جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو خير جيل وجد على وجه الأرض، فقد اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه ﷺ، فالواجب على كل مسلم موالاتهم وحبهم، فإن حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
ويجب أيضًا معرفة حقوق أمهات المؤمنين زوجات رسول الله ﷺ الطاهرات المبرآت من كل رجس ودنس رضي الله تعالى عنهن.
[ ١٨ / ١ ]
حقوق الصحابة ﵃
بسم الله الرحم الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن السنة: تولي أصحاب رسول الله ﷺ، ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)] .
يقول المؤلف ﵀ في بيان ما يجب اعتقاده فيما يتعلق بصحابة رسول الله ﷺ: (ومن السنة) أي: التي يجب اعتقادها والعمل بها، وليس المقصود هنا السنة الاصطلاحية التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل السنة هنا هي الطريقة التي يسلكها أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالصحابة ﵃.
قوله: (تولي أصحاب رسول الله ﷺ) التولي: مأخوذ من ولي الشيء إذا قرب منه، والمقصود بالتولي هنا القرب من صحابة رسول الله ﷺ؛ وذلك بمحبتهم وإجلالهم وتقديرهم ومعرفة سابقتهم.
وهذا بيان مجمل لما يجب للصحابة ﵃، ثم جاء تفصيل ذلك في قوله: (ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم)، فكل هذا إنما هو من معاني التولي، فإن من لوازم التولي ما ذكر ﵀ من هذه الواجبات التي تجب لصحابة رسول الله ﷺ.
[ ١٨ / ٢ ]
تعريف الصحابي وتفاوت الصحابة في الصحبة
قول المؤلف ﵀: (تولي أصحاب رسول الله) أصحاب: جمع صاحب، والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو كان ذلك ساعة من ليل أو نهار، ولكن لا شك أن الصحابة ﵃، يتفاوتون في الحقوق بقدر تحقق الصحبة لهم، فالذين صحبوه ﷺ أطول وكانت صحبتهم له أحسن وأكمل، فإن لهم من الحق والفضيلة والمزية أكثر مما هي لمن قصر نصيبه من ذلك، فالصحبة وصف كلما ازداد في الشخص تحققه كلما علا حقه وارتفعت قدمه فيما ذكره المؤلف ﵀ من المحبة وذكر المحاسن.
وأعلى الصحابة صحبة هو: أبو بكر ﵁، فله من المحبة والفضل والسبق والتولي ما ليس لغيره من صحابة رسول ﷺ، فعلى سبيل المثال: من أسلم بعد الفتح ليس كمن أسلم قبل الفتح، كما ميز الله جل وعلا ذلك فقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، فهذه الآية ميزت بين طبقات الصحابة، فحق الذين أسلموا قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- من المحبة وذكر المحاسن والترحم والاستغفار والولاية أعظم من حق من جاء بعد ذلك؛ لأن من أسلموا قبل الفتح تحقق الصحبة فيهم أعظم من تحقق الصحبة فيمن أسلموا بعد الفتح، وهذا هو معنى قولنا: الصحبة وصف يزداد فيه الحق بازدياد هذا الوصف، فكلما ازداد نصيب الإنسان من صحبة النبي ﷺ كلما ازداد حقه من هذه الخصال الذي ذكرها المؤلف ﵀.
[ ١٨ / ٣ ]
وجوب محبة الصحابة وتوليهم والكف عن ذكر مساوئهم
يقول ﵀: (ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم) أي: محبة قلبية، وذلك لما كانوا عليه من عظيم الإيمان وصدق اليقين ورسوخ القدم في سبيل المتقين، ولما كانوا عليه من الذب عن رسول الله ﷺ، ولما كانوا عليه من الدعوة إلى الله ﷿ والنصح للخلق، فهم ﵃ لهم القدم السابقة في هذه الأمور كلها التي لا يمكن أن يُحلقوا فيها ﵃.
ويكفيهم فضلًا أن النبي ﷺ قال فيهم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم) فهم خير الناس، وهم أحق من يدخل في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وهم أحق من يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] فالمهاجرون والأنصار السابقون منهم هم الذين ﵃ رضًا مطلقًا فلم يقيد ذلك باتباع بإحسان فيما كان منهم، بل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] فاشترط الإحسان في التابعين لا فيهم هم.
فهم ﵃ لهم من الفضائل ما ليس لغيرهم، ولهم من المنزلة والمكانة ما ليس لغيرهم، فحقهم أن يحبوا؛ لأن محبة الصالحين من عبادة الله ﷿ ومن طاعته التي يؤجر عليها الإنسان ويثاب، فينبغي للمؤمن أن يستشعر هذا المعنى وأن يلاحظه، فليست المحبة لكوننا مأمورين بمحبتهم، بل نحن نحبهم محبة قلبية لما كانوا عليه من الفضل، ولما كانوا عليه من الخير، ولما وصلنا عن طريقهم من الشريعة، فهم حفظة الشريعة وحملتها ﵃.
يقول: (وذكر محاسنهم)، فالواجب ذكر محاسنهم؛ لأن ذكر المحاسن مما يزداد به حبهم ويزداد به توليهم.
قال: (والترحم عليهم) أي: والواجب أيضًا أن نترحم عليهم وأن ندعو لهم بالرحمة والمغفرة، وأن ندعو لهم بالرضى وبكل خير.
قال: (والاستغفار لهم)؛ أيضًا يجب طلب المغفرة لهم؛ لأنه ما من إنسان إلا ويخطئ كما قال النبي ﷺ: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) فنحن لا نقول: إنهم معصومون، لكننا نقول لهم: من السبق والفضل والمكانة والخير والتقوى ما يستوجب أن يحبوا وأن يذكروا بإحسان، وأن يترحم عليهم وأن يستغفر لهم ﵃.
يقول ﵀: (والكف عن ذكر مساوئهم) الكف: الامتناع، فيجب الامتناع عن ذكر مساوئهم، أي: عن ذكر ما ينسب إليهم من المساوئ سواء كانت صحيحة النسبة أو لم تصح؛ لأنهم قد ﵃، ومن ﵁ فلا يسوغ لمؤمن أن يبحث عن عيوبه أو أن يتلقط زلاته أو أن يبحث عن عثراته، فإن هذا مما يضعف مكانتهم وينزل في منزلتهم التي أنزلهم الله ﷿ إياها.
ثم اعلم أن كثيرًا مما يذكر من المساوئ المنسوبة إلى الصحابة: إما أنها آثار لا تصح، وإما أنها صحيحة لكن فيها زيادة أو نقص، وإما أنها غيرت عن الوجه الذي جاءت عليه، فبدل أن تكون إحسانًا حولت إلى أن تكون سيئة ومثلبة.
كذلك إذا ثبت هذا الذي ينسب إليهم فالواجب أن نعتقد أنهم مجتهدون ﵃، ولا يخلو حالهم عن إصابة فيكون لهم أجران، أو أن يكونوا قد أخطئوا فيكون لهم أجر واحد ﵃، وهذا لا يعني أننا نقول: إنهم معصومون كما تقدم قبل قليل، لكننا نعتقد فيهم كل خير، ونعتقد فيهم كل بر، ونسأل الله لهم العفو والعافية والمغفرة، ﵃ وأرضاهم.
[ ١٨ / ٤ ]
وجوب اعتقاد فضل الصحابة والكف عما شجر بينهم
قال: (والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم) يعني: الكف عن ذكر مساوئهم وعن ذكر ما شجر بينهم، أي: اشتبك ووقع بينهم من خلاف، فإن الواجب الكف عما شجر بينهم، فلا يجوز لمؤمن يرغب في النجاة ويحب السلامة أن يقع في ذكر ما وقع بين الصحابة من خلاف، بل الواجب الإعراض عن تلك الفتنة وعدم الوقيعة فيها أو التكلم بها أو ذكرها.
قال ﵀: [واعتقاد فضله] أي: يجب أن يعتقد فضلهم، فالواجب أن نعتقد فضلهم ﵃، وأن نعرف ما لهم من السابقة والمكانة؛ ولذلك قال: (واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم) أي: أنهم سبقوا إلى الخير، وسبقوا إلى الفضل، وسبقوا إلى نصرة الشريعة ونصرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم استدل المؤلف ﵀ لما تقدم من واجبات في حق صحابة رسول الله ﷺ فقال: [قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]] هذه الآية جاءت في سياق بيان الذين يستحقون الأخذ من الفيء، والفيء: هو ما يوقف عليه من أموال الكفار بلا قتال، فجعل الله ﷿ الحق فيها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨] ثم ذكر الله ﷿ ممن يستحق الفيء بعد ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد المهاجرين والأنصار، لكن ليس كل أحد جاء بعدهم إنما من كان على هذه الصفة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، فهذا فيه الدعوة لهم بالرحمة والدعوة لهم بالمغفرة.
قال: [وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]] وهذا من أبرز ما تميز به الصحابة ﵃ أنهم أشداء على أعداء الله الذي يحادون الله ويكذبون رسله، وهم فيما بينهم أهل رحمة وتواضع وخفض جناح وذلة وتقارب، حتى إنه وصفهم الله ﷿ بهذا الوصف في قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] والرحماء: جمع رحيم، والرحيم: هو الذي يسعى في إيصال الخير وقطع الشر عن المرحوم، فهم ﵃ كانوا يسعون في إيصال كل خير لكل من يعرفونه من أهل الإسلام، ويسعون في قطع كل شر عمن يعرفونه من أهل الإسلام ﵃ وأرضاهم، وكفى بتزكية الله ﷿ لهم تزكية في هذه الآية وفي غيرها من الآيات.
[ ١٨ / ٥ ]
حرمة سب الصحابة
قال: [وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)] هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد ﵁، وقد ذكر مسلم له قصة وهي: أن خلافًا وقع بين خالد بن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف، فتكلم خالد ﵁ في عبد الرحمن وسبه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (لا تسبوا أصحابي) يقول هذا ويوجه هذا لـ خالد بن الوليد، وخالد صحابي، لكنه من الذين أسلموا بعد الفتح، أي: بعد صلح الحديبية، فهو ممن تأخر إسلامه، فنهى رسول الله ﷺ أصحابه الذين تأخر إسلامهم أن يسبوا وأن يتكلموا فيمن تقدم إسلامهم كـ عبد الرحمن بن عوف وغيره من الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح، فكيف بمن جاء من غير الصحابة من بعدهم؟! فإذا كان الصحابة فيما بينهم يتفاضلون هذا التفاضل ففضل الصحابة -على وجه الإجمال- على من بعدهم كفضل الأولين منهم على المتأخرين.
معنى هذا: أن هذا النهي نهي لكل مسلم عن أن يسب أحدًا من أصحاب النبي ﷺ سواء كان ممن تقدم إسلامه أو ممن تأخر إسلامه؛ لأن نسبة من بعد الصحابة إلى الصحابة كنسبة المتأخرين منهم إلى المتقدمين، وهذا دليل على ما ذكرنا قبل قليل من أنه كلما ازداد وصف الصحبة في شخص فإنه يستحق من الفضل والمكانة والمحبة وسائر ما يلزم من التولي أكثر من غيره، فإن عبد الرحمن بن عوف يستحق من المحبة والتولي والاستغفار والترحم، أكثر ممن جاء بعده كـ خالد بن الوليد، وإن كان الجميع يشتركون في أصل الحق وهو التولي والمحبة والاستغفار والكف عن مساوئهم والكف عما شجر بينهم والاستغفار لهم، وما إلى ذلك مما تقدم ذكره في كلام المؤلف.
فنهى رسول الله ﷺ أهل الإسلام عن سب أصحابه، فكل من كان صاحبًا للنبي ﷺ فإنه لا يجوز سبه، لكن أيهما أعظم وأشد في السب: أن يسب الإنسان أبا بكر ﵁ أو أن يسب وحشيًا ﵁؟
الجواب
أن يسب أبا بكر.
وأيهما أعظم أن يسب عمر أو أن يسب من تأخر إسلامه أو من تأخر إيمانه من الصحابة ﵃؟ الجواب: لا شك أن سب عمر ﵁ أعظم، ولذلك يجب أن يكف المؤمن عن سب كل أهل الإيمان من صحابة رسول الله ﷺ، لكن يشتد الأمر بالمؤاخذة والذنب بقدر ما يكون من الوقيعة فيهم ﵃، فسب معاوية -مثلًا- ممن أسلم بعد فتح مكة، أو عمرو بن العاص ﵁ محرم؛ لكن سب أبي موسى وأبي هريرة أعظم من سبهما، وكذلك سب طلحة والزبير وسعد وسعيد أعظم من سب أبي موسى وأبي هريرة، وكذلك سب أبي بكر وعمر أعظم من سب من دونهم من الصحابة ﵃.
فقوله: (لا تسبوا أصحابي) نهي عن سب الجميع، ويتأكد هذا النهي في حق من عظمت منزلته في الصحبة وطالت صحبته لرسول الله ﷺ.
وقوله ﷺ: (فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا) أي: مثل جبل أحد وهو جبل معروف بالمدينة، يقع في جهة الشمال منها، فلو أنفق غير الصحابي مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، أي: ما بلغ في الأجر والمثوبة قدر ما ينفق أحد المتقدمين من الصحابة ملء يديه، فالمد هو: ملء اليدين أو نصيفها أي: نصف المد، وهذا يبين أن الفضل فيما يقوم في القلب، وأن السابقة لها فضل عند الله ﷿ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] .
فكل من سبق إلى الفضل فله من المنزلة والمكانة ما ليس لغيره ممن تأخر عن هذا الفضل وعن هذا الخير، فمعنى الحديث: لو أنفق قدر ما تملأ اليدين نفقة في سبيل الله، فإن نفقة الواحد منهم نصف المد خير من أن ينفق غيره مثل جبل أحد ذهبًا.
[ ١٨ / ٦ ]
فضل أمهات المؤمنين ﵅ وحقوقهن
قال المؤلف ﵀: [ومن السنة: الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.
ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃] .
[ ١٨ / ٧ ]
حكم سب الصحابة
يقول المؤلف ﵀: (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ) وقبل أن نتكلم عن هذا المقطع نسأل: ما هو حكم سب أصحاب رسول الله ﷺ؟
الجواب
سب أصحاب رسول الله ﷺ لا يخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن يسبهم بالكفر، بمعنى أن يكفر من علم إسلامه منهم، ويقول -مثلًا-: الصحابة كفروا إلا نفرًا قليلًا، فهذا لا شك في كفره.
الحالة الثانية من أحوال السب: أن يسبهم ويلعنهم ولا يتهمهم بالكفر، فهذا لا شك أنه ذنب عظيم كبير يوجب المؤاخذة والعقوبة، وهذا باتفاق أئمة الدين ولا خلاف بينهم.
الحالة الثالثة: أن يصفهم بما لا يقدح في دينهم من بغض أو ما أشبه ذلك، فهذا أيضًا من المحرمات، والفارق بين هذا والذي قبله أن الذي قبله اختلف العلماء فيه على قولين: فقيل: إنه يكفر، وقيل: إنه لا يكفر، أما هذا الذي هو سب بما يقدح وينقص منزلتهم لكن بما لم يلحقهم به نقص في دينهم فإنه يكون من الكبائر والآثام.
فهذه هي منازل ومراتب سب الصحابة ﵃.
وأشهر من عرف بسب الصحابة هم الباطنية الرافضة عليهم من الله ما يستحقون، فإنهم يتقربون إلى الله بسب الصحابة، وهم لا يزدادون بهذا من الله إلا بعدًا، ويسوغون هذا ويبررونه بحب آل البيت، وأهل السنة والجماعة أعظم منهم حبًا لآل البيت، وأعظم منهم نصرة لله ورسوله، وقد جمعوا بين الفضيلتين، وليس بين حب آل البيت وحب الصحابة تعارض، بينما عند الرافضة أنه لا ولاء إلا ببراء، ولا ولاء لأهل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، والسابقين الأولين من الصحابة ﵃.
ونحن نقول: لا ولاء إلا بولاء، فلا ولاء لأهل البيت إلا بمحبة وولاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ١٨ / ٨ ]
من هن أمهات المؤمنين؟ وكم عددهن؟
ومن جملة حقوق الصحابة ما بينه المؤلف ﵀ في هذا المقطع حيث قال: (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء)؛ أزواج النبي ﷺ أي: من نكحهن ﷺ.
وهن ﵅ قد أثنى الله عليهن وبين منزلتهن في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] وهذا الخبر من الله ﷿ فيه بيان ما لهن ﵅ من المنزلة، فهن أمهات المؤمنين، ومعنى الأمومة هنا أي: في الحرمة والاحترام والتوقير والإعظام والإكرام، وليست أمومة نسب بلا شك، ولا توجب محرمية، أي: ليست أمومة تبيح الخلوة، وتبيح ما يستبيحه الإنسان من النظر إلى أمه وما إلى ذلك، وإنما هي أمومة احترام وإجلال وتقدير لما لهن ﵅ من المنزلة، فهن أزواج النبي ﷺ في الدنيا وأزواجه في الآخرة.
والمؤلف ﵀ أثبت هذا لجميع أزواج النبي ﷺ وهو كذلك، فهن ﵅ في أصل هذه المنزلة سواء باستحقاقهن ذلك.
يقول: (المطهرات المبرآت من كل سوء) المطهرات: اللواتي طهرهن الله جل وعلا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] فلا شك أن المراد بأهل البيت في هذه الآية زوجات النبي ﷺ، فهن من أهل البيت بنص القرآن؛ لأن الكلام السابق واللاحق كله في شأن زوجاته ﷺ وفي شأن نساء النبي ﷺ.
وقوله: (المبرآت من كل سوء) أي: أنهن سليمات بريئات من كل سوء يلحقه أحد بهن، وزوجات النبي ﷺ منهن من توفيت في حياته وهن خديجة بنت خويلد أول زوجات النبي ﷺ، وزينب بنت خزيمة الهلالية ﵂، وهي مشهورة بـ أم المساكين، هاتان الزوجتان توفيتا في حياة النبي ﷺ.
وبقي من أزواجه: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث الهلالية، وميمونة بنت الحارث المخزومية، وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية وسودة بنت زمعة.
وأما مارية فليست زوجته، وإنما هي سريته ﵂.
فتلك هن اللواتي توفي عنهن رسول الله صلى اله عليه وسلم، أضف إليهن الثنتين اللتين توفيتا قبله، فيكون المجموع إحدى عشرة امرأة تزوجها النبي ﷺ.
هؤلاء هن زوجات النبي ﷺ ولهن من الحق والمكانة ما ذكر ﵀.
[ ١٨ / ٩ ]
أفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة
ثم ذكر التفضيل بين زوجات النبي ﷺ فقال: (أفضلهن خديجة بنت خويلد -وهي أول زوجاته- وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه) ذكر المؤلف ﵀ في المفاضلة عائشة وخديجة، وقد اختلف العلماء ﵏ في التفضيل بين هاتين الزوجتين من أزواج النبي ﷺ، وأما من بقي من الزوجات فإنهن لم يذكرن، أي: لم يذكر العلماء ﵏ التفاضل بينهن، فالخلاف في التفضيل بين زوجات النبي ﷺ إنما هو في خديجة وعائشة، وعلم بذلك أن أفضل زوجات النبي صلى اله عليه وسلم هما: خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر ﵄.
وأما أقوال العلماء: فمنهم من قال: خديجة أفضل، ومنهم من قال: عائشة أفضل، ومنهم من توقف وقال: لا نفضل، ومنهم من قال: إن خديجة أفضل من وجه وعائشة أفضل من وجه، خديجة في صدر الإسلام لما كان لها من المكانة في نصرة النبي ﷺ وإعانته وتثبيته على الرسالة، وعائشة أفضل في آخر حياة النبي ﷺ لما كان لها من حفظ الشريعة وحسن التبعل للنبي ﷺ، حتى إنه لما سئل ﷺ: (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، ثم قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) فلها من المنزلة ﵂ ما لم يشاركها فيه أحد، فيكون الفضل مقسومًا بين خديجة ﵂، وبين عائشة، وكل لها فضل.
[ ١٨ / ١٠ ]
حكم من قذف أمهات المؤمنين
يقول ﵀ في حق عائشة: (التي برأها الله في كتابه) أي: برأها من الإفك الذي اتهمت به ﵂، فهي زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، وهذا لا تختص به عائشة ﵂ بل يشركها فيه جميع زوجات النبي ﷺ.
قال: (فمن قذفها) أي: قذف عائشة ﵂ (بما برأها الله منه) أي: بما طهرها الله من الإثم ومن الزنا والفاحشة: (فقد كفر بالله العظيم)، ولماذا كفر بالله العظيم؟
الجواب
لأنه كذب القرآن الذي فيه البراءة واضحة جلية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] فسماه الله ﷿ إفكًا لكذب وفداحة ما وقعوا فيه من وصف عائشة ﵂ بما وصفوها به من الزنا الذي برأها الله منه! ﵂.
[ ١٨ / ١١ ]
فضل معاوية ﵁
يقول ﵀: (ومعاية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين ﵃) جاء ذكر معاوية على وجه الخصوص للرد على الذين سبوه وكفروه ووقعوا فيه ﵁، فـ معاوية بن أبي سفيان وقع فيه الرافضة والخوارج فكفره الخوارج، وكفره الرافضة وسبوه وشتموه، وهو ﵁ من صحابة رسول الله ﷺ، له من الحق مثلما لغيره، فهو داخل في كل ما للصحابة من فضائل وما لهم من الحقوق ﵁.
[ ١٨ / ١٢ ]
هل يعد أقارب أمهات المؤمنين أقاربًا للمؤمنين
ووصفه المؤلف ﵀ بقوله: (خال المؤمنين) لأنه أخو أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵂ زوج النبي ﷺ، وهذا الوصف اختلف العلماء ﵏ فيه على قولين: هل يوصف إخوان زوجات النبي ﷺ بأنهم أخوال المؤمنين وأخواتهن بأنهن خالات المؤمنين فتكون -مثلًا- أسماء بنت أبي بكر خالة المؤمنين، ويكون عبد الله بن عمر خال المؤمنين؟ وكذلك اختلفوا في بناتهن هل يوصفن بأنهن أخوات المؤمنين؟ واختلفوا أيضًا في آبائهن -آباء أمهات المؤمنين- هل يوصفون بأنهم أجداد المؤمنين وأمهاتهن جدات المؤمنين؟ الذي عليه جمهور العلماء أنهم لا يوصفون بذلك؛ لأن هذه الفضيلة خاصة بزوجات النبي ﷺ دون غيرهن، وهي أمومة حرمة واحترام وتقدير وفضل وإجلال، وليست أمومة نسب حتى تنتشر وتتسع، فوصف معاوية بخال المؤمنين هو من هذا الوجه، وقد ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز أن يوصف بهذا الوصف.
يقول: (وكاتب وحي الله) أي: أنه كتب الوحي للنبي ﷺ، فهو من كتبة الوحي ﵃، وأحد خلفاء المسلمين ﵃ إذ اجتمع عليه المسلمون بعد تنازل الحسن بن علي ﵁ عن الخلافة، فاجتمع المسلمون في سنة إحدى وأربعين على معاوية ﵁، وأصبح بذلك الخليفة للمسلمين الذي ولي من قبله من الخلفاء.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٨ / ١٣ ]