من شبه عباد القبور أنهم كيف يكفرون ويقاتلون وهم يشهدون الشهادتين، وزعمهم مشابهة حالهم لحال بني إسرائيل حين طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا، وكحال الصحابة عندما طلبوا من النبي أن يجعل لهم ذات أنواط، وقد بين أهل العلم عدم وجود الشبه بين حالهم وحال أولئك، حيث أن بني إسرائيل والصحابة لم يقعوا فيما طلبوه من الشرك، بينما وقع هؤلاء فيه.
[ ٩ / ١ ]
الرد على متأخري المشركين في إيرادهم شبهة تكفير المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال ﵀: [فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تُكفِّرون المسلمين، أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها، فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق] .
أطال ﵀ الكلام على هذه الشبهة لأهميتها وكثرة إيرادهم لها، وأيضًا لانخداع كثير من الناس بها، يقول: [ومن الدليل على ذلك أيضًا -أي: أنه من أتى بالتوحيد ومن أقر بالرسالة ثم أتى بمكفر من جهة أخرى غير الإقرار بالتوحيد وغير الإقرار بالرسالة فإنه يحكم عليه بالكفر- ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]] وقد تقدم تعليقنا على قوله ﵀: (وعلمهم) وذكرنا أن ظاهر الآية يدل على جهلهم، كما قال الله ﷾ حاكيًا عن موسى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨] .
قال ﵀: [وقول ناس من الصحابة: (اجعل لنا ذات أنواط) فحلف ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل: (اجعل لنا إلهًا)] .
سيأتي الكلام على هذا الحديث، وهو حديث رواه الترمذي بسند جيد عن أبي واقد الليثي، وفيه أن بعض الصحابة ﵃ طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للكفار ذات أنواط، وهي سدرة كانوا ينوطون بها أسلحتهم، ويعكفون عندها يطلبون منها البركة، فطلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ شيئًا مماثلًا فاستعظم الأمر ﷺ وقال: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ» وسيأتي الكلام على هذا.
فالنبي ﷺ جعل طلبهم من جنس طلب بني إسرائيل لموسى ﵇، وطلب بني إسرائيل كفر ولا شك إذ أنهم طلبوا إلهًا يعبدونه، ويتوجهون إليه بالقصد مع الله ﷾، وبعض الصحابة الذين كانوا حدثاء عهد بكفر طلبوا شجرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون بالسدرة التي كانوا ينوطون بها أسلحتهم، فأنكر النبي ﷺ عليهم هذا الإنكار العظيم، وجعل طلبهم من جنس طلب بني إسرائيل.
وفي هذا دليل على أنه من أقر بالألوهية وأقر برسالة النبي ﷺ ثم أتى ما يعكر هذا الإقرار أو ما يناقضه فإنه لا يشفع له ذلك الإقرار، بل لابد من الإيمان بالكتاب كله، والإيمان بكل ما جاء به النبي ﷺ.
ثم قال ﵀: [ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: فإن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا: (اجعل لنا ذات أنواط) لم يكفروا.
فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا، ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.
ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيد فهمناه، أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان.
وتفيد أيضًا: أن المسلم إذا تكلم بكلام كُفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ.
وتفيد أيضًا: أنه لو لم يكفَّر، فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله ﷺ] .
هذه الشبهة التي أوردوها هي شبهة فرعية أوردوها على قول الشيخ ﵀، والدليل على ذلك أيضًا ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وهي قولهم: إن هؤلاء الذين استدللتم بإنكار موسى عليهم وإنكار النبي ﷺ عليهم لم يكفروا، فدل ذلك على أنه إذا أقر بالتوحيد وأقر بالرسالة وأقر بالبعث فإنه لا يضره أن يتوجه إلى غير الله ﷾ بطلب الشفاعة أو ما إلى ذلك، فالجواب على هذه الشبهة -وهي استدلالهم بعدم التكفير- ما قاله الشيخ ﵀ في حكاية الشبهة: (ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا، وكذلك الذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا) هذه الشبهة، والجواب عليها ما ذكره الشيخ: (إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك -أي: أن بني إسرائيل لم يتخذوا آلهة كما اتخذ الكفار آلهة، بل لما نهاهم موسى ﵇ امتنعوا عن هذا الطلب -وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا -أي: أنهم لم يتخذوا شجرة ينوطون بها أسلحتهم، ويطلبون منها البركة- ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب) .
إذًا: لا حجة فيما ذكرتم إذ أن الصحابة ﵃ لم يتخذوا هذه الشجرة ينوطون بها أسلحتهم، ويطلبون منها البركة، وكذلك بنو إسرائيل لم يتخذوا إلهًا كما للمشركين آلهة، بل انتهوا عندما نهاهم نبيهم ﵇.
أما بالنسبة لقصة بني إسرائيل فهي واضحة، وما ذكره الشيخ جواب سديد إذا حمل أن الصحابة طلبوا شجرة يتبركون بها استقلالًا، يعني: يتبركون بها كما يتبرك بها المشركون.
وقال بعض شُراح هذا الحديث: إن الصحابة ﵃ لم يطلبوا جنس ما كان يفعله المشركون، إنما طلبوا أن يسأل النبي ﷺ ربه أن يجعل لهم شجرة مباركة، فتكون مباركة شرعًا، وما كان مباركًا شرعًا جاز التبرك به، وهذا ذكره الشيخ ﵀ في بعض أجوبته في الدرر السنية، إلا أن ظاهر الحديث يدل على أنهم طلبوا شيئًا من جنس ما كان يفعله المشركون؛ ولذلك اعتذر أبو واقد ﵁ عن هذا الطلب في مقدمة هذا الخبر بقوله: (خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة حنين ونحن حدثاء عهد بكفر)، فكأنه اعتذر لما صدر عنهم من سؤال مشابهة الكفار فيما وقعوا فيه، فالظاهر أن هذا المعنى هو المراد، وهو ظاهر فعل الشيخ هنا، وأما إذا كان على المعنى الذي ذكره الشيخ ﵀ في بعض أجوبته في الدرر السنية فإنه لا يكون في الحديث دليل للمشركين على فعلهم، إذ أنهم لم يطلبوا شركًا، إنما طلبوا من النبي ﷺ أن يسأل الله أن يجعل شجرة مباركة، وهذا لا إشكال فيه، فما كان مباركًا شرعًا جاز التبرك به مثل ماء زمزم وغيره مما جعله النبي ﷺ مباركًا بمباركة الله تعالى له، ومع هذا فنحن نعتقد أن ما جعله الشارع مباركًا في الشرع، فإن بركته إنما هي من الله تعالى، وليست بركة استقلالية منه كما تقدم هذا في كتاب التوحيد، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: (إنما البركة من الله) فالبركة من الله تعالى وليست من أي شي آخر، وإنما جعل هذا سبب لتحصيل البركة، وليس هو المستقل في إيجادها وإعطائها.
[ ٩ / ٢ ]
جواز وقوع الشرك من المسلم دون أن يعلم مع مسارعته في الرجوع عند تنبيهه
ثم قال ﵀ في التعليق على هاتين القصتين: (ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيد فهمناه! أن هذا من أكبر الجهل، ومكايد الشيطان) ولا شك -أيها الإخوة- أن هذا من أبرز ما يستفاد من الحديث، فإن الصحابة ﵃ سألوا هذا، وقد سأله أيضًا بنو إسرائيل؛ مع أنهم سألوه عندما خرجوا من ظلم فرعون؛ لأنهم سألوه وهم في الطريق بعد أن خرجوا من مصر وبعد أن دعاهم وبيّن لهم التوحيد، وأتى لهم بالدلائل، فبقوا معه سنوات، وسألوه هذا السؤال، فدل ذلك على خطورة هذا الأمر، ودل أيضًا على وجوب الحذر من قول من يقول: التوحيد فهمناه، بل يجب على الدعاة إلى الله ﷾ وطلبة العلم أن يهتموا بهذا العلم، وأن يعتنوا به، وأن يرشدوا الناس إلى دراسته وفهمه والاعتناء به، ولا يلزم من عرض التوحيد أن يعرض عرضًا موحدًا أو عرضًا ثابتًا، بل يمكن عرض التوحيد من خلال شرح بعض آيات الكتاب أو شرح بعض أحاديث النبي ﷺ، المهم أنه لابد من تعليق قلوب الناس بالله ﷾، ومن أعظم ما يُسلك في ربط قلوب الناس بالله ﷾، وتعليق قلوبهم به جل وعلا؛ ذكر صفاته وذكر أسمائه وذكر أفعاله؛ فإن أسماء الله وصفاته وأفعاله ﷾ من أعظم ما يدل على وجوب صرف العبادة له، كذلك فإن الاهتمام بذكر صفات الله ﷾، وشرحها للناس، وإفهامهم لمعانيها ومقاصدها، وما تضمنته من أمور يحتاجها الناس؛ مما يعين على الدعوة إلى التوحيد وربط قلوب الناس بالتوحيد.
المهم أن الاشتغال بهذا الأمر هو من آكد ما ينبغي للعبد، ويدل على هذا أن أول دعوة الأنبياء هي الدعوة إلى التوحيد، بل جل دعوتهم إلى التوحيد، فالنبي ﷺ استهل دعوته الناس بوجوب إفراد الله ﷾ بالعبادة، وختمها بالتحذير من الشرك، فينبغي لنا الاهتمام بهذا، والاعتناء به، فإن هذا مما درج عليه السلف الصالحون، وسار عليه الأئمة المهديون.
ثم قال ﵀: (وتفيد أيضًا أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ)، وهذا النص ممكن أن تضيفه إلى النصوص التي سبق وأن قرأناها عليكم في مسألة العذر بالجهل، وأن الشيخ ﵀ ليس من القائلين بعدم العذر مطلقًا، فأضف هذا النص إلى النصوص المتقدمة، وهذا النص يشرح الكلمة التي ذكرها الشيخ ﵀ في أول كتابه من أنه قد يقول كلمة يكفر بها وهو جاهل بمعناها.
[ ٩ / ٣ ]
زجر من وقع في الشرك الأصغر
ثم ذكر ﵀: ثالثة الفوائد التي تؤخذ من هذه القصة، وتفيد أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله ﷺ، فإن النبي ﷺ غلظ الأمر فقال: (سبحان الله! قلتم كما قال قوم موسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) والذي نفسي بيده! لتركبن سنن من كان قبلكم)، وهذا فيه أعظم تغليظ على هؤلاء السائلين، والتغليظ -أيها الإخوة- هو هدي المتقدمين في مسائل التوحيد، فإن حذيفة ﵁ عندما رأى على رجل خيطًا من الحمى نزعه ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، وفي الحديث: (أن النبي ﷺ جاءه عشرة رجال يريدون أن يبايعوه ﷺ، فبايع تسعة وترك واحدًا كان على يده حلقة من صفر فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة، قال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، وإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا)، وهذا فيه تعظيم الشرك، وذلك أن الشرك أعظم الظلم كما تقدم، فإن الله ﷾ قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وقال النبي ﷺ لما سئل: (أي الظلم أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) .
فالواجب علينا -أيها الإخوة- التغليظ في هذا الأمر، ولكن لا يعني هذا أن يغلظ على من كان معتادًا على هذا الأمر، وليس في باله أن هذا الأمر محرم أو منكر، بل ينبغي سلوك الحكمة في ذلك، فمن الناس من يغلظ عليه خاصة في بلاد التوحيد، وفي البلاد التي يكون دعاة التوحيد فيها ظاهرين، فيتكلمون ويعلمون الناس التوحيد، فهؤلاء يُغلظ عليهم، كما غلظ الرسول على الصحابة، وكما غلظ موسى على قومه، أما في البلاد التي ليس فيها أهل توحيد، والشرك فيها هو المنتشر، وعلماء السوء هم الظاهرون في الدعوة إلى الشرك وتسويغ الشرك ودعوة الناس إليه، فيكون من المناسب في هذه الحال أن يسلك الإنسان سبيلًا قاصدًا، ومن الحكمة أن يدعوهم بأسلوب هادئ، يشرح لهم ويبيّن لهم خطورة الأمر، ويسرد لهم الأدلة من الكتاب والسُنَّة الدالة على أن هذا من المحرمات وأن هذا من الشرك.
فالواجب علينا أن نفعل ما هو مناسب، فبالنسبة لمن كان بين ظهراني أهل التوحيد وأهل الدعوة السلفية الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة؛ فهذا ينبغي أن يشدد عليه ويغلظ؛ لأن هذا من تقصيره وتفريطه، أما من كان بين ظهراني المبتدعة، وكان بين علماء السوء الذين يسوغون الشرك ويدعون إليه، فسلوك السبيل المناسب هو الأولى وهو الأحسن.
[ ٩ / ٤ ]
الرد على المشركين في استشهادهم بقصة قتل أسامة للرجل الذي نطق بالشهادة وبيان وجه إنكار الرسول عليه
ثم قال ﵀: [وللمشركين شبهة أخرى يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: لا إله إلا الله، وقال له: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟!)، وكذلك قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله]، وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة: أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل! فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلون، ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار.
وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل ورأسه؟ ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث] ولن يفهموا، وهؤلاء يصدق عليهم قول القائل: ما زالت الشبهات تغزو قلبه حتى تشّحط بينهن قتيلًا فهؤلاء غزت الشبهات قلوبهم؛ ولذلك أصبحوا يتعلقون في تسويغ ما هم عليه من باطل وشرك بكل ما فيه أدنى شبهة، وإلا فالأحاديث يصدق بعضها بعضًا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فالكتاب والسُنّة من عند الله ﷾، ولا يمكن أن يوجد فيها اختلاف كما أخبر جل وعلا في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فهم هنا استندوا إلى هذه الشبهة في تسويغ الشرك، وأنه من قال: لا إله إلا الله فإنه لا يكفر، وهذا تفريع عن الشبهة السابقة، حيث استدلوا بحديث أسامة ﵁ حين قتل رجلًا قال: لا إله إلا الله، وذلك في إحدى الغزوات، فإن أسامة ﵁ تبع رجلًا، فلما تمكن منه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة ﵁، فلما رجعوا إلى المدينة أُخبر النبي ﷺ بما فعل أسامة، فقال له: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! فقال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذًا، فقال النبي ﷺ: أشققت عن قلبه)، وفي بعض الروايات أنه قال: (ما تصنع بلا إله إلا الله؟) أخذ يكررها ﷺ حتى قال أسامة ﵁: وددت أني لم أسلم إلا يومئذ؛ وذلك من شدة ما وجد من إنكار النبي ﷺ.
واستدلوا أيضًا بما رواه الشيخان من حديث ابن عمر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، فاستدلوا بهذا على تحريم دم من قال: لا إله إلا الله، وعصمة ماله وقالوا: إن من قال: لا إله إلا الله فلا يكفر.
ثم قال ﵀: (وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل!)، وهذا تكذيب لباقي ما جاء في الكتاب والسُنّة من وجوب الإقرار ببقية الشرائع، وأنه قد يكفر الشخص ببعض الأفعال أو بعض الأقوال ولو كان مقرًا بلا إله إلا الله.
فقال ﵀ في الجواب على هذه الشبهة: (فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون، ويدّعون الإسلام؛ وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار) هذا أول دليل ساقه الشيخ ﵀ على أنه قد يقول المرء: لا إله إلا الله، ويكفر، ويُقَاتل بسبب إنكاره شيئًا من الدين أو جحده شيئًا مما تقتضيه هذه الكلمة؛ من وجوب إفراد الله بالعبادة، ومن وجوب اتباع النبي ﷺ والانقياد لما جاء به، هذا أول ما ساقه في إبطال هذه الشبهة.
ثم قال ﵀: (وهؤلاء الجهلة مقرون -هذا ثاني ما ذكره في إبطال هذه الشبهة- أن من أنكر البعث كفر وقُتِل ولو قال: لا إله إلا الله) فهم متناقضون، وهذا هو وصف كل من خالف كتاب الله وسُنّة رسوله ﷺ فإنه في أمر مريج كما قال الله سبحانه تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] أي: مضطرب غير ثابت؛ ولذلك اضطربوا في هذا، فكفروا من أنكر البعث مع قوله: لا إله إلا الله، وأحلوا دمه وماله، وهذا ثاني ما يجاب به على شبهتهم، وعلى ما استدلوا به من الأحاديث، قال: (وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقُتِل ولو قالها؛ فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل ورأسه؟! ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث) ولن يفهموا لأنهم لم يتأملوا ولم يأخذوا بالنصوص ويُعملوها جميعًا، إنما أخذوا ببعضها، ولم يفسروا قول الله بعضه ببعض، وقول النبي ﷺ بعضه ببعض، وإنما ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وقول النبي ﷺ بعضه ببعض، فانتقوا ما يشاءون، قال الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، وقوله: (ولن يفهموا) لأن قلوبهم أُشربت هذه الشبه، وعشعشت في نفوسهم، فلا يتمكنون من التخلص منها إلا بتوفيق من الله ﷾، وإلا فالدلائل على كذب ما يقولونه وبطلان ما يشبهون به واضحة بينة.
ثم قال ﵀ في الجواب على شبهتهم، وهو ثالث جواب: [فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا -ولذلك قال: (إنما قالها تعوذًا) - على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام -الآن يبين الشيخ وجه إنكار النبي ﷺ على أسامة -وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك] أي: ما يخالف ما أقر به من الإسلام والتوحيد.
ثم قال: [وأنزل الله تعالى في ذلك -يعني: في هذا الأمر، من وجوب الكف عمن ظهر منه ما يدل على إسلامه حتى يتبين أمره-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] أي: فتثبتوا] فالآية تدل على أنه يجب الكف عمن ظهر منه ما يدل على الإسلام من قول: لا إله إلا الله أو التحية بتحية أهل الإسلام.
قال ﵀: [فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: (فَتَبَيَّنُوا)، ولو كان لا يقتل إذا أقرّ بلا إله إلا الله إذا قالها لم يكن للتثبت معنىً] هذا واضح، إذ لو كان لا يقتل لما أمرنا بالتبيّن، ولقال: كفوا عنه، وانتهينا، وما احتاج أن يقول: (فتبينوا) لكن أمر بالتبيّن حتى يروا هل ما قاله صدق من قلب مؤمن بما يقول أم أنه كذب ومين؟
[ ٩ / ٥ ]
مشروعية قتل الخوارج وهم يقولون: لا إله إلا الله دليل على قتل من أتى من يخالف معناها
قال ﵀: [وكذلك الحديث الآخر وأمثاله] يعني يحمل على هذا المعنى، أنه من قال: لا إله إلا الله لم يقاتل، بل يجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يناقض ما أقر به.
قال ﵀: [معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك.
والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ الذي قال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟!)، وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، هو الذي قال في الخوارج -وهم الذين خرجوا عن الجماعة وكفروا الصحابة وقاتلوهم-: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»] إذًا: في هذا الحديث إخبار أن النبي ﷺ يقتل من قال: لا إله إلا الله، إذا زاغ عن مقتضاها، وإذا كفر بما يجب الإيمان به من شرائع الدين، فإذا أتى مكفرًا فإنه لا ينفعه إقراره بلا إله إلا الله، فعلى سبيل المثال: من سب الله بينما هو يقول: لا إله إلا الله ليلًا ونهارًا، فهو كافر إذا لم يتب من ذلك، أو سب النبي ﷺ أو سب القرآن أو سب شيئًا من شرائع الدين فإنه يكفر بهذا الفعل، فالإقرار بلا إله إلا الله يفيد عصمة الدم والمال إلا إذا تبين ما يناقض هذه الكلمة، وما يبطل أثرها في حفظ المال والدم، فهذا النبي ﷺ يقول: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وما ذلك إلا أنهم أتوا أمرًا كبيرًا في الدين، وهو تكفير صحابة النبي ﷺ والخروج عن الجماعة.
قال ﵀: [مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلًا وتسبيحًا حتى أن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم] كما قال النبي ﷺ: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم) لكن خاتمتهم (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .
[ ٩ / ٦ ]
أقوال العلماء في مسألة تكفير الخوارج
قال ﵀: [وهم تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام، لما ظهر منهم مخالفة الشريعة] وهذا من أوضح الأدلة وأبينها على أن قول: لا إله إلا الله يعصم ابتداءً، فإذا تبين ما يناقض هذا القول ويبطل أثره فإنه يعمل بمقتضى هذه المناقضة من إباحة الدم والمال.
أما بالنسبة للخوارج -أيها الإخوة- فيظهر من كلام الشيخ هنا تكفيرهم، وإن كان ليس هذا تصريحًا، فإنه قال: (لم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام، لما ظهر منهم مخالفة الشريعة) ويمكن أن يقال: إنها لم تنفعهم في عصمة دمهم، ولا يلزم من هذا تكفيرهم، إذ أنه قد يباح الدم فيما دون الكفر.
ومسألة تكفير الخوارج للعلماء فيها قولان في مذهب أحمد ومالك والشافعي، ففي قول لهم: أنهم كفار؛ لتكفيرهم الصحابة، ولخروجهم على الجماعة، وللأقوال المبتدعة المنكرة التي قالوها.
والقول الآخر: أنهم لا يكفرون، بل هم ممن أباح النبي ﷺ دماءهم إذا اجتمعوا على بدعتهم، وخرجوا على المسلمين، وهم من المعتدين الظالمين الذين يقاتلون قتال أهل البغي والظلم والاعتداء.
قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا الذي كان عليه الصحابة، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه كفّرهم، لا علي ولا غيره، بل لما سُئل علي بن أبي طالب ﵁ عن الخوارج: هل هم كفار؟ قال: من الكفر فروا.
والظاهر أن ما ذهب إليه القائلون بعدم تكفيرهم أقرب للصواب؛ إذ هذا القول هو الذي مضى عليه الصحابة ﵃، وهم أعلم بكلام النبي ﷺ ومقاصده.
ثم قال ﵀: [وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود، وقتال الصحابة بني حنيفة.
وكذلك أراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، وكان الرجل كاذبًا عليهم، فكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه] .
وهذه أيضًا شواهد لما تقدم ذكره من أن قول: لا إله إلا الله يفيد عصمة الدم والمال ابتداءً ما لم يبدِ ما يناقض هذه الكلمة، فإن الصحابة ﵃ قتلوا بني حنيفة، وأراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق مع أنهم يقولون: لا إله إلا الله، وأيضًا قاتل ﷺ اليهود مع أنهم يقولون: لا إله إلا الله، إلا أنهم لم يقروا بالرسالة، فلا إله إلا الله لا تنفع صاحبها إلا إذا أقر بكل ما يقتضيه هذا الدين، وما جاء به النبي ﷺ، فمن جحد شيئًا من ذلك فإنه لا ينتفع بها.
[ ٩ / ٧ ]