لقد حفلت كتب العقيدة الإسلامية بذكر عقائد الأمة والسلف رحمهم الله تعالى في أهل الأهواء والبدع، وذلك لكشف عوارهم، وبيان فساد وبطلان مذهبهم، حتى يحذر المسلمون من ذلك الضلال فلا يقعوا فيه، وحتى يصير دين الله صافيًا نقيًا، لا يعكره دخيل، ولا يلصق به ما ليس منه.
[ ٥٨ / ١ ]
بيان مذهب عمر بن عبد العزيز ﵁ في إثبات القدر
[ ٥٨ / ٢ ]
رسالة عمر بن عبد العزيز إلى من سأله عن القدر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثاني في كتاب القدر هو: بيان مذهب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ في القدر، وسيرته في القدرية.
قال سفيان الثوري: كتب عامل لـ عمر بن عبد العزيز إلى عمر يسأله عن القدر فكتب إليه: أما بعد -أي: بعد الحمد والثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله-: أوصيك بتقوى الله ﷿، والاقتصاد في أمره -أي: التوسط، وهو درجة بين الإفراط والتفريط- واتباع سنة نبيه ﷺ، وترك ما أحدث المحدثون بعدما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة -ما التزم أحد بالسنة إلا عصمته من كل بلية- ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها].
أي: ما من بدعة إلا وقد رأى الناس آثارها السيئة في حياتهم، وكان على قبحها وسوئها دليل من الكتاب أو السنة.
قال: [فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما قد رضي به القوم لأنفسهم].
أي: ارض لنفسك أن تسلك في كل باب من أبواب الدين والشريعة ما قد رضيه أسلاف هذه الأمة لأنفسهم.
قال: [فإنهم عن علم وقفوا -أي: توقفوا بعلم- وببصر نافذ قد كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى وأقدر].
أي: هذا الخوض الذي يخوضه الناس اليوم فيما يتعلق بمسائل القدر، والأسئلة التي تنم عن زعزعة الإيمان في قلوب أصحابها؛ كان السلف -لو كانت هذه الأسئلة محمودة وممدوحة- هم أولى بطرحها على النبي ﷺ، لكن لما كان هذا أمرًا مذمومًا كفوا عنه، وآمنوا به.
قال: [وهم على كشف الأمور كانوا أقوى وأقدر، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه].
أي: إن كان الهدى هو الذي أنتم عليه اليوم من الخوض فيما لا يعنيكم، فاعلموا أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد! وهذا مستحيل.
كما قال عبد الله بن مسعود لأولئك الذين تحلقوا حلقًا في المسجد، وجعلوا على كل حلقة كبيرًا لهم يلقي لهم الحصى، ويقول: سبحوا مائة، احمدوا مائة، كبروا مائة، فوقف على رءوسهم وقال: إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة.
ولا شك أن الأولى مستحيلة؛ أن يخفي الله تعالى الهدى والحق والخير والنور عن نبيه وعن أصحابه نبيه ثم يظهره لنا، ثم هذا مخالف لأصل من أصول الدين، وهو: أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على شر ولا ضلالة ولا باطل، فلأن يدعي رجل اليوم أنه قد وقف على خير وهدى قد حرمته الأمة على مدار أربعة عشر قرنًا؛ لهو ضال مضل؛ لأن نتيجة هذا الكلام يهدم أصلًا من الأصول التي عليها اعتماد الإسلام، وهو أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على شر ولا على ضلالة، كما أخبر النبي ﵊.
قال: [فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: إنما حدث بعدهم؛ ما أحدثه إلا من ابتغى غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم السابقون -والله تعالى قد مدح السابقين- فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من مجسر].
أي: إما أن يكون إنسانًا مفرطًا جدًا فيما كانوا عليه غير تابع لهم، وإما أن يكون إنسانًا جريئًا جدًا يرتكب مخالفة الهدي، ويتبع سبيل غير المؤمنين.
قال: [قد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام -أي: رغب عنهم أقوام- فغلوا، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم].
أي: أن طريق السلف بين الإفراط والتفريط، وبين التقصير والجسور، ولم تكن الجرأة والتبجح من طريقهم، وإنما كانوا يلتزمون عند حدود النقل.
[ ٥٨ / ٣ ]
تواتر الشرع وكلام السلف في إثبات القدر
قال: [كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر -أي: أن عمر بن عبد العزيز قال لعامله: لقد كتبت إلي تسألني عن الإقرار بالقدر- فعلى الخبير بإذن الله وقعت -أي: أنك لا تجد أكفأ مني تسأله عن هذا، فأنا بإجابة هذا السؤال خبير- ما أعلم أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أمرًا ولا أثبت أثرًا من الإقرار بالقدر -ليس هناك أعظم في الإسلام من بدعة القدرية-، لقد كان ذكره -أي: أمر القدر- في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم، يعزون به أنفسهم على ما فاتهم -أي: من الخير-، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين قد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينًا وتسليمًا لربهم، وتضعيفًا لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وأنه مع ذلك لفي محكم كتابه، فمنه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: لم أنزل الله ﷿ آية كذا؟ ولم قال الله ﷿ كذا؟ لقد قرءوا منه ما قرأتم].
أي: إذا سألتم: ما معنى هذه الآية؛ على سبيل الاعتراض، أو على سبيل رد مسائل القدر، فتقولون: لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال الله كذا؟ ف
الجواب
أن السلف ﵃ قد قرءوا هذه الآيات التي تعتمدون أنتم عليها، وتحتجون أنتم بها، فهل كان موقفهم من هذه الآيات مثل موقفكم أنتم؟!
الجواب
لا.
إذًا: فيسعكم ما وسع السلف، ولا يسعكم ما لم يسع السلف، فالسلف قرءوا هذه الآيات وهذه الأحاديث، فآمنوا بها وأمروها كما جاءت، ولم يخوضوا فيها بتأويل، ولم يصرفوها عن ظاهرها، بل آمنوا بها.
قال: [لقد قرءوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر].
أي: أن كل ذلك مذكور في الكتاب الأول في اللوح المحفوظ، والله تعالى قد علمه وقدره.
يعني: بعد أن قرءوا هذه الآيات، وعلموا تأويل وتفسير هذه الآيات؛ سلموا بعد ذلك لله تعالى في باب القدر، وقالوا: ما أصابنا إلا ما كتبه الله لنا من خير أو شر.
قال: [وما قدر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًا].
أي: أن الذي يملك النفع والضر هو الله ﷿؛ ولذلك سمى نفسه النافع الضار ﷾.
قال: [ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا].
أي: بعد علمهم بهذا كله عبدوا الله تعالى بجناحين: جناح الخوف وجناح الرجاء، ولا حيلة للعبد أبدًا في عبادته لله ﷿ إلا بهذين الجناحين، فمن غلب عليه الخوف أيس من رحمة الله، ومن غلب عليه الرجاء فرط في جنب الله.
[ ٥٨ / ٤ ]
موافقة عبد العزيز بن أبي سلمة لكلام عمر بن عبد العزيز في إثبات القدر
وعبد العزيز بن أبي سلمة رحمه الله تعالى ذكر عنه نفس هذا الكلام الذي ذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ولعله كلام أدخل بعضه في بعض، أو لعل عبد العزيز بن أبي سلمة حفظ كلام عمر بن عبد العزيز ﵀ فيما يتعلق بالقدر فأجاب به سائلًا سأله هو، ثم زاد عليه.
قال: [ثم رغبوا مع قولهم هذا ورهبوا، وأمروا ونهوا].
أي: لم يتكلوا على قضية القدر، وإلا من كان يعتقد اعتقاد القدرية فإنه في نهاية أمره يقول بمذهب الجبرية وهو: تعطيل الأمر والنهي.
وبالتالي فكل شيء مجبول ومجبور عليه العبد، إذًا: فلم نؤمر ولم ننه؟ ولا غرو إذ يقول أهل العلم: إن أعظم مفسدة للقدرية: إبطال الشريعة؛ لأن الشريعة قامت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يقول: بأن أفعال العباد أو أن العباد مجبورون مقهورون على أفعالهم لا حيلة لهم في ذلك؛ فلابد أنه يقول: لم الأمر إذًا؟! ولم النهي إذًا؟! وأما السلف فمع إيمانهم بهذه الآيات وعلمهم بتأويلها؛ إلا أنهم عبدوا الله تعالى رغبة ورهبة [وأمروا ونهوا، وحمدوا ربهم على الحسنة، ولاموا أنفسهم على الخطيئة، ولم يعذروا أنفسهم بالقدر -أي: لم يحتجوا بالقدر على المعصية- ولم يملكوها فعل الخير والشر -أي: ما قال واحد منهم: بيدي وبمشيئتي وإرادتي أن أفعل الخير والشر، وإنما رد ذلك كله إلى الله تعالى- فعظموا الله بقدره، ولم يعذروا أنفسهم به، وحمدوا الله على منه، ولم ينحلوه أنفسهم دونه، وقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٥]، وقال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٩]]، فلما ذكر الخير بين الله تعالى أن هذا الخير نال المؤمنين بما كانوا قد أحسنوا في الدنيا، فبين أن إحسان العباد في الدنيا يستوجب على الله أن يكرمه، وأن الله تعالى هو الذي أوجب ذلك على نفسه، ولم يوجبه عليه أحد، ومن أساء في الدنيا فإن الله تعالى يعاقبه في الآخرة بما كان عنده من فسق.
[فكما كان الخير منه، وقد نحلهم عمله -أي: قد وهبهم ومن عليهم أن يعملوه- فكذلك كان الشر منه، وقد مضى به قدره ﷾.
وإن الذين أمرتك باتباعهم في القدر لأهل التنزيل].
أي: أنه يقول له: أنا آمرك أن تتبع أهل العلم من أهل السنة والجماعة في فهمهم لباب القدر، لا أن تكون تابعًا للقدرية.
قال: [الذين تلوه حق تلاوته -أي: الذين قرءوا القرآن كما أراد الله ﷿فعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه]، ولم يخوضوا فيه، ولم يصرفوه عن ظاهره، ولم يقولوا فيه: لم؟ وكيف؟ وإنما آمنوا به وأمروه كما جاء، [وكانوا بذلك من أهل العلم في الراسخين].
يعني: مع إيمانهم بالمتشابه، وإمرارهم له، وعدم الخوض فيه؛ كانوا من الراسخين في العلم.
قال: [ثم ورثوا علم ما علموا من القدر وغيره من بعدهم -يعني: هكذا علم السلف بعضهم بعضًا، فالصحابة علموا التابعين، والتابعون علموا تابعي التابعين وهكذا- فما أعلم أمرًا شك فيه أحد من العالمين أعلى ولا أفشى ولا أكثر ولا أظهر من الإقرار بالقدر، لقد آمن به الأعرابي الجافي، والقروي القاري، والنساء في ستورهن، والغلمان في حداثتهم، ومن بين ذلك من قوي المسلمين وضعيفهم، فما سمعه سامع قط فأنكره، ولا عرض لمتكلم قط إلا ذكره، لقد بسط الله عليه المعرفة، وجمع عليه الكلمة، وجعل على كلام من جحده النكرة -أي: النكارة- فما من أحد جحده ولا أنكره فيمن آمن به وعرفه من الناس إلا كأكلة رأس.
فالله الله، فلو كان القدر ضلالة ما تكلم به رسول الله ﷺ، ولو كانت بدعة ما علم المسلمون متى كانت، فقد علم المسلمون متى أحدثت المحدثات والبدع والمضلات.
وإن أصل القدر لثابت في كتاب الله تعالى، يعزي به المسلمون بعضهم بعضًا في مصائبهم بما سبق منها في الكتاب عليهم، يريد بذلك تسليتهم -الله تعالى يسلي عباده الموحدين-، ويثبت به على الغيب يقينهم، فسلموا لأمره وآمنوا بقدره، وقد علموا أنهم مبتلون، وأنهم مملوكون غير مملكين ولا موكلين، قلوبهم بيد ربهم، لا يأخذون إلا ما أعطى، ولا يدفعون عن أنفسهم ما قضى، قد علموا أنهم إن وكلهم إلى أنفسهم ضاعوا، وإن عصمهم من شرها أطاعوا هم بذلك من نعمته عارفون، كما قال نبيه وعبده الصديق: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف:٣٣]-فبين يوسف ﵇ أن الذي يملك صرف الشر هو الله ﷿- ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣]، فتبرأ إلى ربه من الحول والقوة، وباء مع ذلك على نفسه بالخطيئة، كانت لهم فيه أسوة، وكانوا له شيعة].
[ ٥٨ / ٥ ]
رأي عمر بن عبد العزيز فيما يستحقه القدرية من العقوبة
قال: [عن مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك قال: كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز فقال: ما رأيك في هؤلاء القدرية؟ قال: أرى أن تستتيبهم -أي: تحبسهم ثلاثة أيام حتى يتوبوا فيها، ويرجعوا عن قولهم- فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف].
وهذه إشارة إلى قتلهم، يعني: فإن تابوا وإلا قتلوا.
[فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي، وتلك سيرة الحق فيهم.
قال معن وقتيبة: قال مالك: وذلك أيضًا رأيي]، يعني: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.
[وقال عمر بن عبد العزيز: ينبغي لأهل القدر أن يوعز إليهم فيما أحدثوا من القدر -أي: يزجروا زجرًا شديدًا- فإن كفوا وإلا سلت ألسنتهم من أقفيتهم استلالًا].
يعني: يخرجون ألسنتهم من رقابهم بعد قتلهم، وهذا الكلام فيه إشارة إلى القتل.
[وقال عمر بن عبد العزيز في أصحاب القدر: يستتابون، فإن تابوا وإلا نفوا من ديار المسلمين].
[ ٥٨ / ٦ ]
مناظرة عمر بن عبد العزيز لغيلان الدمشقي وإظهار غيلان للتوبة وما آل إليه أمره
[وعن محمد بن عمرو الليثي: أن الزهري حدثه قال: دعا عمر بن عبد العزيز غيلان القدري الدمشقي -وهذا زعيم القدرية- فقال: يا غيلان! بلغنا أنك تقول في القدر -أي: لك قول سيء رديء في القدر- فقال: يا أمير المؤمنين! إنهم يكذبون علي].
أي: أنه جبن عن الاعتراف بعقيدته أمام أمير المؤمنين، ثم يتهم غيره الذي تكلم بالحق ونقل الصدق إلى أمير المؤمنين بأنه كاذب يفتري عليه.
[قال: يا أمير المؤمنين! يكذبون علي، فقال: يا غيلان! اقرأ علي يس، فقال: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:١ - ٤]، حتى بلغ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٨ - ١٠]]، وهذه الآية هي الشاهد، أي: أن الله علم منهم الكفر فكتبه عليهم.
قال: [فقال غيلان: يا أمير المؤمنين! والله لكأني لم أقرأها قبل اليوم].
أرأيتم إلى النفاق؟! فهو يقول: لقد ذكرتني بالذي غاب عني، فأنا فعلًا كان عندي شك، لكن لما قرأت هذه الآية علمت أن الإيمان والكفر بيد الله ﷿، وأن الخير والشر من عند الله، وأن الله علم ذلك في الأزل، وكتبه وقدره على العباد، «وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ»، فعلمت أن إيمان هؤلاء بيد الله، ولا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا.
ثم قال: [أشهدك يا أمير المؤمنين! أني تائب إلى الله ﷿ مما كنت أقول في القدر].
أي: أنني قد تبت من شيء قلته واعتقدته! إذًا: هذا يرد به على قوله الأول: إنهم يكذبون علي يا أمير المؤمنين! فهو ابتداءً رد القول الذي قيل فيه بحق؛ رده بباطل وبافتراء وبهتان على الصادقين.
ثم نافق وبين أنه لأول مرة يسمع هذه الآيات، بينما هو قد سمعها وقرأها مرارًا، ووقف عندها، وله فيها تأويل غير سائغ ولا معتبر، لكنه خشي السيف.
فقال: [إني تائب يا أمير المؤمنين! مما كنت قلته في القدر، فقال عمر: اللهم إن كان صادقًا فثبته -أي: فثبته على هذا الصدق واليقين- وإن كان كاذبًا فاجعله آية للمؤمنين].
أي: عبرة وعلامة.
قال: [فقال ابن عون: أنا رأيته مصلوبًا على باب دمشق].
وهذه آية، فقد أصابته دعوة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.
قال: [قال عمرو بن المهاجر: بلغ عمر بن عبد العزيز أن غيلان يقول في القدر، فبعث إليه فحجبه أيامًا -أي: حبسه عنده أيامًا- ثم أدخله عليه، فقال: يا غيلان! ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال عمرو بن مهاجر: فأشرت إليه ألا يقول شيئًا، قال: فقال: نعم يا أمير المؤمنين! إن الله ﷿ قال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:١ - ٣]].
وهذا هو الشاهد: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ»، فهو إما أن يختار الشكر، وإما أن يختار الكفر، وإما أن يختار الإيمان أو الكفر، فهذه مشيئتي، فأنا حر أختار الكفر فلا علاقة لله بي، أو أختار الإيمان فلا علاقة لله بي، ما على الله إلا أن يهديني السبيل، وأنا بعد ذلك أقبله أو أرده، هذا من عندي بغير إرادة الله وبغير مشيئة الله، هكذا فهم غيلان الدمشقي.
[فقال له: اقرأ آخر السورة].
ونحن قد قلنا في الدرس الماضي: إن أهل البدع دائمًا يحتجون بأول الآية ويتركون آخرها أو العكس، ولا يحتجون بآية كاملة.
فقال عمر بن عبد العزيز: إذا كان الذي بدا لك من هذه الآية هو ما قلت فاقرأ آخر السورة، وآخر السورة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١].
إذًا: فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ﷿، والأصل في ذلك هي مشيئة الله تعالى، وأن العبد لا يشاء شيئًا إلا وقد شاءه وقدره وأراده الله ﷿.
قال: [ثم قال: ما تقول يا غيلان! قال: قد كنت أعمى فبصرتني -وهو خائف من القتل- وأصم فأسمعتني، وضالا
[ ٥٨ / ٧ ]
منهج عمر بن عبد العزيز في مسألة كتابة أعمال العباد وقدر الله السابق
وخطب عمر بن عبد العزيز فقال: يا أيها الناس! من أحسن منكم فليحمد الله -أي: من وفق للطاعة فليحمد الله تعالى على ذلك-، ومن أساء فليستغفر الله، ثم إذا أساء فليستغفر الله، ثم إذا أساء فليستغفر الله، ثم إذا أساء فليستغفر الله، مع أني قد علمت أن أقوامًا سيعملون أعمالًا وضعها الله في رقابهم، وكتبها عليهم].
وهذا يدل على أن الخير والشر من عند الله ﷿.
قال: [وعن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: لو أراد الله ألا يعصى لم يخلق إبليس].
لأن إبليس وراءه الشر، لكن الذي خلقه هو الله ﷿؛ لأنه لا خالق غيره، ولا رب سواه، فهو رب كل شيء ومليكه، إذًا: أراد الله تعالى أن يعصى، ومعنى أراد أن يعصى: أنه لا يعصيه أحد إلا إذا أراد هو سبحانه وقوع هذه المعصية، وقدر هذه المعصية قدرًا كونيًا لا شرعيًا دينيًا.
قال: [فقد فصل لكم وبين لكم ما أنتم عليه (بفاتنين) بمضلين، إلا من قدر له أن يصلى الجحيم].
قال: [وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول في دعائه: وإنك إن كنت خصصت برحمتك أقوامًا أطاعوك فيما أمرتهم به، وعملوا لك فيما خلقتهم له؛ فإنهم لم يبلغوا ذلك إلا بك -أي: فإنهم لم يوفقوا إلى هذه الطاعة والعمل بالمشروع إلا بك -ولم يوفقهم لذلك إلا أنت، كانت رحمتك إياهم قبل طاعتهم لك].
يعني: أنت كتبت لهم الطاعة والرحمة قبل أن تخلقهم، وقبل أن يعملوا من الأعمال شيئًا.
[ ٥٨ / ٨ ]
تحذير عمر بن عبد العزيز من القدرية والتفريق بين دعاتهم وعامتهم
قال: [وقال عمر بن عبد العزيز: لا تغزوا مع القدرية؛ فإنهم لا ينصرون].
أي: أن القدرية إذا دخلوا في قتال لا ينصرهم الله ﷿؛ لأنهم أعداؤه، وهم مجوس هذه الأمة كما أخبر الصادق المصدوق ﵊.
وهذا يدل على أن تقوى الله ﷿، والتزام السنة، واتباع الأنبياء وأتباع الأنبياء، عليها مدار النصر، وهم الذين يكتب لهم الغلبة والنصر، وأما أهل البدع والزندقة والإلحاد فإنهم لا ينصرون، وإن نُصروا لا يثبتون على هذا النصر؛ فسرعان ما ينحدر؛ لأنه لا أساس لهم يركنون إليه، ولا قاعدة متينة سليمة يستندون إليها.
قال: [قيل لـ عمر بن عبد العزيز: إن قومًا ينكرون من القدر شيئًا، فقال عمر: بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا].
أي: أن الأصل في الدعوة أولًا: البيان والرفق؛ حتى يرجعوا عن مقالتهم السوء.
قال: [فقال قائل: هيهات هيهات يا أمير المؤمنين! لقد اتخذوه دينًا يدعون إليه الناس، ففزع لها عمر، فقال: أولئك أهل أن تسل ألسنتهم من أقفيتهم -أي: آن أن يقتلوا- هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار؟!].
وهنا ملحظ عظيم جدًا في هذا النص لأمير المؤمنين ﵁، وذلك لما قيل له: إن قومًا ينكرون شيئًا من القدر، قال: ادعوهم وبينوا لهم حتى يرجعوا عن هذه المقالة، قال قائل: يا أمير المؤمنين! هيهات، أي: هذا شيء بعيد جدًا؛ لأنهم قد اتخذوا هذه النحلة دينًا وصاروا يدعون إليها الناس، فانتقل الأمر من الشبهة المجردة في قلوبهم إلى العقيدة الراسخة التي صارت دينًا، وخروجًا على جماعة المسلمين، فذكر أن الأمر هنا يختلف.
لذلك فأهل السنة والجماعة دائمًا في كل بدعة من البدع يفرقون بين دعاة البدعة وبين أتباع البدعة، فدعاة البدعة غالبًا ما نجد أن أهل السنة والجماعة يكفرون الغلاة فيهم، كما كفر علماء العصر بالإجماع خميني إيران، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم المعتبرين تأخر عن تكفيره للخميني، وقد صنفت في ذلك رسائل، وسجلت في هذا التكفير أشرطة لأهل العلم: كالشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، واللجنة الدائمة للإفتاء والدعوة والإرشاد في السعودية، فقد أصدرت بالإجماع فتوى بتكفير الخميني، وحيثيات التكفير كثيرة جدًا، وليس هذا مكانها.
وهؤلاء الذين كفروا الخميني لم يكفروا الشعب الإيراني، ولذلك لو قرأت في (سير أعلام النبلاء) في ترجمة معاوية بن أبي سفيان ﵁، وفي ترجمة علي بن أبي طالب ﵁ لوجدت كلامًا رائعًا جدًا للإمام الذهبي.
فقال: ما ذنب أناس ولدوا في الشام، ورضعوا حب معاوية؟! ومعلوم أن الذي رضع حب معاوية لابد أن يسب عليًا، والذي نشأ في الكوفة ورضع حب علي وحب آل البيت يدفع الثمن بلعن وسب معاوية.
يقول: ما ذنب هؤلاء، فهم قوم نشئوا هكذا، فما وجدوا مقالة أخرى، وإنما نشئوا لم يسمعوا إلا شيئًا واحدًا، وهو تفضيل علي على معاوية، أو في الشام تفضيل معاوية على علي.
يقول: ما ذنب هؤلاء إلا أن يتخصصوا في العلم ويطلبوا ذلك هنا وهناك، ويتبين لهم الحق فيصروا على ما هم عليه، ثم يصل بهم الأمر إلى مرحلة التنظير لهذا المذهب الباطل، والتنظير يعني: أن يكون هناك عالم متفنن في بدعته، فحيئذ لابد أنه قد قامت عليه الحجة؛ لأنه قد نظر في كتب الخصم فعلم الحق، لكنه أصر على بدعته، فحينئذ يكفر بهذا، وأما أتباع أهل البدع ورعاع أهل البدع فإنهم لا يكفرون.
[ ٥٨ / ٩ ]
تأييد علماء السلف لهشام بن عبد الملك في قتله لغيلان الدمشقي
قال: [وعن رجاء بن حيوة: أنه كتب إلى هشام بن عبد الملك: بلغني يا أمير المؤمنين! أنه وقع في نفسك شيء من قتل غيلان وصالح -وهو صالح الدمشقي]، وذلك لما أمر هشام بن عبد الملك بقتلهم وصلبهم ثم ندم بعد ذلك، فأرسل إليه رجاء بن حيوة وهو سيد من السادات، فقال: [فوالله لقتلهما أفضل من قتل ألفين من الروم].
يعني: لا تندم على قتل هؤلاء.
قال: [وعن إبراهيم بن أبي عبلة قال: كنت عند عبادة بن نسي فأتاه رجل فأخبره أن أمير المؤمنين هشام قطع يد غيلان ولسانه وصلبه، فقال له: حقًا ما تقول؟ قال: نعم، قال: أصاب والله السنة والقضية ولأكتبن إلى أمير المؤمنين فلأحسنن له ما صنعه].
يعني: أنا سأكتب إليه كتابًا أحسن فيه فعله، وأمدحه على قتله لـ غيلان الدمشقي.
[ ٥٨ / ١٠ ]
باب ما روي عن جماعة من فقهاء المسلمين ومذهبهم في القدر
قال: [باب: ما روي عن جماعة من فقهاء المسلمين ومذهبهم في القدر].
[ ٥٨ / ١١ ]
أثر الأوزاعي: (القدرية خصماء الله)
الإمام الأوزاعي رجل من أهل السنة، بل هو من كبار أهل السنة، وهو الذي قال: [القدرية خصماء الله ﷿ في الأرض].
أي: أن القدرية ينازعون الله تعالى في القدر.
[قال الليث بن سعد في المكذب بالقدر: ما هو بأهل أن يعاد في مرضه، ولا يُرغب في شهود جنازته، ولا تُجاب دعوته].
يعني: إذا دعاك فلا تُجبه.
[ ٥٨ / ١٢ ]
الآثار الواردة عن مالك بن أنس في القدر
[وقال مالك بن أنس: ما أضل من يكذب القدر، لو لم تكن عليهم حجة إلا قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]].
أي: قبل أن يخلقكم علم الله أن منكم الكافر، ومنكم المؤمن.
[وعن مروان بن محمد قال: سألت مالك بن أنس عن تزويج القدري -أي: إذا تقدم إلي رجل يقول بالقدر ليتزوج ابنتي هل أزوجه؟ - قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة:٢٢١]].
يعني: أن القدري مشرك، ويكفينا في ذلك ما ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (القدرية مجوس هذه الأمة).
[وعن محمد بن إسحاق الصاغاني قال: قرأت على أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن مالك سمعه، وسئل عن الصلاة خلف أهل البدع من القدرية، فقال مالك: ولا أرى أن يُصلى خلفهم -إذًا: لا نزوجهم ولا نصلي خلفهم- قال: وسمعته وسئل عن الصلاة خلف أهل البدع؟ فقال: لا، ونهى عنه].
أي: أنه نهى عن الصلاة خلف أهل البدع.
[ ٥٨ / ١٣ ]
حكم الصلاة خلف أهل البدع
وقال رجل لبعض السلف: يا إمام! لقد صليت خلف رجل من أهل القدر، أو ممن ينكر القدر؟ قال: منذ كم وأنت تصلي خلفه؟ قال: منذ خمسين سنة، قال: أعد صلاتك منذ خمسين سنة! إنه شيء عجيب وعظيم جدًا، ولذلك نجد كثيرًا جدًا من أهل البدع وهم أئمة للمسلمين، فمنهم الأشعري المؤول، ومنهم المعتزلي العقلاني، ومنهم القدري، ومنهم المرجئ، ومنهم الخارجي، ومنهم ومنهم، فيتحرج المرء أشد الحرج أن يصلي خلف أحد، لكن لابد أن تعلم أن هذا أيضًا يجرنا إلى بدعة الخوارج، وأنهم لا يصلون إلا خلف أنفسهم فقط، ومن أشر البدع كذلك أن تتعنت أنت في اختيار إمامك الذي لا تعرفه.
فيدخل أحدهم مسجدًا من المساجد -كما يفعله بعض أهل الحجاز ولعلهم تلقوه من أهل البدع في مصر- ثم يخترق الصفوف حتى يصل إلى الإمام فيسأله عن الصفات، ويسأله في القدر، ويسأله في تقديم النقل على العقل، ويسأله عدة أسئلة، فإذا أحسن الإمام الجواب صلى خلفه وإلا فلا، وهذه أيضًا بدعة.
فإذا كنت تعلم يقينًا بغير بحث ولا تنقيب أن هذا الإمام من أهل البدع المكفرة فلا تصلي خلفه، وأما إذا كانت بدعته ليست مكفرة فهو فاسق بذلك، وأنت تعلمون أن الصلاة تصح على كل فاسق وخلف كل فاسق، كما قال أهل السنة والجماعة بجواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، وعلى كل بر وفاجر.
وأما الفجور الذي يؤدي به إلى الكفر فلا، لكن فجور يؤدي به إلى الفسق أو الظلم فحسب فالصلاة خلفه جائزة، وعليه كذلك جائزة، إلا لإمام يشار إليه بالبنان فيستحب ألا يصلى عليه؛ حتى يكون عبرة لأمثاله من الأحياء ألا يفعلوا فعله، ولا يصنعوا صنيعه.
أما أن تتعنت وتسأل عن الإمام فهذا لم يكن عليه أهل السنة والجماعة، إذا كنت تعلم أنه من أهل البدع فابتعد عنه، وإذا كان أمره على الستر فلا يحل لك أن تسأل، وإنما صل وانصرف.
وقد عانينا من أهل البدع في هذا الباب في مصر والشام سنوات عديدة في أوائل الثمانينات، فقد كان الواحد منهم وخاصة من أهل مصر يدخل مسجدًا من مساجد الشام فلا يصلي خلف الإمام إلا أن يوجه إليه الأسئلة، حتى علم أئمة البدعة والضلالة في الأردن وسوريا ولبنان هذه الأسئلة فحفظوها، وحفظوا الجواب المريح، فإذا سئلوا في القبلة بعد الإقامة أجابوا بما يريح السائل، وهم يعتقدون غير ذلك، وكانت فتنة عظيمة جدًا عمت البلاد في ذلك الوقت تقريبًا منذ سنة (١٩٨٢م) أو (١٩٨٣م) حتى سنة (١٩٨٧م) حتى جاء الأمر من السماء بطرد هؤلاء من الشام؛ لأن أرض الشام أرض مباركة، فلا يكاد يظهر فيها مبتدع أو تظهر فيها بدعة إلا ويفضح الله تعالى أمرهم، ويشتت شملهم، وأبعدهم عن هذه الديار والأراضي المباركة.
[ ٥٨ / ١٤ ]
الآثار الواردة عن الثوري في القدر
قال: [قال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان وقد قال له رجل: يا أبا عبد الله! أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: ما أجبر، قد علمت أن ما عمل العباد لم يكن لهم بد من أن يعملوا].
فقوله له: ما أجبرهم.
جواب ذكي، واعلم أن سفيان الثوري عاش في القرن الثاني الهجري، وكان يعيش في الكوفة، وقد امتلأت الكوفة بأهل البدع، وسفيان في هذا الميدان يكاد يكون لوحده يدعو إلى السنة، وكان في قمة الغضب والعصبية.
وقد سئل الخليل بن أحمد من امرأة: لقد رأيت أهل العلم أحد الناس كلامًا، وأسرعهم غضبًا، لم يا إمام؟ قال: لأن الحق معهم والباطل مع غيرهم، ومع هذا هم مصرون على باطلهم، رادون للحق الذي مع غيرهم.
فهذا هو السر الذي يجعل أهل الحق دائمًا في غضب وعصبية؛ لأنهم أصحاب حق، يرون العالم بأكمله في ضياع، والعالم كله ليس صاحب قضية، وهم يعلمون القضية، فلا شك أن هذا أمر يثير جدًا حفيظتهم؛ لأنهم يعلمون الحق من الله ﷿، ومن سنة النبي ﵊، فحيئذ يدخلهم من الهم والغضب والحزن ما الله به عليم.
وأما غيرهم فلا يفكر ولا يعلمون شيئًا، وبالتالي لا غرض ولا هدف لهم، وأما أهل العلم الصادقون فلهم غرض ولهم هدف من هذه الحياة، ويعلمون سنن الله تعالى الكونية في الخلق.
فقال: [أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: ما أجبرهم].
أي: إذا كنت تريد أن تعثرني فلن تستطيع؛ لأن الذي يقول: إن الله أجبر العباد على المعاصي ينفي قدرة العبد على الفعل، وينفي استطاعة العبد على الفعل، وينفي أن يكون للعبد مشيئة وإراده، مع أن الله أثبت أن له إرادة وأن له مشيئة، لكنها إرادة ومشيئة مندرجة تحت مشيئة الله ﷿، قال: ما أجبرهم، لكن لابد أن تعلم أن أعمال العباد كلها في علم الله، وتمت بقدرة الله.
والناظر في الكلامين -أي: في النفي والإثبات- يتصور أن النفي والإثبات شيء واحد، وبينهما فرق دقيق، وهو: نفي الجبر؛ لأن سفيان لو قال لهذا المبتدع: نعم جبر الله العباد على المعاصي؛ فلابد أن يكون السؤال التالي مباشرة: إذًا فلم يعذبهم؟ فهناك فرق بين الأمرين.
قال: [قال بشر بن المفضل: رأيت سفيان الثوري في المنام، فقال لي: يا بشر! أنا مدفون هاهنا في وسط القدرية].
فتصور أن واحدًا طول عمره مستمر في محاربة التبشير أو التنصير وهي التسمية الصحيحة، وحياته كلها يتنقل من بلد إلى بلد لمحاربة هذا المذهب الضال، وهذه الديانة الفاسدة، ثم في نهاية مطافه يموت في بلد من بلاد الكفر فيدفن في مقابر النصارى، بلا شك أن هذا أمر يعز عليه حتى بعد موته.
فـ سفيان الثوري عليه رحمة الله عاش حياة طويلة يحارب أمرين اثنين: الأول: أهل الرأي، فيرد الناس إلى الأثر بدلًا من اتباع قول فلان وعلان، فهذه كانت قضية من قضايا سفيان الثوري في الكوفة؛ ولذلك مدرسة سفيان كلها في الكوفة تسمى مدرسة: الأثر أو مدرسة الحديث، ومدرسة الأحناف تسمى: مدرسة الرأي، فكان بين الأحناف وبين أهل الحديث ما الله به عليم من الفتن والمشاكل في الكوفة.
الثاني: نبذ القدرية، وإظهار فساد هذا المذهب وبطلانه، ومع ذلك يختم به الأمر أن يدفن بين أقوام يتكلمون في القدر ويقولون بالقدر! فقال: يا بشر بن المفضل أبعد هذه الحياة الطويلة في حرب أهل البدع تدفنوني في وسط أهل القدرية؟! يعني: لا ينجو منهم لا حيًا ولا ميتًا، كأنه أراد أن يقول ذلك.
[ ٥٨ / ١٥ ]
تكفير السلف لمن زعم أنه يستطيع أن يفعل في ملك الله ما لا يشاؤه الله
قال: [قال أبو محمد الغنوي: سألت حماد بن سلمة وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل والمعتمر بن سليمان عن رجل زعم أنه يستطيع أن يشاء في ملك الله ما لا يشاء الله! فكلهم قال: كافر مشرك -أي: الذي يقول: أنا أستطيع ما لا يستطيعه الله، وأشاء ما لا يشاؤه الله؛ كافر مشرك- إلا معتمر بن سليمان التيمي قال: الأحسن بالسلطان استتابته، فإن تاب وإلا قتله]، ولو أن القدري استتابه الإمام ثلاثة أيام فلم يتب فقتله، أيكون هذا القتل ردة أم حدًا؟ هذا قتل ردة وليس قتل حد.
[ ٥٨ / ١٦ ]
رد ربيعة الرأي على غيلان الدمشقي في عقيدته في القدر
قال: [وعن سفيان قال: وقف غيلان على ربيعة]، وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بـ ربيعة الرأي، وكان شيخًا للإمام مالك في المدينة، وقد ورد في ترجمته قصة طويلة أنكرها الإمام الذهبي في السير، ولا داعي لسردها، أي: في طريقة تربية الإمام، ولا داعي لسردها ما دامت باطلة، ويكفي في ردها بطلانها.
قال: [وقف غيلان الدمشقي على ربيعة الرأي -وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني - فقال: يا ربيعة! أنت الذي تزعم أن الله يحب أن يعصى؟ فقال ربيعة: ويلك يا غيلان! أنت الذي تزعم أن الله يعصى قسرًا؟].
وللعلم هذا النص من أغلى النصوص عند أهل السنة والجماعة، فهي مناظرة تمت بكلمتين بين غيلان الدمشقي المبتدع القدري، وبين ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي إمام السنة.
قال غيلان: يا ربيعة! أنت الذي تزعم أن الله يحب أن يُعصى؟ أليست هذه المعصية تمت بقدر الله ﷿، وبإرادة الله ﷿، أم هناك أحد يستطيع أن يعصي الله تعالى قسرًا ورغمًا عن الله؟ أيستطيع أحد فعل ذلك؟ أيستطيع أحد أن يقول: أنا سأزني أو أقتل أو أسرق أو أشرب الخمر رضي الله أم أبى، شاء أم أبى، أيستطيع أحد أن يقول ذلك؟ لا، فالزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والصلاة بقدر، والصيام بقدر، وكل ما يكون في الكون بقدر، علمه الله تعالى في الأزل، وكتبه في اللوح المحفوظ، سواء كان خيرًا أو شرًا، ولا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن الخير والشر من عند الله ﷿.
فهو يقول له: ألستم تقولو يا أهل السنة: ما من شر في الأرض إلا والله يحبه؟ وهذا الكلام خطأ، فنبعد كلمة: (يحب)، ونضع بدلها كلمة (يريد).
والعجيب أنني وجدت هذا النص بهذا السياق هنا، وهو في كل كتب السنة: يا ربيعة أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ وهو نص صحيح، وأنا أتصور أن هذا تصحيف في هذه النسخة، لأن هذا خطأ عظيم جدًا، ولا يمكن لـ ربيعة أن يقع في هذا الخطأ العظيم.
وفي الدرس الماضي سألت سؤالًا فقلت: لو أنك بقيت سنة وأنت تدرس القدر، وفهمت ما قلت لك فإنك ستجيب الجواب الصحيح، وقلت لك: هل يجب الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به؟ فاختلطت أقوال الناس، فبعضهم قال: لا، وبعضهم قال: نعم، والجواب التفصيل: أما السؤال الأول: هل يجب الإيمان بالقضاء والقدر؟ ف
الجواب
نعم، يجب الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن كل ذلك من عند الله.
وأما الرضا بالقدر فإننا نرضى بما قدره الله شرعًا، ولا نرضى بما قدره كونًا، فلا نرضى بالمعاصي؛ لأننا لو رضينا بالمعاصي فقد رضينا بما أسخط الله وبما سخطه الله، فالله تعالى أراد القتل، وأراد الزنا، والسرقة وسائر المعاصي، ومعنى كلمة (أراد) أي: أذن في وقوعها في الكون، وعلم أن هذا العبد عامل لها، مقترف لها، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأن العبد مدرك ذلك لا محالة، هذا معنى: أن الله تعالى أراد المعصية، أي: أذن في خلقها ووجودها في الكون.
ولذلك ليست هي إرادة شرعية دينية، وإنما إرادة كونية قدرية، وبين الإرادة الشرعية الدينية والكونية القدرية عموم وخصوص، فكل إرادة شرعية دينية كونية قدرية، وليس كل إرادة كونية قدرية شرعية دينية، فالصلاة إرادة شرعية دينية ومع هذا هي كونية قدرية، فنحن نحب مِن قدر الله الذي وقع في الكون ما أراده ورضيه شرعًا، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك، ونسخط ما وقع بإرادة الله تعالى في الكون من معاصي وكفر وفسق وظلم وغير ذلك من كبائر وصغائر، وإن كنا نؤمن أنه وقع بقدرة الله ﷿، لكن نسخطه لأن الله تعالى سخطه وأبغضه، وحذر منه، ونهى عنه ورتب عليه العقوبات.
قال: [يا ربيعة! أنت تزعم أن الله يريد أن يعصى؟!].
وكلمة: (يريد أن يعصى) أراد بها ربيعة أن الله أراد ذلك إرادة كونية قدرية، لا شرعية دينية.
فقال ربيعة: [ويلك يا غيلان! وأنت الذي تزعم أن الله يعصى قسرًا؟!] يعني: أيستطيع أحد أن يعصي الله رغمًا عن الله؟ فلا يستطيع أحد أن يتحرك حركة ولا يسكن سكنة إلا بإرادة الله.
فهذه المناظرة مناظرة عزيزة جدًا تكتب بماء الذهب عند أهل السنة والجماعة.
[ ٥٨ / ١٧ ]
الأسئلة
[ ٥٨ / ١٨ ]
تحذير السلف من مجالسة أهل الأهواء والبدع وسماع كلامهم
السؤال
في الدرس الماضي كان الكلام على أن القدرية استغلوا كلام الحسن البصري في الوعظ في ترجيح مذهبهم في القدر، وقد تم إيضاحه والدفاع عن الحسن البصري، والسؤال هو: ما هو نص كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى؟
الجواب
إخفاء نص الحسن البصري عنك نعمة من نعم الله تعالى عليك، فلماذا تنقب عنه؟! وما الفائدة من أن تعلم ما قال الحسن؟ مع أنه قد مر بنا في الدرس الماضي كلام الحسن، لكني ما أردت أن نقف عنده حتى لا يعلق بقلب أحد ولا بذهن أحد شيء من البدعة، وأنا يحلو لي ألا أذكره أيضًا الآن، ويحلو لي أكثر ألا ترجع إليه.
وقد ذكرنا من قبل وفي هذا الكتاب: أن أهل السنة والجماعة كانوا إذا رءوا أو سمعوا واحدًا من أهل البدع يتكلم كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم؛ حتى ينصرف أهل البدع.
فهذا الإمام ابن سيرين فعل ذلك، فلما سئل عن سبب ذلك قال: القلب ضعيف! ومن هو محمد بن سيرين؟ إنه سيد التابعين في البصرة في زمانه، فهو لا يريد أن يسمع كلام أهل البدع؛ خشية أن يعلق في قلبه شيء من كلامهم، وأنت تريد أن تقتحم، فاتق الله ﷿، فأنت لم تدرك معنى منهج أهل السنة والجماعة منذ أول الكتاب، ففر من أهل البدع ومن كلامهم فرارك من الأسد.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٥٨ / ١٩ ]