إن الذي يريد أن يطلب علمًا في مسائل الاعتقاد لابد أن يعرف قواعد وأسسًا في ذلك، حتى يسير على منهج واضح لا لبس فيه ولا غموض، ولمنهج أهل السنة والجماعة مزايا وخصائص من وسطية واعتدال ووحدة مصدر التلقي والتوقف في الأمور الغيبية، وغيرها من المزايا المبثوثة في هذا الدرس، كما تناول أيضًا أسباب انحراف أهل البدع عن المنبع الصافي والمنهج الرباني وذكر سماتهم وعلاماتهم التي بها يعرفون وعلى منوالها يسيرون.
[ ٢ / ١ ]
فضيلة الالتزام والتمسك بالسنة
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل أن أبدأ بالدرس لعلي أقول للأحبة توجيهًا لهم ولنفسي.
أولًا: إن ثمرة العلم التقيّد بسنة محمد ﷺ، ولعلي لاحظت ملحوظة لطيفة، ولا بد من بيان التناصح والتوجيه فيما بيننا، أن بعض الأحبة يسارع إلى مكانه قبل أن يؤدي سنة محمد ﷺ، وأقول لكم قاعدة: كلما عظم في نفس الإنسان الحرص على تأدية سنة محمد ﷺ، كل ما يسر الله للعبد أموره، ويسر له كلما يحتاج إليه، ورفع منزلته وأعلى كلمته؛ لأن مبعث الحرص والتقيّد هو التأسي بمحمد ﷺ.
وأقول: هذه الظاهرة ليست موجودة هنا بل في كثير من حلقات العلم، ومن أعظمها حلقة شيخنا العلامة، تجد بعض الأحبة ينسى أوراد الصباح في درس الفجر، وفي المغرب ينسى السنة الراتبة، وينسى ورد المساء وغيره حرصًا منه على المكان، ويبقى الأحبة يزدحمون فلا يجد أحدهم موقعًا يصلي السنة فيه.
وبناءً عليه نحن بحاجة إلى الحرص على التأسي بمحمد ﷺ، ولعل على ضوء ما شاهدته لم أجد شخصية فيها من الحرص على سنة محمد ﷺ كشخصية شيخنا العلامة، وما أظنه نسي وردًا أبدًا فيما علمت، ولا أداء سنة، وسبحان الله! أمر هذا الرجل عجيب! وما علم بسنة ثبتت عن محمد ﷺ إلا حفظها وعمل بها مباشرة، ولهذا أبقى الله ذكره، وأعظم الله منزلته، وأصبح يشار إليه بالبنان؛ لما لسنة محمد ﷺ في قلبه من التعظيم والإجلال.
ونحن ينبغي أن نتربى على مثل هذا المنهج، وهو منهج سلفنا رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم.
وقلت: لا بد أن نعلم أن ثمرة العلم هو الأدب والسلوك، والامتثال والانقياد، وقديمًا قال سلفنا رحمهم الله تعالى: (إن نصف العلم الأدب) ليس العبرة بكثرة ما يحفظ الإنسان، أو يقرأ، وإنما الثمرة هو أن يحرص على أن يطبق ما علمه؛ حتى يكون لذلك أثرًا عظيمًا في حياة الإنسان وسلوكه.
[ ٢ / ٢ ]
قواعد مهمة في أبواب الاعتقاد
أنطلق إلى ما أود أن أنبه عليه، وسأذكر عددًا من القواعد وإن كنت لم أرتبها ترتيبًا علميًا دقيقًا يُحتاج إليه، ولكني أذكرها لكم خواطر، وأرى أن طالب العلم الذي يريد أن يطلب علمًا في مسائل الاعتقاد لا بد أن يعلمها:
[ ٢ / ٣ ]
القاعدة الأولى: الأصل في جميع الناس هو التوحيد
الأصل في الناس هو التوحيد وليس الشرك، والدليل على ذلك: أن آدم ﵊ كان على توحيد الله تعالى، وبقي آدم ﵊ وذريته على التوحيد عشرة قرون، وقد دل على ذلك حديث ورد عن النبي ﷺ وهو قدسي: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) .
فأصبح الأصل في الناس هو توحيد الله ليس الانحراف، وقبول هذا الدين، والعمل به، وبقي آدم ﵊ يبلغ دين الله لأولاده، وأولاده ساروا على ذلك حتى مضى عشرة قرون وهم على ذلك، ودليله: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ولم يقل النبي ﷺ: أو يمسلمانه؛ لأن الأصل فيه هو الإسلام، والأصل فيه هو قبول هذا الدين والعمل به.
سبحان الله! لم تقتضِ حكمة الله أن يستمر الناس على التوحيد إلى أن يلقوا ربهم، وتبدأ قضية الانحراف في مسائل الاعتقاد، وأول انحراف وقع هو في قوم نوح ﵊، إذ أنه وُجد عندهم عباد صالحون كما ذكرت كتب السيرة، وورد كذلك لها أصل في الصحيح، كان منهم: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وكانوا أهل صلاح وإيمان وتقوىً وزهد وبعد عن الدنيا، وكان الناس يحبونهم حبًا جمًا، ويفرحون إذا رأوهم أو لقوهم، فإذا شاهدهم أحد من عصرهم يجتهد في طاعة الله تعالى، ويحرص على الانقياد، وقد روي في الأثر: (إن من خير الناس من إذا رأيته ذكرك الله) إذا رأيته تعترف بتقصيرك وتفريطك في حق ربك، وإذ تراه تشعر أنه أنموذجًا فريدًا في العبادة والصلاح والتقوى.
ويقدر الله أن يموت هؤلاء في خلال شهر، وحزن الناس على فقدهم حزنًا عظيمًا، وكانت النتيجة أن جاء الشيطان فقال لهم: ألا أصنع لكم مثل صورهم؛ حتى إذا أردتم أن تنشطوا في العبادة ترونهم فتذكروا الله تعالى وتزدادوا طاعة وقربى؟ وأقول: إن هذه شبهة قد ترد في الذهن، وهذه ذكرى طيبة أن يتذكر الإنسان طاعة الله ويجتهد، ولو جاء الإنسان بمجرد العقل لقال: إن هذا العمل طيب، إذ يذكرنا الصلاح والخير والإيمان، ويمضي القرن الأول وهم على ذلك، ثم يأتي جيل بعده، فأتاهم الشيطان فقال: إن أهلكم لم يضعوا هذه الصور وهذه التماثيل إلا لأنهم يرجون بركتها ويرجون نفعها، فأخذ هؤلاء وبدأت بوادر الشرك بتوسل وبتبرك.
ويمضي هذا القرن، ثم يأتي جيل بعده فقال: إن أهلكم لم يضعوها إلا لأنهم يدعونها، ويستشفونها، ويطلبون العلاج منها وغيره ذلك، فعبدت من دون الله تعالى.
ثم كانت النتيجة أن بعث الله نوحًا ﵊ إلى هؤلاء القوم، ومكث فيهم تسعمائة وخمسين عامًا يدعوهم إلى الله تعالى.
سبحان الله! نوح ﵊ تعتبر حياته أعظم مدرسة للدعاة إلى الله تعالى، وللذين يريدون أن ينشروا توحيد الله، فإن نوحًا مكث تسعمائة وخمسين عامًا كان حصيلته: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] ويقال له بعد هذا الجهد الطويل: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ﴾ [هود:٣٦] .
ويقدر الله بعد هذا الجهد الذي يتعب من أجله نوح في الليل والنهار وفي السر والجهر، وفي مجتمعاتهم وفي أفرادهم، حتى أصبح القوم كلما رأوه استغشوا ثيابهم وغطوا وجوههم، لا يريدون أن ينظروا إليه، ووضعوا أصابعهم في آدانهم لا يريدون أن يسمعوا دعوته، وهم يعلمون ما عنده، ولا يريدون أن يقبلوا منه إطلاقًا، ومع ذلك يستمر ويستمر، كأنها تربية للأنبياء من بعده، ولنا نحن وللدعاة إلى قيام الساعة أننا لا نيأس من هداية أحدٍ كائنًا من كان.
إن كثيرًا من الأحبة قد ينصح أخاه أو قربيه في معصية، وترى النتيجة بعد ذلك يقطع الأمل بمجرد أن يقول له: لا تنصحني، فإني أعرف ولا أقبل منك شيئًا، وهذا نعتبره خلاف ما كان عليه أنبياء الله ورسله.
وإنا لنرى عجبًا وخوارق عجيبة في قصة نوح، كموضع هذه الديار ليس فيها بحار ولا غيرها، ولو رأينا شخصًا من الناس يصنع سفينة في الأرض المجاورة عندنا لقلنا: سبحان الله! لعل في عقله شيئًا، وما تغني السفينة في صحراء قاحلة، وفي أرض ليس فيها أنهار ولا بحار، وأصبح قومه كلما مروا ونظروا إليه سخروا منه، ولكنه إيمان النبي الموقن بوعد الله: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود:٣٨-٣٩] .
وينتظر نوح ﵊ متى ترسو هذه السفينة وتطفو وترتفع، ووعد الله صادق وسيكون لا محالة، ثم دعا نوح بعد ذلك على قومه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] وفجر الله الأرض عيونًا، وانهمرت السماء بالأمطار، وأغرقت الأرض كلها، وطفت سفينة الإيمان والتوحيد، ويُحمل فيها نوح ﵊ ومن آمن معه ومن كان من أهل التوحيد الذين ساروا على منهاج هذا النبي الكريم، ويُحمل فيها أهل الإيمان، ويُحمل فيها ما أمر الله من كلِّ زوجين اثنين.
وسبحان الله! تدرك هذا النبي شفقة الأبوة، وينادي ابنه ولم يكن مؤمنًا: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] وإننا بمنظارنا الواقعي الحسي المادي أن كل إنسان إذا وجد شيئًا يبحث عن أعلى موقع، فما كان من الابن إلا أن قال: ﴿سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] ولكن نوحًا ﵊ عالم بأن الله مريد إهلاك هؤلاء ولن ينجو إلا من كان معه، قال له كلمة الموقن: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] .
ولا زال نوح يتعلق بابنه وفلذة كبده، ويدعو ربه: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] ويرد الله عليه مبينًا المنهج إلى قيام الساعة أنه لا رابطة بين أحدٍ كائنًا من كان إلا رابطة الإيمان والتوحيد: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي﴾ [هود:٤٦] وتقطع العلائق والوشائج كلها، وتبقى رابطة الإيمان وحدها، ورابطة التوحيد التي ينبغي أن نؤصلها في نفوسنا؛ لنسير على ضوء ما كان عليه أنبياء الله ورسله، وما كان عليه سلف الأمة.
[ ٢ / ٤ ]
القاعدة الثانية: براءة الصحابة من البدع
الصحابة ﵃ وأرضاهم لم يكن أحد منهم مؤسسًا لبدعة ولا لفرقة ضالة أبدًا، ولعلي إذ أرسي هذه القاعدة؛ لأبين أن بعضًا من الناس أو بعضًا من الكتَّاب، أو الوعاظ، أو المذكرين، تجده يتكلم عن ظواهر منحرفة، فيقول: ظاهرة الغلو كانت في حياة محمد ﷺ إذ قال أحدهم: لا أتزوج، وآخر: ظاهرة الإرجاء كانت في حياة الصحابة موجودة إذ قال قدامة بن مظعون قولته، ونقول: رويدك!! فإنك لم تعرف الأدب مع هؤلاء القوم.
لم يكن أحد من أصحاب محمد ﷺ مساندًا لمبتدع، ولا مؤسسًا لبدعة أبدًا، فإن أصحاب رسول الله ﷺ إذا حدث منهم شيء من التقصير أو الخطأ ﵃ وأرضاهم يوجهون مباشرة فينقادون للمنهج مسارعين، وليس كالمبتدعة يُبَين للمعتزلة ويصرون على باطلهم، ويبين للمرجئة ويصرون، ويبين لغيرهم من طوائف الانحراف ولا يقبلون دين الله مع وضوحه كالشمس، أما أصحاب رسول الله ﷺ فإنه متى وضح له فإنه سرعان ما يلتزم بما جاءه عن الله وعن رسوله.
قدامة بن مظعون ﵁ أحد الصحابة الأخيار، جلس مع الصحابة يتذاكرون القرآن، فتلوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:٩٣] ويكملون الآية فقالوا: الحمد لله نحن ممن آمن، ونحن على صلاح وتقوى، وليس علينا جناح فيما طعمنا، فجاءوا بالخمر فشربوه ﵃ وأرضاهم، فعلم عمر بالخبر، وأُخبر بهذا الأمر، وأنه فهم عجيب وغريب، ثم جاء عمر بـ قدامة ومن كان معه، فقال له: اجتمع رأي الصحابة جميعًا فيهم وسألوا قدامة بن مظعون لِمَ؟ وتأول لهم الآية، فقال له عمر بن الخطاب: أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو كنت اتقيت لما شربت الخمر.
ثم قال لمن حوله من القضاة: سلوهم فإن شربوها مستحلين كفروا، وإن شربوها متأولين جلدوا، وعلم قدامة بن مظعون ﵁ وأرضاه بعد ذلك أنه قد أخطأ وعصى الله ورسوله، فماذا كانت النتيجة بعدها؟ قالوا: مكث دهرًا وهو يبكي على نفسه حتى وصل به الحد إلى أن يئس من رحمة الله، متعجبًا كيف به وهو صاحب رسول الله لا يفهم هذا الفهم، كيف يقع في مثل هذه الكبيرة العظيمة؟ أين أثر الإيمان وغيره، فجاء به عمر ﵁ مرة أخرى، ثم قال له: لا أدري أي ذنبيك أعظم استحلالك الخمر؟ أم يأسك من رحمة الله؟ وتلا عليه أول سورة غافر: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣] وبعدها سار على ما كان عليه سلف الأمة، وهو ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ.
وبناءً عليه لا يمكن أن نجعل لطائفة بدعية منحرفة أن تقول: هذا هو قول أصحاب رسول الله ﷺ، أو أن الصحابة هم الذين أسسوا هذه الطائفة الضالة، أبدًا وكلا، بل لهم المنازل العليا ﵃ وأرضاهم.
[ ٢ / ٥ ]
القاعدة الثالثة: الخلاف بين الصحابة في الفروع لا في العقائد
يجب أن نعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ قد وقع بينهم خلاف في مسائل كثيرة، في مسائل التشريع والفروع، أما مسائل العقائد ومسائل الأسماء والصفات فلم يقع بينهم شيء من الاختلاف ﵃ وأرضاهم، وقد أسسنا هذه القاعدة لكي ننطلق إلى مفهومٍ نعلم أن كل قول في مسائل العقيدة لم يكن عليه أصحاب رسول الله ﷺ نعلم بأنه مبتدع ومنحرف عن منهج الله ورسوله ﷺ، وأن هذا ليس منهج سلف الأمة رحمهم الله تعالى.
كم حدث بين الصحابة من خلافٍ في مسائل الطهارة، وفي مسائل الصلاة والصيام والزكاة وفي غيرها، لكن أين الاختلاف في أصول الدين، وفي مسائل الاعتقاد وباب الأسماء والصفات؟ لم يكن ذلك موجودًا، ليعطينا أنهم كانوا على ما كان عليه محمد ﷺ، ولم يتجاوزوا ذلك أبدًا.
ويرسيها الصحابة فيما بينهم بوصايا: [من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تُؤمَنُ عليه الفتنة] ثم يذكر لنا ابن مسعود وغيره ﵁ وأرضاه ما كان عليه الصحابة ﵃ وأرضاهم معطيًا منازلهم: [أولئك أصحاب محمد، -ويصفهم بالصفات العلى- أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا وفهمًا وتصورًا، ثم يقول: اعرفوا لهم قدرًا] .
وهذا هو الواجب علينا أن نسير على ضوء ما سار عليه هؤلاء الصحابة، وأن نعلم يقينًا أنه ما حدث بينهم شيء من الاختلاف في مسائل الاعتقاد رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
[ ٢ / ٦ ]
المقصود بسلف الأمة
أمر آخر وأسميه نوع تقعيد، وهو حول مفهوم نحن بحاجة إلى فهمه وتصوره، وهو قضية سلف الأمة ومن يكون سلف الأمة هؤلاء؟! إن كثيرًا من الناس يدعي أنه من سلف الأمة وعلى منهج السلف، ولكن انطلق لمعرفة هؤلاء من هم، وعند ذلك نفتخر ونتشرف بأن كنا على منهاج سلف الأمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
وأصح ما ورد أننا كثير ما نسمع أن سلف الأمة هم الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، ومنهم من يقول: القرون المفضلة، ونجد أن من في التابعين من عليه ملحوظات في المعتقد، وفي القرون المفضلة وجدت بعض طوائف الانحراف، ولكن التعريف الصحيح لذلك: أن سلف الأمة أولهم رسول الله ﷺ، ثم الصحابة من بعده، ثم نقول: ومن سار على ما كان عليه رسول الله ﷺ، وما كان عليه أصحابه ﵃، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ولما ذكر النبي ﷺ افتراق الأمم، وذكر أن أمته ستفترق إلى ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، أرسى النبي ﷺ القاعدة إذ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) ربطنا بنفسه ﷺ وبصحابته ﵃ وأرضاهم، وبناءً عليه: كل من كان على ما كان عليه النبي ﷺ، وما عليه الصحابة فهو يعتبر على منهج سلف الأمة، وسار على الصراط المستقيم، ويسمى الإنسان (هذا سلفي) ويقصد به: من اقتفى أثر الرسول ﷺ، وأثر الصحابة الأخيار ﵃ وأرضاهم.
[ ٢ / ٧ ]
خصائص ومزايا منهج أهل السنة والجماعة
[ ٢ / ٨ ]
الأمر الأول: الوسطية والاعتدال
مما يتميز به منهج أهل السنة: أنه مذهب وسط بين الإفراط والتفريط، وانطلق إليه في كل جزئية من جزئياته، سواء في الفروع، أو الأصول، أو في مسائل الاعتقاد، أو كذلك في مسائل التأصيل تجد أنهم وسط، فهم وسط في صفات الله وسط في أصحاب رسول الله وسط كذلك في باب الإيمان وسط في باب القضاء والقدر وسط فيما هم فيه من التحسين والتقبيح إلى غيرها من مسائله الكثيرة في مسائل التأصيل وما كان عليه أولئك السلف.
[ ٢ / ٩ ]
الأمر الثاني: توحيد مصدر التلقي والاستدلال
مما يتميز به منهج أهل السنة: أنه منهج مستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا يتميز به ما كان عليه سلف الأمة، وتجدهم يقتفون الآثار
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلفٌ فيه
دل على أنهم يتأسون ويقتدون في كل صغير وكبير، وسبحان الله! نجد ذلك متميزًا في منهج الأئمة الأربعة يحرصون ما استطاعوا على ذلك بأن يأخذوا بكتابٍ وسنة، وبسير على ما قاله أصحاب رسول الله ﷺ، واعتمد على الكتاب والسنة؛ لأن منهجهم جله متلقى من الله ورسوله، ولا يمكن للعقل أن يأتي بشيء جديد لم يكن دل عليه الكتاب والسنة.
[ ٢ / ١٠ ]
الأمر الثالث: موافقة النقل الصحيح للعقل الصريح
مما يتميز به منهج أهل السنة: أنه موافق للعقل الصريح، فإن العقل متى خلا من الشبهات والشكوك سبحان الله! يقبل هذا الدين قبولًا كاملًا.
ولذلك سيأتينا أن مما تتميز به عقيدة الإسلام أنها عقيدة فطرية، ولعلي ألطف بمثال بسيط في حياة النبي ﷺ وقصة واقعية: قدم غماد إلى مكة، وكان النبي ﷺ يُتهم بأنه مجنون قريش، ويوصم بالنقص وبالسحر وبالكهانة وبغيرها، ولما قدم من نجد إلى مكة وقد كان سيدًا مطاعًا فخشيت قريش أن يسلم هذا الرجل، فقالوا: الحقوا به، وقولوا له: إن لدينا مجنونًا، فرق بين النساء والأزواج، وكذلك بين الابن وأبيه وغيرهم، ولا حاجة للجلوس معه، فقد مس في عقله، يقول غماد: وكنت أعالج من الريح أي: من الجنون في الجاهلية.
ولما دخلت إلى مكة أديت العمرة، ثم مكثت بها أيامًا ما كان في ذهني أبدًا أن أذهب إلى هذا الرجل، ولو قيل لنا: هناك ثمة مجنون لم يكن لأحد منا أن يذهب ليسلم عليه، وليسأل عن أحواله وأخباره، فما تفيدنا شيئًا فعقله لا يستفاد منه، يقول: ولكني بعد مدة قلت في نفسي: إني أعالج المجانين، فما يضرني أن أذهب إلى مجنون قريش ثم أعالجه إن شُفي على يدي كانت لي منقبة عند قريش، وإن لم يشف فليس بأول مجنون يمر علي أصلًا.
ذهب إلى النبي ﷺ ثم جلس إليه، قال: اسمعني من كلامك، ونحن نعلم أن من كان مجنونًا يعرف بحركته أو بكلامه، فذكرت كتب السير أن الرسول ﷺ قال له: بل أنت أسمعني من كلامك، وتنزلًا مع محمد ﷺ أخذ يسمع النبي قصائد وأشعارًا للعرب، ولما انتهى قال: أسمعني أنت، فبدأ النبي ﷺ بخطبة الحاجة، ثم بعد ذلك أخذ يتلو عليه القرآن، ويتلو عليه آيات نزلت على قلبه كالصواعق، ويريد الله أن يحيي قلبه بها، وينتهي النبي ﷺ من القرآن وما كان منه إلا أن قال: أمدد يدك أبايعك، لم يحتاج إلى معجزات، ولا إلى خوارق للعادات، ونطق: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
سمعت قريش بالخبر وقالت له: صبأت، انحرفت، قال: أنتم الصابئون، بين أظهركم رسول الله ولا تقبلون منه، بل أنتم الذين على الانحراف، دلنا على أن هذا المنهج يوافق العقل ويوافق الفطرة، وهو منهج سلف الأمة لم يخرج عن الكتاب والسنة، ولم يخرج عن الفطر السليمة، والعقول الصريحة.
ولذلك يعتبر العقل الصريح شاهد لمنهج سلف الأمة ولا يعارضه أبدًا.
[ ٢ / ١١ ]
الأمر الرابع: البراءة من وجوه الانحراف والبدع
مما يتميز به منهج أهل السنة: أنه برئ من وجوه الانحراف التي وقعت فيها سائر الطوائف، فطوائف ضلت في تشبيه أو تعطيل، وطوائف ضلت في سب أصحاب رسول الله ﷺ أو في تأليههم له، وطوائف ضلت فذهبت إلى مذهب الإرجاء، وأخرى إلى مذهب الجبرية وهكذا.
أما منهج سلف الأمة فهو خالٍ من هذه الانحرافات كلها ولله الحمد؛ لأن عمدتهم: كتاب وسنة، ومن عمدته الكتاب والسنة فلن يضل ولا يشقى أبدًا؛ لأن الله قد بين أن من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله بأن له معيشة ضنكا، ويحشره الله يوم القيامة أعمى.
مما يتميز به أنه خالٍ من أنواع الابتداع، أيًا كانت في فروعه أو أصوله، وكم نجد للبدع من الأثر العظيم في انحراف كثير من الطوائف.
سبحان الله! يقلب الإنسان طرفه في واقع أمته وفي مجتمعه الإسلامي يجد العجب من قضية الانحراف: طواف بالقبور، ودعا غير الله، وتوسل بالنبي ﷺ، وحلف بغير الله، وتعليق للتمائم وغيرها، كم هي أنواع البدع والانحرافات التي عشعشت على عقول الناس، وسلف الأمة -ولله الحمد- لا يوجد عندهم شيء من ذلك.
ومن هنا نصل إلى نتيجة فنقول: يجب أن نؤسس في نفوسنا دائمًا أننا نسير على منهج سلف الأمة، ومن لا يقبل ذلك المنهج فإنه منحرف عن صراط الله، ومنحرف عما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ١٢ ]
الأمر الخامس: التوقيف في الأمور الغيبية
من ميزات منهج أهل السنة: أن الأصل عندهم في الأمور الغيبية التوقيف، أي أمرٍ غيبي الواجب عليك أن تتوقف فيه، بمعنى: أنه ليس للعقل مجال أبدًا في الأمور الغيبية.
الأمر الثاني: أنها ليست محلًا لاجتهادات العلماء، ولا يمكن أن يجتمع جمع من العلماء فيجتهدون لنا في الأمور الغيبية أبدًا.
والسبب: لأن الأمر الغائب عن العقول لا يمكن أن نتوصل إليه بمعنى أي أمر غائب عن العقل أو غيبي لا يمكن أن نتعرف عليه إلا بطرق ثلاث: الطريق الأول: المشاهدة، فأنت إذا شاهدت الأمر الغائب عنك لم يكن غيبيًا بعد، نحن هنا جلوس، ولو سئلنا: ماذا وراء الجدار؟ لا نستطيع أن نعرف، لكن لو خرج إنسان ثم جاء وأخبرنا أن وراءه عدد من السيارات، هل يصبح غيبيًا؟ لا يصبح غيبيًا؛ لأننا توصلنا إلى العلم بهذا الغائب، وهو من الطرق العظيمة، بل هو أعظم الطرق للوصول إلى الأمر الغائب، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ولذهبتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش) ونتساءل: لِمَ؟ فإن رسول الله ﷺ شاهد الجنة، وشاهد النار، وشاهد ما أعد الله لأوليائه، وما أعد الله لأعدائه كما ثبت في الصحيح فإنه في صلاة الكسوف كان يصلي بالناس، وفي أثناء الصلاة تقدم النبي ﷺ وهو يمد يده الشريفة يريد أن يأخذ شيئًا، وتقدم الصحابة معه، ثم إذا بالنبي ﷺ بعدها يرجع ويرجع القهقرى صلوات الله وسلامه عليه، ورجع الصحابة بعده من مكانهم، فقال الصحابة: يا رسول الله! عملت شيئًا لم تكن تعمله من قبل؟ فقال لهم النبي ﷺ: (فتحت لي الجنة ورأيتها رأي العين، وأردت أن آخذ عنقودًا من عناقيدها، ولو أخذته لأكلتم منه إلى قيام الساعة) أمر عجيب! والسبب المشاهدة.
ولذلك قال النبي ﷺ: (ليس الخبر كالمعاينة) في حديث: (إن لله ملائكة سيرة يستعيذون من النار، ويسألونك الجنة، يقول الرب: كيف لو رأوها؟ قالوا: لكانوا أشد لها طلبًا) وهي الجنة، والنار لو رأوها لكانوا أشد هربًا منها، مما يدلنا على أن الأمر المشاهد له أثر عظيم على النفس.
الطريق الثاني: ونسميه الطريق الذي يوصلنا إلى العلم الغائب الشبيه والمثيل، فإذا وجد شبيه ومثيل لهذا الأمر الغائب وصلنا إلى العلم، وتعرفنا على هذا الأمر الغائب، فلو أخبرتكم مثالًا بسيطًا في شيء، مثلًا: أكلت اليوم تمرًا لا يوجد مثله في الدنيا، فتجد أصحاب بلدي يذكرونه، فأهل القصيم يقولون: مثل السكري مثلًا، أو نبت سيف أو غيره؛ لأنه يقربه، فإذا قلت: مثله، قرب إلى الذهن أم لا؟ أو شبيهًا له؟ أوصل لي تصورًا معينًا لهذا الأمر الغائب الذي لم يعرفه الناس، وهذا يعتبر طريقًا صحيحًا، ولكنه ليس كالطريق الأول.
الطريق الثالث: الخبر الصادق: والخبر الصادق لا شك أنه يوصل العلم للإنسان بالأمور الغائبة عن العقول البشرية التي لا تستطيع إدراكها أبدًا.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية أو تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى تقعيدًا لطيفًا هنا في هذا الموضع: إن الشريعة تأتي بما تحار به العقول، ولا تأتي بما تستحيله العقول، ولعل مثالًا بسيطًا للأمور التي هي غيبية عنا لا يمكن للعقل إدراكها أبدًا، من الأمثلة: قضية الجنة والنار، وقضية الملائكة وصفاتهم عليهم الصلاة والسلام ورؤيتها رأي العين، مثلما يتعلق كذلك بذات الله ﷾، وكيفية صفاته، لا يمكن للعقل أن يدركه، هل يمكن لنا عن طريق المشاهدة؟ لا؛ لأن النبي ﷺ قال لنا كما في صحيح مسلم: (واعلموا أن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت) لا يمكن أبدًا.
هل لله شبيه ومثيل؟ الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] فأصبح الطريق الأول والطريق الثاني لا يمكن الوصول إليه.
بقي عندنا الطريق الثالث وهو الخبر الصادق: ونقول الخبر الصادق عندنا هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، هذا فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد، وبالنسبة عندما قلنا للكتاب: إنه خبر صادق؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] .
ولا يوجد إطلاقًا من يخبر عن الله مثل نفسه ﷾، والله أخبرنا عن أسمائه وصفاته، وعن جنته وناره، وعن ملائكته أخبارًا يجب علينا أن نؤمن بها، ولا نجد في أنفسنا شيئًا من التردد في إثباتها؛ لأن الله هو الصادق ﷾، وقد وصف نفسه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] .
وبالنسبة لمحمد ﷺ فلا شك بأنه صادق؛ لأن الله قد قال عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .
ولذلك قال النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: (والذي نفسي بيده اكتب فإن كل ما أقوله حق) دل على أنه لا يقول صلوات الله وسلامه عليه إلا كان الصدق والحق الذي يجب أن تطمئن نفوسنا إليه، ولا نجد في أنفسنا شيئًا من التردد تجاه ذلك.
سبحان الله! كنت أقرأ في أحد كتب العقلانين، وإذا به ينكر أحاديث ثابتة كالشمس؛ لأنه أمرَّ العقل عليها وما علم هذا الجاهل المسكين أنه ما عرف قيمة الكتاب والسنة، ولا قدرهما قدرهما، وإلا كيف يكون للعقل مجال لأجل أن نرد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؟ ولعلي أقول للأحبة: لو كان للعقل مجال في أمور الغيبيات فلا ندري نأخذ بعقول من؟ أنأخذ بعقول الأشاعرة؟! أم بعقول المعتزلة؟! أم بعقول الفلاسفة؟! أم بعقول الجبرية؟! أم بعقول الخوارج؟! أم بعقول الفساق؟! أم بعقول أهل الصلاح؟! كل الناس لهم عقول ومشارب شتى، ولكن من رحمة الله تعالى أن جعل لنا تقعيدًا عامًا كما قال النبي ﷺ: (تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي) وسنته ﷺ باقية خالدة.
ولعل من المثال على ما تحار به العقول تجاه ذلك من الأمور الغيبية، لما حدثنا النبي ﷺ عن سدرة المنتهى لما رآها، قال النبي ﷺ: (يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطع ظلها) رسول الله صادق ولا يكذب أبدًا، ويبقى العقل حائرًا تجاه هذا الخبر، لكنه هل يكون مستحيلًا؟! لا وربي لن يكون مستحيلًا؛ لأن الله قادر على كل شيء.
ولما حدثنا النبي ﷺ عن ملكٍ من الملائكة، كما في سنن أبي داود بسند صحيح إذ قال: (ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) كيف يكون هذا المخلوق العجيب؟! ولكن نقول: آمنا بالله وبرسوله ﷺ.
قاعدتنا تجاه الغيبيات هو التسليم لله ولرسوله ﷺ وتصديقًا بذلك، وهذه قاعدة عظيمة جدًا.
ولذلك ورد عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح، وأرويه لكم بمعناه: لما عدا ذئب على غنم، ثم أخذها الراعي من الذئب -أخذ الذئب شاة فجاء الراعي وأخذها- فتكلم الذئب قال: من لها يوم لا راعي لها إلا أنا!! فقال الصحابة ﵃: عجبًا ذئب يتكلم، فقال الرسول ﷺ: (ولكني اؤمن به أنا وأبو بكر وعمر) تسليم قال: وما كان أبو بكر وعمر في المجلس؛ لأن قاعدتهم: هو التسليم للأمر الذي تحار العقول تجاهه، وكم هي الأمور التي جاءتنا في شرعنا يبين لنا أنها غيبية وبعضها خوارق للعادات، والواجب علينا التسليم لله ولرسوله ﷺ.
سار الصحابة ﵃ وأرضاهم على ما كان عليه رسول الله ﷺ، ثم بدأ الانحراف بما كان عليه الرسول ﷺ بأسبابٍ متعددة، وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أسباب هذا الانحراف وبينوه تحذيرًا أن يقع الإنسان في مثل هذه الانحرافات التي وجدت فيمن سبق، وأول من حذر عنها أصحاب رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ١٣ ]
أسباب انحراف أهل البدع عن منهج الكتاب والسنة
قام المجتمع على أساس العقيدة الصحيحة المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولم يكن ذلك شيئًا عجيبًا بأن ساروا على المنهج، بل لم يكن أمرًا عجيبًا عليهم، بل هو أمر عادي؛ لأن التأصيل هو الكتاب والسنة، ولكن بدأ الانحراف بأمور متعددة:
[ ٢ / ١٤ ]
السبب الأول: الغلو
ظهرت ظاهرة الغلو في طوائف متعددة، وأول هذه الطوائف التي بزغ الانحراف عندها: الخوارج فغلوا في آيات الوعيد، وأعملوها على الناس جميعًا، بل أدى بهم الأمر إلى أن حملوا سيوفهم على أصحاب رسول الله ﷺ، ونسوا الآيات الواردة في الوعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦] والحديث القدسي كذلك: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة) إلى غير ذلك من النصوص.
ونسوا تلك الأحاديث الواردة في الوعد، وأعملوا نصوص الوعيد كلها على المجتمع الذي كانوا فيه، مما أدى إلى أن اتهموا الصحابة ﵃ وأرضاهم بالتفريط والتقصير، بل وصل الحد ببعضهم إلى تفسيق الصحابة، بل بلغ الحد ببعضهم إلى تكفير بعض أصحاب رسول الله ﷺ.
وقابلتهم طائفة أخرى وهي طائفة الرافضة، فغلوا غلوًا آخر في آل بيت النبي ﷺ، فكان مقتل الحسين مقويًا لتيار ذلك الغلو، وجاء المختار بن أبي عبيد ليستغل هذا الأمر فنصر دعوة الحسين، ثم كان سببًا للانحراف؛ وسببه الغلو في هؤلاء، واستمر هذا التيار، ولايزال لهاتين الطائفتين بقايا إلى عصرنا.
[ ٢ / ١٥ ]
السبب الثاني: رد البدعة بالبدعة
إن الذين قاموا بالرد على هؤلاء المبتدعة هم المبتدعة، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية تنبيهًا لطيفًا عجيبًا، كما في الفتاوى، قال: من رحمة الله تعالى بـ سلف الأمة وبـ أهل السنة، أن أهل السنة يتركون المبتدعة يناظر بعضهم بعضًا.
ولذلك تجد أقوى من رد على المعتزلة الأشاعرة، وأقوى من ناقش الأشاعرة المعتزلة، وأقوى من رد على المعتزلة الجهمية، والجهمية على الفلاسفة وهكذا.
قال: فـ أهل السنة يتركون بعضهم ليبطلوا بعضًا، فلا يبقى مع الأشاعرة إلا القليل، ولا يبقى مع الجهمية إلا القليل، ولا يبقىمع المعتزلة إلا اليسير، قال: فينقض أهل السنة على هذه الطوائف فلا يبقى إلا المنهج الحق الذي جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولذلك وقفت المرجئة في وجه الخوارج.
سيأتي إن شاء الله لعلي تعريف لكل طائفة من طوائف البدع التي نحتاجها في عصرنا ولا يزال لها بقايا، من باب توضيح ما هي الطائفة التي نعني.
المرجئة: سموا بذلك من باب الإرجاء، قالوا: والإرجاء هو التأخير، وهم يرون تأخير العمل عن الإيمان، وبناءً عليه يقولون: إن العمل غير داخل في الإيمان أصلًا، والنتيجة: أن شارب الخمر والسارق والزاني إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر لا فرق بينهما، ولا شك أن هذا القول باطل، وعلى النقيض جاءت طائفة الخوارج وقالت: إن شارب الخمر خارج عن الإسلام.
فقيض الله أن يرد بعضهم على بعض، وكانت هذه الردود سببًا لنشوء طوائف من البدع لم تكن موجودة من قبل، وهذا يدل على أن رد البدعة ببدعة أخرى، ومناقشة أهل البدع للمبتدعة يخرج لنا شيئًا جديدًا أدى إلى افتراق الأمة، وعدم وجودها على ما كان عليه سلف الأمة.
وذكروا منها: المؤثرات الأجنبية، ويقصد بها قوم كانوا على الانحراف وعلى الإلحاد والكفر، دخلوا في الإسلام سرًا وقلوبهم منطوية على الخبث والكيد للإسلام وأهله، وحملوا معهم عقائدهم وأصولهم التي عندهم، ومنهم من بقيت عنده رواسب، وكان نتيجتها أن عرضوا نصوص الكتاب والسنة على الرصيد الذي عندهم فخرجوا برأي جديد لم يكن عليه سلف الأمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم، كـ عبد الله بن سبأ وغيره، الذي كان سببًا في وجود كثير من الطوائف، وبث كثيرًا من الشبه، وبيان شيء من الانحراف.
وكـ معبد الجهني الذي أسس مذهب القدرية، وكان رجلًا نصرانيًا، أخذ مقالته عن رجل من النصارى اسمه: سنسوية، وتلقاها عنه معبد الجهني وبدأ ينشرها، والجهمية كذلك كان لهم أثر، وسيأتي -إن شاء الله- تعريف يسير لبعض طوائف المبتدعة كـ الجعد بن درهم، وكـ الجهم بن صفوان، وكـ واصل بن عطاء، هؤلاء أئمة ضلال، تجدها تمر كثيرًا في كتب السلف، ويناقشونهم، وكذلك بشر المريسي، وعمرو بن عبيد، وبيان بن سمعان وغيرهم من أئمة الانحراف، لابد أن نأخذ شيئًا من تراجمهم وإن كانت يسيرة.
[ ٢ / ١٦ ]
السبب الثاني: تحكيم العقل في القضايا الشرعية
من الأسباب كذلك: تحكيم العقل في القضايا الشرعية، وخاصة في الأمور الغيبية التي لا يمكن أبدًا أن يكون للعقل فيها مجال، ولعلي أضرب مثالًا على ذلك: المبتدعة يؤسسون أدلة عقلية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن أهل الكلام والنظر جاءوا بأدلة عقلية ليست إلا جهليات وليست يقينيات، ثم قال تقعيدًا: ما من دليلٍ عند أهل الكلام والنظر دل العقل عليه إلا وجد في كتاب الله ما هو أعظم دلالة منه وأحسن منه، ولا حاجة إلى زبالة عقولهم وما كانوا عليه، ومن الأمثلة على ذلك أن عندهم تقعيدًا يبنونه بمقدمتين ونتيجة أو أكثر.
المقدمة الأولى: الصفات لا تقوم إلا بأجسام.
المقدمة الثانية: الأجسام متماثلة.
النتيجة: الله ليس بجسم.
مادامت الأجسام متماثلة والله ليس بجسم.
النتيجة: الله ليس له صفات أبدًا، لكن ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤] ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] إلى غيره؟ يقولون: لا نثبتها لله أبدًا.
ونقول: سبحان الله! من أين جاءنا هذا الدليل؟ أله رصيد من كتاب وسنة؟ لا.
أله رصيد من كلام الصحابة والسلف؟ لا.
فبناءً عليه هذا الدليل العقلي باطل، وما في الكتاب والسنة هو الأصل الذي يجب أن نعمله، ومن هنا جعلوا لهم مقدمات عقلية، وهي ليست إلا جهليات، وحكموها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
[ ٢ / ١٧ ]
السبب الرابع: تعريب كتب الفلاسفة واليونان
وذكر الإمام السفاريني في لوامع أنواره نقلًا عن تاريخ الصفدي ﵀: أن أول من بدأ بتعريب الكتب هو المأمون، قالوا: كان مولعًا بحب الكتب وبجمعها، فعربت الكتب اليونانية، ولما فتح الله تلك الديار كانت النتيجة أن حملوا كتبهم معهم مخافة أن يأخذها المسلمون، فأرادوا أن تبقى عندهم ليستفيدوا منها.
كتب المأمون بعد أن حملوها إلى ملك قبرص يطلب منه هذه الكتب، فجمع من حوله ممن يشار إليهم بالبنان يستشيرهم في هذا الأمر، أيرسل الكتب إليهم أم لا يرسلها؟ فجلهم قالوا: لا نرسل الكتب إليهم أبدًا، فهي تراثنا، وحصيلة آبائنا وأجدادنا وعلمائنا لا يمكن أن نعطيهم -وهي ثروة ضخمة- إلا رجلًا منهم قال: إني أرى أن ترسلوا هذه الكتب إليهم.
قالوا: وما بالك؟ قال: إن هذه الكتب ما دخلت على أهل دين سماوي إلا أفسدت دينهم.
وعربت هذه الكتب، وقام المعتزلة بنصرها، ونشرها، وتدريس قواعدها، وتأصيلها، مما أدى إلى الانحراف العظيم.
وقالوا: إن أبا جعفر المنصور كذلك عرب بعض الكتب، وكان له أثر كبير في تعريب الحضارة الهندية، وغيره من الخلفاء الذين جمعوا هذه الكتب، فلما عربت -وجلها مبنية على العقل- كان لها أثر في انحراف الناس عن صراط الله المستقيم، ووجود الطوائف المنحرفة، وتشعبت تلك الفرق، فلم تكن المعتزلة فرقة واحدة، وإنما شملت معها عشرين فرقة، ولم تكن كذلك الخوارج فرقة، بل شملت معها أكثر من عشرين فرقة وهكذا تشعب الناس وتفرقوا أحزابًا بسبب هذه المؤثرات التي وجدت فيهم، وغيرها من هذه المؤثرات.
[ ٢ / ١٨ ]
علامات وسمات أهل البدع
وأذكر لكم الآن علامات المبتدعة:
[ ٢ / ١٩ ]
السمة الأولى: الفرقة والاختلاف
ولهذا ذكر الله ﷾ ممتنًا على رسوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] ويقول ﷾: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] .
وسبحان الله! انظر إلى سلف الأمة وإلى أهل السنة والجماعة لا تجدهم أحزابًا في مسائل الاعتقاد.
ولئن كان بينهم خلاف في مسائل الفروع، شافعي وحنبلي ومالكي وحنفي فهذا لا يؤثر، لكن عقائدهم واحدة، بخلاف المبتدعة فرق المعتزلة والجهمية والخوارج والرافضة تجد فرقًا وأحزابًا، معتقدهم في الجملة متقارب، ولكن تجدهم شيعًا يضلل بعضهم بعضًا، ويرد بعضهم على بعض.
أما الأئمة ﵏ وسلف الأمة لم يكن بينهم هذا أبدًا، وهذا من رحمة الله تعالى بـ أهل السنة والجماعة، ولذلك تجد الإمام أحمد ﵀ لا يرد على الإمام مالك، ولا يرد على الإمام الشافعي؛ لأن معتقدهم واحد، ومنهجهم ليس فيه تفرق ولا تحزب رحمهم الله تعالى.
[ ٢ / ٢٠ ]
السمة الثانية: اتباع الهوى
الله ﷾ قال في كتابه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] كم من المبتدعة من يحصل لهم هذا الأمر وهم يتبعون الهوى، مع أنهم ربما يجدون الحق واضحًا، ولعل من المثال على ذلك كما سيأتي -إن شاء الله- حين نعرف المعتزلة أن الحسن البصري ﵀ كان في حلقته واصل بن عطاء، وكان واصل من كبار المعتزلة، ولم يكن قد بدأ الانحراف عنده أبدًا.
حصل بينه وبين الحسن البصري نقاش في مسألة صاحب الكبيرة هل يكفر أم لا يكفر؟ هل يخرج من الإيمان أم لا يخرج؟ فقال الحسن البصري: لا يخرج بمجرد كبيرته، ولكن واصل بن عطاء أصر أشد الإصرار على أنه خارج من الإيمان، ولكنه ليس داخل في الكفر، ومصيره في النار أنه خالد فيها.
فغضب الحسن وطرده من حلقته، وماذا كانت النتيجة؟ خرج عمرو بن عبيد بمجرد الهوى متبعًا انتصارًا له.
أما أهل السنة فلا يوجد عندهم الهوى أبدًا، اعرض عليه الحق يقبله لا محالة، ولا يحكم هواه أبدًا في مثل هذا الأمر، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير: إنما يأتمر بهواه مهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه، وهذا ينطبق على المعتزلة الذين يذهبون إلى التحسين والتقبيح العقليين.
[ ٢ / ٢١ ]
السمة الثالثة: اتباع المتشابه
ذكر الله في كتابه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] .
وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته التدمرية بكلام نفيس حول قضية التشابه، وأن التشابه ينقسم إلى قسمين: ١- تشابه عام.
٢- تشابه خاص.
والتشابه الخاص: هو الذي يشتبه على بعض الناس دون بعض.
والتشابه العام: هو الذي يشبه بعضه بعضًا، يعني: يصدق بعضه بعضًا ولا يعارض بعضه بعضًا، وهذا التشابه الذي وجد من علامات المبتدعة وهو ما يشتبه على بعض الناس، فتجد بعض الناس يأتي بالآية ويقول: هذه الآية ترد هذه الآية، وهذا الحديث يرد هذا لحديث، ولذلك ذكر الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] .
لكن الله أثنى على الراسخين في العلم فإنهم: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀ كلامًا عظيمًا نفيسًا يتعلق بالأمور الغيبية، وبالأمور المتشابهة، قال: (آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ) هذا هو التسليم التام لله ولرسوله ﷺ، وهو الواجب على كل مسلم أنه متى علم شيئًا عمل به وسلم له، وما لم يعلمه فإنه يرده إلى عالمه كما سنبين ذلك إن شاء الله في شرحنا لـ لامية شيخ الإسلام لأنه أومأ إليها:
وأرد عهدتها إلى نقالها
وهذا هو مقتضى قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
روى الإمام البخاري من حديث عائشة أن النبي ﷺ لما تلا هذه الآية، قال: (إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) .
ولذلك يدخل في هؤلاء طوائف المبتدعة كـ المعتزلة وغيرهم، الذين يجلسون فيثيرون الشبه والشكوك.
وسبحان الله! نُقل أن الفخر الرازي وهو من كبار أئمة أهل الكلام، ومن كبار الأشاعرة، وعليه ملحوظات في معتقده، ألَّف كتابًا في التفسير اسمه: مفاتيح الغيب، ويسمى: التفسير الكبير، قالوا: إنه يورد الشبه فيه ويؤصلها ويمكنها، ولكنه لا يستطيع الرد عليها، قالوا: فكان يورد الشبه نقدًا ويدع الرد نسيئة، كأنه نوع ربا، وليته لم يذكر الشبه أصلًا ولا تعرض لها، وكانت عقليته عجيبة جدًا.
وذكروا من اللطائف أنه مر ذات مرة في طريق وكان يمشي، فمر أحد تلاميذه ومعه امرأة كبيرة السن، ربما تكون أمه أو قريبة منه، فأراد أن يعرِّف أمه بهذا العالم الكبير، فقال لها: إن هذا العالم يحفظ ألف دليل على وجود الله تعالى.
فقالت هذه المرأة بفطرتها: والله لو لم يكن في قلبه ألف شك ما احتجنا لألف دليل، ما الحاجة إلى ألف دليل على وجود الله تعالى، مثلما يقال لإنسان: هات مائة دليل على أن (اللمبات) مضيئة؟ ليس هناك حاجة إليها أصلًا، مما يدل على أن الواجب على الإنسان أن يبتعد عن الأمور المتشابهة.
ولذلك كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه وهو إمام أهل السنة قاطبة يحذر تلامذته من حضور مجالس المبتدعة كـ المعتزلة وغيرهم، وكذلك الكلابية الذين كان لهم قوة وانتشارًا في عهد الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والسبب: لأنهم يثيرون الشكوك والشبه.
ولما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: ألا تناظر المعتزلة على الملأ وتناقشهم؟ قال ﵀: ليس من ضعفٍ فيَّ من ردي ومن مناقشتهم، ولكن ربما أرد ردًا لا يفهمه بعض الحاضرين يكون فتنة عليه وشبهة وشكًا في قلبه لم يكن يعلمه، ولهذا قال علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى ورضي عنه: [حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله] ولهذا لو جاء إنسان عندنا يحدث في جماعة المسجد وليس في حلقة علمية، يحدثهم عن شبه المعتزلة والرد عليها، ثم يأتي بنصوص نفي صفة الرؤية، ثم يبدأ يرد عليهم، أو يأتي بكتاب من كتب النصارى ثم يقول: قال النصارى كذا وكذا، ونحن نرد عليهم بكذا، نقول: ليتك ما تكلمت وإن كان ما تقوله حقًا، فربما يكون في قلب أحدهم شبهة فتنقدح في قلبه، وربما يكون سببًا لانحرافه عن صراط الله المستقيم، ولذا قال علي كما في الصحيحين: [حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله] .
[ ٢ / ٢٢ ]
السمة الرابعة: معارضة السنة بالقرآن
ذلك أن بعض الطوائف ترى أن العمدة هو كتاب الله تعالى، وتجد بعض الناس ولعل من الأمثلة عليه أن يأتي بعض الناس -مثلًا- وتقول له: يا أخي! جزاك الله خيرًا: التدخين لا يجوز، قال: هل هناك آية من القرآن تدل عليه؟ تجد أنه يعارض الحكم، وكأن التقعيد عنده أنه لا يريد أصلًا أن يعمل، وليس قصده بحثًا عن الحق لإرادته، ونعتبر هذا من الخطأ ومن الجهل.
ولذلك نجد بعض الطوائف تكتفي بقضية القرآن وحده، ويسمون أنفسهم: القرآنيون، وهؤلاء منحرفون وليسوا على منهاج كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولهذا يقول النبي ﷺ محذرًا من ذلك أشد التحذير: (يوشك الرجل متكئًا على أريكته، يحدث بحديث فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله) ثم قال النبي ﷺ: (أما إني أوتيت القرآن ومثله معه) .
فما جاءنا عن سنة يجب أن نأخذ بها كما نأخذ بالقرآن، والله قد قال عن رسوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ولو أخذنا بالقرآن وحده! من أين عرفنا أن صلاة الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث وغيره، من أين؟! فليس في القرآن شيء من ذلك، من أين عرفنا أنصبة الزكاة؟! من أين عرفنا مسائل رمي الجمار في الحج؟ كلها من سنة النبي ﷺ، وهذا هو الواجب.
قال الإمام البربهاري ﵀، وهو من كبار أئمة أهل السنة والجماعة: إذا سمعت الرجل يطعن في الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غير آثار النبي ﷺ فاتهمه على الإسلام.
إذا رأيت الرجل يطعن في الآثار، أي: يقدح فيها وهي صحيحة، أو يردها فلا يقبلها؛ لأنه أجال بها العقل، ولا يريدها لعدم موافقتها للعقل، أو يريد غير الآثار، مثل بعض الناس تناقشه، فيقول: أنا كلما أناقشك في قضية تقول تلقائيًا: قال الله وقال رسوله، ناقشني بالعقل ولا تأت بقول الله ولا بقول رسوله.
ولذلك قال: فاتهمه على الإسلام، ولا تشك بأنه صاحب هوىً ومبتدع؛ لأنه ليس على منهج أهل السنة والجماعة.
[ ٢ / ٢٣ ]
السمة الخامسة: بغض أهل الحديث والأثر
بغض أهل الأثر وأهل الحديث والوقيعة فيهم، علامة تدل على خبث صاحبها، ولعل السبب في ذلك إذا أبغضوا أهل الحديث بناءً عليه لم يقبلوا ما ينقلونه إليهم، وما يبينونه لهم من سنة محمدٍ ﷺ، ولهذا يتهمونهم بعدم المعرفة وبعدم الدراية.
يقول أحمد بن سنان القطان رحمه الله تعالى: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، والسبب: لأن الحديث يلقمهم الحجر، وإذا جئت بالنص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لم يكن لأحدٍ منهم أن يقول شيئًا، ولهذا بدلًا من أن يبغضوا السنن أبغضوا نقالها، وإذا أبغض النقال أسقطت قيمة ما رووه من الأحاديث، وما وصلهم عن النبي ﷺ.
[ ٢ / ٢٤ ]
السمة السادسة: إطلاق الألفاظ القبيحة على أهل السنة
إطلاق الألفاظ والألقاب الخبيثة على أهل السنة؛ للتنفير منهم، ولعلنا سمعنا ما كان يقوله الكوثري في شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا، فهم إذ يطلقون هذه الكلمات؛ لأجل أن ينفر الناس منهم، وكم نسمع في واقعنا المعاصر، تأتي إلى صاحب قبرٍ يدعوه من دون الله، وربما يذبح له ويطوف حوله، وتقول له: هذا الأمر لا يجوز، يقول لك تلقائيًا: أنت وهابي، بمعنى أن هذا الوصف ذم عندهم، ونقول: رويدك! فليس وصف ذم، بل هو منهج ما جاء عن الله وجاء عن رسوله ﷺ.
ولهذا قالوا عن أهل السنة: حشوية، ونواصب، ومجسمة، وبأنهم وبأنهم ألفاظ، حتى إذا سمعها إنسان نفر منهم وابتعد، وسبحان الله! كم نجد من الناس حين تناقشهم يقشعر جلودهم لأنه يقول: أنت على غير المنهج الذي أنا عليه، وأتذكر في حجنا في العام الماضي وجدنا شخصًا في يوم عرفة في يده تميمة وفي رقبته تميمة، وجئنا به وأخذناها وفتحناها وذكرنا له، فما استطاع أن يقول شيئًا غير أن قال: أنا أخدتها من المولوي، وأنا أتبعه ولا أتبعكم.
وكأن معه أحدًا أوحى إليه إيحاءات بأن هؤلاء وهابية لا يحبون هذه الأمور، وما علم أن الواجب علينا أن ندله على الخير وأن ننقله من هذا الشرك الذي تعلق قلبه به، وهذا من الخطأ ومن الجهل أن يوصف أهل السنة بهذا الأمر، وقد ذكر ذلك الإمام البربهاري ﵀ في شرح سنته، وإسماعيل الصابوني ﵀ في عقيدة السلف أصحاب الحديث، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه ابن القيم وغيرهم.
[ ٢ / ٢٥ ]
السمة السابعة: عدم اتباع مذهب السلف
تجد بعض الناس يستحي أن ينتسب لـ سلف الأمة، ولا يرى أنه شرفًا له ومنقبة أن يسير على ما سار عليه الطراز الأول، وعلى ما سار عليه من كان على هدى وعلى صراط الله المستقيم.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ.
إن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى رجال، فـ المعتزلة تنتسب إلى واصل بن عطاء.
والجهمية ينتسبون إلى الجهم بن صفوان، وغيرهم من الطوائف الجعدية، والبيانية، وطوائف أخرى تنتسب إلى أشخاص ورجال، لكن أهل السنة والجماعة ينتسبون إلى المنهج، وإلى سلف الأمة رحمهم الله تعالى من الصحابة ومن سار على هديهم.
[ ٢ / ٢٦ ]
السمة الثامنة: تكفير وتبديع من خالفهم
ولهذا ذكرنا أن الكوثري ومن سار على نهجه يكفرون من خالفهم على منهجهم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في منهاج السنة النبوية في رده على الرافضة قال: والعجيب من أهل البدع أنهم يبتدعون البدعة، ويكفرون من خالفهم عليها، هم المبتدعون في الأصل، ويكفرون من لا يسير على بدعتهم، ولا شك بأن كلا المقدمتين قبيحة: المقدمة الأولى: أنهم جاءوا ببدعة لم تكن لها رصيدًا من كتاب ولا سنة.
المقدمة الثانية: التكفير من أجلها مع أنه لا رصيد لها من كتاب ولا من سنة، ولا رصيد لها من منهج أصحاب رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢٧ ]
كيفية معرفة المبتدع
أقول للأحبة تأصيلًا عامًا: ما ذكرته مقدمات للقراءة في كتب العقائد، ولعلي أذكر كيف تستطيع أن تميز هذا العالم وهذا الكاتب أنه من سلف الأمة أو ليس من سلف الأمة، ويكون ذلك عن طرق متعددة، وأولها: أن تبحث في كلامه أو في كتابه في باب الأسماء والصفات، فإذا وجدته يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] وجاء أمر ربك، أو: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] نعمته أو قدرته، فاعلم بأنه مبتدع، وليس على منهاج أهل السنة والجماعة.
إذًا: الأمر الأول: أن أبحث عن آيات الصفات وأنظر كلامه أو كتابته فيها، فإن أوّل صفة واحدة أقف في حذر منه، وأعلم بأنه لم يسر على ما كان عليه سلف الأمة.
الأمر الثاني: أن أبحث عن كلامه في خبر الآحاد، فالمبتدعة يرون أن خبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد، ويرون أنه ظني الدلالة، ولا يفيد العلم، ولا يؤخذ لله من النصوص الواردة في الأسماء والصفات، ولا شك أنه إذا قال: خبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد، أو أنه ظني الدلالة لا يعمل به وإنما يعمل به في باب الأحكام دون العقائد، علمت بأن هذا ليس على منهج سلف الأمة.
الأمر الثالث: كلامه في مبحث القضاء والقدر، هل هو يقول بالكسب فيكون أشعريًا، أو يقول بالجبر فيكون من الجبرية، وأن كل هذا بقضاء الله وقدره، أو يقول: إن الإنسان خالق لفعله، فاعلم أنه معتزلي، ويصبح مبحث القضاء والقدر من المباحث المهمة التي يتميز بها، أو يمكن تميز صاحب الكتاب وغيره.
الأمر الرابع: مسألة التحسين والتقبيح، وهي من المسائل التي تكلموا فيها في العقائد، وفي أصول الفقه، فإذا كان يقول: إن التحسين والتقبيح عقليان فقط، فاعلم بأنه معتزلي، أو يقول: إن التقبيح والتحسين شرعيان فقط فاعلم أنه أشعري وأنه ليس على منهاج أهل السنة والجماعة وإن قال بأنه يكون عقليًا ويكون شرعيًا وفصل فيه، علمت بأنه سلفي في ذلك الأمر.
الأمر الخامس: مبحث الإيمان: فإن قال: إن الإيمان قول فقط، أو قال: الإيمان قول واعتقاد، أو قال: الإيمان هو المعرفة، أو قال: الإيمان ليس إلا مجرد الذي يوجد في القلب وهو الاعتقاد كقول الماتريدية، علمت أنه مبتدع، لكن إذا قال: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، علمت أنه على منهاج سلف الأمة وهذا هو منهجه.
وتوجد علامات غير هذه كثيرة يمكن التمييز لطالب العلم حين يقرأ في أي كتابٍ يبحث عن هذه بسهولة، ويستطيع أن يعرف الكاتب وما قرأه.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٢ / ٢٨ ]