أعظم موقف سيقفه المرء هو الموقف الأكبر يوم القيامة، وفي ذلك اليوم يتمنى المرء شفاعةً تنتشله من هذا الموقف العصيب، وقد أخبر الرسول ﷺ في حديث الشفاعة: أنه سيسجد، ولا يرفع رأسه إلا بعد أن يؤذن له في الشفاعة، فيقف ليكون أهم طلب له أن يقول: يا رب أمتي أمتي! فنسأل الله أن تنالنا شفاعته في ذلك اليوم.
[ ٣١ / ١ ]
تتمة فوائد حديث الشفاعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: لقد تكلمنا سابقًا عن الشفاعة وأهميتها، ومن يستحقها، وعن حرص الرسول على هذه الأمة، وقوله في عرصات القيامة: (أمتي أمتي) في حين يقول كل نبي: (نفسي نفسي).
بعد ذلك يأتي الرسول ﷺ فيسجد تحت العرش، ثم يقال له: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، وسبق أن تكلمنا عن الفوائد المستنبطة من أحاديث الشفاعة، ونتكلم الآن هنا فنقول: قوله في آخر الحديث: (اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس) ففيه دليل: على ثبوت صفة الكلام لله جل في علاه.
قوله: (قالوا: فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى بن مريم ﵇، فيأتون عيسى ﵇، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم) وقوله: (وكلمت الناس في المهد)، هذه معجزة من المعجزات، فقد اقتضت حكمة الله جل في علاه أنه لا يرسل رسولًا إلا ويعضده بالمعجزات التي تكون بين يديه، حتى لا يكذبه أحد من البشر، وحتى تكون هذه المعجزات دليلًا له على صدقه، وعلى أنه مرسل من قبل الله جل في علاه.
فما من نبي إلا وأيده الله بالمعجزات، فنوح ﵇ كانت السفينة من أكبر المعجزات التي أظهرت قوة صدق نوح ﵇ أمام قومه.
وأيضًا: إبراهيم ﵇ كانت له معجزات كثيرة، منها: إلقاؤه في النار، قال الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
وأيضًا: عيسى ﵇ كان يحيي الموتى، وكان يبرئ الأكمه، قال تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [المائدة:١١٠].
وقبله موسى: فقد كانت عصاه تنقلب حية، ويده إذا نزعها تخرج بيضاء أمام الناظرين، حتى يؤثر في الناس، ويُعلِّم الناسَ أن هذا من الله وليس منه.
فعيسى ﵇ أعطاه الله هذه المعجزة، وهي الكلام مع الناس في المهد، وهو طفلٌ رضيعٌ.
[ ٣١ / ٢ ]
الفرق بين المعجزة والكرامة
والمعجزة والكرامة أمر يهبه الله جل وعلا لعبد من عباده ويؤده به، فالمعجزة للنبي، والكرامة للولي، وهما يتفقان ويفترقان، فيتفقان: في أن كلًا من المعجزة والكرامة أمر خارق للعادة، فالمعجزة أمر خارق للنبي، والكرامة أمر خارق للولي، ويفترقان: في أن المعجزة يتحدى النبيُّ بها أي أحد يأتي بمثلها، أما الولي الذي تظهر له كرامات فلا يتحدى بها، ولا يجوز له أن يدعي الكرامة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
فالنبي يصرح بالتحدي بها؛ لأن الله أيَّده بها حتى يعلم الناس صدق رسالته فيؤمنوا به، وأما الكرامة فهي لطف وكرم وتفضل وتمنن من الله جل في علاه لإظهار مكانة هذا المتعبد الناسك.
وهذه المعجزة التي بين يدي عيسى أنه يتكلم في المهد قد اتفقت لبعض أولياء الله الصالحين، كما في حديث النبي ﷺ قال: (ثلاثة تكلموا في المهد) منهم عيسى ﵇، وابن كثير كان يروي بعض الآثار التي يتسامح فيها، وذكر منها: أن عيسى كان يكلم أمه وهو في بطنها، أي: كان إذا خلت به كلمها وهو في بطنها.
وقد ذكر الله كلام عيسى ﵇ في قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠].
[ ٣١ / ٣ ]
أمثلة وقصص عن الكرامة
[ ٣١ / ٤ ]
قصة جريج العابد
لقد جعل الله جل وعلا لـ جريج الراهب كرامة، فكان جريج -كما وصف لنا النبي ﷺ- عابدًا ناسكًا في صومعة من صوامع بني إسرائيل، وكان زاهدًا ترك الدنيا بأسرها ليتعبد ويتنسك لله جل في علاه.
ففي ذات مرة جاءت إليه أمه وقالت: يا جريج! وكان في صلاته، لكن الفقه لم يصل إليه فقال: يا رب! أمي وصلاتي، أي: هل أبقى على ما أنا عليه بين يديك، أم أجيب أمي؟ فنازعه الأمر كثيرًا حتى قال: لا، أكون في صلاتي، فرجح ألا يخرج من الصلاة ولا يجيب أمه، فغضبت منه أمه غضبًا شديدًا؛ لأنه لم يرد عليها، فقالت: لا أماتك الله حتى تنظر في وجوه المومسات.
وهذا فقه عظيمٌ غفل عنه كثير من الناس وهو: أن بر الوالدين يقدم على كثير من الصلوات والصيام والنفقات؛ لأنه مقترن بالتوحيد، حيث قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم قرن الله به عبادةً هي من أجل العبادات، حيث قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، فمن أراد الإحسان فعليه بتوحيد الله ثم بر الوالدين، ولذلك: لما جاء الرجل يريد أن يجاهد في سبيل الله، قال له النبي ﷺ: (أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)، وقال للآخر: (اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما).
فبر الوالدين من أوجب الواجبات، فإذا تعارض هذا الواجب مع مستحب أو نافلة فلا بد أن يقدم الواجب، ولا بد من تقديم الأهم على المهم، فما بالكم بتقديم الواجب على المستحب؟! وجريج لم يتوسع في الفقه، فلم يجب أمه فغضبت عليه فدعت عليه، ففي ذات مرة جاء بنو إسرائيل، وأخذوا امرأة باغية تفعل الفاحشة، فقالوا: عليك بهذا الرجل جريج، أي: افتنيه، فاتفقوا معها على بعض المال، فذهبت إلى جريج تراوده عن نفسه، لكنه كان بائعًا نفسه لربه جل في علاه، فأبى عليها، فلم تستطع أن تفتنه عما هو فيه، فرجعت أدراجها خائبة فوجدت راعيًا فمكنته من نفسها فوطئها فحملت منه، فلما حملت منه أنجبت وقالت: هذا الطفل من جريج العابد، فتعجب بنو إسرائيل من جريج، لكن عندما كان متقيًا عابدًا متنسكًا لم يضع الله جل وعلا عبادته هباءً، فأتوا عليه فهدموا صومعته وعذبوه وأخذوه وأهانوه، فلما أهانوه، واللاتي يفعلن الفاحشة واقفات أمامه، وهو ينظر إليهن، فلما نظر إلى وجوههن تبسم، وتذكر دعاء أمه، وعلم في هذه اللحظات أنه أخطأ في حق أمه، وكأنه يراجع نفسه ويندم على ما فعل مع أمه، ثم قال لهم: ائتوني بالطفل، فجاء الطفل فغمزه وقال: من أبوك؟ فقال: أبي فلان الراعي، فلما سمعوا من الطفل هذا الكلام علموا أنها كرامة لهذا الصالح العابد المتنسك، فقالوا: نبني لك صومعةً من ذهب، فقال: لا، أعيدوها كما كانت.
[ ٣١ / ٥ ]
قصة الطفل الرضيع
كذلك من الذين تكلموا في المهد كرامة: امرأة كانت ترضع طفلًا لها، فبينما هو يلتقم الثدي إذ نظرت أمه إلى رجل له شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا الرجل، تعني: ذا هيبة ومكانة وقدر عند الناس، فترك الطفل ثديها وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم مرت امرأة وهم يتهمونها ويضربونها وهي مظلومة فقالت الأم: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه المرأة، فقال الطفل: اللهم اجعلني مثلها، فلما تعجبت المرأة علمت أن الأول كان ظالمًا، فلذلك قال الطفل: اللهم لا تجعلني مثل هذا الظالم، والثانية كانت مظلومة فلذلك قال: اللهم اجعلني مثلها؛ لأن الله جل وعلا أقسم بعزته وجلاله أنه سينصر المظلوم ولو بعد حين، حيث قال تعالى في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).
[ ٣١ / ٦ ]
قصة الطفل مع أصحاب الأخدود
ومن الذين تكلموا في المهد: الطفل الذي كانت أمه من أصحاب الأخدود، فعندما شقوا الأخاديد وأشعلوها نارًا ليحرقوا بها كل من أقر بتوحيد الله، جاءت المرأة التي معها هذا الطفل، وخافت على طفلها، فقال لها الطفل: يا أمي! إنك على الحق.
يشجعها على أن تلقي بنفسها في النار، وهذه كرامة اتفقت مع معجزة عيسى ﵇.
[ ٣١ / ٧ ]
قصة شاهد يوسف
لما قالت امرأة العزيز: إن يوسف راودها عن نفسها، شهد الطفل براءة يوسف ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٧].
فالشاهد -كما قالوا- كان طفلًا صغيرًا، وكانت هذه معجزة ليوسف ﵇.
[ ٣١ / ٨ ]
صفات من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب
من فوائد حديث الشفاعة: قال ﷺ: (فيأتوني فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: رب! أمتي أمتي، فيقال: يا محمد! أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب) فمن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، حتى يحرص الإنسان أن يكون منهم؟ وهل لهم صفات تعرف؛ حتى يتمثل الإنسان بهذه الصفات، لعل الله جل وعلا أن يدخله الجنة من غير حساب ولا عذاب؟ قد بات الصحابة يدوكون ويخوضون أيضًا في صفات هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالنبي ﷺ أوضح لهم وصْف هؤلاء فقال: (هم الذين لا يسترقون أو قال: الذين لا يرقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون) ورواية: (لا يرقون) وإن كانت في صحيح مسلم إلا أنها رواية شاذة؛ لأن النبي ﷺ رقى وأمر بها، وجبريل قد رقى، فهذه الرواية خطأ، وبعض العلماء هروبًا من توهيم الراوي أو القول بشذوذ الرواية يقولون: (لا يرقون) أي: لا يرقون بالرقية غير الشرعية، وهذا كلام باطل، وكذلك (لا يسترقون) لا بد أن نشترط فيها شروطًا، وهي: أن تكون رقية شرعية.
فرواية: (يرقون) رواية شاذة.
إذًا: (لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون) كأن جماع هذه الصفات الثلاث قوله: (وعلى ربهم يتوكلون).
[ ٣١ / ٩ ]
ما جاء في التطير
بما أن العامة وقع فيهم التشاؤم والتطير كثيرًا فسنأخذ من هذه الصفات الثلاث: التطير ونتكلم عنه.
التطير لغة: التشاؤم بالطير، وهو من عادات الجاهلية، فإنهم كانوا إذا أرادوا سفرًا أطلقوا طيرًا، فإذا ذهب يمينًا تيمنوا، تبركًا، فقالوا: نسافر، وإذا ذهب شمالًا تشاءموا وقالوا: نكف عن السفر.
واصطلاحًا: هو التفاؤل والتشاؤم بكلام أو أشخاص أو أماكن أو أيام وشهور أو سنين، كالذين يتطيرون بالغراب، فإذا رأوا الغراب قالوا: لا نسافر أو لا نتزوج أو لا نفعل كذا، أو يتطيرون بالبوم، ويقولون: إن هذه البومة عندما تنطق بالأصوات التي تخرجها كأنها تقول: خراب، أي: خراب على البيت التي تكون فيه.
ومن النظير في الكلام: أن يذهب رجل للاختبار فيسمع شخصًا يقول لآخر: يا راسب! فيقسم أنه لن يذهب حتى لا يرسب، أو يضحك رجل كثيرًا، فتراه يقول متشائمًا: اللهم اجعله خيرًا، فيتشاءم من الضحك مع أن هذا الضحك منة من الله جل في علاه يستوجب منك الشكر؛ لأن الله هو الذي أضحك وأبكى، فأنت تضحك فتحمد الله؛ لأنه أدخل عليك السرور وضحكت.
وقد يرون امرأة عجوزًا فيقولون: عجوز النحس، أو يقول إذا رآها: فلو رآها أحدهم يقول: لا نعمل اليوم، تشاؤمًا بها.
وكثير من الناس يتشاءمون بالأيام، كيوم الأربعاء، فلا يذهبون فيه للعمل؛ لأن يوم الأربعاء هو اليوم الذي ينزل فيه البلاء، وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك، وأنه ينزل البلاء يوم الأربعاء، لكن لا يستلزم ذلك التشاؤم بيوم الأربعاء، أو التشاؤم بشهر شوال، كما كان يفعل أهل الجاهلية، فقد كانوا يقولون: إن الزواج في شوال خسارة ووبال على الذي يتزوج؛ ولذلك ردت على أهل الجاهلية عائشة ﵂ وأرضاها، وقالت: (من كان أحظى عند نبي الله ﷺ مني؟ قد عقد علي في شوال، وبنى بي في شوال)، تعني: أنه تزوجها ﵂ في شوال ﷺ.
[ ٣١ / ١٠ ]
الفرق بين الطيرة والفأل
هناك فرق بين الطيرة والفأل: فالفأل: هو أن تتفاءل بالكلمة الحسنة، كأن تذهب مثلًا إلى العمل فتجد رجلًا يقول: يا رابح! فيطمئن قلبك وتسير قدمًا إلى هذا العمل، لعل الله جل وعلا يرزقك رزقًا واسعًا.
والفأل جزء من الطيرة، لكن الفرق بينهما يتجلى في أمور ثلاثة: فالتطير منهي عنه شرعًا، والفأل مأمور به شرعًا، والدليل على أن الإنسان مأمور بالتفاؤل: قول النبي ﷺ: (الطيرة شرك، وكان يعجبه الفأل)، والكلمة الطيبة من الفأل، وكان النبي ﷺ ينظر في أمير الجيش، ويسأله ما اسمك؟ فإذا وجد اسمه حسنًا جعله أميرًا للجيش؛ تفاؤلًا بذلك.
فهذا هو الفرق الأول.
الفرق الثاني: أن التشاؤم سوء ظن بالله والعياذ بالله، وسوء الظن بالله من أظلم الظلم، وفيه جهل بصفات الله تعالى، وأما التفاؤل ففيه حسن ظن بالله، والإنسان مأمور أن يحسن الظن بالله إلى الممات، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺكما في مسند أحمد - قال: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء، فإن كان خيرًا فله، وإن كان شرًا فله).
الفرق الثالث: أن المتفائل يأخذ بالأسباب الشرعية التي شرعها الله جل في علاه؛ لأنه يأخذ بها ليطمئن قلبه بالفأل والكلمة الطيبة، والنبي ﷺ كان يتفاءل بالكلمة الطيبة، ففي الحديث: (وكان يعجبه الفأل).
أما المتشائم فإنه يعتمد على أسباب لم يشرعها الله جل في علاه؛ لأن قلبه ينقبض عن العمل بالبوم أو الغراب أو غير ذلك من الأسباب التي لم يشرعها الله جل في علاه: والتفاؤل والتشاؤم يلتقيان في أمر واحد وهو: التأثير، أما الفأل فيؤثر في الرجل الذي يريد أن يمضي قدمًا في العمل فيطمئن أكثر، ويزداد سرورًا بالكلمة الطيبة، بل يزداد قوة في هذا العمل.
والتشاؤم أيضًا يؤثر في العبد، لكنه يؤثر عليه سلبيًا؛ لأنه يبتليه بالهم والحزن وغيره، فينقبض إذا وجد البوم أو الغراب فلا يسافر، وإذا وجد أحدًا يقول: يا فاسق! لم يعمل هذا العمل، فيأتي التأثير فيهما معًا، لكن التأثير الأول له سبب شرعي، والآخر ليس له سبب شرعي.
[ ٣١ / ١١ ]
حكم التطير
من تطير فقد أشرك؛ لأن النبي ﷺ قال: (الطيرة شرك) فلو أن رجلًا يتطير برؤية عجوز أو غيرها، ويتوقف عن العمل بسبب هذا، فهل يكون قد أشرك شركًا أكبر يخرج من الملة أم لا؟ أقول: هناك قاعدة لابد أن يتمثل لها طالب العلم قيامًا ويحفظها جيدًا وهي: أن كل شرك أو كفر جاء نكرة فالمقصود به الشرك الأصغر أو الكفر الأصغر، أما إذا عرِّف فسيكون المقصود به حينئذ: الشرك الأكبر، أو الكفر الأكبر، إلا أن تأتي قرينة تصرفه إلى الشرك الأصغر والكفر الأصغر، ودليل ذلك: قول النبي ﷺ: (اثنتان في أمتي هما بهم كفر، وذكر: النياحة على الميت) فالنياحة على الميت كفر أصغر.
وأيضًا: النبي ﷺ يقول: (إن مما بالناس كفرًا النياحة والطعن في النسب)، فهذا كفر أصغر بالإجماع.
ومن الأدلة أيضًا على أن الطيرة من الشرك الأصغر قول النبي ﷺ: (الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون).
فلو أن إنسانًا يسترقي للاستشفاء، فهو لا يدخل الجنة بغير حساب، بل عليه حساب، فيدخل الجنة بعد الحساب إن غلبت حسناته على سيئاته؛ لأنه من أمة محمد ﷺ.
ومن الأدلة على أن الطيرة شرك أصغر عمومات قول النبي ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة)، وعمومات: أن من أتى بالتوحيد فإنه يدخل الجنة حتى ولو كان متطيرًا.
[ ٣١ / ١٢ ]
علاج التطير
فإذا ابتلي امرؤ بهذا التطير وأراد أن يداوي نفسه من هذا التطير؛ لأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر، فالعلاج سهل يسير بينه لنا النبي ﷺ، كما جاء في بعض الأحاديث -مدرجًا- عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: (وما منا من أحد إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل).
إذًا: فالعلاج الأول: هو عمق التوكل وحسن التوكل على الله جل في علاه في كل الأمور، والثقة بأن الله هو الذي يرفع ويخفض، وأن الله هو الذي يعطي ويمنع، وأن الله مالك هذا الكون، مع حسن الأخذ بالأسباب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]، وفي آية أخرى قال: ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧].
فإن اعتقد المرء هذا الاعتقاد الجازم بأن مقاليد الدنيا بأسرها بيد الله فلن يتوكل إلا على الله.
وأما الأخذ بالأسباب فالدليل على ذلك: فعل رسول الله ﷺ، وليس هناك متوكل على الله مثل رسول الله، فهو أكثر الخلق توكلًا على الله، فإنه إذا أراد غزوة ورى بغيرها، ولما أراد الهجرة أخذ خرِّيتًا ماهرًا حتى يبين له الطريق، وهو مع ذلك متوكل على الله جل في علاه، وأيضًا لما هاجر سلك طريقًا غير الطريق الذي يتخذه الناس، هذه دلالة على حسن الأخذ بالأسباب، مع أنه يقينًا يعلم أن الله سينقذه، وأن الله لن يجعل لهم سبيلًا عليه، وأن الله سينصره، وأن الله سيمكن لدينه، لأنه قال لـ فاطمة ﵂ وأرضاها: (ما على أبيك بأس)، وقال: (لا يترك هذا الدين بيت مدر ولا وبر إلا دخله بعز عزيز أو بذل ذليل)، وقد قال هذا وهو في مكة.
العلاج الثاني: أن يمضي قدمًا؛ لأن الطيرة التي يحاسب عليها المرء هي ما أمضته أو ردته عن العمل، كما جاء في بعض الآثار وصححها بعض العلماء: (الطيرة ما أمضاك أو ما ردك).
فلو وجدت ما تتشاءم به فلا تعبأ به، واجعله خلف ظهرك وسر قُدُمًا، وأحسن الظن بالله جل في علاه، فسيأتيك الخير.
العلاج الثالث: هو أن تدعو بالدعاء الذي علمك النبي ﷺ؛ ليذهب الله عنك هذه الطيرة، وهو قول النبي ﷺ: (من وجد ذلك في قلبه فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك).
وهناك دعاء آخر: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك).
ومعنى (لا طير إلا طيرك) أي: أن الطير الذي يحلق في السماء لا يملك نفعًا ولا ضرًا، بل هو بيدك يا رب! فأنت الذي تتحكم في هذا الكون.
[ ٣١ / ١٣ ]
معنى الاستغاثة والعلاقة بينها وبين الدعاء وحكمها
إن الاستغاثة من توحيد الإلهية، والاستغاثة لغة: مشتقة من الإغاثة، وهي: النصر عند الشدة وتفريج الكربة.
قال شيخ الإسلام: الاستغاثة في الاصطلاح: هي طلب الغوث من الرب الجليل؛ لرفع البليات، وتفريج الكربات.
وهي طلب الغوث من الذي يملك ذلك، ولا تكون إلا لله، لا لمحمد ولا لعيسى ولا لأحد.
وأما العلاقة بين الاستغاثة وبين الدعاء: فبينهما عموم وخصوص مطلق، فالدعاء أعم من الاستغاثة؛ إذ الدعاء طلب لدفع الشر وجلب الخير، يعني: أنه يكون في الشدة وفي الرخاء.
وأما الاستغاثة فهي طلب لدفع الضر لا لجلب الخير، يعني: لا تكون إلا في الشدة، فكل مستغيث داع ولا عكس.
والاستغاثة عبادة، وكل دليل يدل على أن الدعاء عبادة فهو يدل على أن الاستغاثة عبادة؛ لأنه إذا دل على أن الدعاء عبادة فالاستغاثة داخلة في دائرة الدعاء فهي عبادة كالدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، أي: عن دعائي، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (الدعاء هو العبادة).
فإذًا: إذا كان الدعاء عبادة فإن الاستغاثة عبادة؛ لأنها جزء من العبادة.
[ ٣١ / ١٤ ]
معنى قاعدة: كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك وأمثلة عليها
هذه قاعدة مهمة جدًا: فكل عبادة ثبتت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.
قال رسول الله ﷺ: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله) قوله: (فليحلف) هذا أمر من النبي ﷺ ولا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب فلا يجب على الإنسان أن يحلف كلما تكلم، لكن نقول: طالما وهو على الاستحباب وهو أمر من الشارع فالله لا يأمر إلا بما يحب، وقال ﷺ: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
ومفهوم المخالفة في الحديث: أنه من حلف بالله فقد أتى بالتوحيد، فهذا دليل على أن الحلف عبادة، وأن صرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.
وكذلك الصلاة عبادة، فمن صرفها لغير الله فقد أشرك.
وأيضًا: الطواف عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.
والدليل على أنها عبادة: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، ووجه الدلالة: أن الله لا يأمر إلا بما يحب، وكل ما يحبه الله جل وعلا فهو من العبادة، والذي يطوف بالقبور كقبر السيدة زينب، وقبر البدوي وقبر عبد القادر الجيلاني فهذا قد وقع في الشرك؛ لأن الطواف عبادة.
كذلك: الذبح عبادة، والدليل هو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٦٢].
فإذا اشترى الرجل سيارة جديدة وذبح لها ذبيحة، وسمى الله فقال: باسم الله والله أكبر، أو ذبح للولي، فهذا يعتبر ذبحًا لغير الله؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِيْ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] إذًا: فالذبح لولي أو لملك معظم يكون شركًا.
أما إذا جاءك رجلٌ عزيز عليك فذبحت له فلا يقال: إن هذا الذبح شرك، ولا يقال: توحيد، ولكن يقال: هذا من الكرم، لكن إذا ذبح شخص لقدوم الملك، والملك لا يجلس عنده إلا مدة السلام فقط، ثم لما ذهب ذلك الرجل العزيز عليه رمى هذه اللحم ولم يأكله أو يوزعه، فكأنه ذبح تشريفًا لقدومه فقط، فهنا يقع في الشرك.
أيضًا: قد تبين في الشرع أن الاستغاثة عبادة، وأن صرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، فمن استغاث بغير الله فقد أشرك، ومن استغاث بعيسى فقد أشرك، ومن استغاث بمحمد ﷺ فقد أشرك، ومن استغاث بإبراهيم فقد أشرك؛ لأن الاستغاثة لا تكون إلا بالله جل في علاه.
جاء في الحديث: (فاستغاثوا بآدم)، وكذلك في الآية ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥].
أقول: هناك استغاثة أباحها الله جل في علاه بشروط وقيود فما حكم هذه الاستغاثة؟ نقول قبلها: إن الله ورسوله قد ذكرا هذه الاستغاثة، كما في الآية والحديث وأقرَّاها، والله تعالى ورسوله لا يقرَّان الشرك.
وأما شروط الاستغاثة المباحة فتُعْلَمْ من خلال الاستقراء، فالرجل المستغيث بموسى لما استغاث به كان موسى حيًا فهذا أول شرط، وكان موسى حاضرًا، هذا شرط ثانٍ، فاستغاث به الرجل ولموسى القدرة على ذلك كما قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥].
إذًا: فالرجل نظر إلى موسى فوجده حيًا حاضرًا قادرًا فاستغاث به، وكذلك في الحديث لما استغاثوا بآدم، فإنه كان حيًا حاضرًا، وكانوا يظنون أنه قادر على أن يشفع لهم، لكنه امتنع واعتذر لهم بأن له ذنبًا يمنعه من الشفاعة.
إذًا: من خلال ما سبق، نفهم أن الاستغاثة بالمخلوق مباحة بشروط وهي: أن يكون المستغاث به حيًا حاضرًا قادرًا على الشفاعة.
ولكن لو جاء إلى رجل وقال له: أجدبنا، فاتق الله فينا وأنزل علينا المطر، فهذه استغاثة شركية؛ لأنها استغاثة بحي حاضر، لكنه غير قادر على ذلك.
[ ٣١ / ١٥ ]
حكم تلبس الجن بالإنس
مسألة: هل الجني يتلبس بالإنسان أولًا؟ هناك من ينكر ذلك، فقد جاءني بالأمس طبيب يعترض ويقول: كيف يدخل الجني في الإنسان؟ فقلت له: لا اجتهاد مع النص، فهل أنت معي في هذا؟ قال: نعم.
قلت له: لقد جاء في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما من السنن بسند صحيح: (أن النبي ﷺ مرَّ على امرأة ولها طفل صغير يعاني من الصرع - فيه جنون- فقالت: يا رسول الله! هذا ابني- أي: انظر فيه- فنظر إليه النبي ﷺ فعلم أنه مصروع، ففغر فاه -فتح فاه- ثم تفل في فيه ثم قال: اخرج عدو الله، إني رسول الله)، فالنبي ﷺ هنا يخاطب الجني ويقول له: (اخرج عدو الله إني رسول الله) فهذا نص عن رسول الله ﷺ، فقال لي: إن النص هو القرآن وأنه لا يحتج بالحديث والعياذ بالله.
وقد جاء عن كثير من السلف إثبات الصرع، وعلاج المس، كما ورد ذلك عن أحمد بن حنبل وعن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما.
ودلالة الآية واضحة جلية: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، والاستمتاع هنا بإطباق المفسرين جميعًا: هو استمتاع الجني بالإنسي، بأن يشرك الإنسي بالجني مع الله، وذلك بأن يقدم القرابين للجني حتى لا يؤذيه، ومن معاني الاستمتاع هنا: أن الجني يفعل للإنسي خوارق الأمور، كأن يطير به في الهواء، ويمشي به على الماء، ويخبره بالغيب النسبي لا بالغيب المطلق.
فتلبس الجن بالإنس ثابت بالكتاب والسنة، لكن هؤلاء يهرفون بما لا يعرفون.
[ ٣١ / ١٦ ]