من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما ورد من أخبار النبي ﷺ في أمور الآخرة، ومن ذلك: الشفاعة العظمى الخاصة بالنبي ﷺ، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه أهل الموقف، ثم ما يتبع ذلك من حساب ونصب للموازين، ووزن للأعمال، وتطاير الصحف، ونشر للدواوين، والجواز على الصراط.
[ ١٣ / ١ ]
الإيمان بحشر الخلائق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] .
والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣]] .
هذا صلة لما تقدم من الكلام على الإيمان باليوم الآخر، والمؤلف ﵀ ذكر شيئًا مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر ولم يستوعبه، وقد تقدم أن الإيمان باليوم الآخر يقتضي الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، كما قال ﵀: (والبعث بعد الموت حق)، ثم قال: (وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور) (فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]) .
وقد جاء النفخ في القرآن في ثلاثة مواضع: الموضع الأول قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، هذه النفخة الأولى وتسمى نفخة الفزع.
والنفخة الثانية والثالثة في سورة الزمر في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، فحصل من هذا ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام والبعث.
والمؤلف ﵀ ذكر في هذه الآية نفخة البعث التي يقوم بها الناس لرب العالمين، كما قال الله ﷿: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١-٣]، ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤-٦]، فهذا القيام عقب النفخ هو الذي يقوم به الناس من قبورهم، ويحشرون به إلى ربهم، قال ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] أي: يأتون من كل مكان، ويجتمعون من كل صوب، والنسل في قوله تعالى: (ينسلون) يدل على كثرة وعظم هذا البعث، وأنه بعث عظيم يأتي بالناس ويجمعهم من كل مكان.
قال ﵀: (ويحشر الناس يوم القيامة) .
بعد أن ذكر البعث وقيام الناس لرب العالمين ذكر الحشر، ويحشرون: أي يجمعون، وهذا الجمع ليس خاصًا بالناس، وإنما خصهم المؤلف ﵀ بالذكر لكونهم هم الذين يقصدون بالبعث والنشور والحشر؛ لأن مقصود الحساب والجزاء أن يتبين أهل السعادة وأهل الشقاء، وأما بعث ونشر وحشر غيرهم فهو تابع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥]، فالوحوش تحشر وتجمع، وقال تعالى في حشر الخلائق:: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨]، أي: كل ما طار وما درج وكل ما خلقه الله ﷿ يحشر يوم القيامة، فكل ذي حياة يبعث يوم القيامة ويؤتى به إلى أرض المحشر.
قوله ﵀: (ويحشر الناس) تخصيص لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، فيحشرون ويجمعون على الصفة التي ذكرها الله ﷿.
وسمى اليوم بيوم القيامة؛ لأنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، ولأنه اليوم الذي يقام فيه الميزان بالقسط، ولأن الله ﷿ يقيم فيه العدل؛ فهذا هو سبب تسمية هذا اليوم بيوم القيامة.
قال ﵀ في صفة حشر الناس: (حفاة عراة غرلًا بهمًا)، وهذه الأوصاف جاءت بها السنة، ففي حديث ابن عباس في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنكم ملاقو ربكم حفاة عراة غرلًا)، وأما زيادة: (بهمًا) فجاءت في مسند الإمام أحمد بسند لا بأس به، قال رسول الله ﷺ: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا، قالوا: ما بهمًا يا رسول الله؟ قال: ليس معهم شيء)، أي كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام:٩٤]؛ فكل الناس يأتي يوم القيامة ليس معه شيء من هذه الدنيا إلا ما كان من العمل الصالح، كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: (يأتي الرجل يوم القيامة فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -جهة شماله - فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار)، وإنما ذكر العمل عن اليمين وعن اليسار؛ لأن به يحصل فكاكه مما بين يديه.
يقول المؤلف ﵀ في بيان ذلك الموقف: (حفاة): أي ليس معهم شيء يقي أقدامهم، (عراة): ليس معهم ما يستر أجسادهم، (غرلًا): قد تم خلقهم فلا نقص فيهم بوجه من الوجوه، حتى هذه القطعة التي تؤخذ من الذكور عند ختنهم بعد ولادتهم تعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فلا يضيع شيء من خلق الناس: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤]، أي: يحفظ كل قطعة وكل جزء وكل ذرة من خلق الإنسان، ويعلم أين ذهبت؛ فيجمعها الله ﷿ ويتركب منها هذا الخلق يوم القيامة.
قال: (فيقفون في موقف القيامة)، أي: في أرض المحشر يقفون قيامًا على أقدامهم في ذلك اليوم الشديد العصيب.
[ ١٣ / ٢ ]
الشفاعة العظمى للنبي في الموقف
قال ﵀: (حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ) .
فإنهم يقفون مدة طويلة، وهذه المدة ليست مدة لهو وابتهاج ونظر؛ إنما هي مدة عظيمة طويلة يطولها الله على أهل المعصية والكفر، ويقصرها جل وعلا ويخففها على أهل الإيمان والتقى والصلاح الذين قال الله فيهم: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]، اللهم اجعلنا منهم! يقول النبي ﷺ فيما رواه الإمام مسلم من حديث المقداد بن الأسود: (تدنو الشمس يوم القيامة من رءوس الخلائق.
قدر ميل أو ميلين، فيكون الناس في عرقهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه العرق إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه العرق إلى حقويه - يعني إلى منتصف جسمه - ومنهم من يأخذه العرق إلى ثدييه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا)، هكذا يتفاوت الناس في شدة ذلك اليوم بسبب صهر الشمس لهم بقدر ما كان من أعمال لهم في هذه الدنيا قف الآن في الشمس وانظر مدى أثرها عليك، وهل تطيق ذلك أو لا؟ فما ظنك بهذه الشمس عندما تدنو من رءوس الخلائق قدر ميل أو ميلين، والميل إما أن يكون ميل المكحلة، وهو الجزء الذي يدخل في أداة الاكتحال، وإما أن يكون المسافة المعروفة، وكلاهما قريب.
يقف الناس في ذلك الموقف العصيب الشديد، ثم يضيقون لطول الموقف وشدته، فيطلبون فكاكًا من ذلك الموقف، ويطلبون شفاعة سادات الخلق وهم الرسل الكرام، فيبدءون بآدم أبي البشر، فيأتون إليه ويقولون له: يا آدم! أنت الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! يعنون: من الشدة والكرب، فيقول: لست لها، اذهبوا إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيعتذر ويحولهم إلى إبراهيم، فيعتذر إبراهيم ويحولهم إلى موسى، فيعتذر موسى ويحولهم إلى عيسى وهكذا أربعة من أولي العزم من الرسل خامسهم آدم ﵇، فيحولهم عيسى ﵇ إلى النبي ﷺ.
فيأتون إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك الموقف الشديد العظيم فيقولون: ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول النبي ﷺ: (أنا لها، أنا لها)، فيقوم ﷺ ويخر لله ﷿ ساجدًا، فيقال له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع) فيشفع النبي ﷺ في فصل القضاء، أي: أن يأتي الله جل وعلا لفصل القضاء بين الخلائق، وهذه هي الشفاعة العظمى التي اختص بها رسول الله ﷺ، وهو المقام المحمود الذي يحمده عليه الناس كلهم مسلمهم وكافرهم.
وهذه الشفاعة لجميع الخلق مسلمهم وكافرهم؛ لأن الموقف موقف عظيم يضيق بالناس، سواء المسلم منهم والكافر، ولذا فإن هذه الشفاعة فيها نوع شفاعة للكفار، لكنها لا تنفعهم في الحقيقة، إذ إن ما يقبلون عليه وما يقدمون إليه أعظم مما خلفوا، فهو يشفع فيهم ليتخلصوا من شدة وكرب الموقف وينتقلوا إلى النار؛ نعوذ بالله من الخذلان والكفران، وهناك يكون الأمر أشد وأعظم.
وهذه الشفاعة مشار إليها أيضًا عند أنواع الشفاعة، وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي يحمد فيه النبي ﷺ كل الخلائق.
[ ١٣ / ٣ ]
حساب الله للخلائق يوم القيامة
قال: (ويحاسبهم الله ﵎)، أي يحاسب الناس، وظاهر هذا أن الحساب لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم.
[ ١٣ / ٤ ]
كيفية محاسبة الله للمؤمنين والكافرين
ذكر الله جل وعلا المحاسبة، ووصف حسابه بأنه سريع، ووصف نفسه بأنه سريع الحساب، وهذه المحاسبة لا تختص بأهل الإيمان، بل تكون لأهل الإيمان وأهل الكفر، إلا أن أهل الإيمان حسابهم يسير، كما قال الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] .
أما من نوقش الحساب فإنه يعذب، كما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من نوقش الحساب عذب، قالت: يا رسول الله! ألم يقل الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] فقال: لا، إنما ذلك العرض)، أي: أن الله ﷿ يعرض الأعمال على أهل الإيمان ويقررهم عليها، لكنه لا يحاسبهم عليها ولا يعاقبهم بها.
أما الكفار فإنهم يحاسبون؛ لكن محاسبتهم ليست محاسبة موازنة تحصى فيها حسناتهم وسيئاتهم، فينظر أيهما يرجح؛ لأن الكافر لا حسنات له، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، والهباء هو الأشياء المتطايرة في شعاع الشمس، وهل هذه توزن أو يتكون منها شيء؟ لا يتكون منها شيء؛ ولذلك قال الله ﷿ في الكافر: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، أي: لأنه لا عمل له يوزن، لكن المحاسبة التي ثبتت لأهل الكفر هي إحصاء الأعمال وعرضها على الكفار.
وأما المحاسبة التي توضع فيها الحسنات في كفة والسيئات في كفة؛ فلا تكون لأهل الكفر، لأنهم ليس لديهم حسنات حتى توزن وينظر هل ترجح بما معهم من السيئات أو لا؛ إنما معهم سيئات، وهي التي تهوي بهم في النار، نسأل الله السلامة والعافية.
أما أهل الإيمان فهم يحاسبون، وحسابهم عرض أعمالهم عليهم، وأيضًا الموازنة بين الحسنات والسيئات، وينقسم الناس في هذا إلى أقسام: منهم من ترجح حسناته، ومنهم من ترجح سيئاته، ومنهم من تستوي الحسنات والسيئات.
[ ١٣ / ٥ ]
نصب الموازين للحساب
يقول ﵀: (وتنصب الموازين)، أي: تقام كما قال الله ﷿: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فالله ﷿ يضع الموازين.
وقول المؤلف: (الموازين)، يظهر منه أن الوزن ليس بميزان واحد بل بموازين متعددة، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾، أي: الموازين العدل التي لا تحيف ولا تضل، فلا يهضم صاحب الطاعة شيئًا ولا يبخس شيئًا، ولا يحمل صاحب السيئات شيئًا من السيئات لم يعمله، بل هي موازين قسط.
والميزان معروف في كلام العرب، وهو ما يوزن به الشيء، والوزن للأعمال هو الأصل، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) .
ولا تقل: كيف يوزن العمل؟ فيوم القيامة شأنه مختلف عن شأن الدنيا؛ فإن الأعمال يكون لها وزن عند الله ﷿ يزنها بها ﷾، فنحن نؤمن بالميزان، لكن لا ندرك كيفية الوزن؛ لأن حقائق ما أخبر الله به مما يكون في الآخرة أمر لا تتصوره العقول بل نؤمن بما أخبر الله به ورسوله على مراد الله وعلى مراد رسوله دون أن نلج وأن ندخل في طلب الكيفيات والحقائق لتلك الأخبار.
إذًا: ذكرنا أن الأصل في الوزن أن يكون للأعمال، ولكن هل يوزن غير الأعمال؟ نعم يوزن العمال وتوزن الصحائف، كما في حديث عبد الله بن مسعود في مسند الإمام أحمد، حيث قال النبي ﷺ لما ضحك الصحابة من دقة ساقي عبد الله: (أتضحكون من دقة ساقيه! فوالله إنهما لفي الميزان أثقل من جبل أحد)، وفي صحيح الإمام مسلم: أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل الكافر العظيم -العظيم الوزن والجرم- فلا يزن عند الله جناح بعوضة)، فهذا يدل على أن الوزن يكون للعمال كما يكون للأعمال، لكن هل هذا عام في الجميع، الله أعلم؟ والذي نوقن بأنه عام وللجميع هو وزن الأعمال.
كذلك توزن السجلات، والسجلات هي دواوين العمل التي يسجل فيها ما يكون من الإنسان، ودليل ذلك: ما رواه الإمام الترمذي في جامعه والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن عمرو بسند جيد قال: (يؤتى برجل يوم القيامة ويؤتى معه بتسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر، فتوضع في كفة من السيئات، ويؤتى ببطاقة فتوضع في الكفة الأخرى فتطيش تلك السجلات)، وهذه البطاقة فيها لا إله إلا الله، فدل هذا على وزن سجلات الأعمال.
فقوله ﵀: (وتنصب الموازين)، المقصود فيه الموازين التي توزن بها الأعمال والعمال وسجلات العمل، وهذا كله في حق أهل الإيمان، أما الكفار فليس لهم حسنات توزن، بل كل ما قدموه من حسنات يذهب هباء منثورًا، وهل هذا ظلم؟
الجواب
لا، تعالى الله عن أن يظلم أحدًا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا)، هذا لكونهم جوزوا وكوفئوا على هذه الأعمال في الدنيا، والله لا يظلم الناس شيئًا؛ فيقدمون يوم القيامة ليس لهم عمل.
[ ١٣ / ٦ ]
نشر الدواوين وتطاير الصحف بأعمال العباد
يقول ﵀: (وتنشر الدواوين)؛ النشر ضد الطي، وهو: البسط والكشف والإشاعة، والدواوين: جمع ديوان، وأصل الديوان: الجريدة التي يتكون منها الكتاب، فالديوان قرطاس من قراطيس الكتاب، فالدواوين هي القراطيس التي يكون فيها عمل بني آدم، وتنشر هذه الدواوين على الخلق، وقد ذكر الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] .
يقول ﵀: (وتتطاير الصحائف) الصحائف: جمع صحيفة، وهي الدواوين، وهي صحف الأعمال.
(إلى الأيمان والشمائل)، أي: أن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه -نسأل الله أن نكون منهم- ومنهم من يأخذ كتابه بشماله، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، وهؤلاء هم أهل السعادة أهل التوحيد والإيمان، أهل الإسلام يؤتون كتبهم بأيمانهم، ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، الحساب اليسير هو عرض العمل عليه؛ فيعرضه الله عليه ويقرره به ويقول له: قد غفرت لك، وتطوى تلك الصحائف ويئول إلى الجنة، ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ بفوزه ونجاته.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ وهذا يأخذ كتابه بيده اليسرى، وإنما قال: (وراء ظهره) بناء على سوء الحال، وأن الإنسان يخفي هذه الصحيفة ولا يفرح بها، ويتمنى أن لم تصل إليه لما فيها من سوء الشهادة عليه، وبيان مآله ومصيره، وأنه من أهل النار، ولذلك يخفيها، ولذا قال الله تعالى في صفة أخذها: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١٠-١١]، أي يقول: يا ثبوراه! يا ثبوراه! وذلك لما بان له واتضح من عظيم الخسارة، وكثير الفوات الذي حصله في ذلك الموقف.
﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١٢]، أي: ويحرق بالنار -نعوذ بالله- ويُصلَى كما تصلي ما تطبخه على النار، كذلك هذا الذي أخذه كتابه وراء ظهره يصلى سعيرًا، وقد ذكر الله ﷿ الأخذ بالأيمان والشمائل في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ [الحاقة:١٩-٢٥] هذا السر يبينه لنا الله فيه كيف يأخذ كتابه من وراء ظهره (فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٧]، يا ليت الموتة السابقة كانت القاضية ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨-٢٩] .
هذا الخبر في سورة الحاقة ذكر الله فيه انقسام الناس في أخذ الكتاب؛ فذكر الأخذ بالشمائل، وهنا ذكر موضع الأخذ، وأنه يؤخذ من وراء الظهر.
ومن العلماء من قال: إن الناس في أخذ الكتاب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: منهم من يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، والذي يظهر والعلم عند الله: أن الناس ينقسمون في ذلك إلى قسمين: - قسم يأخذ كتابه بيمينه.
- وقسم يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره.
ولا تعارض بين ما في آية الحاقة، وبين ما في آية الانشقاق؛ فإن آية الانشقاق أخبرت بأنه يأخذه من وراء ظهره، وآية الحاقة أخبرت بأنه يأخذه بشماله.
[ ١٣ / ٧ ]
وصف الميزان
قوله ﵀: (والميزان له كفتان ولسان)، هكذا جاء في بعض الآثار، ويشهد لهذا ما في حديث عبد الله بن عمرو في جامع الترمذي ومستدرك الحاكم؛ حيث ذكر أن السجلات توضع في كفة، والبطاقة التي كتب فيها لا إله إلا الله توضع في الكفة الأخرى، قال ﵀: (وتوزن به) أي بالميزان (الأعمال) وذكرنا أن الوزن يكون للعمل وللعامل وللصحائف ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: وأعماله ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] اللهم اجعلنا منهم.
ما معنى وصفهم في الآية بالمفلحين، في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؟ المفلح هو من أمن من الطالب وأدرك المطلوب، فهؤلاء أمنوا مما يخافون ويرهبون، وأدركوا ما يطلبون ويرجون، فتحقق لهم الفلاح.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: خفت وطاشت ولم يكن لها ثقل ترجح بالميزان ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣] هذا في حق أهل الكفر، وهذا مما يستدل به على أن الكفار يحاسبون وتوزن أعمالهم، لكن الوزن ليس وزن الموازنة بين الحسنات والسيئات؛ لأنهم كما ذكرنا لا حسنات لهم إنما توضع سيئاتهم وتبين بها سوء حالهم ومنقلبهم.
[ ١٣ / ٨ ]
صفة الحوض
قال المؤلف ﵀: [ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا] .
هذا بيان شيء مما يكون في ذلك الموقف، قال: (ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة)، الحوض: هو مجتمع الماء، فيكون لنبينا محمد حوض في أرض المحشر، دليل ذلك: أن الله جل وعلا قال لنبيه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ومن الكوثر الذي أعطاه الله ﷿ رسوله ﷺ ذلك الحوض في ذلك الموقف، والأصل في معنى الكوثر: الخير الكثير، والله ﷿ قد أعطى رسوله ﷺ خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة، من ذلك ما خصه به من الحوض المورود، وإنما وصف الحوض بأنه حوض مورود؛ لكثرة من يرده من الناس، وذلك أن حوض النبي ﷺ أكثر أحواض الأنبياء واردًا.
وفي جامع الترمذي من حديث سمرة: (أن لكل نبي حوضًا، وأعظم الأنبياء حوضًا النبي ﷺ)، والحوض كما هو ثابت في الكتاب فقد تواترت به سنة النبي ﷺ، وأجمع عليه سلف الأمة وعلماؤها وأئمتها، وهو من أعظم ما خص الله به رسوله ﷺ في أرض المحشر.
قوله: (ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء؛ من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا)، هكذا جاء وصف الحوض عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث أبي ذر وثوبان وغيرهما من الصحابة.
فإن النبي ﷺ أخبر: (بأن الله قد أعطاه حوضًا ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وعدد كيزانه كعدد نجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ بعده أبدًا)، وجاء في رواية أبي ذر عند مسلم: (طعمه أحلى من العسل)، وجاء أيضًا في رواية ثوبان، وجاء في رواية أبي ذر أيضًا أن: (طوله وعرضه سواء طوله شهر) هكذا جاءت الأحاديث في وصف هذا الحوض، نسأل الله ﷿ أن نكون ممن يرد على رسول الله ﷺ فيه؛ فمن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا.
وموضع هذا الحوض قبل الصراط فيما يظهر من سياق ما يكون في الموقف: أنهم يشربون منه قبل أن يردوا الصراط.
[ ١٣ / ٩ ]
صفة الصراط ومن يجوزه
ثم ذكر المؤلف ﵀ الصراط قال: [والصراط حق يجوزه الأبرار، ويزِل عنه الفجار] .
الصراط على وزن فعال بمعنى مفعول، أي: مصروط، والصراط في لغة العرب يطلق على الطريق الواسع الرحب الذي لا ضيق فيه؛ ولذلك قال جماعة من العلماء: إن الصراط واسع؛ لأنه لا يطلق هذا الوصف إلا على ما اتسع، وقال آخرون في وصفه حسب ما جاءت به بعض الآثار من أنه: (أدق من الشعرة وأحد من السيف)، ولا يعارض هذا وصفه بالصراط لكونه صراطًا مسلوكًا يمر عليه الناس، فالصراط هو الجسر المضروب على جسر جهنم، ولا يدخل أحد الجنة إلا بالمرور عليه، فكل من صار إلى الجنة فقد مَرَّ على الصراط.
والصراط إنما يمر ويسير عليه أهل الإسلام دون غيرهم، وأقصد بأهل الإسلام كل من كان مسلمًا سواء من هذه الملة أو من الأنبياء من قبل، فأهل الكفر لا يجوزون الصراط ولا يأتون إليه، بل يصار بهم إلى النار ابتداءً، كما في حديث أبي سعيد وأبي موسى في الصحيحين: (أنه ينادى في الناس يوم القيامة فيقال: من كان يعبد شيئًا فليتبعه)؛ فيتبع عباد الشمس الشمس، ويتبع عباد القمر القمر، ويتبع عباد الطواغيت الطواغيت، ويصيرون إلى النار يلقون فيها يكبكبون، كما قال الله ﷿: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٤-٩٥]، فيلقون فيها إلقاءً.
أما الصراط فإنه لا يجوزه ولا يمر عليه إلا أهل الإسلام، وذلك أن كل أمة كانت تعبد شيئًا فإنها تتبع ما كانت تعبد، ثم يبقى أهل الإسلام في مكانهم في أرض المحشر؛ فيأتيهم الله ﷿ في الصورة التي يعرفون فيسجدون له، ثم بعد ذلك يجوزون الصراط على حسب أعمالهم.
يقول ﵀: (والصراط حق يجوزه) أي: يعبره وينفذ منه (الأبرار، ويزل عنه الفجار)، أي، يسقط ويتباطأ سير أهل الفجور والفسق، لكنه ليس زللًا أو سقوطًا مؤبدًا، إنما على حسب ما يكون من العمل.
الناس في عبورهم على الصراط يتفاوتون كما وضحت السنة: (فمنهم كالبرق، ومنهم كالريح الشديدة، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم يمشي على رجليه، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من تخطفه الكلاليب)، أسرعهم من يمر كلمح البصر، ثم بعد ذلك كالبرق، ثم كالريح الشديدة، ثم كأجاويد الخيل، ثم كأجاويد الإبل، على حسب الترتيب السابق، وهذا التفاوت في السير على الصراط ناشئ عن التفاوت في العمل، قال الله ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠]، فالسابقون إلى الطاعات والمبرات والخيرات في الدنيا هم السابقون إلى فضل الله ورحمته، والفوز بالنجاة في الآخرة، والنجاة من النار والفوز بالجنة، نسأل الله أن نكون منهم.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ١٣ / ١٠ ]