من فضائل كلمة التوحيد: أنها براءة من الشرك
٥ - وهي أيضًا: دعوة الحق، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وسُمِّيت «دعوة الحق» لأنها الكلمة التي دَعَت إليها الرُّسلُ أُمَمَهُم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء].
والدعوة إلى ما تضمنته هذه الكلمة من التوحيد للَّه تعالى هي في الأصل دعوةٌ إلى اللَّه ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين (٨٧)﴾ [القصص].
٦ - وهي أيضًا: العروة الوثقى، ف «لا إله إلا اللَّه»؛ معناها: الإيمان باللَّه والكفر بالطاغوت، وذلك هو العروة الوثقى، كما قال ﷾: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾ [البقرة].
وسميت كلمة التوحيد ب «العُروَة الوُثْقَى» لأنَّ من تمسَّك بها نَجَا من الهَلَكَة في الدُّنيا والآخِرَة، وَوَصَفَها اللَّه تعالى بأنَّها وُثقَى لأنَّها مَتِينَة، فهي أوثقُ من كلِّ مَا سِوَاهَا مِمَّا يُتَمَسَّكُ به طَلَبًا للنَّجَاة، وفَسَّرَ ﷾ ذلك بقوله: ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾.
٧ - وهي أيضًا: براءةٌ من الشرك، وبيان ذلك أنها تضمنت في ركنها الأول - (لا إله) - نفي ألوهية كل من سوى اللَّه، فمن أقرَّ بها ظاهرًا وباطنًا بَرِئَ من الشِّركِ كلِّه، وهذه البراءَةُ هي الكفرُ بالطَّاغُوت كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
[ ١٥٧ ]
ومن فضائلها: أن بها النجاة في الدنيا والآخرة
٨ - وهي أيضًا: نجاةُ هذا الأمر، وقد جاء عند الإمام أحمد في «المسند» (^١): أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ ما نجاةُ هذا الأمرِ؟ فقال: «مَنْ قَبِلَ مِنِّي الكلمةَ التي عَرَضتُ على عَمِّي فردَّها عليَّ فهي له نَجَاةٌ»، والمعنى أنَّ كلمةَ التوحيد «لا إله إلا اللَّه» هي التي بها أصل النجاة في الدنيا والآخرة.
والمراد ب «هذا الأَمر» الدِّينُ الذي بَعَثَ اللَّه به رَسُولَه ﷺ؛ كقوله ﵊: «مَنْ أَحدَثَ في أَمرِنَا هذا … فهو رَدٌّ» (^٢)، فَدِينُ الإسلامِ الذي أصلُه «لا إله إلا اللَّه» هو الأمرُ العظيمُ الذي بَعَثَ اللَّه به رُسُلَه، وأعظمُ ذلك ما جاء به خاتَمُهم وسيِّدُهم محمَّدٌ ﷺ.
_________________
(١) رقم (٢٠) من حديثِ أبي بكرٍ الصدِّيق ﵁.
(٢) متفقٌ عليه من حديث عائشة ﵂؛ البخاري رقم (٢٦٩٧)، ومسلم رقم (١٧١٨).
[ ١٥٨ ]
ومن فضائلها: أن الله خلق الخلق لأجلها
ومن فضائلها: أن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها
ومن فضائلها: أن الله أعد دار الثواب ودار العقاب من أجلها
ومن فضائلها: أن الله أمر الرسل بالجهاد من أجلها
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
- وَلأَجْلِهَا خُلِقَ الخَلْقُ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات].
- وَلأَجْلِهَا أُرْسِلَت الرُّسُلُ وأُنْزِلَت الكُتُبُ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُون (٢)﴾ [النحل]، وَهَذِه الآيَةُ أَوَّلُ مَا عَدَّدَ [اللَّه] عَلَى عِبَادِهِ من النِّعَمِ في سُورَةِ النِّعَمِ الَّتِي تُسَمَّى «سُورَةُ النَّحْلِ»، وَلِهَذَا قَالَ ابنُ عُيَينَةَ: «مَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَى العِبَادِ نِعْمَةً أَعظَم مِنْ أَنْ عَرَّفَهَم لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَإنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه لأَهْلِ الجَنَّةِ كَالمَاءِ البَارِدِ لأَهلِ الدُّنْيَا» (^١).
- وَلأَجْلِهَا أُعِدَّت دَارُ الثَّوَابِ وَدَارُ العِقَابِ في الآخِرَةِ، فَمَنْ قَبِلَهَا وَمَاتَ عَلَيهَا كَانَ مِنْ أَهلِ دَارِ الثَّوَابِ، ومَن رَدَّهَا كَانَ مِنْ أَهلِ دَارِ العِقَابِ.
- وَمِنْ أَجلِهَا أُمِرَت الرُّسُلُ بِالجِهَادِ؛ فَمَنْ قَالَهَا عُصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَمَنْ أَبَاهَا فَمَالُهُ وَدَمُهُ هَدَرٌ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الشكر» رقم (٩٦).
[ ١٥٩ ]
من فضائل كلمة التوحيد:
١ - أنها الموجبة لدخول الجنة والنجاة من النار، أو النجاة من الخلود في النار؛ كما تقدم بيانه.
٢ - ومن فضائلها أيضًا: أن اللَّه خَلَقَ الخَلْقَ كلَّهم من أجلِها:
- فخلق الثَّقَلَين -الجنَّ والإنسَ- من أجلها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات].
- ومن أجلها أيضًا خَلَق اللَّه السموات والأرض، وخلق الدنيا والآخرة، وخلق الموت والحياة، كما قال ﷾: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
فاللَّه ﷿ خلق العبادَ ليبتليهم، وخلق السموات والأرض لابتلاء العباد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف]، وابتلاؤهم إنما هو بأمرهم ونهيهم؛ أَمْرُهم بعبادة اللَّه، ونَهْيُهم عن عبادة ما سواه، أَمْرُهم بطاعته وطاعة رسله ﵈.
- ومن أجلها أيضًا خَلَقَ اللَّه الجنَّةَ والنَّار، فخلق الجنَّة للموحِّدين، وخلق النَّار للكافرين المشركين.
[ ١٦٠ ]
وهذا معنى أنَّ اللَّه خَلَقَ الخَلْقَ لهذه الكلمة، فمن أجلها خلق اللَّه الخلق، وخلق السموات والأرض، وخلق الجنة والنار.
٣ - ومن أجلها أيضًا أرسل اللَّه الرسل، وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وكل نبيٍّ يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
٤ - ومن أَجْلِهَا أيضًا أُمِرَت الرُّسُلُ بالجِهادِ، ويدل لذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: أنَّه قال: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا» (^١).
فعُلِمَ بذلك أنَّ الدخول في الإسلام عاصمٌ للدَّمِ والمالِ، وكذلك أداءُ الجِزية يَعصِمُ الدمَ والمالَ، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون (٢٩)﴾ [التوبة].
فقول المصنِّف ﵀: (ومَن أَبَاهَا فَمَالُهُ وَدَمُهُ هَدَرٌ) ليس على إطلاقه؛ للآية الكريمة.
* * *
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٦٦.
[ ١٦١ ]
ومن فضائلها: أنها مفتاح دعوة الرسل
ومن فضائلها: أن الله كلم بها موسى كفاحا
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
- وَهِي مِفتَاحُ دَعوَةِ الرُّسُلِ.
- وَبِهَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كِفَاحًا.
وَفي «مُسنَدِ البَزَّارِ» وَغَيرِهِ عَنْ عِيَاضٍ الأَنصَارِيِّ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ حَقٍّ عَلَى اللَّهِ كَرِيمَةٌ، وَلَهَا مِنْ اللَّهِ مَكَانٌ، وَهِيَ كَلِمَةٌ جُمِعَت وَشُرِكَت، فَمَنْ قَالَهَا صَادِقًا أَدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَهَا كَاذِبًا أَحرَزَت مَالَهُ، وَحَقَنَت دَمَهُ، وَلَقِيَ اللَّهَ فَحَاسَبَهُ» (^١).
قوله: (وَهِي مِفتَاحُ دَعوةِ الرُّسُلِ) هذا ظاهرٌ بَيِّنٌ مما ذكره اللَّه تعالى في قصص الأنبياء، عن نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ ﵈، فكان كل واحدٍ منهم يفتتح دعوته لقومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فالتوحيد هو أصل دين الرسل كلهم، واسمه «الإسلام»، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ولما بعثَ النبيُّ ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَقْدَمُ على قومٍ من أَهلِ الكِتَابِ فَليَكُن أَوَّلَ مَا تَدعُوهُم إلى أن يُوَحِّدُوا اللَّهَ تعالى» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البزار في «مسنده» -كما في «كشف الأستار» رقم (٤) -، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» رقم (٥٤٤٢) وفي إسناده مَنْ لم أعرفه.
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري رقم (١٣٨٩)، ومسلم رقم (١٩).
[ ١٦٢ ]
وقوله: (وَبِهَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كِفَاحًا)، إن أراد بقوله: «كِفَاحًا»؛ أي: بلا واسطة منه إليه، ولكن من وراء حجاب، فهذا حقٌّ، وهذه خصوصية لموسى ﵇ أنَّ اللَّه كلَّمَه بلا واسطة، ولكن لفظة «كفاح» تشعر بالرؤية، وهذا المعنى من قَصَدَه فهو غَالِطٌ ومخطئٌ، والمؤلِّف -قَطعًا- لا يريد ذلك، فإنه لا يمكن أن يريد بقوله: (كفاحًا) أنَّ اللَّه كَلَّم موسى من غير حجاب، بل كَلَّمَه مَنْ وراء حجاب.
وقد جاء في شأن عبد اللَّه بن حرام ﵁ -والد جابر ﵁ الذي استُشهِدَ في وقعة أُحد، أن النبي ﷺ قال لابنه جابر: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِي اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟»، فقال: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا» (^١)، فقوله هنا: «كَلَّمَه كِفَاحًا»؛ يعني: أنَّه كَلَّمَه من غَيرِ حِجَابٍ، وهذا في عالم الآخرة، وليس في عالم الدنيا.
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٠١٠)، وابن ماجه في «سننه» رقم (١٩٠ و٢٨٠٠)، وأحمد في «المسند» رقم (١٤٨٨١)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (٥٩٩) وغيرهم، وهو حَسَنٌ بمجموع طرقه، وقد صحَّحه ابن حبان والحاكم.
[ ١٦٣ ]
ومن فضائلها: أنها مفتاح الجنة
ومن فضائلها: أنها ثمن الجنة
ومن فضائلها: أن من كانت آخر كلامه دخل الجنة
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَهِيَ مِفتَاحُ الجَنَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ (^١).
وَهِيَ ثَمَنُ الجَنَّةِ، قَالَهُ الحَسَنُ (^٢)، وَجَاءَ مَرفُوعًا مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةً (^٣).
ومَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّةَ.
قوله: (وهِيَ ثَمَنُ الجنَّة) وذلك لأَنَّ «لا إله إلا اللَّه» سببٌ لدخولِ الجنَّة، كما أنَّ ثَمَنَ السِّلعة سببٌ لتحصيلها، وفي هذا نوعٌ من التشبيه، وإلا فشهادةُ أن «لا إله إلا اللَّه» وسائرُ الأعمالِ الصَّالِحةِ لا تكون عِوَضًا عن الجنَّة كما يكون الثمنُ عِوَضًا عن السِّلعَة.
ولهذا جاءَ في الحديثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» (^٤)؛ ومعناه: أنَّ عَمَلَ العبدِ لا يكون عِوَضًا عن الجنَّة، بل ما هو
_________________
(١) ص ٥٥.
(٢) أخرجه موقوفًا على الحسن: ابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» رقم (٣٦٤٦١)، وإسحاقُ بن راهويه في «مسنده» -كما في «المطالب العالية» رقم (٢٨٩٢) -، قال ابن حجر في «المطالب»: «هذا مَوقُوفٌ صَحِيحٌ».
(٣) ينظر: «الكامل» لابن عدي (٦/ ٣٤٨)، و«صفة الجنة» لأبي نعيم رقم (٤٨)، و«المغني عن حمل الأسفار» للعراقي (عند تخريجه للحديث رقم ٩٤٤)، و«سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني رقم (٣٤٥٧).
(٤) متفقٌ عليه من حديث عائشة ﵂؛ البخاري رقم (٦٠٩٩)، ومسلم رقم (٢٨١٨).
[ ١٦٤ ]
إلا سَبَبٌ، وبهذا جُمِعَ بين هذا الحديث، وقولِه سبحانه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٤٣)﴾ [الأعراف]، فقيل: الباءُ في الحديث باءُ العِوَض، وفي الآية باءُ السَّبَب (^١).
وأمَّا قوله: (ومَن كانت آخِرَ كَلامِهِ دخلَ الجنَّةَ) فيشير إلى حديث: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٢).
* * *
_________________
(١) ينظر: «حادي الأرواح» لابن القيم (ص ١٧٦ - ١٧٨)، و«فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٢٩٥ - ٢٩٧)، و«المحجَّة في سير الدُّلْجَة» لابن رجب.
(٢) أخرجه مسلمٌ رقم (١٣٨) من حديث أبي ذَرٍّ ﵁، بنحوه. فائدة: وقع لأبي زرعة الرازي عند موته قصةٌ مع هذا الحديث، انظر خَبَرَه -غير مأمور- عند: الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ٧٦)، والخليلي في «الإرشاد» (٢/ ٦٧٧ - ٦٧٨).
[ ١٦٥ ]
ومن فضائلها: أنها نجاة من النار
ومن فضائلها: أنها توجب المغفرة
ومن فضائلها: أنها أحسن الحسنات
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَهِيَ نَجَاةٌ مِنْ النَّارِ، وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: «خَرَجَ مِنْ النَّارِ» خَرَّجَهُ مُسلِمٌ (^١).
وَهِيَ تُوجِبُ المَغفِرَةَ، وفي «المُسنَدِ» عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوسٍ وَعُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَصحَابِهِ يَومًا: «اِرفَعُوا أَيدِيَكُم، وَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ»، فَرَفَعنَا أَيدِيَنَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: «الحَمدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ بَعَثتَنِي بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَأَمَرتَنِي بِهَا، وَوَعَدتَنِي الجَنَّةَ عَلَيهَا، وَإِنَّكَ لا تُخلِفُ المِيعَادَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَبشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ» (^٢).
وَهِيَ أَحسَنُ الحَسَنَاتِ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي مِنَ الجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ، قَالَ: «إِذَا عَمِلتَ سَيِّئَةً فَاعمَل حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشرُ أَمثَالِهَا»، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الحَسَنَاتِ؟ قَالَ: «هِيَ أَحسَنُ الحَسَنَاتِ» (^٣).
_________________
(١) رقم (٣٨٢).
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (١٧١٢١)، والبزار في «مسنده» (٢٧١٧ و٣٤٨٣)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٠١)، وإسناده جَيِّدٌ.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» رقم (٢١٤٨٧)، وابن أبي شيبة في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة» رقم (٦١٠٧) -، وغيرهما، وإسناده ضعيفٌ؛ لجهالةِ بعض رواته.
[ ١٦٦ ]
ومن فضائلها: أنها تمحو الذنوب والخطايا
ومن فضائلها: أنها تجدد ما درس من الإيمان في القلب
وَهِيَ تَمحُو الذُّنُوبَ وَالخَطَايَا (^١)، وَفي «سُنَنِ ابنِ مَاجَه» (^٢) عَنْ أَمْ هَانِئ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لا تَترُكُ ذَنبًا، وَلا يَسبِقُهَا عَمَلٌ».
رُئِيَ بَعضُ السَّلَفِ بَعدَ مَوتِهِ فِي المَنَامِ، فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ: مَا أَبقَت لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَيئًا.
وَهِيَ تُجَدِّدُ مَا دَرَسَ مِنَ الإِيمَانِ فِي القَلبِ، وَفي «المُسنَدِ»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَصحَابِهِ: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُم»، قَالُوا: كَيفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟، قَالَ: «قُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٣).
قوله: (وَهِيَ نَجَاةٌ مِنْ النَّارِ) وهذا حقٌّ، فإنَّ كلمة التوحيد هي التي بها النَّجاة من النار، وشواهد هذا في السُّنَّة كثيرة، ومنها ما استدل به
_________________
(١) قال المؤلِّف في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤١٧): «مَنْ تحقَّق بكلمة التوحيد قَلبُه، أَخْرَجَتْ منه كلَّ ما سوى اللَّه محبةً وتعظيمًا وإجلالًا ومهابةً وخشيةً ورجاءً وتوكُّلًا، وحينئذ تُحْرَقُ ذنوبُه وخطاياه كلُّها، ولو كانت مِثلَ زَبَدِ البَحر، وربَّمَا قَلَبَتْهَا حسناتٍ، كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات، فإنَّ هذا التوحيدَ هو الإكسيرُ الأعظمُ، فلو وضع ذرَّة منه على جبالِ الذنوب والخطايا لقلبها حسناتٍ، كما في «المسند» وغيره عن أم هانئ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لا تَتْرُكُ ذَنْبًا، وَلا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ»».
(٢) رقم (٣٧٩٧)، وضعَّفه البوصيريُّ في «مصباح الزجاجة»، وهو كما قال.
(٣) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٨٧١٠)، والبزار في «مسنده» رقم (٩٥٦٩)، وصحَّحه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٢٥٦)، وتعقَّبه الذهبيُّ في «تلخيص المستدرك» فضعَّفَه.
[ ١٦٧ ]
المؤلِّف من الحديث الذي أخرجه مسلمٌ: أنَّ النبيَّ ﷺ سَمِعَ مُؤذِّنًا يقولُ: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّه، فقال: «خَرَجَ من النَّارِ»، ومنها أيضًا أحاديث الشفاعة، وفيها: «أَخرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ قالَ: لا إله إلا اللَّه وفي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ -أو بُرَّةٍ أو خَردَلَةٍ- من إِيمانٍ» (^١)، فهذا بيِّنٌ في أنَّ كلمة التوحيد «لا إله إلا اللَّه» بها أصل النَّجاة من النَّار.
وقوله: (وَهِي تُوجِبُ المَغفِرَةَ) استدلَّ عليه بحديث شداد بن أوس وعبادة بن الصامت ﵄، ولا ريب أنَّ التوحيدَ الذي هو مضمون «لا إله إلا اللَّه» سببٌ لمغفرةِ الشِّرك، فإنَّ مَنْ قال هذه الكلمة العظيمة بصدقٍ وإخلاصٍ فقد تاب من الشرك، فإنَّ التوبةَ سببٌ لمغفرة جميع الذنوب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر]، وهذه الآية في التائبين، كما أن مغفرة الذنوب التي دون الشرك قد تغفر للموحِّد من غير توبة بمشيئة اللَّه، والسبب الأول لذلك هو التوحيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦].
وقوله: (وَهِي أَحسَنُ الحَسَنَات) استدل له بحديث أبي ذرٍ المذكور، ويدل عليه أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ في شعب الإيمان: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢)، ويؤيِّد هذا أيضًا ما تقدَّم من أسماء هذه الكلمة العظيمة وفضائلها مما ذكره المؤلِّف ﵀.
_________________
(١) تقدَّم تخريجه ص ٨٠.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٣٥).
[ ١٦٨ ]
وكذلك قوله ﷺ: «وَأَفْضَلُ مَا قُلتُ أنَا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»» (^١).
وقوله: (وَهِي تمحو الذنوب والخطايا) فالمحو هو الإزالة، ولا شك أنَّ التوحيدَ الخالص يزيل أثر الذنوب، وهذا المعنى داخلٌ في قولِه المتقدِّم: (وهي توجب المغفرة)، لكنَّ المغفرةَ تتضَمَّن -مع المحو- السَّتْرَ.
وقوله: (وَهِي تُجَدِّدُ مَا دَرَسَ من الإِيمان) لا ريب أن قول العبد: «لا إله إلا اللَّه» مستحضرًا لمعناها موقنًا به فيه تجديدٌ لما دَرَسَ -أي: قَدُمَ وضَعُفَ- من الإيمان.
وهذا يرجع إلى أن الإيمان يزيد بالطاعة، ومن أفضل الطاعات ذكر اللَّه بقول: «لا إله إلا اللَّه» وأخواتها «سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر»، وسماع القرآن لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
* * *
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص ١٧٧.
[ ١٦٩ ]
ومن فضائلها: أنه لا يعدلها شيء في الوزن
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَهِيَ الَّتِي لا يَعدِلُهَا شَيءٌ في الوَزنِ، فَلَو وُزِنَت بالسموات وَالأَرضِ [ل] رَجَحَت بِهِنَّ، كَمَا في «المُسنَدِ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ نُوحًا ﵇ قَالَ لابنِهِ عِنْدَ مَوتِهِ: آمُرُكَ بِ «لا إِلَهِ إِلَّا اللَّه»، فَإِنَّ السموات السَّبعَ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ [لَو وُضِعْنَ في كِفَّةٍ وَوُضِعَت «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» في كِفَّةٍ لَرَجَحَت بِهِنَّ، وَلَو أنَّ السموات السَّبعَ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ] (^١) كُنَّ حَلقَةً مُبهَمَةً فَصَمَتهُنَّ (^٢) «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه»» (^٣).
وَفِيهِ أَيضًا عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو (^٤)، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ عَلِّمنِي شَيئًا أَذكُرُكَ بِهِ وَأَدعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من نسخة الأصل، واستدركته من نسخة (ب)، ومن مصدر الحديث، والظاهر أن سقوطه من نسخة الأصل بسبب انتقال النظر من موضعٍ إلى موضعٍ.
(٢) كذا في النسختين: «فَصَمَتْهُنَّ» بالفاء، والذي في «المسند»: «قَصَمَتْهُنَّ» بالقاف، وهو أوجه وأبلغ في المعنى، فإنَّ «الفَصْم» هو كَسْرُ الشيء من غير بينونة، وأما «القَصْمُ» فهو كسره ببينونة. ينظر: «لسان العرب» (مادة: فصم، وقصم).
(٣) جزءٌ من حديثٍ طويلٍ أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٦٥٨٣ و٧١٠١)، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (٥٤٨)، وصحَّحه الحاكم في (١/ ٤٨ - ٤٩)، ووافقه الذهبيُّ في «تلخيص المستدرك»، وصححَّه أيضًا ابنُ كثير في «البداية والنهاية» (١/ ١١٩). قلت: الحديث في إسناده اختلاف، فروي موصولًا ومرسلًا، ومن أرسله أوثق ممن ووصله، ولذا رجَّح أبو حاتم في «العلل» رقم (٢١٨٣) إرساله.
(٤) هذا وهَمٌ من المؤلِّف ﵀، فلا الحديث من رواية عبد اللَّه بن عمرو ﵄، ولا هو في «مسند الإمام أحمد»، بل الحديث في جميع مصادره من رواية أبي سعيد الخدري، كما سيأتي في تخريجه، ولم أقف على قصة موسى هذه من رواية عبد اللَّه بن عمرٍو في شيءٍ من الكتب. وهذا الوهم قد تكرَّر من المؤلِّف في كتابه الآخر «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٠)، فليتنبه له.
[ ١٧٠ ]
قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ [موسى]: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى، لَو أَنَّ السموات السَّبعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيرِي وَالأَرَضِينَ السَّبعَ في كِفَّةٍ، وَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَت بِهِنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^١).
وَلِذَلِكَ تَرجحُ بِصَحَائِفِ الذُّنُوبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ السِّجِلَّاتِ والبِطَاقَةِ (^٢)، وَقَدْ خَرَّجَهُ أَحمَدُ وَالنِّسَائِيُّ (^٣) والتِّرمِذِيُّ أَيضًا مِنْ حَدِيثِ
_________________
(١) أخرجه النسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (١٠٦٠٢ و١٠٩١٣)، وأبو يعلى في «مسنده» رقم (١٣٩٣)، وصحَّحه ابن حبان رقم (٦٢١٨)، والحاكم (١/ ٥٢٨)، وصحَّحه أيضًا الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١١/ ٢٠٨).
(٢) ولفظه: «إنَّ اللَّه سَيُخَلِّصُ رجُلًا من أُمَّتِي على رؤوس الخلائقِ يومَ القيامةِ، فيَنشُرُ عليه تسعةً وتسعِينَ سِجِلاًّ، كُلُّ سِجِلٍّ مثلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يقول: أَتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ؟، فيقول: لا يا رَبِّ، فيقول: أَفَلَكَ عُذرٌ؟، فيقول: لا يا رَبِّ، فيقول: بَلَى إنَّ لك عندَنَا حَسَنَةً، فإنَّه لا ظُلْمَ عَلَيكَ اليومَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا «أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّه، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ»، فيقول: أَحْضِرْ وَزنَكَ، فيقول: يا رَبِّ ما هذه البِطَاقَةُ مع هذه السِّجِلَّاتِ؟ فيقال: إِنَّكَ لا تُظلَمُ، قال: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ في كِفَّة، والبِطَاقَةُ في كِفَّة، فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَت البِطَاقَةُ، فلا يَثقُلُ مع اسْمِ اللَّه شَيءٌ».
(٣) لم أر هذا الحديث في «سنن النسائي»؛ لا الصغرى ولا الكبرى، ولما أورد المزي هذا الحديث في كتابه «تحفة الأشراف» رقم (٨٨٥٥) لم يَعْزُه للنسائي، وإنما عزاه للترمذي وابن ماجه فحسب، واللَّه أعلم.
[ ١٧١ ]
ومن فضائلها: أنها تخرق الحجب كلها حتى تصل إلى الله ﷿
عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (^١).
وَهِيَ الَّتِي تَخرِقُ الحُجُبَ كُلَّهَا حَتَّى تَصِلَ إِلى اللَّهِ ﷿، وَفي «التِّرمِذِيِّ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ، حَتَّى تَصِلَ إِلَيهِ» (^٢).
وَفِيهِ أَيضًا عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا قَالَ عَبدٌ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» مُخلِصًا إِلَّا فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ السموات حَتَّى تُفضِيَ إِلى العَرشِ مَا اجتُنِبَت الكَبَائِرُ» (^٣).
وقَد رُوِيَ عَنْ اِبنِ عَبَّاسٍ مَرفُوعًا: «مَا مِنْ شَيءٍ إِلَّا وبَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ حِجَابٌ، إِلَّا قَولَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا أَنَّ شَفَتَيكَ لا تَحجُبُهَا كَذَلِكَ لا يَحجُبهَا شَيءٌ حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى اللَّهِ ﷿» (^٤).
وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ ﵁: «مَا مِنْ عَبدٍ يُهَلِّلُ تَهلِيلَةً فَيُنَهنِهُهَا شَيءٌ دُونَ العَرشِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٢٦٣٩)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٤٣٠٠)، والإمام أحمد في «المسند» رقم (٦٩٩٤)، وصححه ابن حبان رقم (٢٢٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٦ و٥٢٩).
(٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٥١٨) وقال: «هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجهِ، وليسَ إسنادُهُ بالقويِّ».
(٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٥٩٠)، والنسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (١٠٦٠١). قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه».
(٤) أخرجه أبو القاسم الْخُتَّلِي في «الديباج» رقم (١٣٣)، وزاد في آخره: «فيقولُ اللَّه تعالى: اسْكُنِي، فتقولُ: يا رَبِّ، كَيفَ أَسْكُنُ ولَم تَغفِرْ لِقَائِلِي؟، قال: يقولُ اللَّه تعالى: وعِزَّتِي وجَلالِي، ما أَجْرَيْتُكِ على لسَانِ عَبْدِي وأنَا أُرِيدُ أن أُعَذِّبَهُ». والحديث إسناده ضعيفٌ جدًّا؛ مسلسلٌ بالضعفاء والمجاهيل.
(٥) أورده الذهبيُّ في «العلو» رقم (١٣٨)، وساق طرفًا من إسناده، وفيه: عبد اللَّه بن بُسر السَّكسكي الحمصي، وهو متفقٌ على ضعفه. وقوله: «فيُنَهْنِهُهَا»؛ يعني: يمنعها عن الوصول إليه. ينظر: «لسان العرب» (١٣/ ٥٥٠ مادة: نَهْنَهَ).
[ ١٧٢ ]
ومن فضائلها: أن الله ينظر إلى قائلها ويجيب دعاءه
ومن فضائلها: أنها الله يصدق قائلها
وَهِيَ الَّتِي يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى قَائِلِهَا، وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ، خَرَّجَ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ «عمل اليَومَ وَاللَّيلَةِ» مِنْ حَدِيثِ رَجُلَينِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، مُخلِصًا بِهَا رُوحُهَ، مُصَدِّقًا بِهَا قَلبُهَ لِسَانَهُ، إِلَّا فَتَقَ اللَّهُ لَهُ السَّمَاءَ، حَتَّى يَنظُرَ إِلَى قَائِلِهَا مِنْ أَهلِ الأَرضِ، وَحُقَّ لِعَبدٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيهِ أَنْ يُعطِيَهُ سُؤلَهُ» (^١).
وَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي يُصَدِّقُ اللَّهُ قَائِلَهَا، كَمَا خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ العَبدُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ، وَقَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَأَنَا أَكبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، يَقُولُ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحدِي، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحدِي لا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي المُلكُ وَلِي الحَمدُ، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِي»، وَكَانَ يَقُولُ: «مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَم تَطعَمهُ النَّارُ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه النسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (٩٧٧٢)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (٦١٨)، وإسناده ضعيفٌ.
(٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٤٣٠)، والنسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (٩٧٧٤)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣٧٩٤)، وصحَّحه ابن حبان رقم (٨٥١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥).
[ ١٧٣ ]
قوله: (وَهِي التي لا يَعْدِلُها شيءٌ في الوَزْنِ) يريد أنها أثقلُ الحَسَنات في الميزان، فتَرجُح بكلِّ السيِّئات كما في حديثِ صَاحِبِ البِطَاقة التي كان مكتوبًا فيها «لا إله إلا اللَّه» فَرَجَحَت بتسعةٍ وتسعينَ سِجِلًا، ومعلومٌ أنَّه ليس المراد مجرَّدُ التلَفُّظ بها، بل إنَّما يكون لها هذا الثِّقَل بحَسَب ما في قَلبِ قَائِلِها من كمالِ الصِّدقِ والإِخلاص.
وقد استشهد المؤلِّف لفضلها بثقلها في الميزان بحديثَي عبد اللَّه بن عمرو ﵄ في خبر نوحٍ ﵇ مع ابنِه، وفي خبرِ موسى ﵇ مع ربِّه، أما الأول فمختلَفٌ في تصحيحِه ولا ذِكْرَ للوزن فيه، وأما الثاني فالمعروف أنه من رواية أبي سعيد الخدري ﵁، ولا يُعرَفُ من رواية عبد اللَّه بن عمرو فليُنَتَبَّه لذلك، وحديث أبي سعيد في خبر موسى ﵇ أورده الشيخُ محمَّدُ بنُ عبد الوهاب في كتابه «التوحيد» (باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب).
وأما حديث عبد اللَّه بن عمرو في قصة صاحب البطاقة فهو أنسَبُها للاستشهاد به في فضل «لا إله إلا اللَّه» وأنَّه لا يعدلها شيءٌ في الوَزن.
ومعلومٌ أنَّ هذا الفضل ليس لمجرَّدِ التلَفُّظ بها، بل إنَّما يكون لها هذا الثِّقَل بحَسَب ما في قَلبِ قَائِلِها من كمالِ الصِّدقِ والإِخلاص.
فالكلام في هذا من جهتين:
الأولى: من جهة معناها ومدلولها، فإن هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» تدل على أعظم المعاني وأجَلِّها، فهي تدلُّ على أنَّ اللَّه العظيم الموصوف بكل كمال، المنَزَّه عن كل نقص، أنَّه هو الإله الحق الذي
[ ١٧٤ ]
لا يستحق العبادة سواه، وأنه سبحانه ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، فهو العظيمُ الذي لا أعظمَ منه، وهو الكبيرُ المتَعَالِ، وهو الموصوفُ بكلِّ كمالٍ، فبهذا الاعتبار وهذا المعنى ترجُح هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه» بكلِّ شيءٍ، فهذا المعنى العظيم الذي تدل عليه هذه الكلمة يرجُح بالسموات والأرض، فإنَّ السموات والأرض ومَن فيهِنَّ ليست بشيءٍ في جنبِ هذا المعنى العظيم الذي تدل عليه هذه الكلمة.
والثانية: من حيث إنها عملٌ وقولٌ يقولُه العباد، فإنَّ وَزْنَهَا بهذا الاعتبار يَختَلِف، فيقولُها المنافقُ ولا يكون لها وزنٌ، ويقولها سائرُ الموحِّدين الصادقين فيكون لها وزنٌ، لكن مع التفاوت العظيم في ذلك؛ فهي من الأنبياء والمرسلين والكُمَّل من المؤمنين غير وزنها وثِقَلِها ممن دونهم.
وبالجملة؛ فإن هذه الكلمة العظيمة -كلمة التوحيد- من حيث إنها عملٌ من أعمال العباد وأقوالهم تتفاوت تفاوتًا عظيمًا في الثقل والوزن، فالذين يدخلون النار ممن يقولها لا ريب أن وزنها لم يرجح بسيئاتهم، ولو كان وزنها رجح بسيئاتهم ما دخلوها، لكن صاحب البطاقة له حالٌ آخر، فصاحب البطاقة الذي يُنشَرُ له تسعةٌ وتسعون سجلًا من السيئات، فيقال له: ألك عذرٌ أو حسنة؟ فيُبْهَتُ، فيقول: لا يا رب، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنةٌ واحدةٌ؛ فإنك لا تظلم، فتُخرَج له بطاقة فيها «لا إله إلا اللَّه»، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فتوضع البطاقة في كِفَّة، والسجلات في كِفَّة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة،
[ ١٧٥ ]
هذه لها حال أخرى ولها ثقل يختلف عن حال الآخرين، فلا بد من ملاحظة هذا المعنى.
وهذا المعنى يستفاد من النظر إلى مجموع النصوص، فلا يقف المرء عند دليلٍ واحدٍ وينسى باقي النصوص والأدلة، فإنه حتمًا سيكون فهمه لها فهمًا قاصرًا، بل الواجب النظر في جميع الأدلة مضمومًا بعضها إلى بعض حتى يخرج بالنتيجة الصحيحة حينئذٍ.
وقوله: (وَهِيَ الَّتِي تَخرِقُ الحُجُبَ كُلَّهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى اللَّهِ ﷿ وذلك أنَّ كلمة التوحيد هي من جملة الكَلِم الطيِّب، بل هي من أطيب الطَّيِّب، لكن يختلف أيضًا حكمها بحسب قائلها، وما صدرت عنه من أحوال القلوب، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
إذًا، هذه الكلمة العظيمة تصعد إلى اللَّه ﷿، وهل صعودها خاصٌّ بها؟ لا، بل كُلُّ الكَلِم الطيب يصعد إلى اللَّه ﷿، من التسبيح والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن وغير ذلك، فكلُّ كلامٍ يقولُه الإنسانُ مما يُحِبُّه اللَّه ويَأمُرُ به، فإنَّه داخلٌ في عموم قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، ومتى صعد إليه فإنه لا يُحجَب، بل يقبله اللَّه سبحانه من عبده المؤمن المخلص الذي ذكر اللَّه صادقًا من قلبه معظِّمًا لربه مُثْنِيًا عليه.
* * *
[ ١٧٦ ]
ومن فضائلها: أنها أفضل الذكر وأفضل ما قاله النبيون
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَهِيَ أَفضَلُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّونَ، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي دُعَاءِ يَومِ عَرَفَةَ (^١).
وَهِيَ أَفضَلُ الذِّكرِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ المَرفُوعِ: «أَفضَلُ الذِّكرِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢)، وَعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَحَبُّ كَلِمَةٍ إِلَى اللَّهِ [لا إله إلا اللَّه]، لا يُقبَلُ عَمَلٌ (^٣) إِلا بِهَا» (^٤).
_________________
(١) ولفظه: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (٥٠٠ و٩٤٥) عن زياد بن أبي زياد مولى عبد اللَّه بن عيَّاش بن أبي ربيعة، عن طلحة بن عُبَيدِ اللَّه بنِ كَرِيْزٍ، عن النبيِّ ﷺ، مرسلًا. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ٣٩): «لا خلاف عن مالكٍ في إرسال هذا الحديث، كما رأيتَ، ولا أحفظُه بهذا الإسناد مسندًا من وجهٍ يُحتَجُّ بمثلِه». وقال البيهقي في «فضائل الأوقات» رقم (١٩١): «هذا مرسلٌ حَسَنٌ، وقد رُوِيَ من حديثِ مالكٍ موصولًا بإسنادٍ آخر، ووَصْلُهُ ضَعيفٌ». قلت: وقد روي الحديث مسنَدًا من طريق جماعةٍ من الصحابة، ولكنها لا تخلو من مقال، ولذا قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ٤١): «ومرسل مالكٍ أثبتُ من تلك المسانيد». z
(٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٣٨٣)، والنسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (١٠٥٩٩)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣٨٠٠)، وصححه ابن حبان رقم (٨٤٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٩٨ و٥٠٣). وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ»، وحسَّنه أيضًا الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٥٨).
(٣) في نسخة (ب): «لا يَقبَلُ اللَّهُ عَمَلًا».
(٤) كلام ابن عباس هذا هو عبارة عن جوابٍ لمسألةٍ من جملةِ مسائل كَتَبَ بها قيصرُ إلى معاويةَ ﵁ يسأله عنها، فأرسل بها معاويةُ إلى ابنِ عبَّاس فأجابه عنها. تُنظر المسائل وجواب ابن عباس عنها عند: يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٥٣٠)، وابن قتيبة في «عيون الأخبار» (١/ ١٩٩)، والدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (٣/ ١٩٤ - ١٩٥).
[ ١٧٧ ]
ومن فضائلها: أنها أفضل الأعمال، وأكثرها تضعيفا
ومن فضائلها: أنها تعدل عتق الرقاب، وتكون حرزا من الشيطان
وَهي أَفضَلُ الأَعمَالِ، وأَكَثَرُهَا تَضعِيفًا، وَتَعدِلُ عِتقَ الرِّقَابِ، وَتَكُونُ حِرزًا مِنْ الشَّيطَانِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، [فِي يَومٍ] (^١) مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدلُ عَشرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَت لَهُ حِرزًا مِنْ الشَّيطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمسِيَ، وَلَم يَأتِ أحدٌ بِأَفضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلا أَحَدٌ عَمِلَ أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (^٢).
وَفِيهِمَا أَيضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ [الأنصاري ﵁]، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ قَالَهَا عَشرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعتَقَ أَربَعَةَ أَنفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسمَاعِيلَ» (^٣).
وَفِي «التِّرمِذِيِّ» عَنْ ابنِ عُمَرَ (^٤) مَرفُوعًا: «مَنْ قَالَهَا إِذَا دَخَلَ السُّوقَ، وَزَادَ فِيهَا: «يُحيَي وَيُمِيتُ [وَهو حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهو عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدَيرٌ] (^٥)» كُتِبَت لَهُ أَلفُ أَلفِ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنهُ
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من نسخة الأصل، واستدركته من نسخة (ب)، ومن مصدر الحديث.
(٢) متفقٌ عليه؛ البخاري رقم (٣١١٩)، ومسلم رقم (٢٦٩١).
(٣) متفقٌ عليه؛ البخاري رقم (٦٠٤١)، ومسلم رقم (٢٦٩٣).
(٤) هذا وهمٌ من الحافظ ابن رجب، بل الذي في الترمذي وغيره: أنه عن ابن عمر عن أبيه عمر مرفوعًا، فالحديث من مسند «عمر» لا من مسند «ابنه عبد اللَّه».
(٥) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من نسخة الأصل، واستدركتُه من نسخة (ب)، ومن مصدر الحديث.
[ ١٧٨ ]
أَلفُ أَلفِ سَيِّئَةٍ، وَرُفِعَ لَهُ أَلفُ أَلفِ دَرَجَةٍ»، وَفي رِوَايَةٍ: «وَبُنِيَ لَهُ بَيتٌ فِي الجَنَّةِ» (^١).
ورد في فضل كلمة التوحيد وفضل اللَّهَجِ بها من الأحاديث الصحيحة الشيءُ الكثيرُ، فهي إحدى الكلمات الأربع التي قال فيها الرسول ﷺ: «لأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^٢)، ولا ريب أنَّ «لا إله إلا اللَّه» هي أفضل هذه الكلمات الأربع.
وورد استحباب ذكر اللَّه بها في مواضع؛ كالذكر بعد الصلاة، فقد كان رسول اللَّه ﷺ يقول في دبرِ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (^٣)، زاد مسلم: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إيَّاه، له
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٤٢٨ و٣٤٢٩)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٢٣٥)، وأحمد في «المسند» رقم (٣٢٧). قال علي بن المديني: «كان أصحابنا يُنكرون هذا الحديث أشد الإنكار لجودة إسناده» [نقله ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣)]، وقال أبو حاتم في «العلل» رقم (٢٠٠٦): «حديثٌ منكرٌ جِدًّا»، وقال أبو داود كما في «سؤالات الآجري» رقم (١٠٨٢ و١٠٨٣): «هذا الحديث ليس بشيء».
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٦٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) متفقٌ عليه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁؛ أخرجه البخاري في مواضع، منها: رقم (٨٠٨)، ومسلم رقم (٥٩٣).
[ ١٧٩ ]
النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكافرون» (^١).
وبالجملة فذكر اللَّه بها مطلقًا ومقيَّدًا كثيرٌ، ومن ذلك ما ورد أنَّ: «مَنْ قَالَ: لَاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» (^٢).
وقد تقدَّم أنَّ «لا إله إلا اللَّه» هي كلمة التقوى، بل لا تقوم التقوى إلا عليها، فبها يُتَّقَى الشرك باللَّه، وتُتَّقَى جميع المعاصي، فَمَنْ قالها وتحقَّق بها فقد حَقَّقَ التقوى التي هي امتثال الأوامر واجتناب المناهي.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٥٩٤) من حديث الزبير بن العوام ﵁.
(٢) تقدَّم تخريجه قريبًا.
[ ١٨٠ ]
ومن فضائلها: أنها أمان من وحشة القبر وهول الحشر
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا أَمَانٌ مِنْ وَحشَةِ القَبرِ وَهَولِ الحَشرِ، كَمَا في «المُسنَدِ» (^١) وَغَيرِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيسَ عَلَى أَهلِ «لا إِلَهَ إلا اللَّهُ» وَحشَةٌ فِي قُبُورِهِم وَلا نَشُورِهِم، وَكَأَنِّي بِأَهلِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» قَدْ قَامُوا يَنفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رؤوسهم، وَيَقُولُونَ: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذهَبُ عَنَّا الحَزَنَ» (^٢).
وَفِي حَدِيثٍ مُرسَلٍ: «مَنْ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ» كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ أَمَانًا مِنَ الفَقرِ، وَأُنْسًا مِنْ وَحشَةً القَبرِ، وَاستَجْلَبَ بِهِ الغِنَى، وَاستَقْرَعَ بِهِ بَابَ الجَنَّةِ» (^٣).
_________________
(١) هذا وهمٌ من الحافظ ابن رجب، فليس الحديث في «مسند أحمد»، ولم يذكره ابن حجر في «أطراف المسند» ولا في «إتحاف المهرة بأطراف العشرة»، وذكره البوصيري في «إتحاف الخِيَرَة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» رقم (٦١١٨) ولم يعزه ل «مسند أحمد»، وهذا مما يؤكد عدم وجوده فيه.
(٢) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» -كما في «المطالب العالية» رقم (٢٨٦٥) -، وابن أبي الدنيا في «الأهوال» رقم (٢١٤)، وفي «القبور» رقم (٦٩)، والطبراني في «الأوسط» رقم (٩٤٧٨)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا.
(٣) أخرجه ابن المقرئ في «غرائب مالك» -كما في «منتخبه» رقم (١٧) -، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٨٠)، وغيرهم من طريق مالكٍ، عن جعفر بن محمد [هو: المعروف ب «الصادق»]، عن أبيه [هو: محمَّد بنُ علي]، عن جدِّه [هو: علي بن الحسين]، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا. قلت: وقد رُوي عن مالكٍ من وجهٍ آخر موصولٍ، ولا يصح، قال ابن حجر في «رفع الإصر» (ص ٣٠٥): «قد رُوِيَ عن مالكٍ من وجوهٍ عِدَّة لا يثبت شيءٌ منها»، وقال الدارقطني في «غرائب مالك»: «هذا الحديث لا يصح، وكلُّ مَنْ رواه عن مالكٍ ضعيفٌ»، وقال ابن عبد البر: «هذا حديثٌ غريبٌ من حديث مالكٍ لا يصح عنه، …، ولا يرويه عن مالكٍ مَنْ يوثق به، ولا هو معروفٌ من حديثه».
[ ١٨١ ]
ومن فضائلها: أنها شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم
ومن فضائلها: أنه تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء
وَهِيَ شِعَارُ المُؤمِنِينَ إِذَا قَامُوا مِنَ القُبُورِ، وقَالَ النَّضرُ بنُ عَرَبِيٍّ: «بَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِم فَإِنَّ شِعَارَهُم: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^١).
وَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثًا مَرفُوعًا: «إِنَّ شِعَارَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى الصِّرَاطِ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٢).
وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا تَفتَحُ لِقَائِلِهَا أَبوَابَ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ (^٣)، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَن أَتَى بِالشَّهَادَتَينِ بَعدَ الوُضُوءِ، خَرَّجَهُ مُسلِمٌ (^٤).
وَفِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ عُبَادَةَ [بن الصامت ﵁]، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللَّهِ [ورسوله] وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ فُتِحَت لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه موقوفًا عليه: ابن أبي الدنيا في «القبور» رقم (٧١)، وفي «الأهوال» رقم (١٠٣).
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط» رقم (١٦٠)، وفي «الدعاء» رقم (١٤٨٧)، وإسناده واهٍ.
(٣) في نسخة (ب): «ابن عمر»، وهو خطأ.
(٤) برقم (٢٣٤)، ولفظه: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أَوْ فَيُسْبِغُ- الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
(٥) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري رقم (٣٢٥٢)، ومسلم رقم (٢٨). تنبيهان: أولهما: قوله: «وأنَّ اللَّهَ يَبعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ» ليست في «الصحيحين»، ومثلها أيضًا ما وقع في نسخة (ب) من قوله قبلها: «وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فِيهَا»، بل لم أر هاتين الجملتين من رواية عُبَادة ﵁ في شيءٍ من مصادر الحديث، فاللَّه أعلم. ثانيهما: قوله: «فُتِحَت لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»، هذا قريبٌ من لفظ مسلمٍ: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»، وأما لفظ البخاري فهو: «أَدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ».
[ ١٨٢ ]
ومن فضائلها: أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لا بد أن يخرجوا منها
وَفِي حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ مَنَامِهِ الطَّوِيلِ، وَفِيهِ قَالَ: «وَرَأَيتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي اِنتَهَى إِلَى أَبوَابِ الجَنَّةِ، فَأُغلِقَت الأَبوَابُ دُونَهُ، فَجَاءَتهُ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفَتَحَت لَهُ الأَبوَابَ، وَأَدخَلَتهُ الجَنَّةَ» (^١).
وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ أَهلَهَا وَإِنْ دَخَلُوا النَّارَ بِتَقصِيرِهِم فِي حُقُوقِهَا فَإِنَّهُم لا بُدَّ أَنْ يَخرُجُوا مِنهَا، وَفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبرِيَائِي وَعَظَمَتِي، لأُخرِجَنَّ مِنهَا مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢).
وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَدخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِم، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهلُ اللاتِ وَالعُزَّى: مَا أَغنَى عَنْكُمْ قَولُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَغضَبُ اللَّهُ لَهُمْ فَيُخرِجُهُم مِنْ النَّارِ، فَيَدخُلُونَ الجَنَّةَ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» -كما في «جامع المسانيد» (٨/ ٣٣١ - ٣٣٣) - وفي «الدعاء» رقم (٣٨٥)، وابن شاهين في «الترغيب في فضائل الأعمال» رقم (٥٢٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٦٩٧) وغيرهم. قال ابن الجوزي: «هذا حديثٌ لا يصح»، قلت: وهو كما قال، فإنَّ عامَّة أسانيده ضعيفة لا تثبت، ولا يخلو إسناد منها من مجهول أو ضعيف.
(٢) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري رقم (٧٠٧٢)، ومسلم رقم (١٩٣)، وهو جزءٌ من حديث الشفاعة الطويل.
(٣) أخرجه أبو بكر بن أبي داود في «البعث والنشور» رقم (٥١)، والطبراني في «الأوسط» رقم (٧٢٩٣)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا، وفيه من لا يُعرَف.
[ ١٨٣ ]
وَمَنْ كَانَ فِي سُخطِهِ مُحسِنًا … فَكَيفَ يَكُونُ إِذَا مَا رَضِيَ؟
لا يُسَوِّي بَين مَنْ وَحَّدَهُ -وَإِنْ قَصَّرَ فِي حُقُوقِ تَوحِيدِهِ- وَبَينَ مَنْ أَشرَكَ بِهِ.
قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: كَانَ إِبرَاهِيمُ ﵇ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُشرِكُ مَنْ كَانَ يُشرِكُ بِكَ بِمَنْ كَانَ لا يُشرِكُ بِكَ.
كَانَ بَعضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلتَ عَنْ أَهلِ النَّارِ: إِنَّهُمْ أَقسَمُوا بِاللَّهِ جَهدَ أَيمَانِهِم لا يَبعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ (^١)، وَنَحنُ نُقسِمُ بِاللَّهِ جَهدَ أَيمَانِنَا: لَيَبعَثَنَّ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، اللَّهُمَّ لا تَجمَع بَينَ أَهلِ القَسَمَينِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ.
كَانَ أَبُو سُلَيمَانَ يَقُولُ: إِنْ طَالَبَنِي بِبُخلِي طَالَبتُهُ بِجُودِهِ، وَإِنْ طَالَبَنِي بِذُنُوبِي طَالَبتُهُ بِعَفوِهِ، وَإِنْ أَدخَلَنِي النَّارَ أَخبَرتُ أَهلَ النَّارِ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّهُ.
مَا أَطيَبَ وَصلَهُ وَمَا أَعذَبَهُ … وَمَا أَثقَلَ هَجْرَهُ وَمَا أَصعَبَهُ
في السُّخطِ وَفي الرِّضَى ما أَهيَبَهُ (^٢) … القَلبُ يُحِبُّهِ وَإِنْ عَذَّبَهُ!
وَكَانَ بَعضُ العَارِفِينَ (^٣) يَبكِي طُولَ لَيلِهِ، وَيَقُولُ: إِنْ تُعَذِّبنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ، وَإِنْ تَرحَمنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ.
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٣٨)﴾ [النحل].
(٢) في نسخة (ب): «في السُّخْطِ والرِّضَى فَمَا أَهْيَبَهُ».
(٣) هو: عتبة بن أبان الغلام، أسنده عنه: أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٢٦).
[ ١٨٤ ]