شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١١]
مذهب الخوارج التكفير بالمعصية، ويحكمون على الفاسق بأنه كافر حلال الدم والمال، وقد خرجوا على المسلمين بعد مقتل عثمان ﵁.
[ ١١ / ١ ]
خروج الخوارج عن الوسطية وغلوهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وسار علي بن أبي طالب ﵁ إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل ثم يوم صفين ما هو مشهور، خرجت الخوارج المارقون على الطائفتين جميعًا، وكان النبي ﷺ قد أخبر بهم، وذكر حكمهم].
[ ١١ / ٢ ]
الخلاف في الفاسق الملي
المؤلف ﵀ يبين الخلاف في الفاسق الملي، وهو: المؤمن العاصي الموحد، الذي وحد الله وأخلص له العبادة، ولم يقع في عمله شرك لكنه اقترف بعض الكبائر، أو قصر في بعض الواجبات، وهذا يسمى الفاسق الملي، وهذا هو الذي جاءت النصوص بإثبات الإسلام له ونفي الإيمان عنه، كقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وقوله سبحانه في سورة الذاريات: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، وقوله سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
وقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: (أنه لما أعطى رجالًا وترك رجالًا قال سعد: وترك رجلًا هو أعجبهم إلي، قلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟! فقال: أو مسلمًا).
وهذا الصنف من الناس فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: أن الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان، إنما هم المنافقون، فيكون الإسلام هو الاستسلام في الظاهر، وذهب إلى هذا الإمام البخاري وجماعة، وقالوا: لأن الإسلام هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام.
القول الثاني: قول جمهور العلماء من السلف والخلف: أن هؤلاء الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان ليسوا منافقين، وإنما هم ضعفاء الإيمان، وهذا هو الذي يسمى الفاسق الملي، وهذا هو الأرجح والأصوب.
[ ١١ / ٣ ]
ذكر ما يؤيد أن العاصي مؤمن ضعيف الإيمان وليس كافرًا
وهذا القول يرجح من عدة مرجحات وهي: المرجح الأول: قوله ﷾ في سورة الحجرات: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، والحرف (لما) ينفى به ما قرب وجوده وانتظر، والمعنى أنه: لم يدخل الإيمان الكامل في قلوبكم، وسوف يدخل قريبا.
المرجح الثاني: أنه أثبت لهم الطاعة لله ورسوله وهم على حالهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤].
المرجح الثالث: أن الله تعالى خاطب هؤلاء بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات:١٤]، ولو لم يكونوا في هذا الحال مثابين لكان خلاف مدلول الخطاب.
المرجح الرابع: أنه وصف المؤمنين الذين حققوا إيمانهم بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥].
والفاسق الملي أو المؤمن الذي ارتكب بعض الكبائر أو قصر في بعض الواجبات يعطى مطلق الإيمان، أي: أصل الإيمان، وينفى عنه الإيمان المطلق، أي: الإيمان الكامل.
وهذا القسم يسميه بعض الناس الفاسق الملي، أي: أنه فاسق ولكنه داخل في ملة الإسلام، والناس تنازعوا في اسمه لا في حكمه، والذين يدخلون في مسمى الإسلام أقسام: القسم الأول: المنافقون.
القسم الثاني: الصادقون في إيمانهم.
القسم الثالث: الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب.
القسم الربع: الفاسق الملي، الذي له طاعات وحسنات، وله معاص وسيئات.
القسم الخامس: الكافر ظاهرًا وباطنًا من اليهود والنصارى والوثنيين.
والخلاف في الفاسق الملي، أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين، فبعد قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، ظهرت الخوارج وخالفوا في الفاسق الملي، وقالوا: إنه كافر، وخالفوا أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة على أنه مؤمن عاصٍ ضعيف الإيمان.
والخوارج قالوا: إنه كافر في الدنيا أو مخلد في النار في الآخرة، والمعتزلة قالوا: إنه خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر، وهو مخلد في النار كقول الخوارج.
[ ١١ / ٤ ]
بيان أصل الخوارج
وأول من تكلم في هذا وهو أصل الخوارج -كان في عهد النبي ﷺ، وهو الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ وقال: اتق الله واعدل، ولما سأل خالد ﵁ النبي ﷺ قتله قال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم)، أي: من كثرة عبادتهم.
فإذًا أول خلاف حصل في مسائل أصول الدين في الفاسق الملي، وقد حصل الخلاف بعد قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، وعندما بويع لأمير المؤمنين علي رضي عنه بايعه أكثر أهل الحل والعقد، وامتنع معاوية وأهل الشام من مبايعته، لا لأنه ليس أهلًا للخلافة بل لأنهم مطالبون بدم عثمان، وعلي ﵁ لم يمانع من أخذ قتلة عثمان، ولكنه ﵁ يطلب من معاوية وأهل الشام أن يبايعوه، وإذا هدأت الأمور وثبت على جماعة أنهم قتلوا أمير المؤمنين يقتص منهم.
ولكن أهل الشام امتنعوا اجتهادًا منهم فحصل الخلاف، وكل من الصحابة مجتهد، كما جاء في الحديث: (من اجتهد فأصاب فله أجران) كـ علي وأهل العراق، (ومن اجتهد وأخطأ فله أجر) كـ معاوية وأهل الشام.
فالمؤلف رحمه يبين أن هذا أول خلاف وقع في الإسلام في أصول الدين، وهو خلاف الخوارج، وكان بعد قتل أمير المؤمنين عثمان، وأصله اعتراض ذي الخويصرة التميمي الذي اعترض على النبي ﷺ، وقال: يا محمد! اتق الله واعدل، وفي اللفظ الآخر أنه قال: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.
وبعد وقعة النهروان خرجت الخوارج، ومرقت مارقة على حين فرقة من المسلمين فقتلهم علي ﵁ وجيشه، قال فيهم النبي ﷺ: (تقتلهم أدنى الطائفتين)، أي: أقرب الطائفتين إلى الحق.
فالمؤلف يبين هذا، ويبين أن الخوارج صحت فيهم الأحاديث عن النبي ﷺ، قال الإمام أحمد: صح حديث الخوارج من عشرة أوجه، بخلاف الأحاديث في القدرية وذمهم فإن رفعها ضعيف، والصحيح أنها موقوفة على الصحابة بخلاف الأحاديث في الخوارج فإنها أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لـ أحمد، وروى البخاري منها عدة أوجه، وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر].
الأحاديث صحت في الخوارج من عشرة أوجه، وخروج الخوارج كان في الوقت الذي حصل فيه الخلاف بين أهل الشام وأهل العراق يوم الجمل، ثم يوم صفين خرجت الخوارج على الطائفتين جميعًا: على طائفة علي وأهل العراق، وطائفة معاوية وأهل الشام.
[ ١١ / ٥ ]
صفات الخوارج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصح حديثهم حديث علي بن أبي طالب ﵁، وأبي سعيد الخدري ﵁ ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله حديثًا فوالله لئن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، وإن حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة].
هذا فيه بيان عناية الصحابة رضوان الله عليهم بحديث النبي ﷺ، فـ علي ﵁ يقول: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ، فأنا لا أحدث إلا عن يقين، فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، أما إذا حدثت فيما بيني وبينكم بعيدًا عن حديث الرسول ﷺ فإن الحرب خَدْعَة، يقال: خَدْعة، ويقال: خَدَعة، ويقال: خِدعْة، ويقال: خُدعة، بالضم لكن فيه ضعف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)].
هذا الحديث رواه البخاري ﵀، ومسلم، والنسائي، وأحمد، والبغوي، وابن حبان، وابن أبي عاصم، ومعنى: (أحداث الأسنان) أي: صغار الأسنان، وشباب صغار، وسفهاء الأحلام أي: ضعفاء العقول.
أسنانهم صغار وأحلامهم ضعاف تأولوا الأحاديث على غير تأويلها، وما فهموها، وأخذوا الأحاديث التي فيها الوعيد، والأحاديث التي جاءت في الكفار فجعلوها في المسلمين فحكموا على المسلمين بأحكام الكفار.
فإذا زنا المسلم كفروه، وإذا سرق كفروه، وإذا عق والديه كفروه، وإذا قطع رحمه كفروه، وإذا اغتاب كفروه، كل من فعل كبيرة فهو كافر عندهم ويخلدونه في النار؛ لضعف عقولهم وصغر أسنانهم، كما جاء في الحديث: (يقولن من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم)، وفي لفظ: (أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم).
وفي اللفظ الآخر: (يمرقون من الدين، ثم لا يعودون إليه)، وفي اللفظ الآخر: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، شبههم بعاد وهم قوم كفار، وفي لفظ: (لأقتلنهم قتل ثمود).
واحتج بهذا بعض العلماء على كفر الخوارج، وهو رواية عن الإمام أحمد أن الخوارج كفار؛ لأن النبي ﷺ قال: (يمرقون من الدين)، وأمر بقتلهم، وقال: (في قتلهم أجر لمن قتلهم عند الله)، وقال: (يمرقون من الإسلام، ثم لا يعودون إليه).
قال: هذا دليل كفرهم، وشبههم بعاد وبثمود وهم قوم كفار، فقال: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد).
ولهذا ذهب بعض العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ إلى أنهم كفار، ويختار هذا القول سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أن الخوارج كفار.
والقول الثاني: قول جمهور العلماء: أنهم ليسوا كفارًا ولكنهم مبتدعة؛ لأنهم متأولون، والصحابة ﵃ عاملوهم معاملة الفساق والمبتدعة، ولم يعاملوهم معاملة الكفار؛ لأنهم متأولون، وهناك فرق بين المتأول وبين الجاهل، فهم تأولوا وغلطوا، وقد استدلوا بقول علي ﵁ لما سئل عن الخوارج: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، وعلى قول الجمهور يكونون مبتدعة وليسوا كفارًا.
[ ١١ / ٦ ]
بداية خروجهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي سعيد ﵁ قال: (بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى النبي ﷺ من اليمن بذهيبة في أدم مقروض لم تحصل من ترابها)].
الأدم: الجلد، ومقروض، أي: مدبوغ بالقرض، والقرض: شجر يدبغ بورقه وثمره.
فـ علي ﵁ لما كان أميرًا على اليمن بعث إلى النبي ﷺ بذهيبة في جلد مدبوغ بالقرض.
وقوله: لم تحصل من ترابها أي: أنها لم تخلص من تراب معدنها؛ لأن الذهب إذا استخرج من الأرض يكون قطعة من الذهب، ثم بعد ذلك يجعل جنيهات، ويجعل حليًا، وغير ذلك، فهذه قطعة من الذهب أخذت من التراب على حالها ولم تصغ، فقسمها النبي ﷺ بين أربعة أشخاص من رؤساء القبائل في نجد وغيرها؛ لأنهم أسلموا حديثًا حتى يقوى إسلامهم.
فلما رأى رجل ذلك، قال: اعدل يا محمد! فطلب خالد ﵁ قتله، فالنبي ﷺ منعه من قتله، وقال: (إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم -وهم الخوارج- تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم) وهذا هو أصل الخوارج.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: فقسمها بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، فقال: ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله)].
هذا الرجل وصفه: أنه غائر العينين من الغور، أي: عيناه داخلتان في محاجرهما لاصقتان بمقر الحدقة، وهو ضد الجحوض، ومشرف الوجنتين أي: بارز العظمين المشرفين على الخدين، وناشز الجبهة أي: مرتفعة جبهته، كث اللحية، محلوق الرأس، وهذه سيما الخوارج، كما في الحديث: (سيماهم التحليق) فعلامة الخوارج حلق الرأس، يشددون ويتعبدون بحلق الرأس حتى يكون أبيض من شدة الحلق بالموسى.
فقال هذا الرجل: اتق الله، يا رسول الله! كيف تعطي الذهب بين أربعة ولا تعطينا؟ وفي اللفظ الآخر قال: اعدل.
فالنبي ﷺ قال: (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله)، وفي اللفظ الآخر أنه قال: (ويلك فمن لم يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله).
فهذا الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ هو أصل الخوارج.
[ ١١ / ٧ ]
جريان الأحكام على الظاهر
قال المصنف رحمه الله تعالى (قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد ﵁: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، لعله أن يكون يصلي، قال خالد ﵁: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)].
فيه أن الأحكام تجرى على الظاهر فمن كان يصلي فلا يقتل، ولهذا لما استأذن خالد ﵁ أن يضرب عنقه، قال: (لعله أن يكون يصلي، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال النبي ﷺ: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)، أي: فالأحكام على الظاهر، أما الخفي وما داخل النفس فالله أعلم به وهو يحاسبه، ولهذا فإن المنافقين تجرى عليهم أحكام الإسلام وهم منافقون في الباطن، إلا من أظهر نفاقه وكفره قتل من قبل ولاة الأمور، ومن لم يظهر نفاقه تجر عليه أحكام الإسلام: من الإرث، والتغسيل، والنكاح، وجميع الأحكام.
وجاء في اللفظ الآخر: أن النبي ﷺ بين أنه منعهم من ذلك لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
قال المؤلف: (قال: ثم نظر إليه وهو مقف).
قوله: (مقف)، أي: قد ولاه قفاه، وهذا الرجل اعترض على النبي ﷺ وقفى، فلما ذهب وأعطاهم قفاه، قال النبي ﷺ: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال: أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، اللفظ لـ مسلم.
قوله: (من ضئضئ هذا) من نسله وعقبه، قال: (لأقتلنهم قتل عاد) ذكر في الحاشية أن لفظ: (عاد) من رواية مسلم، وعند مسلم: (لأقتلنهم قتل ثمود)].
واحتج بهذا الإمام أحمد في رواية على كفر الخوارج؛ لأنه شبههم بثمود وعاد وهم قوم كفار، وقال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) في اللفظ الآخر: (ثم لا يعودون إليه)، قالوا: وهذا دليل على كفرهم.
والقول الثاني لأهل العلم وهم الجمهور: أنهم مبتدعة وعصاة وليسوا كفارًا؛ لأنهم متأولون، وهو الذي عليه عمل الصحابة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد ﵁: (أن النبي ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق)].
الفُرقة بالضم: الخلاف، أما الفرقة بالكسر: الجماعة، وقوله: (يخرجون في فرقة من الناس) يعني: الخلاف الذي حصل بين علي وأهل العراق، ومعاوية وأهل الشام، وقد خرجوا في وقت الخلاف، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، وأنه رسول الله حقًا، حيث أخبر أنهم يخرجون في وقت الفرقة والخلاف فخرجوا بعدما حصل قتال بين علي وأهل الشام.
وقوله: (سيماهم التحليق) أي: علامتهم حلق الرأس، فيشددون في حلق الرأس ولا يتركونه يطول، ويحلقونه حلقًا كاملًا ويشددون في هذا، فهذه علامتهم وسيماهم.
[ ١١ / ٨ ]
الخلاف بين علي ومعاوية ﵄
[ ١١ / ٩ ]
بيان أقرب الطائفتين إلى الحق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد: (أن النبي ﷺ: ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم قال: شر الخلق أو من شر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)].
قوله: أدنى أي: أقرب الطائفتين إلى الحق، فقتلهم جيش علي ﵁، فدل على أن عليًا ﵁ أقرب إلى الحق من معاوية وأهل الشام.
وفي اللفظ الآخر: (عمار تقتله الفئة الباغية)، وقد قتله جيش معاوية وأهل الشام، فدل على أن معاوية وأهل الشام بغاة، لكن لا يعرفون أنهم بغاة، وهم مجتهدون لهم أجر الاجتهاد وفاتهم أجر الصواب، وعلي ﵁ وأصحابه مجتهدون مصيبون لهم أجر اجتهاد وأجر الصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو سعيد ﵁: أنتم قتلتموهم يا أهل العراق، وفى لفظ له: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق)، وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للحسن بن علي ﵄: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)].
وقوله: (ابني هذا سيد) وهو ابن ابنته فاطمة فدل على أن ابن الابن وابن البنت يسمى ابنًا، قوله: سيد، وفي اللفظ الآخر: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وقوله: (وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)، فيه دليل على أن معاوية وأهل الشام وعليًا وأهل العراق كلهم مؤمنون؛ لأنه وصفهم بالإيمان، وفيه الرد على من كفرهم من الخوارج وغيرهم.
ولما قتل علي ﵁ وبايع الناس ابنه الحسن بالخلافة، فبقي في الخلافة ستة أشهر، ثم تنازل عن الخلافة لـ معاوية ﵁ بشرط حقن دماء المسلمين، فأصلح الله به بين فئتين عظيمتين، ووضعت الحرب أوزارها، وبويع لـ معاوية بالخلافة في عام أربعين من الهجرة، وسمي ذلك العام عام الجماعة، واجتمع الناس كلهم على معاوية ﵁.
فيكون معاوية أول ملوك المسلمين وبه انتهت الخلافة، قال النبي ﷺ: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، وآخر الثلاثين السنة الستة أشهر التي تنازل فيها الحسن بن علي ﵁ لـ معاوية بن أبي سفيان ﵁.
والمصنف ﵀ ذكر في موضع آخر أن الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ كان قتله جائزًا، ولكن النبي ﷺ بين أن قتله لم يحل؛ لأن سفك الدماء بغير الحق من أكبر الكبائر، إلى إن قال: ولما قال ذو الخويصرة: اعدل فإنك لم تعدل، وإنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ذكر هذا ﵀ في الصارم المسلول.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن ﵁ كان أحب إلى الله ورسوله من اقتتالهما، وأن اقتتالهما وإن لم يكن مأمورًا به، فـ على بن أبي طالب ﵁ وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية ﵁ وأصحابه، وأن قتل الخوارج مما أمر به النبي ﷺ].
الأقرب: بدل كلمة (قتل): قتال؛ لأن إمام المسلمين قد قاتلهم، وأن قتال الخوارج أحسن، وليس للإنسان أن يأخذ واحدًا من الخوارج ويقتله، فتصير المسألة فوضى، لكن هذا إمامه يكشف شبهته إذا كان له شبهه، فإن أبوا قاتلهم الإمام.
[ ١١ / ١٠ ]
أصل الخلاف بين علي ومعاوية ﵄
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة].
قوله: (على قتالهم) هذا يبين المراد، وهذه أربع فوائد استنبطها المؤلف ﵀ من هذا الحديث: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين).
الفائدة الأولى: أن كلًا من الطائفتين مؤمنة وليسوا كفارًا، فـ علي وأهل العراق ومعاوية وأهل الشام كلهم مؤمنون، وفيه الرد على من كفرهم.
الفائدة الثانية: أن اصطلاح الطائفتين أحب إلى الله من القتال، وقد اصطلحوا على يد الحسن.
الفائدة الثالثة: أن قتال الطائفتين مع كونه غير مأمور به، لكن عليًا وأهل العراق أقرب إلى الحق من معاوية وأهل الشام؛ لأن عليًا ﵁ هو الخليفة الذي بايعه أكثر أهل الحل والعقد فثبتت له الخلافة، فيجب على معاوية وأهل الشام أن يبايعوه، لكن اجتهد معاوية وأهل الشام، وهم لا يمانعون في أنه يستحق البيعة، لكن قالوا: أولًا نطالب بدم عثمان ونحن أولياؤه، ومعاوية يرى أنه من أوليائه، وعلي ﵁ لا يمانع، لكن يقول: لا نستطيع أن نأخذ قتلة عثمان في هذا الوقت، فهو وقت التباس واشتباه ووقت فتنة، ولا يعرف أحدًا بعينه من الذين قتلوه فقد اندسوا ودخلوا في قبائلهم.
فإذا هدأت الأمور استطعنا أن نأخذهم بعد ثبوتهم، لكن معاوية وأهل الشام قالوا: نريد أن نأخذهم الآن، فحصل الخلاف، ورأى علي ﵁ أنه يجب عليه أن يقاتلهم ويجب أن يخضعوا؛ لأنه يجب عليهم أن يبايعوه وألا يشقوا عصا المسلمين، ومعاوية وأهل الشام مجتهدون قالوا: نحن نطالب بدم عثمان ولا نريد الخلافة، فحصل الخلاف، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.
وأكثر أهل العلم وأكثر الصحابة انضموا إلى علي ﵁ ورأوا أن الحق معه، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩].
قالوا: طائفة معاوية وأهل الشام بغت فيجب قتالهم بنص الآية: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، وبعض الصحابة مثل معاوية وأهل الشام أشكل عليهم الأمر وما فهموا هذا المثال، بل فهموا أنهم يطالبون بدم عثمان.
وبعض الصحابة اشتبه عليهم الأمر، فتوقفوا واعتزلوا الفريقين، منهم سلمة بن الأكوع الذي ذهب إلى البادية وتزوج، وقال: إن النبي ﷺ أذن له في البدو، ومنهم: أسامة بن زيد وابن عمر وجماعة اشتبه عليهم الأمر فاعتزلوا الفريقين.
وأكثر الصحابة اتضح لهم الأمر وعلموا أن عليًا ﵁ مصيب، وأنه يجب أن ينصر، وهو الخليفة الراشد الذي تمت له البيعة فمن لم يبايع يجب قتاله، وهذا هو الصواب أن علي هو الذي معه الحق وهو الخليفة بنص حديث معاوية (عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية)، وقد قتله أهل الشام.
وحديث الخوارج: (تقتلهم أدنى الطائفتين)، أي: تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، فقتلهم علي ﵁، فدل على أنهم أقرب إلى الحق.
ولكن معاوية وأهل الشام مجتهدون، فلا يجوز للإنسان أن يطعن في الصحابة ولا يتكلم فيهم، والصحابة رضوان الله عليهم كلهم مجتهدون، من أصاب فله أجران أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، ومن أخطأ فله أجر الاجتهاد وفاته أجر الصواب، ولهم من الحسنات من جهادهم مع رسول الله ﷺ وسبقهم إلى الإيمان ونشرهم للإسلام ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، ونقول كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠].
[ ١١ / ١١ ]
موقف أهل السنة من الخلاف بين الصحابة
وكما قال بعض السلف: هذه الحروب والقتال الذي حصلت نزه الله منها أيدينا فنسأل الله أن ينزه ألسنتنا منها، لكن أهل البدع تجدهم يطعنون في الصحابة، يطعنون في علي، ويطعنون في معاوية، وهذا خطأ، وهو خلاف معتقد أهل السنة والجماعة.
فالواجب الترضي على الجميع، وأن نعتقد أنهم مجتهدون ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر، وما ينقل عن الصحابة كما قال شيخ الإسلام ﵀ في الواسطية: منه ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنه ما له أصل ولكن زيد فيه ونقص، ومنه ما هو صحيح، والصحيح هم فيه بين مصيب مجتهد له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر، ولهم من الحسنات ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، هذا هو الواجب على المسلمين، أما الكلام في الصحابة والطعن فيهم، وذكر مساوئهم، فهذا من طريقة أهل البدع.
أما أهل السنة والجماعة فإنهم يترضون عن الجميع، ويترحمون على الجميع، ويعتقدون أن قتالهم ليس للهوى ولا للعصبية وإنما هو عن اجتهاد، ويعتقدون أن لهم من الحسنات من السبق إلى الإيمان والجهاد مع النبي ﷺ ونشر الإسلام والدعوة إلى الله، ما يغطي ما صدر عنهم ما الهفوات.
ونقول في الجميع كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
فإياك أن تلوث لسانك في الطعن في الصحابة فإن هذا شعار أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، والروافض هم الذين يطعنون في الصحابة ويسبونهم، نسأل الله السلامة والعافية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الخوارج لهم أسماء يقال لهم: الحرورية؛ لأنهم خرجوا بمكان يقال له: حروراء، ويقال لهم: أهل النهروان؛ لأن عليًا ﵁ قاتلهم هناك].
الخوارج لهم أسماء فيسمون: الحرورية؛ لأنهم خرجوا في مكان في العراق يسمى حروراء، فنسبوا إليه فيقال لهم: الحرورية، ومن ذلك أن عائشة ﵂ سألتها امرأة، فقالت: يا أم المؤمنين، ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ففهمت عائشة أنها معترضة، وأن السؤال سؤال اعتراض، فقالت: أحرورية أنت؟ أي: هل أنت من الخوارج من بلدة حروراء فتعترضين؟ لأن الخوارج يعتقدون أن الحائض تقضي الصلاة مثل الصوم، فهذه المرأة ليست من الخوارج، لكنها لم تحسن السؤال، فكأنها تقول: ما الحكمة في كون الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لكن قالت: ما بالها؟ ففهمت منها أنها معترضة وأنها من الخوارج فقالت: أحرورية أنت؟ أأنت من الخوارج؟ قالت: لا، لست بحرورية ولكن لأفهم، فقالت عائشة ﵂: (هكذا كان يصيبنا على عهد رسول الله ﷺ، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
فهذه الفرقة تسمى الحرورية نسبة إلى حروراء، ويسمون أهل النهروان؛ لأن عليًا قاتلهم بمكان يقال له: النهروان، ويسمون الخوارج؛ لأنهم خرجوا على الطائفتين، على علي ﵁ وعلى معاوية، وكفروا الجميع، وقالوا: علي كافر، ومعاوية كافر وعثمان كافر، قالوا: لأنهم تقاتلوا؛ ولأنهم حكموا الرجال في كتاب الله فكفروا، فهذا هو مذهبهم يكفرون المسلمين بالمعاصي.
ومذهبهم باطل خبيث فهم يخلدون المؤمنين في النار، ويكفرونهم بالمعاصي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصنافهم الإباضية أتباع عبد الله بن أباض، والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، والنجدات أتباع نجدة الحروري].
الخوارج أصناف كثيرة ذكر الذين كتبوا في الفرق أنهم يبلغون ما يقرب من أربع وعشرين فرقة، منهم الإباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، ومنهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، ومنهم النجدات، ومنهم الصفرية، فلهم فرق كثيرة متعددة، ولو راجعت كتب الفرق مثل الفرق بين الفرق للبغدادي، والملل والمحل للشهرستاني وغيرها، ففي الفصل والملل لـ ابن حزم يذكر أن الخوارج أربع وعشرون فرقه أو اثنتان وعشرون فرقة، والشيعة أربع وعشرون فرقة.
[ ١١ / ١٢ ]
من اعتقادات الخوارج
[ ١١ / ١٣ ]
تكفير الخوارج لأهل القبلة بالذنوب واستحلال دمائهم بذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بما يرونه هم من الذنوب].
هذا معتقدهم، وأول من كفر أهل القبلة بالذنوب الخوارج، والمراد بأهل القبلة المسلمون الذين يتجهون إلى الكعبة في الصلاة، وفي الذبح، وفي الدعاء، والمسلمون يسمون أهل القبلة؛ لأنهم يستقبلون القبلة في الصلاة، وفي الذبح، وفي الذكر، وفي الدعاء.
وبعد قتل عثمان ﵁ خرجت الخوارج فكفروا أهل القبلة بالذنوب، والمعاصي لا يكفر بها الإنسان، إنما يكفر إذا أتى بمكفر، أما المعصية فلا يكفر بها، فهو بالزنا لا يكفر إلا إذا استحله، وبها يكون مؤمنًا ضعيف الإيمان.
وكذلك شرب الخمر لا يكفر به فيقال فيها: هو ضعيف الإيمان، إلا إذا اعتقد أنه حلال، وإذا تعامل بالربا يكون ضعيف الإيمان وإذا عق والديه ضعيف الإيمان وإذا شهد الزور ضعيف الإيمان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك].
إذا زنا أو سرق كفروه وقتلوه فيستحلون دمه وماله، ويعاملونه معاملة الكافر: دمه حلال وماله حلال كالكافر سواء بسواء، بل يسمونه كافرًا، ويخلدونه في النار، ويحلون الدم والمال نعوذ بالله.
ومن العجيب أنهم يقاتلون المسلمين ولا يقاتلون عباد الأوثان، كما جاء في الحديث: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)، فأهل الإسلام يقتلونهم، وأهل الأوثان الذين يعبدون الأوثان والأصنام يتركونهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فكانوا بذلك كانوا كما نعتهم النبي ﷺ: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، وكفروا علي بن أبي طالب ﵁ وعثمان بن عفان ﵁ ومن والاهما].
[ ١١ / ١٤ ]
اتصاف الخوارج بقتل المسلمين وترك الكفار
وكذلك معاوية، فكفروا الجميع؛ كفروا عثمان وعليًا ومعاوية، ولهذا تواطؤ الخوارج في ليلة واحدة على قتل ثلاثة، يقولون: إنهم زعماء الكفر، وانتدبوا لكل واحد واحدًا من الخوارج، لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، أما علي فإنه لما خرج إلى الصلاة وكان قد اختبأ له عبد الرحمن بن ملجم فقتله.
وأما معاوية فإنه جرحه وسلم، وأما عمرو بن العاص فإنه تخلف تلك الليلة فسلم، وهذا الذي قتل عليًا ﵁ يسمى عبد الرحمن بن ملجم وكان يرى أنه متقرب إلى الله، ويرى أنه فاز في قتله، وأنه رفع بها درجات، وهناك أبيات في مدحه يمدحه بها واحد من الخوارج ويقول: فاز بها عبد الرحمن درجات بقتله علي ﵁، وهذه عقيدة خبيثة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقتلوا علي بن أبي طالب ﵁ مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالًا فارقوا السنة والجماعة].
هناك أبيات يقول فيها: يا ضربة من تقي ما أرد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا.
إني لأذكره يومًا فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانًا وقد رد عليه رجل من أهل السنة والجماعة ﵀ فقال: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ عند ذي العرش سخطانا أني لأذكره يومًا فألعنه دينًا وألعن عمران بن حطانا قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن وكافر].
هذا مذهب الخوارج وهو أن الناس قسمان: مؤمن أو كافر فقط، والعاصي أدخلوه مع الكافر.
وأهل السنة قسموا الناس ثلاثة أقسام أو أربعة أقسام: مؤمن محقق الإيمان، ومؤمن ضعيف الإيمان، وكافر، والمنافق الذي دخل في الإسلام ظاهرًا، وعندهم أن المؤمن هو فاعل جميع الطاعات وتارك جميع المنكرات، والكافر هو الذي فعل الكفر أو فعل المعصية، فإذا قصر في بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات فهو كافر، وهذا مذهب الخوارج.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا: إن عثمان ﵁ وعليًا ﵁ ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارًا].
انتهى بيان مذهب الخوارج الذين يقولون: الناس قسمان: مؤمن وكافر، والمؤمن عند الخوارج من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فالإيمان عندهم: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، مثل أهل السنة.
لكن يأتي بعد ذلك الفرق، فأهل السنة يقولون: إذا أخل ببعض الواجبات، أو فعل بعض المحرمات صار ضعيف الإيمان ولا يخرج بذلك عن الإسلام، وهم يقولون: إذا أخل ببعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات فهو كافر مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كافرًا، فكفروا عثمان وعليًا ومعاوية.
قالوا: لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله؛ ولأنهم ظلموا فصاروا كفارًا، فالظالم كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، فكفروا الجميع نسأل السلامة والعافية.
[ ١١ / ١٥ ]