شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٣١]
الشفاعة الواردة في النصوص شفاعتان: شفاعة مثبتة وشفاعة منفية، فالمنفية هي كل شفاعة لم يأذن الله تعالى بها، والمثبتة هي التي أثبتها الله تعالى لعباده الصالحين وملائكته المقربين، وتكون بإذنه ورضاه ﷾.
[ ٣١ / ١ ]
حديث الضرير في التوسل
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ومن الناس من يقولون: هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط الحكم، لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها، والفرق ثابت شرعًا وقدرًا بين من دعا له النبي ﷺ وبين من لم يدع له، ولا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر].
هذه المسألة هي امتداد للكلام السابق، في التوسل بالنبي ﷺ، أو التوسل بدعائه، أو التوسل به في دعاء الله ﷿، وذكر الشيخ وجه الخطأ والتناقض في فهم المبتدعة، وأنهم لم يفرقوا بين التوسل به بمعنى طلب الدعاء منه وهو حي، وبين التوسل بذاته بالإقسام به على الله.
[ ٣١ / ٢ ]
بيان أن توسل الضرير برسول الله هو طلب الدعاء منه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الأعمى شفع له النبي ﷺ فلهذا قال في دعائه: (اللهم فشفعه في)، فعلم أنه شفيع فيه، ولفظه: (إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك، فقال: ادع لي)، فهو طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فأمره النبي ﷺ أن يصلي ويدعو هو أيضًا لنفسه، ويقول في دعائه: (اللهم فشفعه في)، فدل ذلك على أن معنى قوله: (أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد) أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا.
فالحديثان معناهما واحد، فهو ﷺ علم رجلًا أن يتوسل به في حياته، كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا، ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلًا عنه، فلو كان التوسل به حيًا وميتًا سواء، والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول، لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم إليه وسيلة، إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله.
وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثلما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله، وما يشرع من الدعاء وينفع، وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير؛ وإنزال الغيث بكل طريق ممكن، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه].
يقصد بهذا صورة واحدة، وهو أن دعاء الغائب مثل دعاء الميت؛ فدعاء الغائب لا يجوز كما أن دعاء الميت لا يجوز، والسبب أنه لا يسمع دعاء من يدعوه أو يدعو به أو يتوسل به، ولذلك يقول شيخ الإسلام: إنه لم يحدث من الصحابة أو من أفرادهم كالأعمى أن دعوا النبي ﷺ أو دعوا الله أن يستجيب دعاءه فيهم وهو غائب، وإنما الحديث عن صورة واحدة تكررت، وهو أنه يأتي بعض الناس إلى النبي ﷺ وهو حاضر يسمع؛ فيطلب منه أن يشفع له بالدعاء فيدعو له، أما وهو غائب فلم يقع ذلك.
فهذا ما أراده الشيخ.
وهذا أيضًا يحكم القول ويقوي الحجة ضد أهل البدع؛ أن الصحابة كان فيهم أصحاب ضرورات، وفيهم عميان غير هذا الأعمى، وأحيانًا تقع لهم ضرورات عامة ليست ضرورات شخصية، وجوائح وجدب في بعض ديار الإسلام، ومع ذلك ما كانوا يدعون النبي ﷺ وهو غائب، مع أنه حي بين ظهرانيهم، فكيف وقد مات؟ إذًا: الأمر واضح، هو أنه حتى الذين يدعون الغائبين من الأحياء يقعون في البدعة، كما يخطئون في دعائهم للأموات، وحتى دعاء الحي بما لا يقدر عليه شرك؛ لكن القصد هنا طلب الدعاء من الغير، وهذه هي الصورة التي نتكلم فيها، فإن طلبت منه أن يدعو لك وهو حاضر، ويملك أن يدعو فهذا مشروع، وحتى النبي ﷺ لم يتوسل به الصحابة ولم يدعوه وهو غائب، ولا طلبوا أيضًا بمغيبه عنهم أو في غير حضرته أن يدعو لهم من هذا الباب حتى في صورة التوسل المشروع؛ لأن التوسل المشروع لا يكون إلا من حاضر يسمع ويقدر.
[ ٣١ / ٣ ]
أدلة على مشروعية التوسل بطلب الدعاء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه؛ وذلك أن التوسل به حيًا هو الطلب لدعائه وشفاعته، وهو من جنس مسألته أن يدعو لهم، وهذا مشروع، فما زال المسلمون يسألون رسول الله ﷺ في حياته أن يدعو لهم.
وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء، لا عند قبره ولا عند غير قبره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين؛ يسأل أحدهم الميت حاجته، أو يقسم على الله به ونحو ذلك، وإن كان قد روي في ذلك حكايات عن بعض المتأخرين.
بل طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن، حتى قال رسول الله ﷺ لـ عمر لما استأذنه في العمرة: (لا تنسنا يا أخي من دعائك) إن صح الحديث.
وحتى أمر النبي ﷺ أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر للطالب وإن كان الطالب أفضل من أويس بكثير].
[ ٣١ / ٤ ]
الكلام على التوسل بطلب الدعاء وأن تركه أولى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة).
مع أن طلبه من أمته الدعاء ليس هو طلب حاجة من المخلوق، بل هو تعليم لأمته ما ينتفعون به في دينهم، وبسبب ذلك التعليم والعمل بما علمهم يعظم الله أجره].
إذًا: صلاتنا على النبي ﷺ، هي استجابة لأمر الله ﷿، فإن الله أمرنا بذلك في كتابه، وهذا تكريم للرسول ﷺ، ثم أمرنا الرسول ﷺ بذلك بناء على أمر الله، وليس ذلك لأن أحدًا من الناس أفضل من الرسول ﷺ، فهو أفضل الخلق على الإطلاق، ولا لأن النبي ﷺ يحتاج إلى دعائنا، لكننا نحن المحتاجون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنا إذا صلينا عليه مرة صلى الله علينا عشرًا، وإذا سألنا الله له الوسيلة حلت علينا شفاعته يوم القيامة، وكل ثواب يحصل لنا على أعمالنا فله مثل أجرنا من غير أن ينقص من أجرنا شيء، فإنه ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا).
وهو الذي دعا أمته إلى كل خير، وكل خير تعمله أمته له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لم يكن الصحابة والسلف يهدون إليه ثواب أعمالهم ولا يحجون عنه ولا يتصدقون ولا يقرءون القرآن ويهدون له؛ لأن كل ما يعمله المسلمون من صلاة وصيام وحج وصدقة وقراءة له ﷺ مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، بخلاف الوالدين، فليس كل ما عمله المسلم من الخير يكون لوالديه مثل أجره، ولهذا يهدي الثواب لوالديه وغيرهما.
ومعلوم أن الرسول ﷺ مطيع لربه ﷿ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، فهو ﷺ لا يرغب إلى غير الله.
وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).
فهؤلاء من أمته وقد مدحهم بأنهم لا يسترقون، والاسترقاء: أن يطلب من غيره أن يرقيه، والرقية من نوع الدعاء، وكان هو ﷺ يرقي نفسه وغيره، ولا يطلب من أحد أن يرقيه.
ورواية من روى في هذا (لا يرقون) ضعيفة غلط، فهذا مما يبين حقيقة أمره لأمته بالدعاء أنه ليس من باب سؤال المخلوق للمخلوق الذي غيره أفضل منه، فإنه من لا يسأل الناس، بل لا يسأل إلا الله، أفضل ممن يسأل الناس، ومحمد ﷺ سيد ولد آدم].
مسألة الاسترقاء والرقية، تكلم فيها العلماء بكلام كثير، وكله فيه توجيه بمعنى كونهم لا يسترقون؛ لأن أكثر أهل العلم افترض بعض الإشكالات، إذا نظرنا إلى عموم النصوص التي تجيز التداوي وتجيز الرقية، وأن النبي ﷺ رقى، وأنه رقي، فكيف صار عدم الاسترقاء صفة مدح؟ ثم إن المسلم إذا احتاج إلى الرقية، فهل يعني ذلك أنه لا يشرع له أن يطلب الرقية، وما معنى كونهم لا يسترقون؟ فأولًا: لا يفهم من قول النبي ﷺ: (لا يسترقون) أنهم يمنعون الرقية، أو أنهم لا يرونها مشروعة، فإن هؤلاء طبقة ممن يكون فقههم بحيث لا يعارضون شرع الله ﷿، هؤلاء من الطبقة الخلص الأتقياء، الذين لا يمكن أن يكون منهم بدعة أو أمر يخل بما شرعه الله ﷿.
إذًا: من أحسن ما وجه به هذا النص أن قول النبي ﷺ: (هم الذين لا يسترقون)، أي: لا يطلبون الرقية لا لأنهم يرونها غير جائزة، لكن لقوة إيمانهم ويقينهم وتوكلهم على الله ﷿ وإحسانهم في العبادة لا تتوق نفوسهم إلى الرقية.
وهذا له نماذج من حياة أفراد من السلف، يصل الواحد منهم إلى درجة أنه لا تتطلع نفسه إلى بذل الأسباب، لا لأنه يراها محرمة، لكن لقوة يقينه بالله ﷿، ولقوة اعتماده بنفسه على الأسباب الشرعية، لا يطلب الرقية، فهذه قوة إيمان يهبها الله ﷿ لمن يشاء، فيصل عنده التوكل واليقين إلى ألا تطلع نفسه إلى طلب الرقية؛ لا لأنه لا يراها مشروعة أو أنه يحرمها، أو يحرم نفسه مما أباحه الله، والرسول ﷺ يقول: (تداووا عباد الله)، وأن أفضل ما تداوينا به هو هذا القرآن، فالجمع بينهما ما ذكرت، والله أعلم.
وقد يقال: ما الفرق بين طلب الرقية وطلب التطبب، حيث إنه مشروع؟ والذي يظهر لي عدم الفرق، أي أنهم لا يطلبون الطبيب، والدليل على هذا قوله: (ولا يكتوون)، والكي من الطب، كما يقال: آخر الدواء الكي، لكن مع ذلك ربما يكون التداوي أفضل من الكي؛ لأن الكي مكروه، كما ورد في أحاديث أخرى.
و
[ ٣١ / ٥ ]
أعظم الدعاء إجابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث: (أعظم الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب)، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله)؛ وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته، فلهذا كان طلب الدعاء جائزًا، كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه، والأفعال التي يقدر عليها.
فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب ذلك لا من الملائكة، ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، ولا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لي، واسقنا الغيث، وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا ونحو ذلك].
[ ٣١ / ٦ ]
حكم الاستغاثة بالمخلوق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا روى الطبراني في معجمه: (أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال الصديق ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فجاءوا إليه فقال: إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله) وهذا في الاستعانة مثل ذلك.
فأما ما يقدر عليه البشر، فليس من هذا الباب، وقد قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، وفي دعاء موسى ﵇: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وإليك المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق.
وقال أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء، فقال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي كما أنتم عبادي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إلي.
فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء، مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم، وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قدر أنهم يدعون للأحياء وإن وردت به آثار، فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من السلف؛ لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يفضي إلى الشرك، ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته فإنه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم].
هنا مسألة قد توهم، وهي قوله: (وإن وردت به آثار)، وهو لا يقصد بالآثار الآيات والأحاديث.
وقوله: (وإن وردت به آثار)، أي: دعاء الأموات، أو القول بأنهم يسمعون؛ فهذا وإن وردت به آثار، فإن هذه الآثار أولًا ليست أحاديث صحيحة، وسماع الأموات محدود على ما ورد به الشرع، فقد ورد أن الميت يسمع وقع نعال الذين يدفنونه، وورد أن بعض الأموات يسمعون السلام ويردون السلام على من سلم عليهم، هذه مسألة محدودة على هيئة معينة وبأمر محدود شرعًا ووقت محدود، فلا يعني هذا أنهم يسمعون دائمًا، ثم لو سمعوا أيضًا فلم يرد أنهم يدعون.
وما ورد من آثار يقصد أنه في عهد السلف وردت تجاوزات من بعض أناس: إما أن يكونوا جهلة، أو لم تثبت، أو ثبتت عن تأول منهم، أو أنها زلة من زلات بعض العلماء، فإذا كان قد حدث مثل هذا، فإن هذه الآثار ليست أدلة شرعية، والأمور الخطيرة كهذه لا يستند فيها إلا إلى دليل شرعي، لا إلى تصرفات أفراد أو زلات علماء، فتجعل أصولًا وقواعد تنسف بها السنة وتثبت بها البدعة، ويقع الناس بسببها في الشرك.
ولذلك فغاية ما يتعلق به أهل الأهواء والبدع في التوسلات البدعية، تجدها إما أشعار وإما مواقف من بعض الأعراب وإما أشياء لم تثبت، أو تثبت على وجه مجمل لا يعد دليلًا صريحًا على نوع البدعة، أو على الهيئة التي يبتدعونها، فهذه الآثار مما فتن به الناس، وليست أصلًا في الدين ولا من الأمور المشروعة.
[ ٣١ / ٧ ]
دعاء الأموات للأحياء
مداخلة: هذه الآثار التي يشير إليها الشيخ، هل المقصود فيها دعاء الأموات للأحياء، أو دعاء الأحياء الأموات؟
الجواب
هو قال: (وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قدر أنهم يدعون للأحياء، وإن وردت به آثار)، يعني: وإن وردت آثار عن بعض الناس أن الأنبياء والصالحين يدعون للأحياء، أي: يسمعون المتوسلين ويدعون لهم.
إذًا: فالمنفي هنا عدة صور: المنفي هو أنهم أولًا يسمعون مطلقًا، وإن كان في الأنبياء غير ما عند عامة الناس.
والأمر الثاني أيضًا: أنهم إذا سمعوا يستطيعون الإجابة، ثم نفى ما هو أخص؛ وهو أنهم إذا سمعوا فإنهم يستطيعون الدعاء لمن طلب منهم، ماداموا أمواتًا في قبورهم، فهذه الصور كلها منفية، وإن وردت بها آثار عن بعض الناس.
[ ٣١ / ٨ ]
الله تعالى لا يأمر بالشرك ووسائله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠].
فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابًا فهو كافر.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وقال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣].
وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤].
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٢ - ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩].
وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨].
فالشفاعة نوعان: أحدهما: الشفاعة التي نفاها الله تعالى كالتي أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة وضلالاهم، وهي شرك.
والثاني: أن يشفع الشفيع بإذن الله، وهذه التي أثبتها الله تعالى لعباده الصالحين، ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد، قال: (فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقال: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع).
فإذا أذن له في الشفاعة شفع ﷺ لمن أراد الله أن يشفع فيه].
الشفاعة المنفية التي ذكرها الشيخ المقصود بها: كل شفاعة زعمت لمن ليس بشفيع، أو كل شفاعة لم يأذن بها الله ﷿، أي: لم تكن برضا الله وإذنه، فمن لم يكن بشفيع مثل الأصنام والأوثان والكواكب والنجوم والكفار الذين يعبدون من دون الله برضاهم وغير ذلك كل هؤلاء ليسوا شفعاء، وكل ما يستشفع به المشركون فإن شفاعتهم منفية؛ إما لأن الذين استشفعوا بهم ليسوا شفعاء، أو أنهم شفعاء، -ومن هنا تأتي الصورة الثانية- لكن الله ﷿ لم يأذن بهذا النوع من الشفاعة، فالمشركون وأهل البدع الذين يطلبون من الأنبياء أن يشفعوا لهم، لا شك أن الأنبياء شافعون عند الله، لكن لم يأذن الله ﷿ بأن يشفعوا للكفار، بما فيهم أهل البدع الذين يعملون الأعمال الشركية، فهؤلاء ليسوا من المشفوع لهم.
فإذًا: مثال الشفاعة المنفية: هي التي تطلب ممن ليس من أهل الشفاعة، من حجر أو شجر أو جماد أو طير أو غير ذلك، أو كانت من صاحب شفاعة، لكنها طلبت لمن لا يستحق الشفاعة، كالمشرك والمنافق الخالص والكافر وغيرهم ممن لم يأذن الله بأن يشفع لهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أهل هذا القول: ولا يلزم من جواز التوسل والاستشفاع به -بمعنى أن يكون هو داعيًا للمتوسل به- أن يشرع ذلك في مغيبه وبعد موته، مع أنه هو لم يدع للمتوسل به، بل المتوسل به أقسم به أو سأل بذاته، مع كون الصحابة فرقوا بين الأمرين؛ وذلك لأنه في حياته يدعو هو لمن توسل به، ودعاؤه هو لله سبحانه أفضل دعاء الخلق، فهو أفضل الخلق وأكرمهم على الله، فدعاؤه لمن دعا له وشفاعته له أفضل دعاء مخلوق لمخلوق، فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول ﷺ ولم يشفع له؟].
قوله: (بمن لم يدع له النبي ﷺ)؛ أي: لأنه غائب وميت، إما أنه غائ
[ ٣١ / ٩ ]
الأسئلة
[ ٣١ / ١٠ ]
أسباب قسوة القلب وعلاجه
السؤال
من الظواهر عند بعض طلاب العلم قسوة القلوب مع حرصهم على العلم وطلبه، فما هي الأسباب وما هو العلاج، وهل من أسبابها التعلم بعيدًا عن تعظيم الله والنصوص؟
الجواب
عدم تعظيم الله ﷿ وعدم تعظيم النصوص راجع لقسوة القلب، وقسوة القلب أسبابها كثيرة، لكن لعل من أبرز أسبابها أن الدنيا ضحكت للناس ببهرجها وأضوائها، هذه لا شك أنها تشد الناس إلى الدنيا والشهوات والمغريات، فالآن كل ما أمام المسلم يصرفه عن حلاوة الإيمان إلا من جاهد نفسه جهادًا عظيمًا، أنت في الصلاة الآن والمسجد مضاء ومزخرف، والفرش مزخرفة، والصوت رنان، والجو مكيف فلا شك أن هذه صوارف.
ثم المغريات الأخرى في البيت والشارع مع التكاسل والتقصير في بذل الأسباب التي تُبعد الإنسان عن هذه الأجواء ولو في بعض أيامه حتى يتذوق فيها طعم الإيمان ويتزود بالتقوى واليقين والاستقامة.
الآن حتى لو ذهبت إلى بيت الله الحرام، فأمامك أضواء وبهرج ومناظر، والناس يتحلقون حلقًا للكلام كأنهم في الشوارع، وبدءوا الآن يدخلون القهوة والعصيرات فالعابد الذي يعبد الله على ما كان يرى مدة ٣٠ أو ٢٠ سنة ما استطاع ذلك، لا تستطيع أن تتخلص من الأضواء إلا بصعوبة، فهذه من أسباب قسوة القلوب.
اليوم الدنيا ضحكت للناس ضحكة الذئب، والذئب إذا كشّر عن أنيابه لفريسته، تظن الفريسة المغفلة أنه يضحك، ونحن كذلك نسأل الله أن يعفو عنا، الآن ضحكت لنا الدنيا وأكثرنا متبسط في الحياة، كوننا نغتبط بنعمة الله ﷿ علينا هذا طيب، لكن إلى أي حد؟ فأجد أننا مقصرون في شكر النعمة وفي رعايتها وفي تقييدها بالقيود الشرعية.
واستتبع هذا طلب الدنيا والتعلق بها واستتبع هذا أمورًا كثيرة، ثم ضعف الاشتغال بالأمور التي تحيي القلب، وأهمها الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأكثر الناس يكفيه أن يتعلم وأن يجلس مع جلساء صالحين من شكله، لكن يقتلون الأوقات قتلًا، لا تجد هناك أعمال حسبة، لأن أعمال الحسبة تنقل الإنسان من جو إلى جو آخر، حتى يتذوّق الخير ويتذوق المعروف، فتدخل في قلبه آثار البر فتصلحه وتؤثر فيه.
ثم قلة الذكر، ومع كثرة المشغلات يسهو الناس ويغفلون عن الذكر، وهذا مما يقسي القلب.
وكذلك قلة الاستغفار وهكذا وعلى كل حال فأمثالكم يدركون أسباب قسوة القلب، لكن الكلام عن: ما هو العلاج؟ ولذلك أنا أرى أن طلاب العلم -ونحن منهم- مقصرون فنحن وإن انتسبنا إلى العلم فنحن أول المقصرين، مقصرون في طرق جانب الوعظ وتحريك القلوب، الآن أكثر كلام الخطباء والدعاة والمصلحين في مسألة الأحكام والمعلومات، لكن الوعظ قليل، فكم تعد مثلًا من الخطباء المشهورين بالوعظ في الرياض؟ أظنهم يُعدون على أصابع اليد! فينبغي لطلاب العلم والخطباء أن يحرصوا على جانب الوعظ، فالناس قست قلوبهم وتراكمت القسوة، وطلاب العلم والدعاة قست قلوبهم؛ لأن جانب الوعظ قليل جدًا، فينبغي للناس أن يهتموا بالأمور التي تزيل قسوة القلوب، وأمها الوعظ في المنابر وفي المجالس وفي كل مكان، ثم الأمور التي تليّن القلوب، مثل زيارة المقابر، وزيارة المرضى، والحرص على أن تكون أكثر الأعمال مخلصة وصادقة لله ﷿.
التزاور في الله الآن إذا طرق عليك أحد الباب فغالب ما يرد في ذهنك أنه يريد شيئًا لغير أمور الدين، وآخر ما يرد في ذهنك أنه يزورك في الله، بل هذه الكلمة لم نعد نسمعها إلا في النادر، والنادر لا حكم له الناس من قبل كان أكثر تزاورهم في الله، يطرق عليك الباب يريد أن يسأل عن حالك وكيف أنت؟ ويجلس معك قليلًا يذكرك بأمر يهمك في دينك وفي إصلاح قلبك ثم يمشي، الآن أكثر زيارات الناس للعلاقات، أو لرد معروف أو نحو ذلك.
فأقول: هذا من الأمور التي تسبب قسوة القلوب، وعلاجها يحتاج إلى كلام آخر، ولعل هذا يكون موضوع محاضرة تقترحونها على المشايخ، ولعل المشايخ يطرحون العلاج الشرعي، والله أعلم، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد والرشاد، ونسأل الله أن يجمعنا جميعًا في دار كرامته.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
[ ٣١ / ١١ ]