يحل لآحاد الخلق أو للخلق أجمعين أن ينفوا هذه الصفات من باب التنزيه زعمًا.
قال: وكذلك إذا قالوا: (إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات).
أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك: أنه لا تحصره المخلوقات، ولا شك أن هذا الكلام في ظاهره كلام جميل، أن الله تعالى حقًا لا تحصره المخلوقات ولا تحيط به المخلوقات، هذا كلام حق، لكن قولهم: إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات أنه ليس مباينًا للخلق، ولا منفصلًا عنه، يعني: أن الله تعالى داخل في مخلوقاته، يعني: لو سألنا: أين الله؟ لبادر جل الناس بقولهم: الله تعالى في كل مكان، أليس هذا الذي حفظناه وتعلمناه من آبائنا وأجدادنا والناس في الشوارع والمساجد؟ أليس هذا الذي تعلمناه؟ أين الله؟
الجواب
في كل مكان، الجواب محفوظ وأسرع من السؤال، وهو أبطل البطلان، وأفسد الفساد؛ لأن النبي ﵊ سأل جارية -بنتًا صغيرة- ترعى الأغنام: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله) جارية ترعى الأغنام تعقل عن الله ﷿ علوه واستواءه على عرشه على الحقيقة والمعنى اللائق به تعالى، جارية تفهم ما لا يفهمه معظم الأمة في هذا الزمان، ويبدو أنها لم يكن لها مجالس مع النبي ﵊، وإنما كانت مجالسها مع سيدها الذي لطمها على خدها، ثم بعد ذلك أراد أن يكفر عن هذه اللطمة فسأل النبي ﷺ: (إني لطمت جاريتي؛ لأنها فعلت كيت وكيت، فقال النبي ﷺ: يا جارية! أين الله؟ قالت: في السماء، ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال النبي ﷺ: أعتقها فإنها مؤمنة).
فأثبت لها الإيمان لصحة اعتقادها في علو الله تعالى وفوقيته واستوائه على العرش؛ ولو سألت أحد الناس الآن: أين الله؟ لقال: في كل مكان، والذي يقول: على العرش، هذا كذاب ومفتر، أليس الذي قال: إنه على العرش هو الله ﷾؟ ونبيه ﵊ هو الذي أثبت له العلو على العرش والفوقية؟ فهل الله تعالى كذاب ومفتر؟! وهل رسوله كذاب ومفتر؟! بل الكذاب والمفتري هو الجاهل الذي قال على الله بغير علم كذبًا وزورًا وافتراءً: إن الله تعالى ليس على العرش، بل هو مع خلقه في كل مكان، حتى إنهم أثبتوا أن الله تعالى في الحمامات وفي القاذورات وفي الحش وغير ذلك من الأماكن المستقذرة.
قالوا: لا يخلو منه مكان، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا! أما أهل السنة والجماعة فيقولون: الله تعالى مستو على عرشه، مع خلقه بعلمه وسمعه وإحاطته وأسمائه وصفاته ﷾، أي: بمقتضى أسمائه وصفاته هو مع خلقه، فمعيته ثابتة له، معية علم وسمع وإحاطة وإرادة ومشيئة وغير ذلك، أما الله تعالى فهو مستو على العرش، مباين لخلقه، أي: الله تعالى فوق السماوات السبع، مختلف عن خلقه، ليس الله تعالى بذاته في المكان الذي فيه خلقه، وإنما الله ﷿ مستو على العرش، استواءً يليق بجلاله وعظمته.
قال: ومقصودهم بذلك: أنه ليس مباينًا للخلق ولا منفصلًا عنه، وأنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله، وأن محمدًا ﷺ لم يعرج به إليه، ولم ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يتقرب هو إلى شيء، ولا ترتفع إليه الأيدي في الدعاء، ونحو ذلك من معاني الجهمية.
كل هذا كلام قالت به الجهمية المعتزلة.
قال: وإذا قالوا: إنه ليس بجسم ب
[ ٦٣ / ٨ ]
تشعب آراء الجهمية وتعدد أقوالهم
قال ابن بطة ﵀: [ومع ذلك فإن الجهمية كغيرهم من الفرق ليسوا على رأي واحد، فقد تعددت أقوالهم وتشعبت آراؤهم].
دائمًا المبتدع لا يمكن أن يستقر على بدعة واحدة إلى نهاية أمره؛ ولذلك يقول ابن الجوزي: وأصل البدع إما من المجوس أو من اليهود أو من النصارى، ودليل ذلك أن أهل البيت الواحد من النصارى إذا كانوا عشرة إذا اجتمعوا على مسألة فقال كل واحد منهم رأيه؛ تفرقوا على أحد عشر رأيًا، وشيء غريب أن يكونوا عشرة فيخرجون بأحد عشر رأيًا، فهل من الممكن أن يختلف شخص مع نفسه فيقول رأيًا ثم يقول نقيض هذا الرأي في المجلس الواحد؟
الجواب
نعم.
كاليهود فقد قالوا في عبد الله بن سلام: أنت سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا فلما قال لهم: أسلمت، قالوا: أنت سفيهنا وابن سفيهنا وحقيرنا وابن حقيرنا، هكذا قالوا بالقول وضده في مجلس واحد.
وهذا شأن أهل البطلان والزيغ والضلال، لا يثبتون على رأي، بل يختلفون مع بعضهم البعض، وهذا شأن جماعة التفكير في هذا الزمان، يكفرون لأدنى معصية، فإذا قلت لهم: هل أنا أكفر بحلقي للحيتي؟ يقولون: نعم؛ لأنها معصية، فإن قلت أنت لأحدهم: وأنت ألست تلبس ثوبًا قد نسجه الكفار؟ قال: نعم.
فإن قلت: هذه معصية أم لا؟ قال: نعم.
وإن قلت له: وما حكمك إذًا؟ قال: أنا كافر، وهذا كلام لا طعم له ولا لون ولا رائحة؛ ولذلك دائمًا تسيطر على أهل البدع والضلال غياهب الجهالة فيكون منطلقهم في المناظرات والمناقشات الجهل، لا يحبون العلم، بل بينهم وبين العلم عداء، ولو تعلموا حقًا لاهتدوا؛ لأن العلم أعظم عاصم من هذه الأهواء والمضلات والفتن؛ ولذلك جعله الله ﷿ فريضة، قال النبي ﵊ في حديث أنس: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)؛ لأن المسلم لا نجاة له من هذه الأهواء والفتن إلا بطلب العلم على منهج السلف.
الجهمية كذلك ليسوا على مذهب واحد، ولا على كلام واحد؛ بل تعددت أهواؤهم وآراؤهم، وقد قسمهم العلامة الملطي حسب آرائهم إلى ثمانية أصناف، إذًا هم من حيث الدرجات ثلاثة ومن حيث الأصناف ثمانية على مذهب الملطي، لكل صنف منهم عدة آراء، وليس ما ذكره الملطي هو جماع آراء الجهمية، لكن هذه أصول المخالفات؛ والعلماء دائمًا عندما يردون على المبتدعة يذكرون أصل الخلاف، لكن عندما يصنفون في الفروع تجد أن لهم أقوالًا لا يمكن أن تتصور أنهم قالوها! فلو نظرت إلى كتاب أبي الحسن الأشعري (مقالات الإسلاميين)، لوجدته كتابًا رائعًا جدًا جدًا جدًا، ويحتاج كل سطر منه أن يشرح في ورقتين أو ثلاث ورقات، وأنا أسأل الله تعالى أن يسخر لهذا الكتاب رجلًا من أهل العلم يشرحه باستفاضة، ويضبطه على منهج أهل السنة والجماعة، فيخرج في أكثر من عشرين أو ثلاثين مجلدًا مع أنه مجلد واحد؛ كما أنه لا ينصح أهل العلم قط بقراءة هذا الكتاب إلا رجلًا قد تمكنت من قلبه عقيدة أهل السنة والجماعة، ففي هذا الكتاب العجب من فروع الخلاف بين أهل الأهواء وأهل السنة والجماعة.
قال: للجهمية آراء كثيرة غير ما ذكرنا، ومن أهمها: منهم صنف من المعطلة يقولون: إن الله لا شيء، وما من شيء، ولا في شيء، ولا يقع عليه صفة شيء، ولا معرفة شيء، ولا توهم شيء، ولا يعرفون الله فيما زعموا إلا بالتخمين، فوقعوا عليه اسم الألوهية، ولا يصفونه بصفة يقع عليه الألوهية.
إن هذا الكلام يحتاج إلى شرح وبسط كثير جدًا، خاصة وأن النبي ﵊ سمى الله شيئًا، فقد قال في دعائه: (اللهم يا أحسن الأشياء! لا تجعلنا أهون الأشياء عليك)، فجعل النبي ﷺ ربه شيئًا، لكن ليس كبقية الأشياء، وشيء صفة في الله ﷿، وهي تأخذ حكم بقية الصفات، فنقول: إن الله شيء لكن ليس كبقية الأشياء، وإنما يقع التوحيد في مجرد الاسم، فأنا شيء والله شيء، لكن شتان ما بين المخلوق والخالق ﷾.
فهؤلاء المعطلة زعموا أن الله ليس بشيء، أو لا شيء ولا منه شيء، ولا يكون في شيء وغير ذلك، وهذا كلام يحتاج إلى ضبط وتفنيد.
قال: ومنهم صنف زعموا أن الله شيء وليس كالأشياء، لا يقع عليه صفة ولا معرفة ولا توهم ولا نور ولا سمع ولا بصر.
إذًا: قولهم: أولًا: أن الله تعالى شيء ليس كالأشياء يوافقون أهل السنة والجماعة في هذا، أما قولهم بعد ذلك: أنه شيء ليس كالأشياء فهذا يعني عندهم: أنه ليس نورًا ولا سميعًا ولا بصيرًا فهذا كلام يحتاج كذلك إلى ضبط وتفنيد سيكون في أثناء الشرح بإذن الله تعالى.
قال: ومنهم صنف زعموا أنه ليس بين الله وبين خلقه حجاب ولا خلل، وأنه لا يتخلص من خلقه ولا يتخلص الخلق منه إلا أن يفنيهم أجمع فلا يبقى من خلقه شيء، وهو مع الآخر في آخر خلقه ممتزج به إلى آخر كلام كثير جدًا، ولولا أن الله تعالى حكا في كتابه مقالة الكافرين ما تجرأ الواحد منا أن يتكلم هذا الكلام.
قال: ومنهم صنف أنكروا أن يكون ا
[ ٦٣ / ٩ ]