شرح كتاب فضل الإسلام [٨]
الإسلام هو دين الفطرة التي هي دين إبراهيم ودين جميع الأنبياء ﵈، وهي تعني إخلاص العبادة لله تعالى دون من سواه، ومن خرج عن الفطرة وتنكب الصراط المستقيم فقد عرض نفسه للعذاب، وليأتين يوم يذاد فيه عن الحوض أقوام بدلوا وغيروا، وارتدوا على أدبارهم، فيقول لهم الرسول ﷺ: سحقًا سحقًا لمن غير وبدل.
[ ٨ / ١ ]
أدلة الفطرة من الكتاب والسنة
قال رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣].
وعن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي إبراهيم وخليل ربي، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨] رواه الترمذي).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
ولهما عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم احتجبوا دوني، فأقول: أي رب! أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
ولهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلًا له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال يوم القيامة عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا).
وللبخاري: (بينما أنا قائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة فذكر مثله قال: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم).
ولهما في حديث ابن عباس ﵄: (فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧])].
بوب الشيخ لهذا الموضوع بالفطرة: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا» الذي هو دين الفطرة، وقد ذكر وبيّن ذلك من خلال الأحاديث فأراد في هذا الفصل أن يبيّن أن الإسلام هو الفطرة، وأنه هو الحنيفية ملة إبراهيم، وهو وصية إبراهيم ﵇، ثم بدأ الباب بالآية وهي قوله ﷿: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
والدين القيّم هو الدين المستقيم، دين الله ﷿، وهو ما جاء به جميع الأنبياء بمقتضى هذه الفطرة، سواء في جانب الاعتقاد أو في أصول التشريع، إنما الاختلاف في فروع الشريعة وفي الأحكام التفصيلية، أما في مجملات الدين الذي يتمثل في العقيدة وفي أصول الأحكام وتحقيق الغاية الكبرى من الخلق وهو عبادة الله ﷿، ثم أيضًا تحقيق الأصول الكبرى مثل العدل والفضيلة والصدق والوفاء والأمانة ونحو ذلك هذا كله مقتضى الفطرة وكله جاء به جميع الأنبياء، وهو ملة إبراهيم ومن قبله ومن بعده.
[ ٨ / ٢ ]
معاني الإسلام
ثم ذكر أن ذلك وصية إبراهيم وهو الإسلام في كل زمان بحسبه؛ لأن الإسلام مسمى لهذا الدين الذي أنزله الله ﷿ في كل أمة حسب وقتها وما أرسل الله إليها، ووصية إبراهيم ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] وهذه الوصية تعني التزام الإسلام كما هو آخر الآية «فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» والإسلام هو دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، ثم إن الإسلام يعني جميع ما جاءت به الرسل في أوقاتهم، ومن هنا فإن الإسلام بعد مبعث النبي ﷺ ينطبق على معنيين: المعنى الأول: الإسلام العام الذي هو العقيدة والأصول التي جاء بها جميع النبيين، وهذا أمر لا يختلف فيما جاء به النبي ﷺ عما جاء به غيره من لدن نوح إلى خاتم النبيين كله واحد.
والمعنى الثاني: الإسلام بالمعنى الخاص وهو ما يضاف إلى ذلك من الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ، والتي هي مهيمنة وناسخة للشرائع السابقة.
إذًا: فالإسلام بعد مبعث النبي ﷺ إنما يعني هذا المعنى وهو: الإسلام الخاص، ولا يعني ذلك أن نخرج الأمم من مسمى الإسلام، فآدم وذريته مسلمون إلا من انحرف فيما بعد عن الإسلام، ونوح وأتباعه مسلمون، وإبراهيم وأتباعه مسلمون، وبنوه الذين بعثهم الله وجعل النبوة في ذريته ذرية يعقوب وذرية إسحاق وذرية إسماعيل، وأغلب أنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق، لكن النبي محمدًا ﷺ من ذرية إسماعيل، فهم فيهم النبوة، وكلهم جاءوا بالإسلام، وكلهم وأتباعهم مسلمون، لكن بعدما اندثرت الشرائع وطالها التحريف ووقع أتباعها في الجهل والفرقة والتحريف والتبديل نسخ الله ذلك كله وأبدله بهذا الدين وبهذا الإسلام، فصار الإسلام يعني هذا الإسلام الخاص الذي جاء به محمد ﷺ، ولذلك لا يسع أحد من الناس بأن يدّعي أنه مسلم بمجرد أن ينتسب إلى نبي كما هي الدعوى الحاصلة الآن من رافعي لواء التقريب بين الديانات الكتابية أو ما يسمى بالديانات الإبراهيمية، فإنهم زعموا أن هؤلاء كلهم على الإسلام؛ لأنهم أتباع الأنبياء، وهذا خطأ، بل ضلال مبين، ومن أعظم الضلال والتلبيس، فإنا كما نؤمن بموسى وعيسى ومحمد ﷺ فإنهم كلهم أوصوا باتباع محمد ﷺ إذا بعث، فلا يجوز أن نتبع غيره ولا أن نعترف بالإسلام أو بأن من حاد عن هذا الدين على الحق، لا نعترف لأحد بالإسلام إلا من كان على هذا الدين، ولا أنه على الحق إلا من كان على هذا الدين، وقد أقسم النبي ﷺ بذلك، فقال: (والله لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).
ثم ذكر قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] وهذا في جانب الاعتقاد، أما في الشريعة فإن الله ﷿ جعل لهذه الأمة شريعة خاصة.
[ ٨ / ٣ ]
أولى الناس بإبراهيم ﵇
ثم ذكر حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي إبراهيم خليلي وخليل ربي، ثم قرأ قوله ﷿: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]).
ويعني هذا أن دعوى بني إسرائيل بأنهم هم أولياء إبراهيم هذه دعوى باطلة، وكذلك دعوى أصحاب القوميات والنزعات القومية العرقية الذين يدعون أن اجتماع العرب واجتماع الأمم ينبغي أن يكون على مثل هذه السلالة، وأن الأخوة بين البشر ينبغي أن تنبني على مثل ذلك، حتى ادعوا أن بني إسرائيل المعاصرين من اليهود إخوة للمسلمين؛ لأنهم كلهم يرجعون إلى إبراهيم ﵇، وهذا خطأ، لأن الله ﷿ إنما أشار إلى أن الولاية للذين اتبعوه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران:٦٨] لا الذين انتسبوا إليه بالنسب، ومع أننا نلتقي مع بني إسرائيل الذين هم اليهود نسبًا بإبراهيم ﵇، لكن لا يعني ذلك أن هذا هو طريق الولاية، فالولاية لا تكون إلا بالإيمان والتقوى، ولا تكون إلا باتباع ملة إبراهيم التي جاء بها محمد ﷺ «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» جميعًا، أي: الذين اتبعوا إبراهيم على هذا النهج، وكذلك اتبعوا هذا النبي الذي هو محمد ﷺ، وهذه الآية من الآيات المحكمة في تقرير الولاية وتقرير الولاء للمسلم، فلا يجوز للمسلم أن يوالي إلا على الدين، ولا يوالي على دين إلا على دين الإسلام، وأن الذين ينحرفون عن هذا الدين الذي هو الإسلام ليسوا أولياء لا لإبراهيم ولا لغيره من النبيين، بل النبيون براء منهم، والمؤمنون يجب أن يتبرءوا منهم، ويجب أن يكون هذا الحد من الأمور الواضحة عند كل مسلم، فلا يوالي إلا على الدين، ولا يوالي إلا على النهج السليم الذي هو مقتضى السنة، ولذلك لا تحصل للمسلم ولا لغيره الولاية لله ﷿ إلا بالإيمان، ولا يمكن لأحد أن يدّعي دعوى صحيحة أنه من أتباع إبراهيم ولا من أتباع محمد ﷺ إلا إذا التزم هذا الدين، وهذا يقتضي بالضرورة البراءة من عكس ذلك والبراءة ممن لم ينتسب لهذا الدين الحق.
[ ٨ / ٤ ]
الفطرة هي موافقة العمل الصالح
ثم ذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
وهذا يفيد أن المعوّل في الحكم بالصلاح والاستقامة وتحقيق رضا الله ﷿ وتقواه هو التقوى والعمل الصالح، وليس المظاهر ولا الأموال، فالأموال والأجسام والصور يعطيها الله ﷿ جميع العباد المسلم والكافر، إذًا: المعوّل على ما في القلوب والأعمال من الإيمان بالله ﷿ والتقوى والإحسان والاستقامة وسائر الأعمال القلبية التي يتحقق بها الإيمان الحقيقي الذي أراده الله ﷿، وأيضًا الأعمال لا تصح إلا على مقتضى دين الله ﷿.
فإذًا: الولاية لله لا تكون إلا بذلك؛ لأن معنى قول الرسول ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم) بمعنى أن الله ﷿ لا يبالي بغير ذلك، ولا تنال ولاية الله إلا بالتقوى والعمل.
[ ٨ / ٥ ]
مآل من خرج عن فطرة الإسلام
ثم ذكر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم احتجبوا دوني، فأقول: أي رب! أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
فهذا الحديث ونحوه من الأحاديث المشابهة تعتبر من النصوص التي تشتبه معانيها، ولا بد من ردها إلى نصوص أخرى، والاشتباه آتٍ من أن أهل الأهواء استدلوا بمثل هذا الحديث على أن الصحابة ارتدوا، وهذا استدلال خاطئ ومبني على أن أهل الأهواء لا يردون النصوص إلى النصوص الأخرى، ولا يفسّرون النص بنص آخر، أو يردون النصوص إلى القواعد الشرعية التي تفسرها وتبينها، فإن هذا الحديث وأمثاله جاء على عدة ألفاظ وعلى عدة معانٍ تقتضي أن نفسّر هذا الحديث بغيره، وهذا الحديث لا بد أن يخصص هذه الفئة الذين يرتدون، والمخصص هو الأحاديث الأخرى التي فيها تزكية الصحابة ﵃ وأن الله رضي عنهم، وأن النبي ﷺ توفي عنهم وقد زكاهم وأمر بعدم سبهم، وعلى ذلك فإنا لا بد أن نفسّر الحديث بمقتضى نصوص أخرى كما سيأتي.
إذًا: الحديث من يعني من فئة أصحاب النبي ﷺ؟ بعض أهل العلم قال: إن هذا فيه إشارة إلى المنافقين ممن كانوا في عهد النبي ﷺ الذين يتظاهرون بأنهم أصحابه، وهؤلاء لا يعلمهم إلا الله ﷿، وبعضهم قال: إن هذا لا يعني الردة، وهو الراجح، وإن وردت في بعض ألفاظه: (ارتدوا) وارتدوا بمعنى تراجعوا أو تركوا بعض الحق لا ارتدوا عن الإسلام، فيحمل الحديث على معنى آخر، وهو أن المقصود به الذين وقعوا في أخطاء عن اجتهاد بعد النبي ﷺ ممن كانوا في وقته لكنهم يذادون عن الحوض فقط، ولا يعني ذلك عدم دخولهم الجنة، فهم يعاقبون بذنوب كسائر الذنوب التي يقع فيها المؤمنون، فهم قد يكونون ممن كانوا في عهد النبي ﷺ وهذا احتمال بعيد، لكن ليسوا من أصحاب الردة أو البدع أو الأهواء والافتراء، إنما ممن وقعوا في معاصٍ أو مخالفات للسنة، فيذادون عن الحوض ولا يشربون لكنهم يدخلون الجنة، وهذا يؤيده القول الراجح في أن الحوض بعد الصراط، ونحن نعلم أن من تجاوز الصراط لا بد أن يدخل الجنة، لكن قد يحصل له قبل دخول الجنة أمور، منها: أن توصد أبواب الجنة أمام الكثيرين من المؤمنين، وأيضًا بعض المؤمنين قد لا يشربون من الحوض عقوبة لهم على ذنوب عملوها، لكنهم نجوا بغيرها فعوقبوا عقوبة جزئية لا تحرمهم من الجنة، لكن تحرمهم من بعض النعيم قبل دخول الجنة، وهذا على احتمال أن المقصود به أناس من أصحاب النبي ﷺ، لكن الاحتمال الراجح والذي يفسره النصوص أن المقصود بـ (أصحاب) هنا الأتباع وليس المقصود بالأصحاب الصحابة، لأن أمة النبي ﷺ كلهم أصحابه وإن كان فسّر ذلك في حديث آخر حينما قال: (أنتم أصحابي) فنقول: إن المقصود هنا بالأصحاب المعنى الخاص، والأصحاب هناك يقصد المعنى العام، ولا شك أن الصحبة لها معنى خاص ومعنى عام، فالأصحاب قد تطلق على الأتباع حتى على مقتضى اللغة العربية، وجاءت بعض الألفاظ الشرعية تدل على أن الأصحاب هم الأتباع الذين هم الأمة، فأصحاب النبي ﷺ هم جملة أمته، وصحابته الذين عاشوا في عصره لهم صحبة أخص؛ فإذًا: المقصود بالأصحاب هنا المعنى اللغوي العام، وهو أنهم من أمته.
ولذلك عندما يأتي مثل حديث أبي هريرة التالي قوله ﷺ: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي) فالأصحاب هنا بمعنى الصحبة الخاصة، لكن الإخوان لا يخرجون من المعنى العام للأصحاب، وهذا هو الظاهر على مقتضى القواعد الشرعية واللغة العربية (الذين لم يأتوا بعد، قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد) إلى آخره، ثم ذكر وصف أمة محمد ﷺ، وأنهم غر محجلون، تظهر آثار الوضوء على جباههم وأيديهم وأرجلهم، وهذه من فضائل هذه الأمة وتدخل في فضائل الإسلام التي أشار إليها الشيخ في العنوان.
وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري: (بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة) إلى آخره، فقوله: (ثم زمرة) يدل على أن هذا يحصل في أجيال بعد الصحابة ﵃؛ لأن الحديث لا يدل على الردة عن الإسلام، وإن كان يحتمل هذا المعنى، لكن ظاهره أن المقصود به الارتداد عن الحق بمعنى التفريط وبمعنى الإخلال لا بمعنى أن ينهدم الإسلام في نفوسهم، هذا هو الظاهر؛ لأن هذه من نصوص الوعيد.
ثم قال: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)، هذا يدل على أنه ليس المقصود بهم الصحابة؛ لأن الصحابة جملتهم ناجون بخبر الرسول ﷺ
[ ٨ / ٦ ]