الشبهة هي وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق، وذلك بسبب التباس الحق بالباطل حتى لا يتبين، وللمشركين شبه كثيرة يتعلقون بها، ويحتجون بها، وهي أوهى من بيت العنكبوت، وقد أبطلها أهل العلم بالحجج البينة، والدلائل الواضحة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ.
[ ١ ]
ثناء العلماء على كتاب كشف الشبهات
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه كشف الشبهات: [بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، وعلى سائر عباد الله الطيبين الصالحين.
أما بعد: اعلم -رحمك الله- أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده، فأولهم نوح ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وآخر الرسل محمد ﷺ، وهو الذي كسّر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده؛ مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين] .
نبدأ بهذه الرسالة المباركة، التي ألفها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وسماها كشف الشبهات، وقد أجاد وأفاد ﵀ في هذه الرسالة كعادته في رسائله وكتبه؛ فإنه فند شبه المبطلين، ودحض أقوالهم، وبين زيفها، مستندًا في ذلك كله على الكتاب والسنة، ومعتصمًا بما جاء عن السلف الصالح ﵏.
وهذا الكتاب له منزلة عظيمة، إذ فيه تفنيد أقوال أعداء الله ورسوله من المشركين والمعاندين لدعوة الرسل؛ ولذا فقد أثنى عليه الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ ثناءً عاطرًا في كتابه (الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق)، فقال ﵀ في الثناء على هذا الكتاب وبيان منزلته: (صنف الشيخ ﵀ كشف الشبهات، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة على بطلان ما أورده أعداء الله ورسوله من الشبهات، فأدحض حججهم، وبين تهافتهم، وكان كتابًا عظيم النفع على صغر حجمه، جليل القدر انقمع به أعداء الله، وانتفع به أولياء الله، فصار علمًا يقتدي به الموحدون، وسلسبيلًا يرده المهتدون، ومن كوثره يشربون، وبه على أعداء الله يصولون، فلله ما أنفعه من كتاب، وما أوضح حججه من خطاب، لكن لمن كان ذا قلب سليم، وعقل راجح مستقيم) .
وهذا الثناء العاطر في محله، وسيتبين لنا هذا إن شاء الله تعالى من خلال استعراض ما في هذا الكتاب من شبه، وكيف أجاب الشيخ ﵀ على هذه الشبه، وفندها شبهةً شبهة.
[ ٢ ]
معنى الشبهات
الكتاب اسمه (كشف الشبهات) والكشف هو: الإبانة والإزالة، والشبهات جمع شبهة، والشبهة في اللغة هي: الالتباس والاختلاط، وفي الاصطلاح: التباس الحق بالباطل واختلاطه حتى لا يتبين، وقد عرف الشبهة ابن القيم ﵀ في كتابه مفتاح دار السعادة تعريفًا جيدًا فقال: (وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق) .
والشبهات أحد نوعي الفتن التي ترد على القلوب؛ فإن القلب مغزوٌ بفتنة الشبهة وبفتنة الشهوة، وفتنة الشبهة أخطر إذ أنها إذا أنشبت أظفارها في قلب العبد قلَّ أن ينجو؛ ولذا فإن السلف ﵏ كانوا يتباعدون عن الشبه، ويحرصون على عدم الجلوس في المجالس التي تورد فيها الشبه، بل كان أحدهم لا يسمع من المشبهين المبتدعين أهل الأهواء حتى قول الله وقول الرسول، كما ورد ذلك عن ابن سيرين ﵀، فإنه جاءه رجلان ممن عرفوا بالبدعة والشبهة فجلسا بين يديه يريدان أن يقرأا عليه آية، فقال: (إما أن تقوما وإما أن أقوم) فلا حل وسط، وذلك أن دينهم عزيز عليهم، فكانوا يحرصون على التباعد عن الشبهات إلى هذه الدرجة، بل كانوا لا يسمحون لأهل البدع وأهل الشبهات وأهل الأهواء ولا بكلمة واحدة، وهذا مستفيض، ويمكن الوقوف عليه من خلال مطالعة الكتب التي حفظت أقوال السلف، ككتاب السنة للإمام عبد الله بن أحمد والإبانة للعكبري وغيرهما من الكتب.
[ ٣ ]
منهج السلف في البعد عن الشبهات
كان السلف ﵏ يحرصون على التباعد عن الشبه، وهذا منهج قرآني، فإن الله ﷾ قد أمر العباد بأن يبعدوا عن الذين يخوضون في آيات الله، فقال ﷾: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، وقال جل ذكره: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:٦٨]، والخوض في الشبهات وإيرادها هو من الخوض في آيات الله؛ ولذلك تدل هذه الآية على ما كان عليه السلف ﵏ من تباعد عن الشبهات، وحرص على النأي عنها.
[ ٤ ]
سبب الشبهة ومآلها
سبب الشبهة أحد أمرين: قلة في العلم أو ضعف في البصيرة، فكل شبهة تنشب أظفارها في قلب عبد إنما هي لأجل ضعف في علمه، أو ضعف في بصيرته، فمن كان على علم راسخ وبصيرة نبوية نجا من الشبهات.
ومآل الشبهات الكفر أو النفاق أو البدعة، فمن أنشبت الشبه أظفارها في قلبه فإما أن يقع في الكفر، وإما أن يقع في البدعة، وإما أن يقع في النفاق، فما كفر من كفر ولا ابتدع من ابتدع ولا نافق من نافق إلا لأجل شبهة في قلبه أوجبت هذا الأمر، ولا نجاة للعبد من الشبهات إلا بتجريد المتابعة للنبي ﷺ، فإذا اقتفى العبد أمر النبي ﷺ وهديه ظاهرًا وباطنًا، وحكّم سنة الرسول ﷺ في دق أمره وجليله، وفي ظاهر أمره وباطنه؛ فإنه ينجو من الشبهة، وقد تكلم ابن القيم ﵀ كلامًا جيدًا في إغاثة اللهفان في المجلد الثاني في صفحة ستين ومئة (١٦٠) عن فتنة الشبهة، وطريق النجاة منها، فمراجعته مفيدة.
[ ٥ ]
تعريف التوحيد
قال الشيخ ﵀: [بسم الله الرحمن الرحيم] تقدم لنا أن البسملة متعلقة بفعل مقدر مناسب لحال الذاكر مؤخرٍ غالبًا، وذكرنا غالبًا لأجل أي شيء؟ لإخراج ما قدم فيه الفعل أو المتعلق قبل البسملة، مثل قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] فإنه قدم الفعل على البسملة وذلك لأهمية الأمر، وأيضًا في مثل قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، فبين مصدر الرسالة قبل البسملة لأهمية هذا الأمر، وإلا فالغالب أن الفعل يكون مؤخرًا، وفهم هذا يفيدك لأن البسملة ترد في كل كتاب.
قال ﵀: [اعلم -رحمك الله- أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة] افتتح ﵀ رسالته بتعريف التوحيد، فقال: التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهذا التعريف هو لأهم أنواع التوحيد؛ فإن أهم أنواع التوحيد هو توحيد الإلهية، الذي دعت إليه الرسل، وجاءت به الأنبياء، فإن الرسل دعت إلى إفراد الله بالعبادة، وإن كانت قد دعت إلى توحيد الربوبية واستدلت به وذكرته، وأيضًا ذكرت توحيد الأسماء والصفات، إلا أن أصل البعثة هو لتقرير عبودية الله ﷾: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فعرّف الشيخ ﵀ التوحيد بأهم أنواعه وهو توحيد الإلهية.
والتعريف العام للتوحيد هو: إفراد الله تعالى بما يختص به في الربوبية وفي الإلهية وفي الأسماء والصفات، وهذا أشمل ما يقال في تعريف التوحيد، أما تعريفه هنا فهو -كما ذكرنا- بأهم أنواعه، ويمكن أن يقال: إن الشيخ ﵀ اقتصر بذكر تعريف توحيد الإلهية؛ لأنه في هذا الموضع سيجيب على الشبه الواردة على توحيد الإلهية، فهو لن يتكلم على شبه المبتدعة والضالين في باب الأسماء والصفات، إنما سيتكلم على شبه الذين ابتدعوا في باب توحيد الإلهية، ولذلك عرّف التوحيد بقوله ﵀: هو إفراد الله تعالى بالعبادة.
والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة، وهذا أحد التعاريف التي تعرف بها العبادة، وذكر شيخ الإسلام تعريفًا آخر، وهو مختصر وجامع، فقال: العبادة هي كل ما أمر الله به ورسوله، فكل ما أمر الله به ورسوله فهو عبادة، والأمر إما أن يكون أمر إيجاب أو يكون أمر استحباب.
[ ٦ ]
التوحيد هو دين الرسل
ثم قال ﵀: [وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده] الضمير في قوله: (وهو) المراد به توحيد العبادة، دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده، فالله ﷾ أرسل الرسل إلى عباده بإفراده ﷾ بالعبادة، ودليل هذا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، (لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) أي: لا إله إلا الله، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وهي تقتضي إفراد الله ﷾ بالعبادة، وأيضًا قال جل ذكره: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢]، وقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين: (الأنبياء إخوة لعلات: أمهاتهم شتى، ودينهم واحد)، فهذا يدل على وحدة الرسالة، وأن الرسل جاءوا جميعًا بتقرير توحيد الإلهية، وبدعوة الناس إلى عبادة الله ﷾ وحده دون غيره.
قال الشيخ ﵀: [فأولهم نوح ﵇]، ودليل أوليته قول الله ﷾: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣]، فهذه الآية تشير إلى أن أول من أوحى الله إليه من الرسل هو نوح ﵇، وأصرح من هذا في الدلالة على أولية رسالة نوح ﵇ ما في الصحيحين من حديث أنس وغيره في حديث الشفاعة عن النبي ﷺ قال: (يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء؛ فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحي، ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)، وفي رواية مسلم قال: (فيأتون نوحًا ويقولون: أنت أول الرسل إلى الأرض)، وكل هذا صريح بيّن في أن أول الرسل نوح ﵇.
[ ٧ ]
غلو قوم نوح في الصالحين وتصويرهم لهم
قال ﵀: [أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا] غلوا فيهم بأن تجاوزوا الحد الذي جعله الله لهم.
والغلو في اللغة هو: مجاوزة الحد، فكل من جاوز الحد الذي جعل له فقد غلا، وأما تعريفه في الاصطلاح فهو: مجاوزة أمر الله تعالى في العبادات أو العقائد، وقال بعضهم: الزيادة على المشروع في العقائد أو العبادات، ومرد الغلو هو الطغيان، فمن غلا في شيء فقد طغا وتجاوز، وهؤلاء غلوا في الصالحين، في ودٍ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهؤلاء -كما قال ابن عباس في الصحيح-: (أسماء رجال صالحين من قوم نوح، لما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم أنصابًا، فنصبوا هذه الأنصاب ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت)، فهم في أصل فعلهم إنما نصبوا هذه الأنصاب لأجل تذكر هؤلاء، والتشوق إلى العبادة، والاشتغال بذكر الصالحين الذي يعين على العبودية لله ﷾، فتجاوز الأمر بهم شيئًا فشيئًا إلى أن وقعوا في عبادتهم من دون الله ﷾.
ثم قال الشيخ ﵀: [وآخر الرسل محمد ﷺ]، وهذا لا شك فيه فإن النبي ﷺ آخر الرسل، قال الله جل ذكره: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] فختم الله ﷾ النبوات بمحمد ﷺ فلا نبي بعده.
[ ٨ ]
تكسير النبي ﵊ لصور أصنام الرجال الصالحين من قوم نوح
ثم قال ﵀: [وهو الذي كسّر صور هؤلاء] اسم الإشارة في (هؤلاء) عائد إلى أصنام الرجال الصالحين الذين غلا فيهم قوم نوح، وكيف ذلك؟ بيان هذا ما ذكره البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: (صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع)، وهذا يدل على أن هذه الأصنام بعثت وأحييت بعد الطوفان، فصارت إلى العرب وتعلقوا بها وعبدوها من دون الله، بل وزادوا أصنامًا وأوثانًا كثيرة عبدوها من دون الله، فالكعبة كان فيها أكثر من ثلاثمائة صنم كما ذكر أصحاب السير.
وقد كسّر النبي ﷺ الأصنام حسيًّا ومعنويًّا، أما حسيًا: فقد باشر هو ﷺ تكسير بعض الأصنام بيده، وأما معنويًّا: فإن رسالته حطمت الأصنام في قلوب الناس فدانت له جزيرة العرب؛ ﷺ، وقد بعث البعوث لتحطيم الأصنام، ولتحطيم ما كان يشرك به العرب من دون الله، وبهذا نفهم أن الأنبياء والرسل جاءوا لتقرير أمرٍ واحد، وهو توحيد الله، فكان أولهم نوح الذي دعا إلى التوحيد، فأولهم نوح دعا إلى التوحيد، وآخرهم محمد ﷺ الذي كسر الأصنام، وفي هذا بيان وحدة رسالة الرسل، وأنهم جاءوا لتقرير أمرٍ واحد، فالذي اعتنى به أولهم هو مضادة الشرك والتحذير منه، والذي عمله آخرهم هو تكسير الأصنام، وإقامة الدين لله ﷾ وحده دون غيره.
[ ٩ ]
حال كفار قريش في العبادة عند بعثة النبي ﵊
ثم قال ﵀: [أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا] الضمير في (أرسله) عائد إلى النبي ﷺ (إلى قوم) هم قريش (يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا) بل ويصلون الرحم، ويطعمون المسكين، لكن هذه العبادات لم تنفعهم شيئًا، ولم تغن عن بعث رسول؛ لأنها كانت مشوبة بالشرك وعدم الإخلاص لله جل وعلا، فكانوا يلهجون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، وكانوا يذبحون لغير الله، ويستقسمون بغير الله، ويلجئون إلى غيره، ويسألون جلب النفع ودفع الضر ورفعه من غير الله تعالى، ولذلك كانوا بحاجة إلى أن يبعث إليهم من يقرر التوحيد.
وبهذا نفهم أن الله ﷾ لم يخلق خلقه لمجرد العبادة التي تكون له ولغيره، بل خلق الخلق لإفراده بالعبادة، قال جل ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، قال ابن عباس: (كل موضع أمر الله ﷾ فيه بالعبادة في القرآن فإن المراد به التوحيد)، أي: ما خلق الله الخلق إلا ليوحدوه جل ذكره، وبهذا نفهم أن كثرة العبادة مع عدم الإخلاص لا تغني شيئًا، بل صاحبها في النار؛ ولذلك قال ابن القيم ﵀: (كثير العبادة التي نزع منها الإخلاص لا تنفع، وقليل العبادة مع الإخلاص والتوحيد تعلي قدر العبد عند الله ﷾، وترفعه إلى منازل عليا)، فالإخلاص هو الأصل؛ ولذلك لم يأتِ النبي ﷺ لقوم لا يعبدون الله فأمرهم بالعبادة، بل أتى إلى قوم يعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، إلا أنهم وقعوا في الشرك، فصحح ﷺ التوحيد وأمر بإفراد العبادة لله جل ذكره.
[ ١٠ ]
الوسائط بين الله ﷿ وبين خلقه
ثم قال الشيخ ﵀: [ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله]، وفسر هذه الوساطة بقوله: [يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين]، فهؤلاء زعموا أن بين الخلق وبين الله وسائط، والوسائط نوعان: نوع لابد من إثباته، ونوع جاء الشرع بإبطاله ونفيه، أما النوع الأول: فهم الرسل الذين يبلغون رسالات الله، ويدلون على طريق التعبد لله، ويبينون للناس معبودهم، فهؤلاء لابد منهم، ولا تقوم الحياة إلا بهم؛ ولذلك بعث الله ﷾ الرسل إلى كل أمة فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦]، فكل أمة محتاجة إلى هذا النوع من الوساطة التي يحصل بها تبليغ الدين، وتعريف الناس بحق الله ﷾، وما يجب له من العبادات، وما يجب له من الأسماء والصفات والأفعال، وحق هؤلاء الوسطاء أن يطاعوا ويتبعوا ويقتدى بهم، لا أن تصرف لهم أنواع العبادة.
أما النوع الثاني من أنواع الوسائط: فهو الذي ذكره الشيخ ﵀ هنا في قوله: [ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون: نريد منهم التقرب] وبهذا نفهم أن المشركين لم يكونوا يعتقدون في هذه الوسائط أنها تخلق من دون الله، ولا أنها تملك من دون الله، ولا أنها تدبر من دون الله، إنما كانوا يعتقدون أن هذه الواسطة وسيلة يتوصلون بها إلى مقاصدهم، ويعتذرون بقولوهم: نحن ليس لنا عند الله جاه، وليس لنا عند الله مكانة، فنسأل الله بمن له جاه عنده، وبمن له مكانة عنده، فوقعوا في الشرك، وهذا هو معنى قول الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فإنهم اتخذوا هؤلاء الأولياء ليقربوهم إلى الله زلفى.
[ ١١ ]
الشفاعة والوسيلة هي البوابة الكبرى للشرك قديمًا وحديثًا
هذه القضية هي البوابة الكبرى التي يدخل منها المشركون في الشرك قديمًا وحديثًا، فإن السبب الذي يعتمد عليه ويسوغ به كثير من المشركين وكثير من الواقعين في صرف العبادة لغير الله أفعالهم؛ إنما هي قضية الشفاعة والوسيلة، ولذلك قطع الله ﷾ عليهم الطريق، وأغلق دونهم الباب فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]، فأغلق الباب الذي يعتمدونه ويلجئون إليه، فالشفاعة التي يعتمدون عليها في تسويغ الشرك لا تنفع إلا بإذنه، ويدلك على أن هذا هو أصل الشرك قوله جل ذكره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]، فجعل اتخاذ هؤلاء شفعاء شركًا، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [يونس:١٩]، أي: ما كان الناس إلا ملة واحدة -وهو التوحيد- فاختلفوا، وسبب اختلافهم هو هذه الشبهة المذكورة في الآية المتقدمة، وهي أنهم قالوا: «هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ» [يونس:١٨]، فهذا يدلك على أن السبب الذي أوقع المتقدمين والمتأخرين في الشرك، هو أنهم لجئوا إلى غير الله في طلب حوائجهم، وزعموا أن هؤلاء شفعاء وأنهم لا يصرفون إليهم هذه العبادة لأنهم يخلقون، ولا لأنهم يملكون، ولا لأنهم يدبرون؛ بل لأنهم وسائط وشفعاء.
ثم قال الشيخ ﵀: [ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط] علة هذه الوسائط أنهم يتخذونهم سبيلًا إلى التقرب إلى الله، ويتخذون شفاعتهم سبيلًا إلى تحقيق مطالبهم.
ثم مثّل لهذه الوسائط فقال: [مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين] والمشركون -كما سيتبين لنا من خلال كلام الشيخ ﵀- لم يكونوا مقتصرين في عباداتهم على الملائكة والصالحين، بل عبدوا أيضًا الأحجار والأشجار وغيرها، وإنما -كما يبدو لي والعلم عند الله- أضرب الشيخ عن ذكر هذا؛ لأنه إذا كانت عبادة هؤلاء من دون الله لا تصح، وعبادة الملائكة وعبادة عيسى ومريم وغيرهم من الصالحين لا تنفع؛ فانتفاء النفع في عبادة غيرهم من الجمادات من باب أولى.
[ ١٢ ]