شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [١٣]
تعددت فرق أمة محمد في الإيمان، ومن هذه الفرق الجهمية والمعتزلة والخوارج والإباضية والصفرية والشيعة بمذاهبها، وكلها ذهبت مذاهب باطلة وخالفت منهج أهل السنة والجماعة وما كان عليه السلف الصالح.
[ ١٣ / ١ ]
ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر ولا تخرج من الإيمان
قال المؤلف ﵀: [باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان: قال أبو عبيد: حديث النبي ﷺ: (لعن المؤمن كقتله)، وكذلك قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه)، ومنه قول عبد الله: شارب الخمر كعابد اللات والعزى وما كان من هذا النوع مما يشبه فيه الذنب بآخر أعظم منه، وقد كان في الناس من يحمل ذلك على التساوي بينهما، ولا وجه لهذا عندي؛ لأن الله قد جعل الذنوب بعضها أعظم من بعض فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] في أشياء كثيرة من الكتاب والسنة يطول ذكرها، ولكن وجوهها عندي أن الله قد نهى عن هذه كلها، وإن كان بعضها عنده أجل من بعض، يقول: من أتى شيئًا من هذه المعاصي فقد لحق بأهل المعاصي كما لحق بها الآخرون؛ لأن كل واحد منهم على قدر ذنبه قد لزمه اسم المعصية، وإن كان بعضهم أعظم جرمًا من بعض].
هذا الباب عقده المؤلف ﵀ لبيان ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر وليس فيها بيان أنها شرك أو كفر، بل تلحق بالكبائر ولا يخرج صاحبها عن الإيمان، فهي مثل الذنوب التي سميت شركًا أو كفرًا، كالحلف بغير الله وكالطعن في النسب.
فكذلك الذنوب التي تلحق بالكبائر فإنها لا تخرج صاحبها عن الإيمان وإنما يكون صاحبها مرتكبًا لكبيرة فيكون ضعيف الإيمان وناقص الإيمان.
وحديث النبي ﷺ: (لعن المؤمن كقتله) الحديث أخرجه مسلم ﵀، وفيه أن النبي ﷺ شبه لعن المؤمن بالقتل، والقتل كبيرة وكذلك اللعن كبيرة، فيكون لعن المؤمن كبيرة، فإذا لعن الإنسان مؤمنًا ضعف إيمانه ونقص، كما أنه إذا قتله ضعف إيمانه ونقص.
قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه)، هذا الحديث أخرجه الدارقطني وأبو نعيم عن ابن مسعود وله شاهد في مسلم.
وكما أن دم المسلم حرام فكذلك ماله حرام، فإذا أخذ ماله بغير حق ارتكب كبيرة وضعف إيمانه ونقص.
قول عبد الله: شارب الخمر كعابد اللات والعزى، هو عبد الله بن مسعود، شبه شارب الخمر بعابد اللات، أي: شبه الذنب بذنب آخر، وإن كان عابد الوثن مرتكبًا للشرك الأكبر إلا أن المشبه أقل من المشبه به، فتشبيهه به يدل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب، وهذا على فرض صحة الحديث، وهو موقوف على عبد الله، والمحشي يقول: إنه صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ ولم أره موقوفًاَ على ابن مسعود.
فالمقصود أن هذا فيه تشبيه، شبهه بالشرك، لكن المشبه أقل من المشبه به، ولهذا قال المؤلف: (وما كان من هذا النوع مما يشبه في الذنب بآخر أعظم منه، وقد كان في الناس من يحمل ذلك على التساوي بينهما، ولا وجه لهذا عندي) أي: بعض الناس يسوي بين المشبه والمشبه به فيقول: لعن لمؤمن كقتله في الجريمة، لكن هذا ليس بصحيح، فالقتل أشد من اللعن، كذلك (حرمة ماله كحرمة دمه) فحرمة الدم أعظم من حرمة المال.
و(شارب الخمر كعابد الوثن) ولا شك أن شارب الخمر ليس كعابد الوثن، ومن يحمل ذلك على التساوي ويجعل المشبه كالمشبه به قال فيه المؤلف: (ولا وجه لذلك عندي؛ لأن الله قد جعل الذنوب بعضها أعظم من بعض) يعني: أن الله تعالى قسم الذنوب إلى كبائر وصغائر، والكبائر بعضها أكبر من بعض، وكل كبيرة هي صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها وكبيرة بالنسبة إلى ما دونها.
واستدل بقول الله تعالى: ﴿(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] في أشياء كثيرة من الكتاب والسنة يطول ذكرها) يقول: هذه أمثلة وإلا فالأدلة كثيرة، (ولكن وجوهها عندي) يعني: معنى هذه النصوص وتفسيرها (أن الله قد نهى عن هذه كلها، وإن كان بعضها عنده أجل من بعض) فالله تعالى نهى عن الكبائر وإن كان بعضها أكبر من بعض، فنهى عن لعن المؤمن ونهى عن قتله ونهى عن ماله ودمه، وإن كان بعضها أكبر من بعض، فالقتل أعظم من اللعن، وحرمة الدم أعظم من حرمة المال، لكن يجمعها شيء واحد وهو أن الله نهى عنها كلها وإن كان بعضها عنده أجل من بعض عند الله.
قوله: (من أتى شيئًا من هذه المعاصي فقد لحق بأهل المعاصي كما لحق بها الآخرون؛ لأن كل واحد منهم على قدر ذنبه قد لزمه اسم المعصية، وإن كان بعضهم أعظم جرمًا من بعض) المعنى أن الذنوب التي تلحق بالكبائر أو تلحق بما هو أكبر منها كلها معاص تنقص الإيمان وتضعفه كالكبائر لا تخرج صاحبها من الملة.
قال المؤلف ﵀: [وفسر ذلك كله الحديث المرفوع حين قال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠])، فقد تبين لنا الشرك والزور، وإنما تساويا في النهي، نهى الله عنهما معًا في مكان واحد فهما في النهي متساويان، وفي الأوزار والمأثم متفاوتان].
المؤلف يفسر هذا أن الذنب قد يلحق بالذنب وإن لم يبلغ مرتبته حديث: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله) هذا إذا صح الحديث، وأظنه ضعيفًا، لكن على فرض صحته، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، فقرن قول الزور بالشرك بالأوثان، ومعلوم أن قول الزور أقل من عبادة الأوثان، فهذا ألصق بهذا؛ لأن هذا كبيرة وهذا كبيرة، والرجس من الأوثان كبيرة تصل إلى الشرك وقول الزور كبيرة لا تصل الشرك.
فإلحاق الذنب بما هو أكبر منه يجعله كبيرة ولا يخرج صاحبه من الإيمان، فلا يخرج بقول الزور وشهادة الزور من الإيمان، ولهذا قال المؤلف: (فقد تبين لنا الشرك والزور، وإنما تساويا في النهي، نهى الله عنهما معًا في مكان واحد) في آية: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] (فهما في النهي متساويان، وفي الأوزار والمأثم متفاوتان) فهذا شرك أكبر يخرج من الملة وهذا معصية.
[ ١٣ / ٢ ]
أمثلة على تفاوت الجرائم والمعاصي وتفاوت من يفعلها
قال المؤلف ﵀: [ومن هنا وجدنا الجرائم كلها، ألا ترى السارق يقطع في ربع دينار فصاعدًا، وإن كان دون ذلك لم يلزمه قطع؟ فقد يجوز في الكلام أن يقال: هذا سارق كهذا، فيجمعهما في الاسم وفي ركوبهما المعصية، ويفترقان بالعقوبة على قدر الزيادة في الذنب].
المعنى أننا نجد الجرائم والمعاصي كلها بينها تفاوت، فقد يكون مسماها واحدًا والذين يفعلونها متفاوتون فيها، ولهذا قال: (ألا ترى السارق يقطع في ربع دينار فصاعدًا وإن كان دون ذلك لم يلزمه قطع)، ربع الدينار ثلاثة دراهم، فإذا سرق ما يبلغ ربع دينار قطعت يده وإذا سرق ألفًا تقطع يده، وإذا سرق ألفين تقطع يده، والذي يسرق دينارًا يسمى سارقًا، والذي يسرق ثلاثة دنانير كذلك، والذي يسرق ألف أو مليون دينارًا كلهم يطلق عليهم لفظ السارق، لكنهم متفاوتون في الجريمة والمعصية، ولهذا قال المؤلف ﵀: (ألا ترى السارق يقطع في ربع دينار فصاعدًا، وإن كان دون ذلك لم يلزمه القطع، فقد يجوز في الكلام أن يقال: هذا سارق) فالذي سرق دينارًا سارق، والذي يسرق ألف سارق فهما في الاسم سواء، كل منهما يسمى سارقًا وكل منهما عاص، ويفترقان في العقوبة على قدر الزيادة في الذنب، فالذي يسرق الملايين ذنبه أعظم من الذي يسرق دينارًا واحدًا، وإن كان كل منهما يسمى سارقًا، فدل ذلك على أن الذنوب والمعاصي والكبائر تتفاوت، وهي كلها تضعف الإيمان.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك البكر والثيب يزنيان، فيقال: هما لله عاصيان معًا، وأحدهما أعظم ذنبًا وأجل عقوبة من الآخر].
فالبكر والثيب يزنيان وكل منهما زان وعاص عند الله، وكل منهما مرتكب لكبيرة، لكن الثيب أعظم ذنبًا وأعظم عقوبة، فالثيب يرجم بالحجارة حتى يموت، والبكر يجلد مائة جلدة ويغرب عامًا، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ: (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم) أو كما جاء في الحديث.
إذًا: الثيب يرجم والبكر يجلد، فهما وفعا في إثم واحد وهو الزنا، ولكن العقوبة متفاوتة، وكل منهما ضعيف الإيمان، وكذلك المؤمنون يتفاوتون في إيمانهم، فالذي يرتكب الكبيرة العظيمة يضعف إيمانه، والذي يرتكب كبيرة أقل منها يضعف بقدرها، فيكون الذي يرتكب الكبيرة العظيمة إيمانه ضعيفًا، فالزاني الثيب أضعف إيمانًا من الزاني البكر، بل يكون إيمانه أشد ضعفًا.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك قوله: (لعن المؤمن كقتله) إنما اشتركا في المعصية حين ركباها، ثم يلزم كل واحد منهما من العقوبة في الدنيا بقدر ذنبه].
فالذي يلعن مؤمنًا والذي يقتل مؤمنًا كل منهما يسمى عاص، فاللاعن عاص والقاتل عاص لكن هل العقوبة واحدة والذنب واحد؟ لا، القاتل يقتل عمدًا عدوانًا، واللاعن لا يقتل ولكن يقتص منه، وكذلك في الإيمان يتفاوتان، فقاتل المؤمن ذنبه عظيم وإيمانه ناقص، وهو أضعف إيمانًا من اللاعن.
قال المؤلف ﵀: [ومثل ذلك قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه) وعلى هذا وما أشبه أيضًا].
لا شك أن من أخذ مال المسلم بغير حق مرتكب للكبيرة، ومن قتله بغير حق مرتكب للكبيرة، لكن من سفك الدم بغير حق أعظم ذنبًا وإيمانه أشد ضعفًا ممن أخذ المال، وكل منهما يسمى عاصيًا مرتكبًا لكبيرة، وكل منهما ناقص الإيمان.
والمؤلف ﵀ يبين أن الناس يتفاوتون في إيمانهم، وليسوا على حد سواء، خلاف المرجئة الذين يقولون: الإيمان واحد، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد، وإيمان أفجر الناس وأتقى الناس واحد.
فالذي يقتل ويزهق النفوس ويأخذ الأموال ويشرب الخمور هذا إيمانه مثل إيمان أتقى الناس وأعبد الناس، على حد زعمهم، وهذا من أبطل الباطل.
فالمؤلف ﵀ يبن أن الناس يتفاوتون في الإيمان على حسب تفاوتهم في التقوى والإيمان والطاعة والعمل الصالح، وكذلك يتفاوتون في ضعف الإيمان على حسب الجرائم والكبائر التي ارتكبوها، فالقاتل إيمانه أشد ضعفًا ممن لعن المؤمن أو سبه.
[ ١٣ / ٣ ]
الأسس التي مشى عليها المؤلف في رسالته
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: كتبنا هذا الكتاب على مبلغ علمنا وما انتهى إلينا من الكتاب وآثار النبي ﷺ والعلماء بعده، وما عليه لغات العرب ومذاهبها، وعلى الله التوكل وهو المستعان].
قوله: (قال أبو عبيد) هو المؤلف القاسم بن سلام.
قوله: (كتبنا هذا الكتاب) وهو كتاب الإيمان.
قوله: (على مبلغ علمنا) هذا من ورعه ﵁ وتواضعه.
قوله: (وما انتهى إلينا من الكتاب وآثار النبي ﷺ والعلماء بعده) يقول: أنا كتبت هذا الكتاب وألفت هذا التأليف ووضعت ما فيه حسب ما وصل إليه علمي، والعلم إنما يؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله وما دلت عليه اللغة العربية وما أقره أهل العلم، وهكذا لا ينبغي للإنسان ألا يتكلم في شرع الله ودينه إلا عن علم وبصيرة.
قوله: (وعلى الله التوكل) يعني: الاعتماد وتفويض الأمر.
قوله: (وهو المستعان) أي: وهو المعين ﷾.
[ ١٣ / ٤ ]
مذاهب الجهمية والمعتزلة والإباضية والصوفية والفضلية في الإيمان والرد عليهم
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: ذكرت الأصناف الخمسة الذين تركنا صفاتهم في صدر كتابنا هذا من تكلم به في الإيمان هم الجهمية والمعتزلة والإباضية والصفرية والفضلية].
ذكر أبو عبيد ﵀ أول هذا الكتاب الأصناف الخمسة وقد أشار إليهم وترك صفاتهم في الكتاب، وأراد الآن أن يذكر مذاهبهم في الإيمان وهم خمس طوائف: الطائفة الأولى الجهمية، والطائفة الثانية المعتزلة، والطائفة الثالثة الإباضية، والإباضية هم الخوارج، والصفرية كذلك من الخوارج، والفضلية من الخوارج، والمؤلف ﵀ يريد أن يذكر مذهب هؤلاء الطوائف الخمس، في الإيمان.
أما الجهمية فهم الذين ينكرون أسماء الله وصفاته، وزعيمهم الجهم بن صفوان، يقولون: ليس لله اسم ولا صفة والعياذ بالله، ويقولون: إن الأسماء والصفات الواردة في النصوص كالعليم الحكيم العزيز أن هذه أسماء لخلقه، أضيفت إليه إضافة تشريف، كما أضيفت الناقة والعبد والرسول إلى الله، والذي يقول: إن الله ليس له اسم ولا صفة معناه أنه لا يوصف بأي وصف ولا يسمى بأي اسم، وليس هناك شيء في الوجود إلا له اسم وصفة، فإذا قلت مثلًا: هناك كرسي ليس له طول ولا عرض، وليس في السماء ولا في الأرض ولا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محايد له ولا متصف به ولا متصف بغيره، هذا يكون العدم، فالجهمية يصفون ربهم ويعبدون معدومًا، والجهمية يقولون: إن الله ليس له سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة، وليس في العلو ولا فوق السموات ولا تحتها ولا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباين له ولا محايد ولا متصل به ولا غير متصل، وهذا يكون مستحيلًا وأعظم من العدم.
ولهذا ذكر ابن القيم أن الجهمية كفرها خمسمائة عالم، فقال: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام قد حكاه عنهم بل قد حكاه قبله الطبراني فالجهمية كفار والعياذ بالله؛ لأنهم ما أثبتوا الوجود لله، والجهمية الأولى يقولون: إن الله يختلط بالمخلوقات ممتزج بها نعوذ بالله، وهذا كفر وردة، والطائفة المتأخرون منهم ينفون أن الله لا داخل العالم ولا خارجه.
أما المعتزلة فهم يثبتون الأسماء لله، لكن ينكرون الصفات، فيقولون: الله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة، ولهذا كفرهم أكثر أهل العلم، ومن العلماء من بدعهم، والإباضية طائفة من الخوارج، وكذلك الصفرية والفضلية، وكل هؤلاء الطوائف الخمس استدركها المؤلف ﵀ وقال: ذكرت هذه الأصناف الخمسة في صدر هذه الرسالة وتركت وصفهم، والآن أريد أن أتكلم عن كل واحدة من هذه الطوائف الخمس وأبين لك مذهبها في الإيمان.
[ ١٣ / ٥ ]
مذهب الجهمية في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [فقالت الجهمية].
الجمهية هم أتباع الجهم بن صفوان وهم ينكرون الأسماء والصفات نعوذ بالله، وسبق أن مذهبهم أن الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب فمن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ولو فعل جميع المنكرات وجميع أنواع الردة، نعوذ بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقالت الجهمية: الإيمان معرفة الله بالقلب، وإن لم يكن معها شهادة لسان ولا إقرار بنبوة ولا شيء من أداء الفرائض].
مذهب الجهمية في الإيمان معرفة الله في القلب، قالوا: من عرف ربه بقلبه فهو مؤمن ولو لم ينطق بلسانه ولو لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولو لم يعمل شيئًا لا صلاة ولا زكاة ولا صومًا ولا حجًا، يكفي المعرفة ولو لم يقر بنبوة النبي ﷺ ولو لم يفهم شيئًا من القرآن، وهذا من أخبث المذاهب، وهو أفسد مذهب في تعريف الإيمان، وسبق أن المؤلف ﵀ ألزم الجهمية بأن إبليس يكون مؤمنًا على مذهبهم؛ لأنه يعرف ربه بقلبه بدليل: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٤].
كذلك فرعون يعرف ربه حيث قال للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال الله تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فيكون مؤمنًا على مذهب الجهمية، وكذلك اليهود مؤمنون على مذهب الجهمية بدليل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦].
أما أبو طالب الذي ثبت في صحيح البخاري أنه مات على الشرك فإنه يكون مؤمنًا على مذهب الجهم بدليل قول أبي طالب في قصيدته: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينًا لولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحًا بذاك يقينًا فتبين بهذا أن مذهب الجهمية في الإيمان أفسد وأخبث مذهب، وأن رءوس الكفر: إبليس وفرعون واليهود والوثنيين وأبا طالب كلهم يكونون مؤمنون على مذهب الجهم.
قال المؤلف ﵀: [احتجوا في ذلك بإيمان الملائكة فقالوا: قد كانوا مؤمنين قبل أن يخلق الله الرسل].
حجتهم داحضة حيث قالوا: إن الملائكة مؤمنون قبل أن يخلق الله الرسل، فدل على أنه لا حاجة إلى الرسل وأنه يكفي المعرفة بالقلب، وهذا مذهب باطل.
[ ١٣ / ٦ ]
مذهب المعتزلة في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقالت المعتزلة].
وهم أتباع عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، وسموا بذلك؛ لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري وصاروا يقررون مذاهبهم الباطلة في القول بأن مرتكب الكبيرة خارجًا من الإيمان.
قال المؤلف ﵀: [وقالت المعتزلة: الإيمان بالقلب واللسان مع اجتناب الكبائر، فمن قارف شيئًا كبيرًا زال عنه الإيمان، ولم يلحق بالكفر فسمي فاسقًا ليس بمؤمن ولا كافر، إلا أن أحكام الإيمان جارية عليه].
مذهب المعتزلة في الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالقلب وبالجوارح واجتناب الكبائر كلها، فلابد أن يؤدي الفرائض وينتهي عن الكبائر، ولا يكون مؤمنًا إلا إذا صدق بقلبه وأقر بلسانه وأدى الفرائض واجتنب الكبائر، لكن الخلاف بينهم وبين أهل السنة أن من قارف كبيرة واحدة انتهى إيمانه، فإذا زنا أو سرق خرج من الإيمان، وإذا غش أو عق والديه خرج من الإيمان، لكن لا يكون كافرًا، بل خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، وهو في منزلة بين المنزلتين، ليس بمؤمن ولا كافر، إلا أن أحكام الإيمان جارية عليه، والخوارج كذلك مثلهم، مع خلاف في أحكام الدنيا، أما في الآخرة فيحكمون عليه بأنه مخلد في النار، فالذي يفعل كبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر وصار في منزلة بين المنزلتين ويسمى فاسقًا وليس بمؤمن ولا كافر وهو في الآخرة مخلد في النار.
أما الإيمان عند الخوارج فهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح وأداء للفرائض وانتهاء عن المحارم، ولا يكون مؤمنًا إلا إذا صدق بقلبه وأقر بلسانه وأدى الفرائض واجتنب الكبائر، لكن الفرق بينهم وبين أهل السنة أن من فعل كبيرة عند الخوارج خرج من الإيمان ودخل في الكفر، أما في الدنيا فتجرى عليه أحكام الكفرة فيستحلون دمه وماله، وفي الآخرة هو مخلد في النار، فالخوارج والمعتزلة يتفقون في تعريف الإيمان وفي أن صاحب الكبيرة يخرج من الإيمان ويخلد في النار، لكن في أحكام الدنيا: المعتزلة قالوا: خرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر وتجرى عليه أحكام الإسلام، والخوارج قالوا: خرج من الإيمان ودخل في الكفر وتجرى عليه أحكام الكفرة فيقتل ويحل دمه وماله.
[ ١٣ / ٧ ]
مذهب الإباضية في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقالت الإباضية: الإيمان جماع الطاعات، فمن ترك شيئًا كان كافر نعمة، وليس بكافر شرك، واحتجوا بالآية التي في إبراهيم ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم:٢٨]].
الإباضية طائفة من الخوارج، والذين كتبوا في الفرق كالملل والنحل للشهرستاني، والفصل في الملل والنحل لـ ابن حزم والفرق للبغدادي ذكروا أن الخوارج ما يقارب اثنين وعشرين فرقة، وكذلك الشيعة ما يقارب من أربعة وعشرين فرقة، فالإباضية طائفة من طوائف الخوارج، وهذه الطوائف يتفقون في أشياء ويختلفون في أشياء.
قوله: (وقالت الإباضية: الإيمان جماع الطاعات) يعني: لابد أن يصدق بقلبه ولابد أن يقر بلسانه ولابد أن يؤدي الواجبات والفرائض وينتهي عن المحرمات، لكن من ترك شيئًا من الطاعات يكون كافرًا كفر نعمة لا كافر شرك وهذا يدل على أن الخوارج يتفاوتون، فليس كلهم مكفر بالمعاصي، فالإباضية قالوا: إذا ترك شيئًا صار كافرًا كفر نعمة لا كافرًا كفر شرك، دليلهم الآية التي في إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم:٢٨] فهو بدل نعمة الله وهي الطاعة بدلها حيث تركها فصار كافرًا كفر نعمة، والمعروف أن بعض طوائف الخوارج يقولون: إذا ترك الطاعة أو فعل المعصية كفر كفرًا أكبر يخرج من الملة ويحل دمه وماله.
[ ١٣ / ٨ ]
مذهب الصفرية في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقالت الصفرية مثل ذلك في الإيمان أنه جميع الطاعات، غير أنهم قالوا في المعاصي صغارها وكبارها: كفر وشرك ما فيه إلا المغفور منها خاصة].
الصفرية طائفة من طوائف الخوارج، قالوا مثلما قالت الإباضية: الإيمان جميع الطاعات كلها، تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح وأداء الفرائض وانتهاء عن المحارم، لكن يقولون في المعاصي: إن المعاصي الصغار والكبار كفر وشرك، كل معصية يسمونها كفرًا وشركًا.
قوله: (إلا المغفور منها خاصة) المغفور منها هذا يستثنى، وما لم يغفر فهو كفر وشرك سواء كان معصية كبيرة أو صغيرة، فكل ذنب كبير أو صغير فهو كفر وشرك إلا ما غفره الله، فالذي يغفره الله يستثنى، والذي لا يغفره الله يكون كفرًا وشركًا حتى اللطمة الخفيفة وما أشبه ذلك يسمى كفرًا وشركًا.
[ ١٣ / ٩ ]
مذهب الفضلية في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقالت الفضلية مثل ذلك في الإيمان أنه أيضًا جميع الطاعات إلا أنهم جعلوا المعاصي كلها ما غفر منها وما لم يغفر كفرًا وشركًا، قالوا: لأن الله جل ثناؤه لو عذبهم عليها كان غير ظالم لقوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥ - ١٦]].
هذا مذهب الطائفة الثالثة من الخوارج وهي الفضلية، فتكون الطوائف الثلاث الإباضية والصفرية والفضلية كلهم يقولون: الإيمان جميع الطاعات.
فالفضلية يقولون: الإيمان جميع الطاعات، لكن يقولون: المعاصي كلها المغفور منها وما لم يغفر كله يسمى كفرًا وشركًا، فهم يسمون المعاصي كفرًا حتى المغفور منها، وكل معصية ولو كانت سرقة أو شرب خمر أو سب كلها شرك وكفر عندهم، وحتى ولو كان مغفورًا ودليلهم أن الله جل ثناؤه لو عذبهم عليها كان غير ظالم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥ - ١٦].
[ ١٣ / ١٠ ]
اختلاف الإباضية والصفرية والفضلية من فرق الخوارج في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وهذه الأصناف الثلاثة من فرق الخوارج معًا إلا أنهم اختلفوا في الإيمان].
هذه الأصناف الثلاثة الإباضية والصفرية والفضلية كلها من فرق الخوارج، وهي تزيد على عشرين فرقة، اتفقوا على أن الإيمان جميع الطاعات، لكن اختلفوا فيمن فعل المعاصي بعد ذلك، فالإباضية يقولون: يكون كافرًا كفر نعمة، والصفرية يقولون: المعاصي كلها كبار وصغار كفر وشرك ولا يستثنى إلا المغفور، والفضلية يقولون: حتى المغفور يسمى شركًا وكفرًا.
[ ١٣ / ١١ ]
وفاق الشيعة لفرقتين خارجيتين في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقد وافقت الشيعة فرقتين منهم، ووافقت الرافضة المعتزلة، ووافقت الزيدية الإباضية].
الشيعة طوائف كثيرة، واسم الشيعة عام لكل من يتشيع لـ علي وأهل البيت، لكن هم طبقات أكثر من عشرين فرقة مثل الخوارج، منهم الزيدية ومنهم الرافضة ومنهم المفضلة، ومنهم المخطئة الذين خطئوا جبريل وقالوا: إن جبريل أخطأ في الرسالة أرسله الله إلى علي فأخطأ وأتى بها إلى محمد، هؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
أما النصيرية وهم أغلى طوائف الشيعة فيقولون: إن الله حل في علي، ويقولون: علي هو الإله، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ثم يليهم المخطئة الذين خطأوا جبريل، قالوا: جبريل أرسله الله إلى علي لكن جبريل خان ووصلها إلى محمد، ويقولون عبارة مشهورة: خان الأمين وصدها عن حيدرة، قولهم: (خان الأمين) وهو جبريل (وصدها) أي: الرسالة (عن حيدرة) لقب علي.
أما الرافضة فهم يكفرون الصحابة ويسبونهم ويغلون في آل البيت ويقولون: إن القرآن طار ثلثيه ولم يبق إلا الثلث.
وهذه أعمال كفرية.
أما الزيدية فهم الذين يفضلون عليًا على عثمان وهم مبتدعة.
إذًا: الشيعة طبقات منهم الكافر ومنهم المؤمن على حسب الاعتقاد، والخوارج طبقات.
قوله: (وقد وافقت الشيعة فرقتين منهم، فوافقت الرافضة المعتزلة ووافقت الزيدية الإباضية).
الشيعة وافقوا فرقتين من فرق الخوارج، فوافقت الرافضة المعتزلة في الإيمان قالوا: الإيمان بالقلب واللسان مع اجتناب الكبائر، ومن قارف شيئًا كبيرًا زال عنه اسم الإيمان ولم يلحق بالكفر فيسمى فاسقًا لا مؤمنًا ولا كافرًا، فمذهب الرافضة في الإيمان مثل مذهب المعتزلة، ووافقت الزيدية الإباضية، قالوا: الإيمان جماع الطاعات ومن ترك شيئًا كان كافرًا كفر نعمة لا كفر شرك.
[ ١٣ / ١٢ ]
النصوص التي ترد على هذه المذاهب وتبطلها
قال المؤلف ﵀: [وكل هذه الأصناف يكسر قولهم ما وصفنا به باب الخروج من الإيمان بالذنوب].
قوله: (كل هذه الأصناف يكسر قولهم) يعني: يرد قولهم ومذهبهم الباطل.
قوله: (ما وصفنا به باب الخروج من الإيمان بالذنوب) يقول: نرد على هذه الطوائف التي سبق ذكرها في قولهم إنه يخرج من الإيمان بالمعصية النصوص التي ذكرناها في الباب السابق أن المؤمن لا يخرج من الإيمان بالمعاصي كما سبق إذا فعل شركًا أصغر أو كفرًا أصغر أو فعل الزنا أو السرقة.
فهذه النصوص التي سبقت نرد بها على هذه الأصناف من أصناف الخوارج والمعتزلة، أنها لا تخرج صاحبها من الإيمان ولا تنفي عنه اسمه، وإنما ينفى عنه كمال الإيمان، فيكون ضعيف الإيمان.
[ ١٣ / ١٣ ]
بطلان مذهب الجهمية
قال المؤلف ﵀: [إلا الجهمية فإن الكاسر لقولهم قول أهل الملة وتكذيب القرآن إياهم حين قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]].
الجهمية من أشد الأصناف التي سبقت، فإن مذهبهم يبطله جميع أهل الملة ويردونه، والقرآن يكذب مذهبهم ويبطله؛ لخبثه وفساده؛ لأنهم قالوا: الإيمان معرفة الله بالقلب فقط، فهو مذهب خبيث وفاسد، وكل المسلمين يردونه ويبطلونه بعد تكذيب الله له، فالقرآن يبطل مذهبهم، والسنة تبطل مذهبهم، وعموم المسلمين كلهم يشنعون عليهم ويبطلون مذهبهم إلا الجهمية.
قوله: (وتكذيب القرآن إياهم حين قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]).
هذه الآية بين الله فيها أن أهل الكتاب يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك اليهود والنصارى كفار بإجماع المسلمين، وهم يعرفون ربهم بقلوبهم ويعرفون صدق محمد ﵊ ومع ذلك فهم كفار، وهذا يبطل مذهب الجهمية الذين يقولون: الإيمان معرفة الرب بالقلب.
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]].
كذلك أخبر الله عن فرعون الذي ادعى الربوبية أنه يعرف ربه بقلبه وأنه مستيقن في الباطن، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ومع ذلك ففرعون رأس في الكفر والضلال وهو يعرف ربه مستيقن بقلبه، وهذا كله يبطل مذهب الجهمية الذين يقولون: الإيمان معرفة الرب بالقلب.
قال المؤلف ﵀: [فأخبر الله عنهم بالكفر إذا أنكروا بالألسنة].
أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم كفروا، وكذلك فرعون وملئه؛ لأنهم أنكروا بألسنتهم، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، فرعون أنكر باللسان وكذب موسى، وكذلك أهل الكتب كذبوا النبي ﷺ، وأنكروا رسالته ونبوته فكفروا لما كذبوا بألسنتهم ولو كانوا يعرفون بقلوبهم.
قال: [وقد كانت قلوبهم بها عارفة].
نعم كانت القلوب عارفة لكن كفروا لما كذبوا بألسنتهم.
قال المؤلف ﵀: [ثم أخبر الله ﷿ عن إبليس أنه كان من الكافرين وهو عارف بالله بقلبه ولسانه أيضًا].
إبليس أخبر الله أنه كافر قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، مع أنه عارف ربه بقلبه ولسانه؛ لأن الله أخبر عنه، قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦].
إذًا: إبليس عرف ربه بقلبه ولسانه لكن لما استكبر عن عبادة الله صار كافرًا، فكون الإنسان يعرف ربه بقلبه وبلسانه لا يكفي حتى ينقاد لشرع الله ودينه.
قال المؤلف ﵀: [في أشياء كثيرة يطول ذكرها كلها ترد قولهم أشد الرد وتبطله أقبح الإبطال].
يقول المؤلف ذكرنا الآيتين كمثال، وإلا فالأدلة كثيرة من الكتاب والسنة كلها تبطل مذهب الجهمية وتردها وتبطلها.
[ ١٣ / ١٤ ]
خاتمة الكتاب
قال المؤلف ﵀: [تم الكتاب، أعني الرسالة، وكتب بخطه في شوال سنة ثمان وثمانين وأربعمائة من نسخة الشيخ العتيق أبي محمد عثمان بن أبي نصر بمصر، قوبل به، والحمد لله وحده].
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونسأل الله ﷾ أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، ونسأله ﷾ أن يثبتنا على دين الإسلام حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.
[ ١٣ / ١٥ ]