عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - ذرائع الشرك
لقد دب الشرك في الناس بسبب غلوهم في صالحيهم وعدم أخذهم بما قاله رسول الله وبما فعله الصحابة الكرام، ولقد بلغ بهم تعظيم الصالحين مبلغًا عظيمًا حتى إنهم صوروا لهم تماثيل لأجل أن يذكروهم، فلما مات هؤلاء عبدت تلك التماثيل من دون الله ﷿، ولذلك منع رسول الله ﷺ التماثيل والتصاوير خشية أن يقع الناس فيما وقع فيه من كان قبلهم.
[ ٦ / ١ ]
صور من سد الصحابة منابع الشرك
[ ٦ / ٢ ]
قطع شجرة الرضوان وإخفاء قبر دانيال
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: انتهينا إلى أن الله جل في علاه علم نبيه حفاظًا على التوحيد، وحسمًا لمادة الشرك، وسدًا لذريعة الشرك عدة أمور، كما بينا أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور، ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك وهو في مرض موته بقوله: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).
وبينا أن الصحابة اقتفوا أثر النبي ﷺ، وتعبدوا لله بالتوحيد الخالص، وابتعدوا كل البعد عن الشرك، وعن وسائل الشرك، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
الصورة الأولى: أن عمر بن الخطاب أخفى قبر النبي دانيال عندما وجدوه في العراق، وحفر ثلاثة عشر قبرًا تعمية عليهم؛ لأنهم كانوا يستسقون بهذا النبي.
وحفاظًا على التوحيد أيضًا نظر عمر بن الخطاب في أناس كانوا يقتفون الأماكن التي كان يصلي فيها النبي ﷺ فضربهم عليها، وقال: أتتبعون آثار الأنبياء؟ ولما علم أن الناس يقصدون الشجرة التي حدث عندها البيعة على الموت اجتثها عن بكرة أبيها وقطعها حسمًا للمادة.
[ ٦ / ٣ ]
قصة عروس النيل
وهناك قصة لطيفة ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، وهي أن المصريين كانوا يعتقدون اعتقاد الفراعنة، وهو أن النيل لا يجري حتى يلقوا إليه بأجمل فتاة، وكانوا يسمونها عروس النيل، فدخل عمرو بن العاص وهم يعتادون ذلك ويفعلونه فمنعهم من ذلك، فتوقف النيل عن الجريان، فبعث إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام على أمير المؤمنين، الأمر كيت وكيت، فبعث عمر بن الخطاب بورقة مكتوب فيها: من أمير المؤمنين إلى نيل مصر -انظروا إلى التوحيد الخالص وحسم مادة الشرك- إن كنت تجري بنفسك فلا تجر، وإن كنت تجري بأمر الله فعليك أن تجري.
لقد صنع عمرو هذا حسمًا لمادة الشرك، وسدًا لذريعة الاعتقاد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله.
فإن كل من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد أشرك.
فهم اعتقدوا في النيل ما لا يعتقد إلا في الله، فالذي يوقف الماء هو الله جل وعلا فهو الذي أمر موسى أن يضرب البحر فكان كالطود العظيم، فهم حين اعتقدوا في النيل ما لا يعتقد إلا في الله وقعوا في الشرك، فحسمًا لمادة الشرك وسدًا للذريعة بعث إليهم عمر بهذه الكلمات، ليعلموا أن النيل لا يجري بنفسه حتى لا يعتقدوا فيه اعتقادًا باطلًا، فإن الاعتقاد الصحيح أن النيل لا يجريه إلا رب النيل جل في علاه.
وأيضًا: عمر بن الخطاب كان دائمًا يضرب من لا يعتقد في الله الاعتقاد الصحيح، كالذي اعتقد في القدر فإن عمر أخذه وضربه ضربًا مبرحًا حتى قال له: انتهيت انتهيت أي: رجعت إلى صوابي.
[ ٦ / ٤ ]
تسوية القبور المشرفة وبيان أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع
وبعث علي بن أبي طالب أبا الهياج الأسدي وقال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ قال: (ألا تجد قبرًا مشرفًا إلا سويته) أي: تسويه بالأرض حتى لا يعتقد في الولي ما يعتقد في الله جل في علاه.
وسد الذريعة من الأبواب الصحيحة التي اتخذها صحابة رسول الله ﷺ، ولذلك ترى كلًا منهم كان يقتفي أثر النبي ﷺ فيما هو شرع وعبادة، فكان عمر يطوف في البيت ويأخذ الحجر ويقبله ويقول: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).
لأن البقاع لا تعظم إلا بتعظيم الله جل في علاه، فهو لم يقبل الحجر تعظيمًا له، بل تعظيمًا لله جل في علاه.
[ ٦ / ٥ ]
النهي عن استلام الركن الشامي من الكعبة
لا يوجد أحد من الصحابة طاف حول مقام إبراهيم أو قبل مقام إبراهيم أو تمسح بمقام إبراهيم، بل من يفعل ذلك يضرب ويعلَّم أن هذا من أبواب الشرك.
ولذلك لما دخل معاوية وهو أمير المؤمنين ﵁ البيت وابن عباس جالس، فنظر ابن عباس فوجد معاوية يطوف ويمسح الأركان كلها، فقال له ابن عباس: ألا يكفيك أن تمسح بالركنين اليمانيين: الحجر الأسود، والركن اليماني؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، وهذا في مسند أحمد بسند صحيح، فقال له ابن عباس: إن لكم في رسول الله أسوة حسنة، فاستلم ما استلم النبي ﷺ، فقال له: صدقت! إن لكم في رسول الله أسوة حسنة.
فـ ابن عباس يحرج على معاوية أن يمسح حجرًا لم يمسحه النبي ﷺ؛ وحتى لا يستدعيه ذلك إلى التعظيم، والتعظيم يصل بالإنسان إلى الغلو، والغلو يصل بالإنسان إلى الشرك.
وقد اختلف العلماء هل يقبل الركن اليماني أو لا يقبل؟ والصحيح الراجح أنه لا يقبل إلا الحجر الأسود؛ لأن النبي ﷺ ما قبل إلا الحجر الأسود، ونحن ما قبلناه لتعظيمه وإنما قبلناه لتقبيل النبي ﷺ له.
[ ٦ / ٦ ]
النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة
نهي النبي ﷺ أن تشد الرحال إلى أي مكان في الأرض إلا إلى ثلاثة أماكن، قال النبي ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وهذا من باب تعظيم البقاع وأنه لا تستحق بقعة في الأرض التعظيم، لا قبر ولي، ولا قبر غيره إلا المساجد الثلاثة: المسجد الأقصى، والمسجد النبوي، والمسجد الحرام، ولذلك قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
ولذلك كان ابن عمر يشد الرحال إلى بيت المقدس، فيدخل فيصلي ولا يشرب شربة من ماء، ثم يخرج قاصدًا المدينة عملًا بحديث النبي ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).
وأيضًا: قال النبي ﷺ: (من خرج من بيته لا يخرجه إلا الصلاة في بيت المقدس رجع كيوم ولدته أمه).
[ ٦ / ٧ ]
التحذير من التصوير
فإن النبي ﷺ منع التصوير حسمًا للمادة؛ لأن النبي ﷺ بين أن المصور سيعظم، وأن الذي سيعظم سيغالى فيه، وإن غالى فيه القوم فإنهم سيعبدونه من دون الله جل في علاه.
قال النبي ﷺ: (لعن الله المصورين) وقد ذكرت أن أصل الشرك في الأمم السابقة هو الغلو في الصالحين، وسبيله إلى ذلك هو التصوير، فقد صنعوا تماثيل للصالحين صوروهم بها كود وسواع ويغوث وغيرهم.
فكانت التصاوير سبيلًا للغلو فيهم، ثم بعد ذلك وصلوا إلى أن أشركوا بهم مع الله جل في علاه، وسواء الصور الفوتغرافية أو غير الفوتغيرافية، والخوف منها لأسباب كثيرة منها: شرك الغلو والتعظيم، فأنت عندما تصور رجلًا تعلق هذه الصورة في بيتك فإنك ستصل بالتعليق إلى التعظيم، وإن وصلت إلى التعظيم وصلت إلى الغلو وكانت ذريعة إلى الشرك.
وحسمًا لهذه المادة منع الله من التصوير على لسان نبيه ﷺ حيث قال النبي ﷺ: (لعن الله المصورين) وهذه اللعنة معناها الطرد من رحمة الله جل في علاه.
وأيضًا: قال النبي ﷺ: (يؤتى بالمصور يوم القيامة فيؤمر بالنفخ في الصور بالروح وليس بنافخ)، لأنه يضاهي خلق الله بما فعل، فحسم النبي ﷺ هذه المادة، وحسم الصحابة ذلك بأنهم منعوا التصاوير والتماثيل.
ومن حسم المادة وسد الذريعة أن كل صحابي منع أن يعلو قبره في وصيته، كما أوصى علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
وقد اختلف العلماء في زيارة القبور هل هي مكروهة أم مستحبة أم هي مباحة؟ وهذا الذي سنعرفه لاحقًا إن شاء الله تعالى.
ثم الكلام على القسم بالأنبياء على الله، هل يصح أو لا؟ وأنها أيضًا: وسيلة للشرك بالله جل في علاه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٦ / ٨ ]