﷽
قال الشيخُ الإمامُ العالِمُ العامِلُ العلَّامةُ القدوةُ الحافِظُ زينُ الدِّين عبدُ الرَّحمن ابنُ الشيخِ الصالِحِ العلَّامةِ أحمدَ بنِ رَجَبٍ الحنبليُّ البغداديُّ أدام اللَّه النَّفعَ به، آمين:
في «الصَّحِيحَينِ» (^١) عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ [راكبًا] وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحلِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبَّيكَ [يا] رَسُولَ اللَّهِ وَسَعدَيكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيكَ [يا] رَسُولَ اللَّهِ وَسَعدَيكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيكَ [يا] رَسُولَ اللَّهِ وَسَعدَيكَ. قَالَ: «مَا مِنْ عَبدٍ يَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ إِلا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أُخبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَستَبشِرُوا؟ قَالَ: «لا، إِذًا يَتَّكِلُوا»، فَأَخبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوتِهِ تَأَثُّمًا (^٢).
وَفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ عِتبَانَ بنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّه قد حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، يَبتَغِي بَهَا وَجهَ اللَّهِ» (^٣).
_________________
(١) البخاري رقم (١٢٨)، ومسلم رقم (٣٢). وأخرجه البخاري أيضًا رقم (٥٦٢٢ و٥٩١٢ و٦١٣٥)، ومسلم رقم (٣٠) من رواية أنسٍ عن معاذٍ.
(٢) قوله: «فأخْبَرَ بها معاذٌ عند مَوْته تأثُّمًا»؛ أي: تَجَنُّبًا للإثْم، وإنما خشي معاذٌ من الإثم المرَتَّب على كتمان العلم. ينظر: «النهاية في غريب الأثر» (١/ ٣٤)، و«فتح الباري» (١/ ٢٢٨).
(٣) البخاري رقم (٤١٥)، ومسلم (٣٣).
[ ٣٧ ]
وَفي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ - بِالشَّكِ (^١) - أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزَاةِ تَبُوكَ فَأَصَابَتهُم مَجَاعَةٌ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِنِطعٍ (^٢) فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضلِ أَزوَادِهِم، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَجَعَلَ الآخَرُ [يَجِيءُ] (^٣) بِكَفِّ تَمرٍ، وَجَعَلَ الآخَرُ يَجِيءُ بِكِسرَةٍ، حَتَّى اجتَمَعَ عَلَى النِّطعِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيهِ بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا في أَوعِيَتِكُم»، فَأَخَذُوا في أَوعِيَتِهِم حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي العَسكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤوهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَت فَضلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَشهَدُ (^٤) أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لا يَلقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبدٌ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِمَا فَيُحجَبَ عَنْ الجَنَّةِ» (^٥).
_________________
(١) الشكُّ من (الأعمش) من رواية أبي معاوية عنه، كما في «صحيح مسلم» وغيرِه، ومن رواية وكيعٍ عنه كما في «شرح السُّنَّة» للبغوي رقم (٥٢) وغيرِه. ورواه «قتادة بن الفضيل» و«سهيل بن أبي صالح» عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة من غير شكٍّ. وروي أيضًا عن أبي صالح - من غير طريق الأعمش - من غير شكٍّ، فرواه «طَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ» و«سهيل بن أبي صالح» كلاهما عن أبي صَالحٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ من غير شكٍّ. ينظر: «صحيح مسلم» رقم (٢٧)، و«مسند أحمد» رقم (٩٤٦٦)، و«سنن النسائي الكبرى» رقم (٨٧٤٣ و٨٧٤٥). وعلى هذا فالظاهر أنَّ الحديثَ من مسند أبي هريرة لا من مسند أبي سعيد، واللَّه أعلم. z
(٢) النِّطْع: هو بِسَاطٌ من الجِلْدِ، وفيه أربعُ لُغَاتٍ: فتحُ النُّونِ وكسرُها ومع كلِّ وَاحدٍ فَتحُ الطَّاءِ وسُكونُها (نَطْع، ونَطَع، ونِطْع، ونِطَع). ينظر: «القاموس المحيط» (ص ٩٩١)، و«المصباح المنير» (ص ٦١١).
(٣) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل، والسياق يقتضيه.
(٤) في نسخة (ب): «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّه وَشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّه …».
(٥) أخرجه مسلم رقم (٢٧).
[ ٣٨ ]
وَفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبدٍ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلا دَخَلَ الجنَّةَ»، قُلتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ»، قَالَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ في الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ» (^١)، فَخَرَجَ أَبُو ذَرِّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرٍّ (^٢).
وَفي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ عُبَادَةَ [بن الصامت ﵁]؛ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوتِهِ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ النَّارَ» (^٣).
وفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ عُبَادَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ، وَأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ العَمَلِ» (^٤).
_________________
(١) قوله: «وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذرٍّ» قال في «النهاية»: «أي: وإنْ ذَلَّ، وقيل: وإن كَرِه». والرَّغَامُ -بالفتح-: التُّرَابُ، وقولهم: «رَغِمَ أَنْفُه»؛ أَيْ: لَصِقَ بالتُّرَابِ، وهو كناية عن الذُّلِّ والهَوَانِ، وَهُوَ دُعَاءُ سُوءٍ في ظاهره، لكنه من جنس الأدعية التي تُقَالُ ولا يُرَادُ وقوعها، وإنما تقال على عادة العرب في ذلك، كقولهم: «تَرِبَت يَدَاكَ» و«ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ» و«عَقْرَى حَلْقَى» ونحو ذلك من أدعيتهم الجارية على ألسنتهم. ينظر: «النهاية في غريب الأثر» (٢/ ٥٨٧). z
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٤٨٩)، ومسلم رقم (١٥٤).
(٣) أخرجه مسلم رقم (٢٩).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٢٥٢)، ومسلم رقم (٢٨) وعنده: «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ»، و«أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ». قال النووي في «شرح مسلم» (١/ ٢٢٧) مبينًا مكانة هذا الحديث: «هذا حديثٌ عظيمُ الموقِع، وهو أجمعُ أو من أجمعِ الأحاديثِ المشتملةِ على العقائدِ، فإنَّه ﷺ جمع فيه ما يُخرِج عن جميع مِلَلِ الكُفْرِ على اختلافِ عقائدِهم وتباعُدِهم، فاختصر ﷺ في هذه الأحرفِ على ما يُبَايَنُ به جميعُهم».
[ ٣٩ ]
وَفِي هَذَا المَعنَى أَحَادِيثُ كَثِيرةٌ جِدًّا يَطُولُ ذِكرُهَا.
استهَلَّ المؤلِّف ﵀ رسالتَه هذه بذكر جملة من الأحاديث الواردة في فضل التوحيد، وما يوجبه من دخول الجنة والنجاة من النار.
وهذه الأحاديث ظاهرةُ الدِّلالة على فضل التوحيد وعِظَمِ ثوابه، وقد عقد الشيخ المجدِّد محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب «التوحيد» بابًا بهذا المعنى، فقال: (باب فضل التوحيد وما يُكَفِّرُ من الذنوب)، وذكر تحته حديث عبادة بن الصامت، وحديث عِتْبَان السابق ذكرهما.
وهذه الأحاديث التي أوردها المؤلِّف ﵀ على أنواع:
- فمنها ما اقتُصِرَ فيه على ذكر شهادة «أن لا إله إلا اللَّه» فحسب، كما في حديث عِتبان وأبي ذر.
- ومنها ما فيه ذكر الشهادتين معًا -شهادة «أن لا إله إلا اللَّه» و«أنَّ محمَّدًا رسول اللَّه» - كما في حديث معاذٍ، وحديث عُبَادَة الذي عند مسلم.
- ومنها ما ذُكِرَ فيه أكثر من ذلك، كما في حديث عبادة ﵁ الذي في «الصحيحين»: «من شهد أنه لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأن الجنة حق، وأنَّ النَّار حق ..» الحديث.
[ ٤٠ ]
شروط «لا إله إلا الله»
ومن جانبٍ آخر:
- منها ما فيه إطلاق القول بالشهادة من غير تقييدٍ، كما في حديث معاذ بن جبل ﵁: «ما من عبد يشهد: أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه اللَّه على النار»، وحديث أبي ذر ﵁: «ما من عبد قال: لا إله إلا اللَّه، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة»، وحديث عبادة ﵁: «من شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه حَرَّمَ اللَّه عليه النَّار».
- ومنها ما فيه ذكر قولها مقَيَّدًا، كما في حديث عتبان ﵁: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه»، وحديث أبي سعيد أو أبي هريرة رضي اللهُعنهُما في قصة ما وقع لهم في غزوة تبوك، لما أصابتهم المجاعة وأمرهم النبي ﷺ بجمع ما في أزوادهم، وفيه فقال النبي ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبدٌ غيرَ شَاكٍّ فيُحجَبُ عن الجنَّة».
والمتأمِّل في هذه الأحاديث يجد فيها: ذِكر الشَّهادة، وذِكر الإخلاص، وذِكر العلم، وعدم الشَّكِّ، مما يدُلُّ على أنَّه لا يكفي مجرَّد التلفُّظ بها.
ومن هنا أخذ العلماء من هذه الأحاديث شروط «لا إله إلا اللَّه»، وهي ثمانية شروط: العلم، واليقين، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والقبول، والكفر بما يعبد من دون اللَّه (^١).
_________________
(١) وهذه الشروط الثمانية جمعها بعضهم في بيتين فقال: عِلْمٌ يَقِينٌ وإِخلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعْ مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لَهَا وَزِيْدَ ثَامِنُهَا الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا سِوَى الإِلَهِ مِنْ الأَشْيَاءِ قَدْ أُلِهَا
[ ٤١ ]
فهذه الشروط مستمدة من هذه الأحاديث وغيرها من نصوص الشرع.
وأول هذه الأحاديث التي أوردها المؤلِّف ﵀ هو حديث معاذ ﵁، وفيه أنه كان رديفَ النبيِّ ﷺ على حمار؛ يعني: راكبًا خَلفَه، فقال: «يا معاذ»، فقال: لبيك وسعديك، ويُكَرِّرُ عليه رسولُ اللَّه ﷺ هذا الخطاب وهذا النداء مرات؛ ليستجمع معاذٌ ذهنَه، ولِيَتِمَّ إقبالُه، فالأمرُ عظيمٌ، ثم قال له: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمَّدًا عبده ورسوله إلا حَرَّمه اللَّه على النار»، وفي اللفظ الآخر المشهور: «حَقُّ اللَّه على العِبَادِ أن يَعبُدوه ولا يُشرِكُوا به شَيئًا، وحَقُّ العِبَادِ على اللَّه ﷿ ألَّا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشرِكُ به شَيئًا».
وهذا الحديث -بلفظيه- يوافق حديث عِتبانَ وغيرِه، وبيانُ ذلك أنَّ قولَه في هذه الرواية: «إلا حَرَّمَه اللَّه على النَّارِ»، هو معنى قوله في الرواية الأخرى: «وحق العباد على اللَّه ألَّا يُعَذِّب من لم يشرك به شيئًا»، فالحديثُ واحِدٌ، والروايتان متفقتان في المعنى، فكأنَّ اختلاف اللفظ راجعٌ إلى الرواية بالمعنى.
فشهادة: «أن لا إله إلا اللَّه» هي معنى «حقُّ اللَّهِ على العِبَادِ أن يَعبُدُوه ولا يُشْرِكُوا به شَيئًا»، وهذا هو مضمون شهادة: «أن لا إله إلا اللَّه».
وشهادة «أنَّ محمدًا رسول اللَّه» تتضمن الإيمان به وبما جاء به، وأعظم ما جاء به هو «التوحيد».
ولفظ «الشهادة» في قوله ﷺ: «مَا مِنْ عَبدٍ يَشهَدُ …» يقتضي العلم والصدق واليقين، فلا بد في الشهادة من العلم؛ لأن الشهادة بلا علمٍ
[ ٤٢ ]
الفهم المغلوط للمرجئة تجاه هذه الأحاديث، والأدلة على بطلان فهمهم
كَذِبٌ، ولا بد فيها أيضًا من الصدقِ، ولذا المنافقون لما قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم أكذبهم اللَّه تعالى، كما في قوله جلَّ شأنه: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون (١)﴾ [المنافقون].
فكل هذه الأحاديث ليس فيها إطلاق الوعد بدخول الجنة أو النجاة من النار على مجرد القول، وإن ورد شيءٌ مضافٌ إلى مطلق القول فإنه مقيَّدٌ بالنصوص المتضمنة لتلك الشروط، من العلم، والإخلاص، والصدق، واليقين المنافي للشك، وغيرها من الشروط.
فهذه الأحاديث فهم منها أهل العلم الدلالة على فضل التوحيد، وعظيم ثوابه وأثره، وهؤلاء هم أهل الفهم الصحيح، وسيأتي كلام المؤلِّف على هذه الأحاديث وذكر مذاهب الناس فيها (^١).
أما المرجئة فاتخذوا من هذه الأحاديث شبهة لهم، وفهموا منها أنهم يكفيهم من دين اللَّه ﷿ أن يقولوا: «لا إله إلا اللَّه» بألسنتهم فقط، ولم ينظروا إلى ما قُيِّدَت به من الإخلاص والصدق واليقين والانقياد الذي يقتضيه لفظ الشهادة؛ كقوله ﷺ: «أُمِرتُ أن أقاتل النَّاسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه» (^٢)، وقوله في حديث معاذٍ ﵁: «ما من عبد يشهد: أن لا إله إلا اللَّه وأن محمَّدًا عبده ورسوله …»، وقوله
_________________
(١) ص ٤٨.
(٢) متفقٌ عليه من حديث ابن عمر ﵄، البخاري رقم (٢٥)، ومسلم رقم (٢٢).
[ ٤٣ ]
في حديث عُبَادةَ ﵁: «مَنْ شَهِدَ أن لا إله إلا اللَّه وأنَّ محمَّدًا رسول اللَّه » فعبَّر في هذه الأحاديث بلفظ «الشهادة».
ولذا فالذي يقول بلسانه: «لا إله إلا اللَّه» من غير علمٍ بمعناها، ولا يقينٍ بمقتضاها هو في الحقيقة لم يتحقَّق بحقيقة هذه الشهادة، إنما هو يقول هذه الكلمة بلسانه فقط، وليس هذا هو المطلوب من العبد في هذا الأصل العظيم، وليس هذا أيضًا هو الذي رُتِّبَ عليه الوعد من دخول الجنة، والنجاة من النار، فهذا الوعد العظيم ليس مرتبًا على مجرد النطق بها مع الإتيان بكلِّ أو ببعضِ ما يَنْقُضُها.
والأدلة على بطلان هذا الفهم السيئ كثيرة:
- فالصحابة ﵃ قاتلوا المرتدين أتباع مسيلمة، وهم يقولون: لا إله إلا اللَّه.
- وقاتلوا مانعي الزكاة، وهم يقولون: لا إله إلا اللَّه.
- وقَتَلَ عليٌّ ﵁ السَّبَئِيَّة الغلاة، وهم يقولون: لا إله إلا اللَّه، وهكذا.
وقد أوضح هذا المعنى وجَلَّاه واستشهد له ببعضِ هذه الشواهد وغيرِها الشيخُ المجدِّدُ محمَّدُ بنُ عبد الوهاب ﵀ في آخر رسالته المعروفة ب «كشف الشبهات»، فقد أبطل هذه الشبهة، شبهة غلاة المرجئة الذين يقولون: إنه يكفي في التحقق من الإسلام وعصمة الدم والمال قول: لا إله إلا اللَّه، وقد أتى الشيخ ﵀ بشواهد وأدلة قيمة مفحمة لأصحاب هذا التوجه الباطل.
[ ٤٤ ]
مسلك أهل الزيغ في النصوص المتشابهة
وسيورد المؤلِّف ﵀ مذاهب أهل السُّنَّة في هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث يمكن أن يَصدُق عليها أنَّها من النصوص المتشابهة، فإنَّ القرآن والحديث فيهما مُحكَمٌ ومتشابِهٌ، فيهما الواضحُ البَيِّنُ، وفيهما المتشابه المشْكِلُ معناه، وهذا كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
وهذا مسلك لأهل الزيغ يسلكونه في الآيات المتشابهات، وفي الأحاديث المتشابهات أيضًا، والتي منها نصوص الوعد هذه، بل وكذلك نصوص الوعيد فيها ما هو من المتشابه الذي يُشْكِلُ معناه، ولهذا وقع من الانقسام والافتراق في فهم هذه النصوص ما وقع، فهدى اللَّه أهل السُّنَّة والجماعة -المتَّبِعين للسَّلَفِ الصالح بإحسان- إلى الحق والصواب، فرَدُّوا النصوص بعضها إلى بعض، وجمعوا بين نصوص الوعد والوعيد، وفهموا عن اللَّه ورسوله فهمًا حسنًا.
وأما أهل البدع والضلال من الخوارج والمعتزلة والمرجئة وغيرهم فقد ساء فهمهم لكلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ.
ولِمَا في هذا الحديث -حديثِ معاذٍ- وأمثالِه من الاشتباه نهى النبي ﷺ معاذًا من أن يُحَدِّثَ به النَّاسَ، لئلا يتكلوا على هذا الوعد ويتركوا العمل؛ اعتِمَادًا عَلَى مَا يَتَبَادَر مِنْ ظَاهِر الحديث.
ولا ريب أن المراد ب «النَّاسِ» هنا: الناس الذين لا يحسنون فهم هذا الحديث، وفي هذا فضيلة لمعاذٍ ﵁، وشهادةٌ له بأنَّه ممن يحسن الفهم عن اللَّه ورسوله؛ ولهذا خَصَّه النبي ﷺ بالتحديث بهذا الأمر،
[ ٤٥ ]
ونهاه عن أن يُحَدِّثَ به عمومَ النَّاسِ، ولا شك أنَّ في أصحاب رسول اللَّه ﷺ قومٌ كثيرٌ ممن هو في منزلة معاذٍ وفوقها.
ولهذا أبو هريرة ﵁ لما أَخبَر عن الرسول ﷺ بهذا المعنى أنكر عليه عمر ﵁ أن يُحَدِّثَ به، واستثبتَ منه الحديثَ، حتى رجع أبو هريرة إلى النبي ﷺ يشتكي عمر، فذكر له عمرُ أنَّه يخاف على الناس أن يتَّكِلُوا، فقال رسول اللَّه ﷺ: «خَلِّهِم يَعمَلُون» (^١).
_________________
(١) والقصة أخرجها الإمام مسلم رقم (٣١)، ولفظه: عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَنَا أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ في نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَينِ أَظهُرِنَا فَأَبطَأَ عَلَينَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعنَا فَقُمنَا، فَكُنتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجتُ أَبتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَتَيتُ حَائِطًا لِلأَنصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا فَلَم أَجِد، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدخُلُ في جَوفِ حَائِطٍ مِنْ بِئرٍ خَارِجَةٍ -وَالرَّبِيعُ الجَدوَلُ- فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ، فَدَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَبُو هُرَيرَةَ؟!». فَقُلتُ: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَا شَأنُكَ؟». قُلتُ: كُنْتَ بَينَ أَظهُرِنَا فَقُمتَ فَأَبطَأتَ عَلَينَا فَخَشِينَا أَنْ تُقتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعنَا فَكُنتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَأَتَيتُ هَذَا الحَائِطَ فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيرَةَ» -وَأَعطَانِي نَعلَيهِ- قَالَ: «اذهَب بِنَعلَيَّ هَاتَينِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ» فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعلَانِ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ فَقُلتُ: هَاتَانِ نَعلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ بَشَّرتُهُ بِالجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَينَ ثَديَيَّ فَخَرَرتُ لاستِي، فَقَالَ: ارجِع يَا أَبَا هُرَيرَةَ، فَرَجَعتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجهَشتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟». قُلتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخبَرتُهُ بِالَّذِي بَعَثتَنِي بِهِ فَضَرَبَ بَينَ ثَديَيَّ ضَربَةً خَرَرتُ لاستِي، قَالَ: ارجِع، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلتَ؟». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَبَعَثتَ أَبَا هُرَيرَةَ بِنَعلَيكَ مَنْ لَقِيَ يَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَم». قَالَ: فَلَا تَفعَل فَإِنِّي أَخشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيهَا فَخَلِّهِم يَعمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَخَلِّهِم».
[ ٤٦ ]
فكثير من الناس إذا سمعوا هذا الوعد حملهم ذلك على التقصير في العمل اعتمادًا عليه، بخلاف أهل العلم والإيمان والبصيرة، فإنه لا تحملهم نصوص الوعد والفضل والفضائل إلا على مضاعفة الجهد والاجتهاد في العبادة.
فالعشرة المبشرون بالجنة ﵃ لم تزدهم هذه البشارة إلا جِدًّا واجتهادًا، وهكذا أمثالهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لا يأخذون من هذه البشائر ما يحملهم على البطالة والإخلاد إلى الدَّعَة، والتقصيرِ في الواجبات، بل لا يحملهم ذلك على التقصير حتى في الفضائل والنوافل والمستحبات، بل هم يعلمون أن ما بُشِّرُوا به من دخول الجنة إنما كان ذلك بالأعمال التي جعلها اللَّه سببًا لبلوغ هذه المنازل.
* * *
[ ٤٧ ]