أنزل الله القرآن وجعل فيه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات، فأعداء التوحيد من أهل الأهواء يتبعون المتشابه منه ليضلوا الناس بغير علم، والراسخون في العلم يردون المتشابه إلى المحكم فيكون كله محكمًا، وقد تصدى أهل العلم لإبطال شبه أهل الأهواء بالبراهين الساطعة والحجج الناصعة.
[ ٥ / ١ ]
وجود أعداء التوحيد من سنن الله التي لا تتخلف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢] .
وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] .
إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله تعالى لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلمٍ وحُجج؛ فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحًا تقابل به هؤلاء الشياطين، الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦-١٧]، ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]] .
قال الشيخ ﵀: (واعلم أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء)، وهذا من سُنّة الله ﷾ في رسله وفي أتباعه، أنه لابد للرسل ولأتباع الرسل من أعداء، وهؤلاء الأعداء يضلون عن سبيل الله، ويحاربون الرسل، ويحاربون أتباعهم، ويريدون إطفاء نور الله الذي جاءت به الرسل وحمله أتباعهم؛ ولذلك قال الله ﷾ مسليًا نبيه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ، وأن ما يلقاه من اعتداء وأذى من قومه لم يكن أمرًا خُصّ به دون سائر الرسل، بل هو أمر درج عليه الرسل، وهي سُنّة الله ﷾ في أوليائه ليتميز حزبه من حربه، والله ﷾ قد تكفل بإبطال كيد هؤلاء فقال جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]، فبعد أن أخبر بوجود العداوة من المجرمين للأنبياء بيّن ﷾ أن هذه العداوة مبطلة بنصر الله ﷾ وبهدايته، والنصر والهداية هما اللذان يحتاجهما العبد في مواجهة هؤلاء، فإن ما يغزو به هؤلاء أهل الحق، أو ما يشغّبون به على أهل الحق، أو أسلوبهم في محاربة أهل الحق لا يخرج عن طريقين: الأول: التشكيك والتضليل.
الثاني: المحاربة والمقاتلة.
وقد تعهد الله ﷾ بإبطال هذين النوعين من الكيد، فتعهد بالهداية التي تقابل التشكيك والتضليل، وتعهد بالنصر الذي يقابل المقاتلة والمحاربة: وبهذا يعلم أنه مهما استطال الباطل، وارتفعت أعلامه، وانتشرت راياته، وكثر أهله، فإنه مدحور، والعاقبة للمتقين كما أخبر ﷾، وقد تكون العاقبة بعد ممات الداعية أو المصلح أو العالم أو المجدد، فإن الله ﷾ لم يضمن ظهور ثمار الرسالة للنبي ﷺ في حياته، بل وعده بالنصر مطلقًا، ولم يتعهد بإظهار هذا النصر في حياته ﷺ.
لكنما العقبى لأهل الحق إن فاتت هنا كانت لدى الديان والمقصود بقول الشاعر: (هنا) أي: في الدنيا.
فنسأل الله ﷾ أن يجعلنا وإياكم من أهل الحق.
[ ٥ / ٢ ]
علوم أعداء التوحيد وحججهم
ثم قال ﵀: (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج) ولكن هذه العلوم والكتب والحجج هي مما يصد عن سبيل الله ﷾ وهي في الحقيقة شبه وليست حججًا؛ ولذلك قال عنها الأول: حجج تهافت كالزجاج تخالها حقًا وكل كاسر مكسور فما يأتي به المبطلون يتخيله بعض الناس حججًا، وهي في الحقيقة شبه؛ ولذلك اغتروا بما عندهم من علم، وبما عندهم من حجج، وظنوا أن هذا سيقيهم عذاب الله ﷾، وتكون لهم به العاقبة، فأبطل الله ﷾ ذلك، وبين أن هذا لن يغني عنهم عند الله شيئًا، فهم لما جاءتهم الرسل بالحق من الله فرحوا بما عندهم من العلم كما قال الله ﷾: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣]، وانظر إلى قوله: (بالبينات) فإنهم أتوا بشيء ظاهر بيّن، لكن هؤلاء لما مردت قلوبهم على الكفر والفسق، وأشربت قلوبهم حب الكفر والشرك؛ لم يستطيعوا أن ينفكوا من هذا البلاء، ففرحوا بما عندهم من العلم، والذي عندهم من العلم هو حقيقة الجهل وعلم الدنيا كما أخبر ﷾ عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] .
[ ٥ / ٣ ]
ما يجب على المسلم لمقاومة أعداء التوحيد وإمامهم إبليس
ثم قال ﵀: (إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله تعالى لابد له من أعداءٍ قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين) ولا شك أنه يجب على العبد أن يتعلم من دين الله ما يقيم به دينه، فالذي يعيش في أوساط المبتدعة وفي أجواء الشرك يجب عليه من العلم ما لا يجب على الذي يعيش في بلاد التوحيد، والذي يعيش في بلاد السنة، ولذلك يُخطئ من يُفرّط في تعلم ما يجب عليه تعلمه ثم ينكسر أمام شبه المشبهين، وتضليل المضللين، فينبغي على العبد أن يأخذ من العلوم ما يحتاج.
ثم قال ﵀: (الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦-١٧]) وهذا فيه إشعار بإحاطة الشيطان بالعبد، وأنه يأتيه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، وما ذلك إلا لإحكام القبضة عليه، فهو يأتيه من أمامه وعن يمينه فيزهده في الطاعات والصالحات والقربات، ويأتيه من خلفه وعن شماله فيحثه على المعاصي والسيئات، وقال بعضهم: يأتيه عن يمينه فيزهده في الطاعات، ويأتيه عن شماله فيرغبه في السيئات، ويأتيه من أمامه فيقعده عن طلب الآخرة؛ لأن الآخرة أمامه، ويأتيه من خلفه ويجذبه إلى الدنيا؛ لأن الدنيا خلفه، وعلى كل فالمراد من هذه الإحاطة هو تسلط الشيطان على العبد، وأنه لا نجاة له من هذا الشيطان الذي أحاط به من كل جانب إلا بالإقبال على العلم النافع والعمل الصالح الذي ينجيه من تسلطه وإحاطته.
[ ٥ / ٤ ]
ضعف حجج أعداء التوحيد وبطلانها
ثم قال ﵀: (ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته، فلا تخف ولا تحزن ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]) وهذه من منة الله علينا أن الله ﷾ وعدنا بأن الذي يُقبل عليه ويُقبل على حججه سيهديه إلى السبيل والصراط المستقيم؛ ولذلك قال الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاَ﴾ [العنكبوت:٦٩] .
فالواجب على العبد أن يقدم العربون، وأن يُقبل على الله ﷾ مجاهدًا في طلب العلم النافع، مجاهدًا في تحقيق الإخلاص والعبودية لله ﷾، وليعلم أنه سيحصّل الخير، وسيكفيه الله ﷾ هذا الكيد الكبير؛ لأنه مع التوحيد والإخلاص والعمل يغدو كيد الشيطان ضعيفًا كما أخبر الله ﷾ عنه: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) .
ثم قال ﵀: [والعامِّيُّ من الموحدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣]] وكل من تمسك بكتاب الله وسُنّة رسوله ودعا إلى الله وإلى ما جاء به الرسول ﷺ فهو من جند الله، وكل من أعرض عن كتاب الله وسُنّة رسوله وأقبل على الشهوات والشبهات فإنه من جند الشيطان، فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما أنهم هم الغالبون بالسيف والسِّنان.
ثم قال ﵀: [فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما أنهم الغالبون بالسيف والسِّنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد مَنَّ الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩]] فكل هدى في كتابه ﷾، وكل ما يقربك إلى الله ويدلك على طريقه ويبعدك عن الشيطان ويحذرك من سبله وأساليبه؛ موجود في كتاب الله وفي سُنّة رسوله ﷺ.
ثم يقول ﵀: [فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣]] وهذا من بديع إعجاز القرآن الكريم، أنه لا يستدل به صاحب باطل على باطله إلا وفي كتاب الله بل في ذلك الدليل الذي استدل به -إن كان دليلًا ثابتًا سواء كان من السنة أو كان من القرآن- ما يُبطل حجته، ويرد شبهته كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣] وانظر كيف سمّى الله ﷿ ما يأتي به المبطلون (مثلًا)، وكيف سمّى ما في كتاب الله ﷾ من الحجج (حقًا)، وهذا لا شك فيه، فإن ما يأتي به المبطلون هو شُبه تُدحض بالحق الذي في كتاب الله وسُنّة رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣] .
ثم قال ﵀: [قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة] .
[ ٥ / ٥ ]
الإجمال والتفصيل في الجواب عن شبه المشركين
ثم قال ﵀: [وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا] هنا شرع الشيخ ﵀ في الكلام على الشبهات وردها، وكل ما تقدم هو توطئة وتقدمة لهذه الشبهات، وفهمنا من كلامه أن هذه الشبهات ليست من نسج الخيال ولا من صنع الأفكار وإنما هي حصاد ما ورد على الشيخ من إيرادات؛ ولذلك كان هذا الكتاب بالمنزلة التي سمعتم من كلام الشيخ سليمان ﵀ فيها.
ثم قال ﵀: [فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل] وهذه الطريقة طريقة جيدة بديعة وذلك أن الجواب على بدع المبطلين وشبهات المشبهين يُسلك فيها جواب مجمل وجواب مفصل.
فالجواب المجمل ينفع في الإجابة على كل شُبهة يوردونها.
وأما الجواب المفصل فتدفع به كل شبهة بعينها.
فإن أورد عليك المبطل شبهًا مفصلة فيكفيك في الرد عليه أن ترد عليه جوابًا مجملًا، فإن عجزت عن إجابة تفاصيل ما أورد عليك من الشبه كفاك ما أجبت به إجمالًا، فالشيخ ذكر جوابًا مجملًا يصلح في الإجابة على كل ما أورد من شبه تفصيلية.
[ ٥ / ٦ ]
الآيات المحكمات والمتشابهات وطريقة الأخذ بها عند أهل الإيمان وعند أولياء الشيطان
ثم قال ﵀: [أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، وقد صح عن رسول الله ﷺ: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)] وهذه تقدمة في الجواب المجمل فإنه قال ﵀: (أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها) وذكر الآية التي فيها أن آيات الكتاب قسمان: محكمة ومتشابهة، وبين سبيل المؤمنين المتبعين المقتفين لآثار الرسل، وسبيل الزائغين المشبهين، أما سبيل المؤمنين فهو الإيمان بما جاء في الكتاب وحمل المتشابه على المحكم، وأما الزائغون فهم الذين يتبعون ما تشابه منه.
وآيات الله ﷾ قسمان: القسم الأول: محكمة.
الثاني: متشابهة، فالمحكمة هي: التي تكون ظاهرة المعنى، ولا تحتمل إلا معنى واحدًا، وأما المتشابهة فهي: الآيات التي تحتمل أكثر من معنى بدون مرجح لأحدها.
ومثال المحكم والمتشابه قول الله ﷾: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فهذه الآية فيها الخطاب بالجمع، قال الله ﷾: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] فأتى بضمير الجمع في الخطاب فهذه أخذ منها بعض المشككين من النصارى أن الآلهة ثلاثة وإلا لما كان يسوغ أن يقول: نحن وهو واحد ﷾، ولا يسوغ أن يقول: إنّا وهو واحد ﷾، فالجواب على هذا أن نقول: (إنا) و(نحن) المراد بها هنا التعظيم، فإن قالوا: هذا محتمِل فنقول: الله ﷾ قد بين لنا في كتابه أنه واحد فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فتكون هذه الآية من سورة الإخلاص محكمة، وهذه الآية من سورة الحجر متشابهة؛ لأنها تحتمل أكثر من معنى بزعمهم، وعلى هذا نقول: نحمل المتشابه على المحكم.
فهذا مثال للمحكم والمتشابه، وطريقة حمل المتشابه على المحكم، وبيّن الله ﷾ أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه، ولذلك تمسك النصارى بهذه الآيات التي فيها تعبير الله ﷾ عن نفسه بصيغة الجمع على أنه ﷾ أكثر من واحد، ويزعمون أنه ثلاثة، والمحكم الذي في كتاب الله ﷾ أنه واحد كما قال ﷾: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وكما دلت عليه الآيات والأحاديث الكثيرة.
[ ٥ / ٧ ]
التحذير ممن يتبعون المتشابهات
ثم قال ﵀: [وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)] وهذا الحديث في الصحيحين من حديث عائشة، وفيه التحذير من السماع لأهل الشبهات وأهل الأهواء.
والشبهات -أيها الإخوة- قد ترد على العبد، ويظن أنها نابعة عن سعة علم، وعن معرفة واطلاع، والغالب أن الشبهات لا ترد إلا على قلب ضعيف، فالشبهات لا تنشأ إلا عن قلة في العلم أو ضعف في البصيرة؛ ولذلك إذا تواردت على قلبك الشبهات فاعلم أن علمك ضعيف، وليس ذلك لكثرة علمك.
وقد تكلم ابن القيم ﵀ كلامًا طيبًا في الحذر من الشبهات وأهل الشبهات، وذكر وصية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذلك في مفتاح دار السعادة، قال ﵀: (فأيما قلب صغى إليها -أي: إلى شبهات الباطل- وركن إليها، تشربها وامتلأ بها، فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه، وقال لي شيخ الإسلام ﵁ - يشير إلى ابن تيمية ﵀ - وقد جعلت أورد عليه إيرادًا بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشرَبتَ قلبك كل شبهة تمر عليه صار مقرًا للشبهات أو كما قال) اهـ.
يقول ابن القيم ﵀: (فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك)، وهذه وصية نافعة مباركة في دفع الشبهات ودحضها، وهي أن يحذر الإنسان منها، وألا يجعل قلبه مقرًا لها، بل يدفعها عن قلبه ما استطاع، ومن سبل دفعها دفع أهلها والنأي عنهم.
[ ٥ / ٨ ]
كيفية رد المتشابه إلى المحكم
ثم قال ﵀: [مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي ﷺ يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره؛ فجاوبه بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يُقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم بالملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرت لي -أيها المشرك- من القرآن أو كلام النبي ﷺ لا أعرف معناه] يعني: لا أعرف أن معناه هو الذي ذكرت وإلا فمعنى قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) بيّن يعرفه الموحد، ولكن لا يعرف الموحد من هذه الآية أنه يجوز الاستشفاع بهم، ويجوز سؤالهم من دون الله ﷾، وصرف العبادات إليهم دون الله ﷾.
ثم قال ﵀: [ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله ﷿.
وهذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهن به فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]] .
إذًا: أجاب الشيخ ﵀ على مجموع هذه الشبه التي أوردها المشرك بجواب مجمل، وهو التمسك بالمحكم من الآيات، ورد كل ما خالف ذلك المحكم.
وهذا هو سبيل العلماء الراسخين والمقتفين لآثار النبيين والصالحين من الصحابة ومن بعدهم؛ أنهم يتمسكون بالمحكم ويردون المتشابه إليه، فإذا قال القائل من هؤلاء المشركين: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) هذا يدل على أنه يجوز الاستشفاع بهم، قلنا له: ما وجه دلالة هذه الآية على ما تذكر، مع أن الله ﷾ قد أنكر على المشركين طلب الشفاعة ممن طلبوا منهم من الصالحين والمعبودين من الملائكة والأنبياء وغيرهم؟! فهذا جواب مجمل ترد به على هؤلاء.
ومن هذا نفهم أن الآيات المتشابهة ليست آيات محددة العدد، بل هي مختلفة، فقد يشتبه على شخص ما لا يشتبه على آخر فالتشابه في الآيات أمر نسبي وليس أمرًا محددًا، فهذا المشرك اشتبه عليه الأمر، وظن أن قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) يدل على ما ذهب إليه من الشرك.
وذكر الشيخ ﵀ أن هذا الجواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله.
ثم قال ﵀: [فلا تستهن به فإنه كما قال تعالى: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)] .
وبهذا تعلم أن جميع ما يورده المشركون من الشبه والحجج هي شبه وحجج داحضة يعني: باطلة؛ لأن الرسل دعت إلى التوحيد، ودعت إلى إفراد الله ﷾ بالعبادة، فأي عبادة صرفها لغير الله شرك، فلو جاء بأدلة الدنيا كلها بجواز صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله رددنا هذه الأدلة، وأخذنا بالأدلة الظاهرة في أن الرسل جاءت بالدعوة إلى التوحيد، وعدم جواز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى.
[ ٥ / ٩ ]
شبهة المشركين بأن دعاء الصالحين لأجل منزلتهم عند الله
ثم صدر الشيخ ﵀ الشبهات المفصلة بثلاث شبه فقال ﵀ في وصفها: [واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم] فبدأ ﵀ في الشبهات بثلاث شبه هي كبار الشبه التي يوردها المشبهون، ويتمسك بها المسوغون والواقعون في الشرك.
وأول هذه الشبه قال ﵀: [فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن عبد القادر أو غيره] كل هذا فهمنا منه أن المشرك يُقر بتوحيد الربوبية ويظن أن عدم إشراكه هو إقراره بتوحيد الربوبية؛ لأنه صدّر كلامه بقوله: (نحن لا نشرك بالله)، وما الدليل على عدم شركه بالله؟ قال: (بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له) فهذا أخطأ في فهم توحيد الإلهية، فظن أن توحيد الإلهية هو أن يعتقد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله، وأن محمدًا ﷺ لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا عن عبد القادر أو غيره.
ثم قال ﵀ حاكيًا عنهم: [ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم] هذه هي الشبهة الكبرى التي وقع بها المشركون في الشرك، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] فما ذكره هذا المشرك هو عين ما احتج به أعداء الرسل على رسلهم، وأنهم لم يصرفوا العبادات لأجل هؤلاء، إنما صرفوها لأجل تحصيل الشفاعة منهم وأن لهم جاهًا عند الله؛ ولذلك قال الشيخ ﵀: [فجاوبه بما تقدم، وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت، ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه] .
[ ٥ / ١٠ ]
الجواب على شبه المشركين بأن دعاء الصالحين لأجل منزلتهم عند الله
فالجواب على الشبهة الأولى من وجهين: الوجه الأول: بيان معنى توحيد الإلهية؛ لأن هذا ظنّ أن توحيد الإلهية هو أن يعتقد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن الإقرار بهذا هو إقرار بتوحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركون كما قال ﷾: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] فهم مقرون بهذا ولا نقاش.
الوجه الثاني: أن نقول: إن ما احتججت به هو الذي احتج به المشركون على رسلهم، فإنك تزعم أنك تطلب منهم الشفاعة وأنك ترغب في الجاه الذي عندهم، وأنت ليس عندك جاه، والله ﷾ قد ذكر ذلك عن المشركين، وحكم عليهم بالشرك بهذا.
[ ٥ / ١١ ]