* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وقَالَت طَائِفَةٌ من العُلَمَاءِ: المَرَادُ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَنَّ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ وَمُقتَضٍ لِذَلِكَ، وَلَكِنَّ المُقتَضِي لا يَعمَلُ عَمَلَهُ إِلَّا بِاستِجمَاعِ شُرُوطِهِ وَانتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَقَد يَتَخَلَّفُ عَنهُ مُقتَضَاهُ لِفَوَاتِ شَرطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، أَوْ لِوُجُود مَانِعٍ؛ وَهَذَا قَولُ الحَسَنِ وَوَهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، وَهُوَ الأَظهَرُ.
وَقَالَ الحَسَنُ لِلفَرَزدَقِ -وَهُوَ يَدفِنُ امرَأَتَهُ-: مَا أَعدَدتَ لِهَذَا اليَومِ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُنذُ سَبعِينَ (^١) سَنَةً. قَالَ الحَسَنُ: نَعَم (^٢)، إِنَّ لِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» شُرُوطًا فَإِيَّاكَ وَقَذفَ المُحصَنَةِ (^٣).
[وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ لِلفَرَزدَقِ: هَذَا العَمُودُ، فَأَينَ الطُّنُبُ؟ (^٤) (^٥).
وَقِيلَ لِلحَسَنِ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ: مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَدَّى حَقَّهَا وَفَرْضَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ (^٦).
_________________
(١) في جميع مصادر القصة: «ثمانين».
(٢) في نسخة (ب): [نِعْمَ العُدَّة، لَكِن إنَّ ل «لا إله إلا اللَّه» …].
(٣) رواها البلاذري في «أنساب الأشراف» (١٢/ ٧٧)، والشريف المرتضى في «أماليه» (١/ ٦٥).
(٤) «أمالي المرتضى» الموضع السابق.
(٥) ما بين المعقوفتين ساقطٌ في نسخة (ب).
(٦) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في «الحُجَّة في بيان المحجَّة» (٢/ ١٥٨).
[ ٥٤ ]
السبب لا يتحقق مقتضاه إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه
وَقَالَ وَهبُ بنُ مُنَبِّهٍ لِمَنْ سَأَلَهُ: أَلَيسَ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» مِفتَاحُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِن مَا مِنْ مِفتَاحٍ إِلَّا وَلَهُ أَسنَانٌ، فَإِنْ جِئتَ بِمِفتَاحٍ لَهُ أَسنَانٌ فَتَحَ لَكَ، وَإِلَّا لَم يَفتَح لَكَ (^١).
وَهَذَا الحَدِيثُ: «إِنَّ مِفتَاحَ الجَنَّةِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» خَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ (^٢) بِإِسنَادٍ مُنقَطِعٍ عن مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَأَلَكَ أَهلُ اليَمَنِ عَنْ مِفتَاحِ الجَنَّةِ؟ فَقُلْ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٣).
في هذا المقطع ذكر المؤلِّفُ ﵀ القولَ الثاني في الجواب عن أحاديث تحريم من قال: «لا إله إلا اللَّه» على النار، أو تحريم النار عليه، أو نفي العذاب عنه = وهو أنَّ المراد من هذه الأحاديث أنَّ التوحيد سَبَبٌ مقتضٍ لدخول الجنَّة والنَّجاة من النَّار، وكلُّ سببٍ شرعيٍّ أو كونيٍّ فإنَّه يَتَوقَّف تأثيرُه وحصولُ مقتضاه على وجود الشروط وانتفاء الموانع، فمتى فُقِدَ الشَّرطُ أو وُجِدَ المانِعُ لم يعمل السببُ عَمَلَه، ولم يتحقق مقتضاه.
_________________
(١) علَّقه البخاري في «صحيحه» [كتاب الجنائز -باب مَنْ كان آخر كلامه «لا إله إلا اللَّه»]، ووصله إسحاق بن راهويه في «مسنده» - كما في «المطالب العالية» رقم (٢٨٩٣) -، وإسناده حسنٌ كما قال ابن حجر.
(٢) «المسند» رقم (٢٢١٠٢)، وأخرجه أيضًا البزار في «مسنده» رقم (٢٦٦٠)، وضَعَّفه ابنُ حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٤٥٤).
(٣) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» رقم (١٩٢) وإسناده ضعيفٌ.
[ ٥٥ ]
ترجيح المؤلف والشارح للمذهب الثاني، ودليل رجحانه
قصة الحسن البصري مع الفرزدق الشاعر، وتعليق الشارح عليها
ثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّ هذا القول هو الأظهر، ونَسَبَه للحسن البصري، ووهب بن منبه رحمهما اللهُ، ونِسْبَتُه هذا القولَ إليهما لا لاختصاصهما بهذا المعنى، لكن لوجود تلك الآثار عنهما.
فالحسن ﵀ يُبَيِّنُ أنَّه لا يكفي مجرد النطق ب «لا إله إلا اللَّه»، بل لا بد -مع ذلك- من معرفة معناها، والتحقُّق بمقتضاها، ولذا لَمَّا قال للفرزدق: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ أجابه الفرزدق بقوله: شهادةَ «أن لا إله إلا اللَّه» منذ سبعين سنة، فقال له الحسن: نَعَم، -وفي بعضِ النُّسَخ: نِعْمَ العُدَّة-، وهذا صحيحٌ، فإن شهادة أن «لا إله إلا اللَّه» هي الأصل، وهي نِعمَ العُدَّة، ولكن لا بد -مع ذلك- من الحذر من معاصي اللَّه، ولذا قال له الحسن محذِّرًا: «إياكَ وقَذْفَ المحصَنَة» (^١)، وذلك ليبَيِّن له أن هذا لا يُسَوِّغُ له الجرأة على المعاصي وانتهاك الحُرُمات.
وكذلك قوله ﵀ له: «هذا العمودُ، فأين الطُّنُبُ؟»، وهذا من باب التمثيل، ومثله أيضًا قول وهب بن مُنَبِّه في شأن المفتاح كما سيأتي.
فالفُسطاطُ أو الخيمةُ لا تقوم إلا بالعمود مع الطُّنُبُ، فإذا سقط العمود لم تُفِد الطُّنُبُ شيئًا، وإن وُجِدَ العمود ولم توجد الطُّنُبُ لم ينفع العمودُ، فالخيمة يتوقف الانتفاع بها على العمودِ وعلى الطُّنُبِ معًا، فباجتماعهما يحصل الانتفاع والاستظلال.
_________________
(١) إنما خصَّه بالنهي عن قذف المحصنة لِمَا عَرَفَ عنه من الإقذاع في هجاء خصومه، وربما جَرَّه ذلك إلى الوقيعة في نسائهم، وقذفهنَّ بما ليس فيهنَّ.
[ ٥٦ ]
«لا إله إلا الله» مفتاح الجنة، ولكن لا بد للمفتاح من أسنان
وهكذا الأثر الذي نقله المؤلِّف ﵀ عن وهب بن مُنَبِّه، وهو كلامٌ جَيِّد أيضًا، فإنه لما قيل له: أليس «لا إله إلا اللَّه» مفتاح الجنة؟، قال: بلى، ولكن ما من مفتاحٍ إلا وله أسنانٌ، فإن جئتَ بمفتاحٍ له أسنان فُتِحَ لك، وإلا لم يُفتَح لك (^١).
فالشيء الذي هو سَبَبٌ، لا يتحقق مقتضاه إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، وهذا الجواب من وهب بن مُنَبِّه جوابٌ محكمٌ، ينتفع به الباحث في أمورٍ كثيرةٍ، واستقرئ هذا في الأمور الكونية، كما في مسألة مفتاح الباب، واستقرائه أيضًا في الأمور الشرعية، حتى في نصوص الوعيد اعتَبِر هذا، فمثلًا جاء الوعيد في شأن القاتل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء]، وجاء في شأن الفارِّ من الزحف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير (١٦)﴾ [الأنفال].
ونظائرُ هذا كثيرةٌ في نصوصِ الوعدِ والوعيدِ.
_________________
(١) قال الشارح حفظه اللهُ: هذا النوع من المفاتيح معروفٌ وقد أدركناه قديمًا، فالأبواب الخشبية القديمة يكون لها سَكَر من الخشب يسمَّى مجرى، والمفتاحُ نفسُه عبارةٌ عن خَشَبةٍ فيها أعوادٌ تسمَّى أسنان، إذا فُقِدَ واحدٌ منها لم يَفتَح؛ لأنَّ هذه الأسنانَ ترفَعُ الأعوادَ التي تَمنَع الخشبةَ المعتَرِضَة التي تَحبِسُ البابَ وتمنَعُه من الحركةِ، فترفع أسنانُ المفتاحِ هذه الأعوادَ فتتحرك الخشبة المعترضة فينفتح الباب.
[ ٥٧ ]
قاعدة مهمة نافعة في أمور كثيرة
فالأمورُ التي رُتِّبَ عليها الوَعدُ للأعمالِ الصالحةِ أو الوعيدِ على المعاصي كلُّها تقتضي أنَّ هذا الفعلَ سَبَبٌ مقتَضٍ لما رُتِّبَ عليه من ثوابٍ أو ما رُتِّبَ عليه من عقابٍ، والسَّبَبُ لا يتحقَّقُ مقتضَاه إلا بوجود الشُّرَوط وانتفاء الموانع.
فهذه قاعدةٌ مهمةٌ نافعةٌ في أمورٍ كثيرةٍ، وترفع كثيرًا من الإشكالات، ففي المثال الذي ذكرتُه آنفًا من الوعيد في حقِّ القاتل المتعمِّد، فإنَّ قَتلَ المؤمنِ عَمدًا سَبَبٌ مقتضٍ لدخول النَّار والخلودِ فيها، ولكن دلت نصوصٌ أخرى على أنَّ هناك ما يمنع من ذلك، فالتوبة مانعٌ من هذا الوعيد باتفاق المسلمين، والتوحيدُ أيضًا مانعٌ من الخلود في النَّار باتفاق أهل السُّنَّة.
فهذا الذنبُ العظيمُ سَبَبٌ مقتضٍ للعذاب، وهو مع ذلك مقيَّدٌ بمشيئة اللَّه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦].
فعلمنا حينئذٍ أنَّ هذا الوعيد معلَّقٌ على المشيئة، فجائزٌ أن يغفرَ اللَّه لهذا القاتِلِ بما شاء من الأسباب، ولا يُدخِلَهُ النَّار، فيغفر له ويتجاوز عنه ويُرضِي عنه المقتولَ، وقد يكون لهذا القاتل من الأعمال الصالحة ما يقتضي مغفرةَ اللَّه له ونجاتَه من العذاب.
فشهادةُ التوحيدِ -كما قال المؤلِّف: - ما هي إلا سَبَبٌ مقتضٍ لدُخولِ الجنَّةِ والنَّجاةِ من النَّارِ، ولكنَّ المُقتَضِي لا يعمَلُ عَمَلَهُ إلَّا باستِجمَاعِ شرُوطِهِ وانتِفاءِ موانِعِهِ.
[ ٥٨ ]
إذا تحققت شروط «لا إله إلا الله» في قلب العبد على الوجه الأكمل فإنها تمنعه من ترك الواجبات أو الإصرار على المحرمات
فشروط «لا إله إلا اللَّه» التي استنبطها أهل العلم -وهي: العلم، والقبول، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والانقياد، واليقين، والكفر بما يعبد من دون اللَّه- هي في الحقيقة تقتضي أنه لا يكفي مجرَّد النطق بها، بل لا يتحقق مقتضى هذه الكلمة العظيمة إلا باستيفاء هذه الشروط كلِّها، وكلُّ واحدٍ من هذه الشروط له ضِدٌّ لا بد من انتفائه.
وهذه الشروط إذا تحقَّقت في قلبِ العبدِ على الوجهِ الأكملِ فإنَّها تمنَعُه من الإصرارِ على كبيرةٍ، أو على تَركِ واجبٍ؛ لأنَّ هذه المعاني إذا تحقَّقت في القلبِ على الوجهِ الأكملِ أثمرَت ثمراتها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (٣)﴾ [الأنفال].
فمن حَصَلَ له العلمُ التامُّ واليقينُ والصدقُ والإخلاصُ للَّه والمحبةُ لما دَلَّت عليه هذه الكلمةُ العظيمةُ، هل تراه يُصِرُّ على شيءٍ من المعاصي؟!
لا شك أنَّ تحقُّق هذه الشروط على الوجهِ الأكملِ يوجبُ الامتناعَ عن الإقدامِ على المعصية، وإن حَصَلت الهفوة فإنها تمنع من الإصرار عليها، لكن قد تضعف هذه المعاني فيحصل النقص والخلل، ويقع التقصير في العمل.
* * *
[ ٥٩ ]
دخول الجنة مرتب على الإيمان والعمل الصالح
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا القَولِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَ دُخُولَ الجَنَّةِ عَلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ في كَثِيرٍ مِنْ النُّصُوصِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخبِرنِي بِعَمَلٍ يُدخِلُنِي الجَنَّةَ. فَقَالَ: «تَعبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ» (^١).
وَفي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إِذَا عَمِلتُهُ دَخَلتُ الجَنَّةَ. قَالَ: «تَعبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيئًا، وَلا أُنقِصُ مِنهُ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنظُرَ إلى رَجُلٍ مِنْ أَهلِ الجَنَّةِ فَليَنظُر إِلى هَذَا» (^٢).
هذه الأحاديث موافقة لما في القرآن العظيم، فاللَّه تعالى في آيات كثيرة إنما رَتَّبَ دخولَ الجنَّة على الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٣٣٢)، ومسلم رقم (١٣).
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٤).
[ ٦٠ ]
فِيهَا خَالِدُون (٨٢)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب (٢٩)﴾ [الرعد]، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فدخولُ الجنَّة مرَتَّبٌ على الإيمان والعمل الصالح.
وهذه الأحاديث التي سُئِلَ فيها الرسول ﷺ عمَّا يُدْخِلُ الجنَّة ويُبَاعِدُ عن النَّار لم يقتصر في الجواب عن ذلك على قوله للسائل مثلًا: «قل: لا إله إلا اللَّه» فقط، بل قال له: «تعبدُ اللَّه ولا تشركُ به شيئًا»؛ أي: تخلص في العبادة للَّه، وهذا الجواب هو معنى «لا إله إلا اللَّه»، ثم قال له أيضًا: «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِم»، فجمع في جوابه هذا بين التوحيد والعمل الصالح.
ومن هذا الجنس أيضًا حديث معاذ المشهور الذي أخرجه الترمذي وغيره، - وهو من أحاديث «الأربعين النووية» (^١) -، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سَأَلتَ عن عَظِيمٍ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ، تَعبُدُ اللَّه وَلا تُشْرِكُ بِهِ
_________________
(١) وهو الحديث التاسع والعشرون.
[ ٦١ ]
شَيئًا، وتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيتَ» (^١)، فذكر له أصول الإسلام ومبانيه العظام، وجعل ذلك هو السبب في دخول الجنة والنجاة من النار، فلم يقصر جوابه على قوله: «تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا» مع أن قوله: «تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا» يقتضي العمل، ويقتضي إخلاص العبادة للَّه وحده.
فهذه الأحاديث موافقة لما جاء في القرآن تمام الموافقة.
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٢٦١٦)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣٩٧٣)، والإمام أحمد في «المسند» رقم (٢٢٠١٦)، وغيرهم. والحديث بمجموع طرقه ثابتٌ محفوظٌ، قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، وصحَّحه العلامة ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٤/ ٢٥٩) وغيره.
[ ٦٢ ]
حديث بشير بن الخصاصية ﵁ وتعليق الشارح عليه
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وفي «المُسنَدِ» عَنْ بَشِيرِ بنِ الخَصَاصِيَةِ ﵁ قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ لأُبَايِعَهُ فَاشتَرَطَ عَليَّ: شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلاةَ، وَأَنْ أُوتِيَ الزَّكَاةَ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الإِسلامِ، وَأَنْ أَصُومَ رَمَضَانَ، وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا اثنَتَينِ فَوَاللَّهِ ما أُطِيقُهُمَا: الجِهَادُ والصَّدَقَةُ (^١)، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ حَرَّكَهَا، وَقَالَ: «فلا جِهَادَ وَلا صَدَقَةَ!، فَبِمَ تَدخُلُ الجَنَّةَ إِذًا؟!»، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أُبَايِعُكَ، فَبَايَعتُهُ عَلَيهِنَّ كُلِّهِنَّ (^٢).
فَفِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ شَرطٌ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ مَعَ حُصُولِ التَّوحِيدِ وَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ.
_________________
(١) ورد في مصادر التخريج بيانُ سببِ عدمِ إطاقته ﵁ للجهاد والصدقة فقال ﵁: «فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَنْ وَلَّى الدُّبُرَ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، فَأَخَافُ إِنْ حَضَرْتُ تِلْكَ جَشِعَتْ نَفْسِي، وَكَرِهَتِ الْمَوْتَ، وَالصَّدَقَةُ -فَوَاللَّهِ- مَا لي إِلَّا غُنَيْمَةٌ وَعَشْرُ ذَوْدٍ، هُنَّ رَسَلُ أَهْلِي وَحَمُولَتُهُمْ» وهذا لفظ أحمد.
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٢١٩٥٢)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» رقم (٤٥٠)، والطبراني في «الكبير» (٢/ ٤٤)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٧٩) وقال: «هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ولَم يُخرِّجاهُ».
[ ٦٣ ]
هذا الحديث من جنس ما قبله في اعتبار الأعمال، ولا سيما أركان الإسلام العظام؛ الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد.
ففي هذا الحديث جاء بشير بن الخصاصية ﵁ لمبايعة النبي ﷺ، فاشترط عليه في المبايعةِ الالتزامَ بالشهادتين وسائرَ أركان الإسلام، وأضاف إليها الجهاد، فأبدى ﵁ استعدادَه للمبايعةِ على كلِّ ما ذُكِرَ إلا الجهاد والصدقة -والمراد بها هنا: الزكاة-، فما كان من النبيِّ ﷺ إلا أن قَبَضَ يدَه، وامتنعَ من مبايعته، وقال له: «لا جهاد ولا صدقة، فبِمَ تَدخُلُ الجنَّة إذًا؟!».
فتبين بهذا أن المقصود من هذه المبايعة أن يلتزم المسلم بهذه الأمور المذكورة، فمن امتنع أن يلتزم بالزكاة أو بالجهاد فمعنى هذا عدم قبوله لهاتين الشعيرتين، والفريضتين العظيمتين، و«الزكاة» وإن كانت فرض عين على من تحقَّقَت فيه الشروط، وكذلك «الجهاد» الأصل فيه أنه فرض كفاية، لكن لا بد مع هذا من الالتزام بشرائع الإسلام كلها.
ولذا لَمَّا رأى بشيرٌ ﵁ أنه لا بد من المبايعة والالتزام بجميع ما ذُكِرَ من الشرائع، وأن «الصدقة» و«الجهاد» من الأهمية في الدِّين بمكان، راجَعَ نفسَه واستجاب لما عَرَضَ عَليه النبيُّ ﷺ، وبايع على الالتزام بكل هذه المذكورات.
[ ٦٤ ]
من دخل في الإسلام ولم يقبل بعض شرائعه فإنه لا يكون مسلما
وعلى هذا؛ فمن دخل في الإسلام وعُرِضَت عليه شرائعه، وقال: أنا لا أقبل من الإسلام إلا كذا وكذا، فإنه لا يكون مسلمًا حينئذٍ، بل لا بد أن يلتزم بشرائع الإسلام كلها، وذلك بالإيمان بها، وعَقْدِ العَزْم على القيام بها؛ لأن كثيرًا من هذه الشرائع والواجبات لم يتهيأ القيام بها عند المبايعة، فالحج له وقت، والصيام له وقت، والجهاد يتوقف على وجود أسبابه، والصدقة أيضًا تتوقف على وجود المقتضي لها، وهو مِلكُ المال ومِلكُ النِّصَاب، ولكنَّ الأمرَ المتَحَتِّم في هذا المقام هو الالتزام بها، وذلك بالإقرار بوجوبها، وعَقْدِ العزم على القيام بها.
فعدم الالتزام ببعض شرائع الإسلام معناه عدم الإقرار بها، وعدم التفكير في عملها، ومثل هذا لا يكون مسلمًا، لا بد لمن أراد أن يدخل الإسلام أن يشهد الشهادتين ويلتزم ببقية الشرائع.
* * *
[ ٦٥ ]
اعتبار الأعمال في ثبوت حكم الإسلام
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَنَظِيرُ هَذَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فَفَهِمَ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَينِ امتَنَعَ مِنْ عُقُوبَةِ الدُّنيَا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، فَتَوَقَّفُوا في قِتالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَفَهِمَ الصِّدِّيقُ أَنَّهُ لا يَمتَنِعُ قِتَالُهُ إِلا بِأَدَاءِ حُقُوقِهَا، لِقَولِهِ ﷺ «فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلا بِحَقِّهَا [وحِسَابُهُم على اللَّه]» وَقَالَ: الزَّكَاةُ حَقُّ المَالِ (^١).
وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ قَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ [صريحًا] جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِنهُم: ابنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ وَغَيرُهُمَا (^٢)، وَأَنَّهُ قَالَ: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ».
وَقد دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
كَمَا دَلَّ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] عَلَى أَنَّ الأُخُوَّةَ في الدِّينِ لا
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁، البخاري رقم (١٣٣٥)، ومسلم رقم (٢٠).
(٢) حديث ابن عمر ﵁ متفقٌ عليه؛ أخرجه البخاري رقم (٢٥)، ومسلم رقم (٢٢). وأما حديث أنس ﵁: فأخرجه البخاري رقم (٣٨٥).
[ ٦٦ ]
حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا» وتعليق الشارح عليه
تَثبُتُ إِلا بِأَدَاءِ الفَرَائِضِ مَعَ التَّوحِيدِ، فَإِنَّ التَّوبَةَ مِنْ الشِّركِ لا تَحصُلُ إِلا بِالتَّوحِيدِ.
وَلَمَّا قَرَّرَ أَبُو بَكرٍ ﵁ هَذَا لِلصَّحَابَةِ رَجَعُوا إِلى قَولِهِ، وَرَأَوهُ صَوَابًا.
فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ عُقُوبَةَ الدُّنيَا لا تَرتَفِعُ عَمَّن أَدَّى الشَّهَادَتَينِ مُطلَقًا، بَلْ قَدْ يُعَاقَبُ بِإِخلالِهِ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الإِسلامِ، فَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ الآخِرَةِ.
وهذه الأحاديث أيضًا تؤيد ما سبق من اعتبار الأعمال في ثبوت حكم الإسلام، وفي النجاة من العقاب في الدنيا بالقتال أو القتل، وكذلك في النجاة من العذاب في الآخرة.
وقد ثبت في «الصحيحين» عن النبي ﷺ أنه قال: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا» (^١)، وفي حديث ابن عمر: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّ الإِسلَامِ وَحِسَابُهُم عَلَى اللَّهِ» (^٢).
_________________
(١) تقدَّم تخريجه قريبًا.
(٢) تقدَّم تخريجه قريبًا.
[ ٦٧ ]
قصة أبي بكر الصديق ﵁ في قتاله لمانعي الزكاة وما يستفاد منها
ففي هذا الحديث ذكر النبيُّ ﷺ الأصولَ الثلاثة؛ وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة، وجعل عصمة الدَّم والمال موقوفٌ على تحقيق هذه الأصول الثلاثة.
فهذا الحديث وما في معناه مطابقٌ تمام المطابقة للآيتين الكريمتين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، و﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
فأفادت الآيات والأحاديث أنه لا يُكَفُّ عن قتال المشركين إلا بالتوبة من الشرك، ولا يكون ذلك إلا بالإتيان بالشهادتين، مع الالتزام بهاتين الشعيرتين العظيمتين (الصلاة والزكاة)، وبَقِيَّةُ الشعائر مثلُهما في وجوب الالتزام، ولكن جرى الاقتصار عليهما في هذه النصوص؛ لأنهما أعظم أركان الإسلام، ومَن التزم بهما فما بعدهما تَابِعٌ لهما.
ويُوَضِّحُ هذا المقام: ما جرى لأبي بكر الصديق ﵁ مع عمر ﵁ ومَن وَافَقَه في شأن مانعي الزكاة، حيث عزم أبو بكر على قتالهم واعترض عليه عمر، وقال له: كيف تقاتل مَنْ قال: «لا إله إلا اللَّه»، وقد قال رسول اللَّه ﷺ: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا»؟، فقال له أبو بكر ﵁ قولتَه المشهورة: «وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَو مَنَعُونِي عِقَالًا -أو عَنَاقًا- كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهِ»، قَالَ عُمَرُ ﵁: «فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيتُ اللَّهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدرَ
[ ٦٨ ]
بطلان مذهب المرجئة في أنه لا يضر مع الإيمان ذنب
أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ فَعَرَفتُ أَنَّهُ الحَقُّ»، فاتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة.
والمؤلِّف ﵀ استنبط من هذا: أن التوحيد وحده لا يعصم من العقوبة في الدنيا، بل يباح معه قِتَالُ وقَتلُ من امتنع عن أداء فريضةٍ من فرائض الإسلام.
ومثل ذلك أيضًا: قوله ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفسُ بِالنَّفسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ» (^١)، فأحَلَّ النبيُّ ﷺ قَتلَ هؤلاءِ بإقامة ما أوجب اللَّه عليهم من العقوبة، مع أنهم يشهدون شهادة التوحيد (لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه).
ومثل ذلك أيضًا: قوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس …» إلى قوله: «إلا بحق الإسلام»، وفي اللفظ الآخر: «إلا بحقها»، فقاتل أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة محتَجًّا ب (أنَّ الزكاةَ حَقُّ المَالِ)، وكذلك بقية شرائع الإسلام، هي من حقوق شهادة التوحيد (لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه)، فإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، كل ذلك من حَقِّها.
فعُلِمَ من هذا كُلِّه بطلانُ مذهبِ المرجئة، الذين يقولون: إنَّه لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ، وأنَّ قول: «لا إله إلا اللَّه» يوجب النجاة من النار.
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁؛ البخاري رقم (٦٤٨٤)، ومسلم رقم (١٦٧٦).
[ ٦٩ ]
وسطية أهل السنة والجماعة بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة
فلا بد من إعمالِ النُّصوص كلِّها، والذي يأخذ بعض النصوص، ويترك بعضًا، هو متبعٌ لهواه، بل لا بد من ردِّ النصوص بعضِها إلى بعض، والجمعِ بينها، وهذا هو المنهج الحق الذي سار عليه أهل السُّنَّة، فجمعوا بين نصوص الوعد والوعيد، وفسَّروا بعضَها ببعض، فلم يُكَفِّرُوا بالذنوب كما فعلت الخوارج، ولم يُخرِجُوا من أصل الإيمان كما فعلت المعتزلة، احتجاجًا بقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ..».
وفي المقابل لم يفعلوا فعل المرجئة، ويقولوا بقولهم من أنَّ التصديقَ بالقلب، ومعرفةَ الخالق، والنطقَ بكلمة التوحيد، أنه يكفي ويعصم من العذاب.
فالتوحيد وحده لا يعصم من العقوبة في الدنيا، فالصحابة ﵃ قاتلوا مانعي الزكاة، والرسول ﷺ يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فعُلِمَ أنه لا يُخَلَّى سبيلُهم بمجرد النطق بكلمة التوحيد من غير التزام بالشرائع.
* * *
[ ٧٠ ]