شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [٨]
زعم المرجئة أن الإيمان هو قول اللسان وتصديق القلب دون دخول العمل في مسماه، وبذلك يستوي الناس جميعًا في الإيمان، وما زعموه قول في غاية البطلان؛ إذ إن وصف الإيمان يثبت لجميع المؤمنين أصله، ويحصل التفاوت بينهم في درجاته.
[ ٨ / ١ ]
الرد على المرجئة في جعلهم الإيمان حاصلًا بالقول والتصديق
قال المؤلف ﵀: [باب: تسمية الإيمان بالقول دون العمل.
قال أبو عبيد: قالت هذه الفرقة: إذا أقر بما جاء من عند الله، وشهد شهادة الحق بلسانه فذلك الإيمان كله؛ لأن الله ﷿ سماهم مؤمنين، وليس ما ذهبوا إليه عندنا قولًا، ولا نراه شيئًا، وذلك من وجهين: أحدهما: ما أعلمتك في الثلث الأول أن الإيمان المفروض في صدر الإسلام لم يكن يومئذ شيئًا إلا إقرارًا فقط.
وأما الحجة الأخرى: فإنا وجدنا الأمور كلها يستحق الناس بها أسماءها مع ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل فيها بعضهم بعضا، وقد شملهم فيها اسم واحد، من ذلك: أنك تجد القوم صفوفًا بين مستفتح للصلاة وراكع وساجد وقائم وجالس، فكلهم يلزمه اسم المصلي، فيقال لهم: مصلون، وهم مع هذا فيها متفاضلون.
وكذلك صناعات الناس، لو أن قومًا ابتنوا حائطًا وكان بعضهم في تأسيسه، وآخر قد نصفه، وثالث قد قارب الفراغ منه قيل لهم جميعًا: بناة، وهم متباينون في بنائهم].
هذا الباب في تسمية الإيمان بالقول دون العمل فقوله: [قالت هذه الفرقة] يعني: المرجئة [إذا أقر بما جاء من عند الله وشهد شهادة الحق بلسانه فذلك الإيمان كله] هذا مذهب المرجئة، وهو أنه إذا أقر بما جاء من عند الله وصدق وأقر واعترف وصدق بقلبه وشهد بلسانه فذلك الإيمان كله.
وهو كامل في القلب ولو لم يعمل.
وحجتهم أن الله ﷿ سماهم مؤمنين، وقد رد عليهم المؤلف ﵀ من وجهين: فقال: [وليس لما ذهبوا له عندنا قولًا ولا نراه شيئًا، وذلك من وجهين: أحدهما: ما أعلمتك في الثلث الأول]، يعني: من الكتاب [أن الإيمان المفروض في صدر الإسلام لم يكن يومئذ شيئًا إلا إقرارًا فقط] يعني: أن الله ﷾ فرض على المسلمين في مكة قبل الهجرة الإيمان والتوحيد فقط، ففرض عليهم الإقرار والتصديق والإيمان وتوحيد الله ﷿ والبعد عن الشرك ولم تفرض الواجبات من صلاة وزكاة وصوم وحج، فأما الصلاة ففرضت لعظم شأنها قبل الهجرة بسنة أو سنتين أو ثلاث وأما الأذان والزكاة والصوم والحج والحدود كلها فما شرعت إلا في المدينة ففي مكة كان الواجب عليهم الإيمان والإقرار وتوحيد الله ﷿ وأما العمل فما شرع إلا بعد الهجرة إلى المدينة، لما ثبت التوحيد ورسخ الإيمان في القلوب وابتعدوا عن الشرك، فبعد ذلك شرعت الأعمال وفرضت الفرائض وشرعت الحدود؛ لأن التوحيد والإيمان هو أصل الدين وأساس الملة، وهو الذي تبنى عليه الأعمال، ولا يصح العمل إلا إذا بني على التوحيد والإيمان فأصل الدين وأساس الملة: الشهادة لله تعالى بالوحدانية، وللنبي ﷺ بالرسالة، وقد كان هذا هو الواجب على المؤمنين في مكة قبل الهجرة إلى المدينة.
وأما الحجة الثانية التي رد بها المؤلف ﵀ فهي قوله: [فإنا وجدنا الأمور كلها يستحق الناس بها اسماءها مع ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل فيها بعضهم بعضًا، وقد شملهم فيها اسم واحد] يعني أن الإنسان إذا دخل في الشيء استحق هذا الاسم مع الابتداء والدخول فيه، وإن كان الناس يتفاضلون فيه، فإذا أقر المسلم وصدق وآمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبينًا ورسولًا فقد دخل في الإسلام وشمله اسم الإيمان ولو أن آخر أقر كذلك ثم عمل أيضًا فصلى وصام وزكى وحج، ثم جاء آخر فزاد على ذلك فأدى النوافل، وفعل المستحبات فكلهم يشملهم اسم الإيمان من حين ابتداء دخولهم فيه، ولكنهم يفضل بعضهم بعضًا ومثل لذلك بأنك تجد القوم صفوفًا في الصلاة، فتجد الأول قد كبر واستفتح الصلاة، وتجد الثاني راكعًا، والثالث ساجدًا، والرابع قائمًا، والخامس يتشهد، وكلهم يسمون مصلين، وهم متفاوتون، فهذا مصلٍ في أول الصلاة في الركعة الأولى، وهذا مصلٍ في الركعة الثانية، وهذا مصل في الركعة الثالثة، وهذا مصل في الركعة الرابعة فمن حين يكبر الشخص ويدخل في الصلاة يسمى مصليًا وإن كان المصلون يتفاوتون فيها.
فكذلك المؤمن إذا دخل في الإيمان سمي مؤمنًا، ومن أدى الواجبات وترك المحرمات سمى مؤمنًا، ومن زاد فأدى النوافل والمستحبات سمى مؤمنًا ولكنهم يتفاضلون في ذلك، فالذي يؤدي الواجبات وينتهي عن المحرمات من المقتصدين، والذي ينشط بعد ذلك فيؤدي المستحبات والنوافل ويبتعد عن المكروهات وفضول المباحات من السابقين الأولين، وهو مؤمن، والمؤمن الذي يقصر في بعض الواجبات ويرتكب بعض المحرمات ظالم لنفسه، وهو مؤمن، وكلهم مؤمنون، فالظالم لنفسه مؤمن، ولكنه مؤمن ناقص الإيمان، والمقتصد الذي أدى الواجبات وانتهى عن المحرمات مؤمن، والسابق للخيرات الذي أدى الواجبات وفعل المستحبات والنوافل وترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات مؤمن أيضًا، وهم متفاوتون فكذلك الناس في الإيمان يتفاوتون، وكذلك في الصناعات يتفاوت الناس فيها وقد مثل المؤلف ﵀ لذلك بقوله: لو أن قومًا ابتنوا حائطًا وكان بعضهم يؤسس في أصل الحائط، وآخر في طرف الحائط قد بلغ نصفه، والثالث قارب الفراغ منه فكلهم جميعًا يبنون حائطًا واحدًا ولكن أولهم يحفر الأساس، والثاني قد وصل إلى نصف الحائط، والثالث قد قارب الفراغ منه، وكلهم يسمون بناة.
وهم متباينون في بنائهم.
فكذلك المؤمنون كلهم يسمون مؤمنين فهذا دخل في الإسلام من أوله، وهذا أدى الواجبات وترك المحرمات، وهذا فعل المستحبات والنوافل، وكلهم مؤمنون.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك لو أن قومًا أمروا بدخول دار فدخلها أحدهم فلما تعتب الباب أقام مكانه، وجاوزه الآخر بخطوات، ومضى الثالث إلى وسطها قيل لهم جميعًا: داخلون، وبعضهم فيها أكثر مدخلًا من بعض.
فهذا الكلام المعقول عند العرب السائر فيهم فكذلك المذهب في الإيمان إنما هو دخول في الدين، قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:١ - ٣]].
وهذا مثال آخر ضربه المؤلف ﵀ ومثل به، فقال: وكذلك لو أن قومًا أمروا بدخول دار، فلو كان عندك جماعة من الضيوف وقفوا عند الباب فقلت لهم: تفضلوا حياكم الله، فدخل أحدهم، فلما تعتب الباب وجاوز العتبة جلس، وجاوزه الآخر بخطوات وجلس، ومضى الثالث إلى المجلس، قيل لهم جميعًا: داخلون، وبعضهم فيها أكثر مدخلًا من بعض، وهذا كلام معقول عند العرب، فكلهم في الدار.
فكذلك الداخلون في الإيمان يتفاوتون؛ ولذلك قال المؤلف: كذلك المذهب في الإيمان إنما هو دخول في الدين قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:٢ - ٣] فهم يدخلون في دين الله وهم متفاوتون في إيمانهم.
قال المؤلف ﵀: [وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] فالسلم: الإسلام وقوله: (كافة) معناها عند العرب: الإحاطة بالشيء].
قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ»، يعني: في الإسلام وقوله: (كافة) معناه: الإحاطة بالشيء، أي: ادخلوا فيه في جميعه فهم يدخلون في الإسلام وهم متفاوتون فيه.
قال المؤلف ﵀: [قال رسول الله ﷺ: (بني الإسلام على خمس) فصارت الخمس كلها هي الملة التي سماها الله سلمًا مفروضًا فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيها].
وقول النبي ﷺ: (بني الإسلام على خمس) رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام).
وقول المؤلف: [فصارت الخمس كلها هي الملة التي سماها الله].
يعني: هي الدين الذي سماه الله سلمًا مفروضًا.
يعني: إسلامًا مفروضًا؛ لأن هذه الأركان هي عمود الإسلام وأساسه التي لا يقوم ولا يستكمل إلا بها، فمن استقام عليها وأداها عن صدق وإخلاص فلا بد من أن يؤدي بقية أعمال وشرائع الإسلام.
وقول المؤلف: [فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيها] يعني: أعمال البر يدخل الناس فيها ويتفاوتون كما سبق، فيتفاوت الناس في صدقاتهم، وكلهم متصدق، فهذا يتصدق بألف، وهذا يتصدق بألفين، وهذا يتصدق بثلاثة آلاف، وهذا بريال، وكلهم متصدقون وكلهم يشملهم اسم المتصدق، ولكنهم يتفاوتون، وكذلك المصلون يتفاوتون، وكذلك المحسنون يتفاوتون، وكذلك يتفاوتون في الصناعات، مع أنهم كلهم يشملهم اسم الصناعة، وكذلك في دخول المساكن ولهذا قال المؤلف ﵀: [فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيها].
يعني: مع تفاضل الدرجات فيها، وهذه الأدلة إنما هي أدله من جهة النظر والعقل فتضاف إلى الأدلة التي دلت عليها النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.
إذًا: فقد دلت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، ودل النظر الصحيح على أن الإيمان درجات ومنازل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإن كان المؤمنون كلهم يسمون مؤمنين، إلا أنهم يتفاوتون في هذا الإيمان.
قال المؤلف ﵀: [فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيه هذا في التشبيه والنظر مع ما احتججنا به من الكتاب والسنة].
يعني: لقد احتججنا بالنظر والعقل، واحتججنا بنصوص الكتاب والسنة، أي: لقد دلت النصوص من كتاب الله وسنته ﷺ على أن الإيمان درجات ومنازل، وأن والناس يتفاضلون فيه، وكذلك دل على ذلك العقل والنظر الصحيح.
قال المؤلف ﵀: [فهكذا الإيمان هو درجات ومنازل، وإن كان سمى أهله اسمًا
[ ٨ / ٢ ]
بيان تناقض القائل بأن الإيمان قول دون العمل
قال المؤلف ﵀: [وزعم من خالفنا أن القول دون العمل، فهذا عندنا متناقض؛ لأنه إذا جعله قولًا فقد أقر أنه عمل، وهو لا يدري بما أعلمتك من العلة الموهومة عند العرب في تسمية أفعال الجوارح عملًا].
قوله: [وزعم مخالفنا] أي: المرجئة [أن الإيمان هو القول دون العمل].
ويقصدون بالقول: قول القلب وإقراره وتصديقه، أي: زعمت المرجئة أن الإيمان: هو تصديق القلب وإقراره، وأن العمل لا يدخل في مسماه.
يقول المؤلف ﵀: هذا متناقض؛ لأنه إذا جعله قولًا فقد أقر أنه عمل؛ لأن قول القلب وإقراره وتصديقه عمل من أعمال القلب، وذلك لأن العرب تسمي أفعال الجوارح عملًا، وبه استدل المؤلف ﵀ على تسمية قول اللسان عملًا، فيقول: إن المرجئة متناقضون بقولهم: إن الإيمان هو القول دون العمل؛ لأن القول الذي هو التصديق والإقرار هو عمل للقلب وقول اللسان ونطقه عمل وقد جاءت النصوص بتسمية النطق باللسان عملًا، وكذلك العرب تسمي أفعال الجوارح عملًا، فأفعال الجوارح تسمى عملًا، وقول اللسان يسمى عملًا وإقرار القلب وتصديقه يسمى عملًا.
[ ٨ / ٣ ]
الأدلة على أن ذكر القلب وإقراره يسمى عملًا
قال المؤلف ﵀: [وتصديقه في تأويل الكتاب في عمل القلب واللسان قول الله في القلب: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، وقال رسول الله ﷺ: (إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وهي القلب) وإذا كان القلب مطمئنًا مرة، ويصغي أخرى، ويوجل ثالثة، ثم يكون منه الصلاح والفساد فأي عمل أكثر من هذا؟].
هذه النصوص استدل بها المؤلف ﵀ على تسمية عمل القلب عملًا فطمأنينة القلب تسمى عملًا، وكونه يصغي ويوجل وكونه يصلح ويفسد كل هذه أعمال ولهذا قال المؤلف ﵀: [وتصديقه في تأويل الكتاب في عمل القلب قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]] فوصف القلب بأنه يطمئن وهذا عمل وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ووجل القلب عمل للقلب.
وفي الحديث قال النبي ﷺ: (إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله) والمؤلف روى الحديث بالمعنى ونصه: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فنسب الصلاح والفساد إلى القلب.
فدل على أن القلب له أعمال، فيوصف بأنه مطمئن، وبأنه يصغي، وبأنه يوجل، وبأنه يصلح، وبأنه يفسد، فأي عمل أكثر من هذا؟! قال المؤلف ﵀: [ثم بين ما ذكرنا قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] فهذا ما في عمل القلب].
فقوله تعالى: «وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ» يعني: في قلوبهم أي: يقولون سرًا في قلوبهم وقد ينطقون به بألسنتهم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨]، فسماه قولًا وهو عمل القلب وجاء في تفسير هذه الآية، «ويقولون في أنفسهم» يعني: يقولون سرًا بألسنتهم.
[ ٨ / ٤ ]
الأدلة على أن قول اللسان يسمى عملًا
قال المؤلف ﵀: [وأما عمل اللسان فقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨]، فذكر القول ثم سماه عملًا ثم قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١] هل كان عمل رسول الله ﷺ معهم إلا دعاؤه إياهم إلى الله، وردهم عليه قوله بالتكذيب وقد أسماها هاهنا عملًا؟! وقال في موضع ثالث: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢] إلى ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، فهل يكون التصديق إلا بالقول وقد جعل صاحبها هاهنا عاملًا؟! ثم قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] فأكثر ما يعرف الناس من الشكر أنه الحمد والثناء باللسان، وإن كانت المكافأة قد تدعى شكرًا].
هذا فيه احتجاج على تسمية قول اللسان عملًا، وقد احتج عليهم المؤلف بأربع حجج: الحجة الأولى: قول الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] فقوله: «إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ» فيه أن عملهم هو تبييتهم قولًا لا يرضاه الله، فسماه الله عملًا بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] يعني: من هذا القول الذي بيتوه، فسماه عملًا فدل على أن قول اللسان يسمى عملًا.
قال المؤلف: فذكر القول ثم سماه عملًا.
الحجة الثانية: قول الله تعالى في سورة يونس: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١] فسمى قول النبي ﷺ عملًا وقد كان عمل الرسول ﵊ هو دعوتهم إلى الله وتبليغهم رسالة الله بلسانه، وإنذارهم وتخويفهم، فسماه عملًا في قوله: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس:٤١] وهم ردوا على النبي ﷺ قوله بالتكذيب، وسماه الله هنا عملًا فسمى دعوة النبي ﷺ لهم عملًا، وسمى تكذيبهم له بالقول عملًا، فقال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١].
والحجة الثالثة: قول الله تعالى في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٥٠ - ٦١]، فهذه الآيات فيها محاورة بين مؤمن وكافر، فهذا المؤمن كان له قرين في الدنيا، فكان هذا القرين يكذب بالبعث، فلما مات صار هذا القرين الكافر في النار وصار المؤمن في الجنة، فكان المؤمن يتحدث مع إخوانه المؤمنين، فتذكر حال قرينه الكافر الذي ينكر البعث، قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠] أي: المؤمنون ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] أي: في الدنيا ينكر البعث، ويقول يخاطب المؤمن: ﴿أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣] أي: أتصدق بأنك إذا مت وكنت ترابًا وعظامًا سوف تبعث وتجازى وتحاسب؟! فقال بعضهم: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] يعني: هل نطلع لنرى حاله؟ فاطلعوا وهم في الجنة في أعلى عليين والنار في أسفل سافلين، فاطلع المؤمن على قرينه الكافر فوجده يتقلب في النار في وسط الجحيم، قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] ومع البعد العظيم بين الجنة والنار، فإن الجنة في أعلى عليين، والفردوس الأعلى أعلاها، وسقفها عرش الرحمن، والنار في أسفل سافلين، مع ذلك يرى المؤمن الكافر في النار، ويراه يتقلب في وسط الجحيم، والله تعالى قد أعطانا مثالًا لذلك في هذه الدنيا، فالإنسان يشاهد الآن من في المشرق ومن في المغرب على الشاشة التلفزيونية، فالمؤمن يخاطب الكافر مع بعد المسافة ويراه، مع أن المؤمن في الجنة في أعلى عليين والكافر في أسفل سافلين، إلا أن المؤمن ينظر إلى الكافر وهو يتقلب في سواء الجحيم، فقد كشف الله له لينظر إليه ويخاطبه مع بعد المسافة، فيقول المؤمن للكافر الذي يتقلب في وسط الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: كدت تظلني؛ لأنك تنكر البعث، ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ثم يخاطبه ويقول له: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩] أي: أنت تنكر البعث ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، ثم قال الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦٠ - ٦١] وهذا هو الشاهد، فالمحاورة بين المؤمن والكافر قول، وقد سماه الله عملًا فقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، وهذا هو توجيه المؤلف لهذه الآيات، ولكن قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] يعني: لمثل هذا اليوم العظيم الذي يلاقي الإنسان فيه ربه، ويلقى جزاءه فليعمل العاملون بتوحيد الله وإخلاص الدين له، وأداء الفرائض والانتهاء عن المحارم، والاستقامة على دين الله، والوقوف عند حدوده، فالمؤلف ﵀ استدل بقوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢] فاستدل بقوله: (لمن المصدقين) فقال: إن التصديق سماه الله عملًا بقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، فهذا المؤمن صدق بلقاء الله وبالبعث وبالجزاء وبالنشور ووحد الله وسمى الله هذا عملًا بقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] فقال المؤلف: فهل يكون التصديق إلا بالقول وقد جعل صاحبه هاهنا عاملًا؟! الحجة الرابعة: قول الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] فسمى العمل شكرًا، وقوله ﵀: [أكثر ما يعرف الناس من الشكر أنه الحمد والثناء باللسان وإن كانت المكافأة قد تدعى شكرًا].
فالصواب أن الشكر يكون بالقول ويكون باللسان ويكون بالجوارح، فيكون بالقلب بتعظيم الله وخشيته وإجلاله والاعتراف بنعمه، ويكون باللسان بالتحدث بالنعم وشكر المنعم جل وعلا، ويكون بالجوارح بصرف هذه النعم في طاعة الله، واستعمالها في مراضاته ﷿.
قال المؤلف ﵀: [فكل هذا الذي تأولنا إنما هو على ظاهر القرآن، وما وجدنا أهل العلم يتأولونه، والله أعلم بما أراد، إلا أن هذا هو المستفيض في كلام العرب غير المدفوع، فتسميتهم الكلام عملًا، من ذلك أن يقال: لقد عمل فلان اليوم عملًا كثيرًا: إذا نطق بحق وأقام الشهادة ونحو هذا، وكذلك إن أسمع رجل صاحبه مكروهًا قيل: قد عمل به الفاقرة، وفعل به الأفاعيل، ونحوه من القول، فسموه عملًا، وهو لم يزده على المنطق، ومنه الحديث المأثور: (من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه)].
يقول: كل هذه النصوص التي تأولناها إنما تأولناها لأن القرآن دل عليها، يعني: ظاهر القرآن يدل عليها، ووجدنا -أيضًا- أهل العلم يتأولونها بهذا التأويل، ويفسرونها بهذا التفسير، فالنصوص قد دلت على تفسير القول بالعمل، وكذلك كلام أهل العلم، وهذا هو المستفيض أيضًا في كلام العرب، ولا يوجد ما يدفع أنهم يسمون الكلام عملًا.
ومن ذلك في لغة العرب أنه يقال: لقد عمل فلان اليوم عملًا كثيرًا: إذا نطق بحق وأقام الشهادة ونحو ذلك، فإذا نطق الإنسان بالحق وأقام الشهادة وأداها قيل: قد عمل اليوم عملًا كثيرًا، مع أنه نطق بلسانه بالشهادة وبالحق، وقال الحق وتكلم به، فسموا هذا عملًا، فيقولون: لقد عمل فلانًا اليوم عملًا، وكذلك إذا أسمع رجل صاحبه كلامًا سيئًا يكرهه تقول العرب: قد عمل به الفاقرة، وفعل به الأفاعيل، وهو إنما تكلم بكلام سيئ، فسموه عملًا، وهو لم يزد على النطق.
هذا معنى كلام المؤلف ﵀؛ فتسمية الكلام عملًا دل عليها النصوص،
[ ٨ / ٥ ]