شرح كتاب فضل الإسلام [٧]
دين الإسلام هو الحنيفية السمحة دين إبراهيم ﵇ ووصيته، فمن رغب عن هذه الملة فقد سفه نفسه، وهو دين اليسر والسماحة، فلا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو ولا تنطع، ومن يسره وسماحته أن شرع الله تعالى الرخص لأهل الأعذار، ولم يكلف نفسًا إلا ما تطيق وتستطيع، وهذا كله يدل على فضل الإسلام وهيمنته على سائر الأديان.
[ ٧ / ١ ]
المحاجة في إبراهيم والرغوب عن ملته ودينه
قال رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٦٥]، إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠]].
قبل أن نتجاوز الآيتين أحب أن أقف بعض الوقفات؛ لأن الأحاديث والآثار التالية تحتاج إلى كلام مستقل.
ذكر الشيخ أن من خصائص الإسلام أنه المهيمن، وأنه الحنيفية ملة إبراهيم، وأنه وصية إبراهيم ﵇، وأن من رغب عن هذه الملة فإنه قد وقع في السفه، وأن محاجة أهل الكتاب ودعواهم على المسلمين في كثير من الأمور في نسبتهم إبراهيم إليهم، ودعواهم أنهم أتباعه وأنه حجة على العرب، وأن النبوة لا تكون إلا في ذرية إسحاق ونحو ذلك من الأمور التي ادعوها، فإن الله ﷿ قد أقام عليهم الحجة بأن ما يقولونه ليس عندهم فيه سند؛ لأن سندهم التوراة والإنجيل، والتوراة والإنجيل إنما أنزلت بعد إبراهيم ﵇، وليست ملغية للحنيفية؛ لأن التوراة والإنجيل كانت في بني إسرائيل، وملة إبراهيم كانت في قومه عامة، منهم أبناؤه هؤلاء وغيرهم، وكانت في بني إسرائيل وبني إسماعيل، وملة إبراهيم عامة وشاملة، وليس فيها حجة لبني إسرائيل -اليهود والنصارى- ولذلك فإن الله ﷿ جعل ملة إبراهيم هي ملة لجميع أهل التوحيد من بعده: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، ومن ذلك ما جاء به النبي ﷺ؛ فإن محمدًا ﷺ من ذرية إبراهيم، وكتابه في ذرية إبراهيم القرآن، إنما هو في ذرية إبراهيم، فليس لهم حجة ولا أن يحتكروا ديانة إبراهيم أو يزعموا أنها لهم أو أنها فيهم، أو غير ذلك مما ادعوه، فمن فضل الإسلام أنه جمع بين خصائص ملة إبراهيم التي من ضمنها الديانات التي جاءت بعدهم، وأيضًا من خصائص الإسلام أنه جاء لجميع البشرية.
[ ٧ / ٢ ]
الإسلام دين السنة والفطرة
قال رحمه الله تعالى: [وفيه حديث الخوارج وقد تقدم.
وفي الصحيح أنه ﷺ قال: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما أوليائي المتقون)، وفيه أيضًا عن أنس: (أن رسول الله ﷺ ذُكر له أن بعض الصحابة قال: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أُفطر، فقال ﷺ: لكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فتأمل إذا كان بعض الصحابة لما أراد التبتل للعبادة قيل فيه هذا الكلام الغليظ، وسمي فعله رغوبًا عن السنة، فما ظنك بغير هذا من البدع، وما ظنك بغير الصحابة؟].
في هذه الأحاديث فوائد تتعلق بأصل الكتاب وما تفرع عنه من الأمور التي ذكرها في الأبواب السابقة، والتي سيعيدها فيما بعد أيضًا.
ويريد الشيخ بسياق هذه النصوص أن يبيّن أن من فضل الإسلام أنه دين السنة ودين الفطرة، وأن الإسلام يتميّز بأنه نقي صافٍ وأنه البيضاء التي أمر النبي ﷺ بسلوكها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأن البدع والمحدثات ليست من الإسلام، وأن الذين وقعوا في البدع والمحدثات في الدين وخالفوا السنة فمخالفتهم طعن في أصل الدين وفي أصل تمام الدين، وأن الله ﷿ ميّز الإسلام بالحفظ وبالكمال بحيث لا يحتاج إلى تجديد أو ابتداء، كما أن الله ﷿ ميّز الإسلام بالشمول.
والشيخ ﵀ بدأ الأحاديث بقول النبي ﷺ: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما أوليائي المتقون) يشير بذلك إلى أن الإسلام يتضمن ولاية الله، وأن المسلم ولي لله، وأن شرط هذه الولاية هي التقوى، فلا تنال ولاية الله إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهذا من خصائص الإسلام أنه لا تصح فيه دعوى التقوى إلا بأن يظهر ذلك على أمر المسلم وفي قلبه، وأن هذا يعني أن الإسلام من كماله أنه يشمل صلاح القلوب وصلاح الأعمال، وأنه ليس مجرد دعوى، فالإنسان لا ينال ولاية الله ﷿ بالدعوى.
ثم ذكر الحديث الذي فيه قصة بعض الصحابة الذين مالوا إلى التبتل تعبدًا لله، هؤلاء الذين أرادوا أن يحرموا أنفسهم أو يشددوا على أنفسهم في بعض الأمور ما ورد على أذهانهم مسألة الابتداع، إنما الذي كان يرد على أذهانهم صريحًا أنهم أرادوا أن يعبدوا الله ﷿ على أصول موجودة في الدين، لكن على غير ما أمر به الشرع تفصيلًا، أي: أنهم أخذوا بمجملات الدين لكن على غير ما شرعه الرسول ﷺ على جهة التفصيل؛ وهذا يدل على أن الدين لا بد أن يؤخذ جملة وتفصيلًا، فلا يقال: إن مبدأ الصيام مطلوب شرعًا، فأنا إذًا أصوم الدهر كله! نقول: إن جنس الصيام مطلوب شرعًا في الجملة، لكن لا يجوز أن تصوم أو تشرع صيامًا على جهة التفصيل إلا بأمر شرعي.
حتى ولو كان يومًا واحدًا تتعبد به دون أن يكون لهذا اليوم أصل شرعي؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز للمسلم أن يزيد فيها ولا ينقص، ومنها ما هو مقيد ومنها ما هو مطلق، والمطلق له ضوابط أيضًا، فالنوافل بعضها مطلقة، لكن إطلاقها يكون وفق ضوابط شرعية لئلا يتعبد الإنسان بوقت دائم ويشرعه للناس، وأن لا يزيد في الصلاة بما يشغله عن واجبات أخرى، أو عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك.
فهؤلاء الصحابة الذين فعلوا ما فعلوا كان قصدهم الخير وكانوا ينهجون على أمور لها أصل في الإسلام، لكنهم شرّعوا تشريعًا تفصيليًا لم يرد به الإسلام بل يتنافى مع قواعد أخرى للشرع، فصيام الدهر لا شك أنه يؤدي إلى الإخلال بواجبات أوجبها الله ﷿ على المسلم، والتبتل وترك الزواج يؤدي إلى ترك أمر أوجبه الله على العباد وهو التناسل، والحقوق المتبادلة بين الناس والرحم وغير ذلك، والقيام دائمًا يحجب الإنسان عن أن يقوم بواجبات سائر النهار؛ لأنه إذا سهر الليل للقيام فلا بد أن يأخذ قسطه من النوم كسائر البشر، فهذا يؤدي إلى الإخلال بواجبات أوجبها الله عليه من طلب المعاش، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعايشة أمور الناس ومخالطتهم على وجه شرعي.
إذًا: هناك نتيجة نستفيدها عند تطبيقنا على مناهج الناس وهي: أنه تبين بالاستقراء أن الكمل من الرجال أولو العزائم ليسوا هم الذين يتفرغون للعبادة، ولا لنوع واحد من أنواع الطاعات والقربات، وليسوا هم الذين يقبلون على الدين ويهجرون الدنيا، أو يعتزلون الناس تعبدًا لله، مع أن هذه المناهج فردية قد يُمدح بعض الناس فيها، لكن ليست هي الأمثل للمنهج السليم في اقتفاء السنة، لأن اقتفاء السنة يقتضي أن المسلم يعبد الله ﷿ ويقوم بالفرائض والنوافل على الوجه الذي يناسب حاله وواجباته ووقته ثم يقوم بالأمور الأخرى، بمعنى أن يسد عملًا من أعمال المسلمين بحسب قدرته واستطاعته، وبمعنى أن يسد حاجة نفسه ومن حوله في أمور الدنيا فلا يبقى عالة على الآخرين، وأن يسهم في أعمال الخير ويسابق إليها جملة
[ ٧ / ٣ ]
الشمولية في تطبيق الدين وأحكامه
ولذلك فإن الأفضل من صحابة رسول الله ﷺ الذين اكتمل فيهم معنى الدين بعد النبي ﷺ، واكتملت فيهم معاني القدوة، نجدهم ليسوا ممن ينزع إلى العبادة فحسب، أو إلى الجهاد فحسب، أو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسب، أو إلى الدنيا وإن صرفها في سبيل الله فحسب، بل تجد الكُمّل النماذج والطراز الأول والرعيل الأول والقدوة الذين هم الأئمة أولو العزم من الرجال، هم الذين تتكامل شخصياتهم في العبادة والعمل في الدين والدنيا، في العمل الفردي والعمل الجماعي الذي يشاركون فيه الأمة، الأنموذج هم الأئمة والخلفاء الأربعة الراشدون، كل منهم إذا نظرنا إلى حاله وجدناه قمة في العبادة، وإذا نظرنا إلى عمله وجدناه قمّة في أمور إدارة دنيا الناس، وكلهم تولوا الخلافة الراشدة وأداروا بالفتح الدين والإسلام والمسلمين على وجه نادر في التاريخ، وكلهم لهم في الدنيا نصيب، فمنهم من هم أصحاب تجارة كـ أبي بكر وعثمان، وما ألهتهم تجارتهم عن العبادة ولا عن القيام بالجهات الأخرى، وفي الجهاد نجدهم كلهم من المبرزين، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجدهم كلهم من المبرزين، وفي أعمال الخيرات والمسابقة إليها نجدهم كلهم من المتسابقين والسابقين لغيرها على ما بينهم من تفاوت، ولا يستطيع مسلم أن يكون مثلهم، لكن يجب ألا نغتر بما يلجأ إليه بعض أصحاب الأهواء والبدع من النزوع إلى أخذ خصائص بعض الصحابة وجعلها هي المنهج فقط، فمثلًا: المتصوفة زعموا أن منهج أهل الصفّة هو المنهج الذي يجب الأخذ به، مع أنهم ما نهجوا منهج أهل الصفّة، فأهل الصفّة لهم ظروفهم وأحوالهم وهم فقراء من مساكين المسلمين، لكن مع ذلك كانوا يجاهدون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إلا أنهم مع ذلك اشتهروا بأنهم أكثر الناس تفرغًا للعبادة؛ لأنه لا يشغلهم شاغل ولا يوجد عندهم وسائل للدنيا، فكذلك نجد من يسلك مسلك المراء والجدل والكلاميات يدّعي أن أمثال علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس أصحاب جدل ومناظرات، وليس الأمر كذلك، فما كانت هذه صفاتهم، بل كانت هذه أمورًا عارضة يحتاجونها عند الضرورة والحاجة وأيضًا فإن بعض الصحابة لهم خصائص أخرى لكن نجد أنهم في الأمور الأخرى التي ليست من خصائصهم ما نعرف أن لهم إسهامًا مثل إسهام الآخرين، فمثلًا: خالد بن الوليد ﵁ اشتهر بالشجاعة والبراعة في الجهاد والقتال، فهذا من خصائصه لكن لم يكن له في الفقه كبير موقف، ولا يعني أن هذا لا يقدر، لكن أشغله الجهاد، فإذًا: الكمال ندرة في الرجال، وهذا المنهج هو الذي نعتبره المنهج الأمثل، سواء استطاع كل واحد منا أن يصل إليه أو لم يستطع؛ لأن أغلب الناس لا يستطيعون أن يكونوا على هذا المستوى، لكن يجب أن نعلم نظريًا ومنهجيًا أن هذا هو المنهج الأمثل وأن نسعى إليه، وإلا فمن المعلوم أنه لا يستطيع كل واحد منا ولا أكثرنا، وربما أننا على وضعنا الحاضر لا نستطيع أن نكون مثل هؤلاء أو قريبين منهم، لكن يجب أن نسعى إلى الأمثل، بمعنى أن نعرف أن نهج الشخصية المسلمة التي تتمثل به القدوة هي الشخصية المتكاملة، وأن هذا هو النهج الذي يدعى إليه الناس، وهو نهج الأئمة الذين يقتدى بهم في الدين، وعلى هذا قيسوا على مدار التاريخ كبار التابعين، الأئمة الأربعة، الدعاة المشاهير في التاريخ، وفي المعاصرين على سبيل المثال الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ تجده في كل عمل يستطيعه له إسهام، في العلم ونشره لا يبارى، وفي الاجتهاد والفقه والأحكام لا يبارى، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يضاهيه أحد، وفي النصح للمسلمين عامتهم وخاصتهم لا يضاهيه أحد، وفي رعاية أحوال المسلمين من الأيتام والأرامل والمساكين لا يضاهيه أحد في عصره، وفي إغاثة المسلمين في الخارج والاهتمام بشئون المسلمين والأمة جميعًا والسبق إلى الأمور الإغاثية لا يضاهيه أحد، وفي الاهتمام بالأقليات في أقصى الدنيا لا يضاهيه أحد، وفي تفقد أحوال المسلمين حتى خارج هذه البلاد أفرادًا وجماعات، مثل المستضعفين والمساكين والعجائز والمرضى لا يكاد يضاهيه أحد، وفي نصرة المظلومين عندما يصل الظلم إلى أقصاه لا يضاهي منهج الشيخ أحد، وتعرفون أنه حينما حدث لبعض طلاب العلم وكادوا أن يُقتلوا في بعض البلاد الإسلامية وحُكم عليهم بالقتل، فالشيخ فزع واتصل بالمسئولين حتى أنقذهم الله على يده، ولم يكتفِ بذلك بل دعاهم بأن يأخذوا عمرة ثم يزوروه في بيته، لما أنقذهم الله على يديه، وغير ذلك من القصص العجيبة التي تدل على كمال الشخصية فيه، فلا تجد الشيخ يدرك بابًا للمعروف إلا ويسلكه وهذه من كرامات الله له.
ولو تأملنا كثرة أشغال الشيخ في أمور المسلمين الخاصة والعامة، وتأملنا عملًا واحدًا من أعماله لقلنا: هذا يكفي لإتعاب مئات الرجال بل لا أشك ولا أُبالغ حينما أقول: إن بعض أعمال الشيخ في جانب الإغاثة فقط تُعادل عمل مؤسسات
[ ٧ / ٤ ]
الأسئلة
[ ٧ / ٥ ]
الاقتصار على جانب واحد مما ينفع الإسلام
السؤال
ما رأيك فيمن يقول: إن القيام بجانب واحد من أمور نفع الإسلام أجدى وأنفع من الجوانب المتنوعة؛ لأن في ذلك تركيزًا للجهود؟
الجواب
هذا صحيح لبعض الناس ومن بعض الوجوه، وهناك فرق بين المنهج وبين التطبيق، فحينما نتحدث عن المنهج الأمثل في الإسلام لا بد أن نعترف ونقر بأن المنهج الأمثل في الإسلام لمن يستطيعه هو الشمولية والعمومية، لكن عند التطبيق نجد أن بعض الناس لا يستطيع أن ينفع بأكثر من نفع واحد، فقد تعطيه مهمة واحدة يشتغلها، وإذا أعطي أكثر من مهمة يرتبك، فهذه قدرات ولكن ليس له دخل في المنهج، ولذلك حتى الصحابة ﵃ وهم الجيل الأول والكمّل قد لا يستطيع الفرد الواحد أن يعمل إلا عملًا واحدًا، ومنهم من برّز في شيء ولم يبرّز في أشياء، وليس معناه أنه مقصّر، بل هذه استطاعته، كذلك بالنسبة للتطبيق وبالنسبة للعمل في الدين والإسلام سواء العمل الواجب على كل فرد أو الأعمال التطوعية، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وينبغي أن نحمد هذا ونحمد هذا، والإنسان الذي يعمل بعمل واحد ويتمه ولا يستطيع أن يعمل أكثر منه، يُحمد على ذلك وربما لا يقل أجره عن أجر ذاك الذي يعمل أصنافًا من الأنشطة أو غيرها، فربما كان أجر هذا أكثر من أجر ذاك.
إذًا: يجب أن نفرّق بين أمرين: بين مسألة المنهج عندما نرسم القدوة لأجيال المسلمين، نبيّن لهم أن القدوة كذا وكذا، ولا نجعل القدوة في أمر جزئي يصرف الناس عن الواجبات الأخرى، والذي جعل بعض الجماعات الإسلامية وبعض المراكز وبعض الهيئات وبعض الاتجاهات يعمل بعمل واحد ويخطئ الآخرين، مثل بعض الشباب الذين يدّعون السلفية لا يهمهم فقط إلا قراءة علم الحديث، وإذا قرأت في الفقه فأنت قد خرجت عن منهجهم، وإذا اعتنيت بالعقيدة فأنت قد خرجت عن منهجهم، وإذا عملت بنشاط عملي للناس في أنشطة مدرسية أو مؤسسية أو مراكز صيفية، فتكون عندهم قد خرجت عن المنهج، وهذا غلط بل المفروض أن يحمدوا لهذا عمله ويشجعونه، وقد يكون الواحد ليس عنده استيعاب للعلم الشرعي ولا يستطيع ذلك وحتى يقرأ الحديث قراءة متخصصة، لكنه يعمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا نقل: إنه مقصّر! لا، نقول: جزاك الله خيرًا، وهذا عملك، إذًا: يجب أن نعرف أن الناس تختلف قدراتهم كأفراد، فالذي يقدر على الكمال ولا يسعى إليه مقصر، والذي يسعى إلى الكمال ولا يستطيعه هذا مفرط، فينبغي أن نبيّن له أنه كما قال الخليل بن أحمد للأصمعي حينما أراد أن يتعلم العروض، وهو إمام ترجع الأمة إليه إلى الآن قال له بيتًا: إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع فعرف وأدرك أنه يريده، فخرج، فهذا عالم ولا يضره هذا، ولا يضر ذلك في قدره ولا في أجره عند الله ﷿، فالأجور عند الله لا يعلمها إلا هو ﷾.
ويبدو لي من خلال السؤال أن هناك فرقًا بين أن نرسم المنهج الأمثل وبين واقع الناس، لأن الناس حسب مقدراتهم، وكل من عمل خيرًا وهذا ما يستطيعه نقول: جزاك الله خيرًا، ونشجعه ونؤيده، حتى لو ما عمل إلا أدنى المعروف الذي أوصى به من وصايا، فينبغي أن نفهم هذا وذاك لئلا نخلط.
فمن الخطأ الفادح والخلل الذي أوقع شبابنا في ربكة وجعل كثيرًا منهم لهم جهود في الخير ولكن يكون عندهم نوع من الاضطراب الآن هو خطأ كثير ممن ينتسبون إلى الدعوة والعلم في تبصير الناس وقصرهم الخير على باب واحد، ويخطئون من يعمل بغير هذا الباب، ويجعلون ما يجيدونه هم هو الأنموذج بأمر قد لا يريده بعض الناس الآخرين، والناس يتفاوتون، فمنهم من لا يفهم إلا فهمًا بسيطًا، ومنهم من لا يعمل إلا عملًا بسيطًا، ومنهم من يستطيع أن يصدر عن عمله ويشغل الأمة، وفرق بين هذا وذاك، وبعض الناس ينفع نفسه ويكف شره عن الناس، فهذا على خير عظيم، وبعض الناس خير كله، تجده معطاء، فلا نجعل الناس كلهم على درجة واحدة، إنما المنهج ينبغي أن يكون هو المنهج الشامل وهو منهج السنة.
[ ٧ / ٦ ]
التخصص في العلوم الشرعية
السؤال
ما رأيكم فيمن يدعو إلى التخصص في العلم الشرعي وفي العمل الإسلامي عمومًا؟
الجواب
لا نطلق ولا نحجر، فالتخصص في العلم الشرعي إذا كان لا يستطيع الإنسان أن يكون عنده شمولية فلا حرج فيه، ولكن ينبغي ألا يجهل البدهيات في العلوم الأخرى، فمثلًا: يركز على التخصص في الحديث ويجهل الفقه والعقيدة هذا أو في منهج الاستدلال هذا لا يصح، لكن ينبغي أن يؤسس شخصيته العلمية على أصول العلوم الشرعية، مثل القرآن وعلومه وتفسيره، والحديث وعلومه ورجاله، ثم العقيدة وما يتفرع عنها من الأصول الضرورية، ثم الفقه وأصوله، ثم اللغة العربية فهذه العلوم لا بد أن ترتكز عليها قاعدة طالب العلم، ولا بد أن توجد مثل الأسس للبيت، فأنت إذا أسست البيت لا بد أن تؤسس قواعده، فإذا انتهيت من القواعد تشكل البيت حسب حاجتك وهذا راجع لك، لكن لا بد أن تكون الأسس قوية ومتينة بحيث لو احتجتها تجدها على أصول شرعية.
فلذلك لا حرج في هذا ولكن لا يحجر أحد على أحد خاصة في العلوم الشرعية التي ينفع الله بها، لكن من استطاع أن يكون شموليًا في العلم الشرعي فهذا هو المطلوب الإمامة في الدين لا تكون للأمة إلا من العلماء الراسخين وليس المتخصصين، والمتخصصون يكفل بعضهم بعضًا، ولذلك لو أردنا أن نناقش قضية من النوازل الحديثة المتشابكة، يكون فيها جانب طبي وجانب هندسي وجانب كذا وآخر، فأردنا أن نبحث فيها فلابد أن نأتي بالمتخصصين كلهم ويعطونا خلاصة عن التخصص، ولكن الذي يفتي فيها هو العالم، وكذلك القضايا الشرعية الأخرى لو افترضنا أننا الآن ليس عندنا عالم شمولي، وأتت قضية من القضايا العلمية التي تحتاج أن نرجع فيها للتفسير والحديث والفقه والعقيدة واللغة العربية، فهذا يتأتى في كثير من قضايا الشرع، لأن كثيرًا من القضايا الشرعية تحتاج إلى التخصصات فلو فرضنا أننا احتجنا قضية من القضايا الخطيرة التي لا بد فيها من تكامل هذه التخصصات، وليس عندنا عالم شمولي، فلا بد أن نأتي بأربعة أو خمسة كل في تخصصه، وهنا تدركون خطأ التركيز على التخصصات، فالتخصصات مفيدة لكن بشرط أن يوجد عندنا مرجعية وأن نركز على أنموذج من طلاب العلم ننمي فيهم العلم الشرعي الشامل، ولذلك ينبغي أن نستدرك أنفسنا، ونستدرك الحال مع طلاب العلم في أن نشجع الطلاب النابهين للحضور عند دروس المشايخ الشاملة، ولا يقتصر على فن واحد، فإن وجد عند شيخ من المشايخ الشمولين وإلا فينبغي أن ينوع، فيحضر عند هذا الشيخ درسًا وعند الآخر الدرس الثاني، حتى نخرج شخصيات متكاملة، ولذلك أقول: الأمة مقبلة على كارثة في هذا الجانب، فمسألة طلب العلم صارت تخصصات، فإذا ذهب هذا الجيل الذي بقي منه حبيبات الجيل التخصصي الشامل جيل الراسخين في العلم ماذا ستتصورون؟ وعندنا علماء لكنهم ليسوا علماء شمولية، هذه حقيقة خطيرة ينبغي أن نشجع طلاب العلم الذين يأخذون من عموم المشايخ ونركز على أن يطلبوا العلم الشمولي.
كما نحثكم على قراءة كتاب الحداثة في ميزان الإسلام، وهو كتاب جيد وأثنى عليه سماحة الشيخ ابن باز ﵀.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٧ / ٧ ]