من ضروريات حياة الناس أن يكون لهم إمام، لتستقيم حياتهم وتصلح معيشتهم، حتى قيل: إمام غشوم ولا فتنة تدوم.
ولما كانت الإمامة بهذه المنزلة أمر الشرع بطاعة ولاة الأمور ما لم يأمروا بمعصية، فإن أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
[ ١٩ / ١ ]
طاعة ولاة أمور المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن السنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وسمي (أمير المؤمنين)، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين] .
عاد المؤلف ﵀ إلى ذكر ما يجب لولاة الأمر من أئمة المسلمين، وقد بينا أن قوله ﵀: (من السنة) أي: من الطريقة التي سار عليها أهل السنة والجماعة، وسلكها أئمة هذا الدين من الصحابة فمن بعدهم.
قوله: (السمع والطاعة لأئمة المسلمين) السمع معناه: القبول، والطاعة معناها: الامتثال، وليس المراد بالسمع هنا إدراك الأصوات، إنما المراد بالسمع في مثل هذا المقام القبول، والطاعة: التنفيذ والامتثال، ومنه قول القائل في صلاته: سمع الله لمن حمده، أي: أجاب الله من حمده، فالسمع ليس المراد منه في مثل هذه الموارد إدراك الأصوات، بل المراد به ما هو أكثر من ذلك من قبول ما يقول وامتثال ما يأمر.
والأئمة جمع إمام، والإمام هو من يؤتم ويقتدى به ويجتمع عليه.
وقوله ﵀: (لأئمة المسلمين) أي: الذين يأتم بهم أهل الإسلام ويجتمعون عليهم.
قال: (وأمراء المؤمنين) أي: من تأمروا على أهل الإيمان، فحقهم أن يسمع لهم وأن يطاع لهم، وأدلة هذا أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فأمر الله ﷿ بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر الذين لهم ولاية، وهذه الآية لا تختص بمن له الولاية العليا فحسب، بل هي شاملة لمن له الولاية العليا ومن كان دونه من أصحاب الولايات، فإنه يطاع كل ولي فيما له فيه ولاية، هذا هو الواجب، وهذا هو الذي دلت عليه الآية.
وأما السنة فقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (على المرء المسلم السمعُ والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا طاعة، أو فلا سمع ولا طاعة) وهذا يدل على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر، وقد قال جرير بن عبد الله ﵁ في بيان ما بايع عليه رسول الله ﷺ: (بايعت رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم)، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر على أثرة علينا، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) .
كل هذه الأدلة وغيرها كثير في سنة النبي ﷺ تدل على السمع والطاعة، بل إن النبي ﷺ أمر بوجوب السمع والطاعة عند الاختلاف والتفرق كما في حديث العرباض بن سارية: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) الحديث.
ومن سنته ﷺ: السمع والطاعة، ولو كان المتأمر عبدًا حبشيًا، أي: ممن لا يرى له العرب حقًا في الولاية، هذا هو المقصود من التمثيل بالعبد الحبشي، وليس ذمًا له أو انتقاصًا له، لكن لما كانت العرب تأبى نفوسهم في ذلك الوقت أن يتأمر عليهم مثل هذا ذكره رسول الله ﷺ، يعني: حتى ولو كان على هذه الصفة.
[ ١٩ / ٢ ]
حكم الطاعة في المعصية
ولما أخبر ﷺ باختلاف الأمور بعده كما في صحيح الإمام مسلم لما قالوا له: (أفلا ننابذهم؟ فقال النبي ﷺ: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، وفي حديث عبادة: (وألا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان) .
فهذا كله يدل على وجوب السمع والطاعة في المعروف فيما فيه مصلحة العباد والبلاد، أما إذا كان الأمر في معصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية كائنًا من كان، لأن الله فرض طاعة ولاة الأمر وجعلها فرعًا عن طاعته، وهذا هو السر في أن الله لم يُعد ذكر الأمر في الطاعة في ذكر طاعة ولاة الأمر؛ لأن طاعتهم ليست طاعة مستقلة بل هي طاعة تابعة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فلم يذكر فعل الطاعة في حق ولاة الأمر؛ لأنها تابعة لطاعة الله ورسوله، أما طاعة الله فهي واجبة استقلالًا، وطاعة النبي واجبة استقلالًا كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
وهذه مسألة تميز بها أهل السنة والجماعة عن غيرهم، وإذا راقبت وتأملت خيرة سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم وجدتهم على هذه السنة الظاهرة المشتركة بينهم ﵏ ورضي الله عنهم، لتضافر الأدلة عليها.
ولا يعني هذا ألا يأمر الإنسان بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، بل الواجب هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن على ما تقتضيه الشريعة.
يقول ﵀: (برهم وفاجرهم) أي: تجري الطاعة لمن كان برًا ولمن كان فاجرًا، سواء كان برًا في خاصة نفسه وولايته أو كان فاجرًا في خاصة نفسه وولايته، ما لم يبلغ الفجور إلى الكفر، فإذا بلغ فلا طاعة لكافر، ومما حكى القاضي عياض إجماع المسلمين عليه أنه لا طاعة للكافر إذا تولى على المسلمين.
قال ﵀: (ما لم يأمروا بمعصية الله فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله)، لا إشكال في هذا، والأدلة على هذا الأمر واضحة وجلية.
[ ١٩ / ٣ ]
المقصود بالولاية
قال ﵀: (ومن ولي الخلافة) أي: من تولى الأمر.
والخلافة المقصود بها الولاية سواء كانت الخلافة متسعة الرقعة كخلافة الراشدين وخلافة بني أمية وبني العباس في أولها، أو كانت الخلافة ضيقة، كالحال في أواخر الدولة العباسية، فإن حال الناس في آخر الخلافة الإسلامية -خلافة بني العباس- تقسمت بلاد المسلمين وأصبح لكل جهة ولاية وولي، بل إن هذا الأمر كان في عهد الصحابة ﵃، فكان معاوية على الشام وكان علي ﵁ على العراق ومصر واليمن والحجاز، فهذا التقسم ليس أمرًا حادثًا، ومع هذا يجب طاعة كل من ولي أمر المسلمين في تلك الجهة التي هو فيها.
[ ١٩ / ٤ ]
طرق الولاية
قال ﵀: (ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وجبت طاعته، أو غلبهم بسيف حتى صار خليفة وجبت طاعته) وهذا فيه بيان طريقة الولاية: منها: ما تكون عن اجتماع ورضًا.
ومنها: ما يكون عن غلبة وظهور، والواجب في الولايتين من حيث السمع والطاعة واحد؛ لأنه يجب السمع والطاعة لمن اجتمع عليه أهل الإسلام ورضوا به ونصبوه خليفة عليهم أو إمامًا لهم، وكذلك يجب طاعة من تغلب وظهر بقوة على المسلمين، جمعًا للكلمة ودفعًا للشر الذي يحصل بالفرقة والاختلاف والمنازعة وإراقة الدماء.
[ ١٩ / ٥ ]
فائدة ولاة الأمر
قال ﵀: (وسمي أمير المؤمنين وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين) كل هذا مما يجب لولاة الأمر، وبه تنتظم مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، ففي هذا الأصل تنتظم مصالح الناس في دينهم وفي دنياهم فإنه لا استقامة للناس في دنياهم بلا ولاة، ولا يمكن أن يقوم الدين بلا ولاية، وهذا أمر لا إشكال فيه، ولذلك جاءت الشريعة بالتأمير في الاجتماع العارض، فإذا سافر ركب من ثلاثة فأكثر أمروا عليهم أميرًا كما جاء ذلك في السنة، فكيف بالاجتماعات الدائمة القائمة؟! فالإمارة والولاية فيها من باب أولى، ومن باب آكد ولا خلاف في هذا، وقد قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا وأمثلة وشواهد هذا في حال غياب الولاية وما يحصل من فساد بين الناس موجودة في التاريخ الحديث والتاريخ القديم؛ لأن الناس إذا لم يكن لهم سلطان يردعهم ويصلح شئونهم ويدير أمورهم -ولو كان في سلطته جور وظلم وتعد ومعصية- فسدت أحوالهم ومعيشتهم.
[ ١٩ / ٦ ]
التعامل مع أهل البدع
قال المؤلف ﵀: [ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم] .
[ ١٩ / ٧ ]
هجر أهل البدع
(من السنة) أي: من طريقة السلف التي كان عليها صحابة رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أئمة الدين هجران أهل البدع، والهجر: هو الترك والإعراض، والهجر سنة في محلها، وذلك فيمن يستحق الهجر، فقد هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك، وأمر المسلمين بهجرهم.
فالهجر يختلف حكمه باختلاف الباعث عليه وما يحققه، لكن ندرك أن الهجر مصلحة، أي أن الهجر مقصوده تحصيل المصلحة كما هو الشأن في جميع أحكام الشريعة، فإذا كان الهجر يترتب عليه مفسدة فإنه لا يؤمر به وليس من الشرع، إنما يؤمر به ويعمل به إذا كان مصلحة.
يقول ﵀: (هجران أهل البدع) المقصود بأهل البدع هنا: من كانوا على طريقة مخالفة لطريق السلف ينافحون عنها ويدعون إليها ويعملون بها، وليس المراد بأهل البدع من وقع في مخالفة لطريق أهل السنة والجماعة في أمر من الأمور، إنما المقصود من كان طريقه مختلفًا عن طريق أهل السنة، يدعو إلى غير هدي السلف الصالح، ويعمل به وينافح عنه، وسيمثل المؤلف ﵀ لأهل البدع الذين يقصدهم ويعنيهم بكلامه بقوله: (كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم) أي: ممن كان على مرتبتهم ودرجتهم، فالمقصود بأهل البدع الذين من السنة هجرهم هم: من كان على طريق مخالف لطريق أهل السنة والجماعة في قوله وعقده، وعمله ودعوته.
قال ﵀: (هجران أهل البدع ومباينتهم) أي: عدم الاختلاط بهم حتى لا يشتبه حالهم على الناس فيقبلون منهم.
[ ١٩ / ٨ ]
ذم الجدال والخصومة في الدين
قال المؤلف ﵀: [وترك الجدال والخصومات في الدين]: الجدال المقصود به: المماراة والمناقشة التي لا مصلحة فيها ولا فائدة، وليس المراد بالجدال ما كان محققًا للمصالح مبينًا للحق ذابًَّا عن السنة، فإن هذا مأمور به في أهل الكفر الذين هم أشد من أهل البدعة كما قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فأمر الله بالمجادلة وأمر بصفة هذا الجدال أن يكون بالتي هي أحسن، يعني: بأحسن ما يحصل به بيان الحق وتوضيحه، وإيصاله إلى المقصود بالمجادلة.
[ ١٩ / ٩ ]
قراءة كتب أهل البدع، وسماع كلامهم
قال المؤلف ﵀: [وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة] .
المقصود: الجدال الذي لا نفع فيه والذي يقصد فيه المجادل إظهار قوة عقله، وسرعة بديهته، وعظيم حجته، ولا يقصد منه إظهار الحق وبيانه، فإن هذا لا يقبل، وليس من هدي السلف.
قال ﵀: (وترك النظر في كتب المبتدعة) لما في ذلك من الشر، فإن القلوب إذا لم تتمكن من الحق يُخشى عليها أن تنصرف وأن تزيغ وأن تضل وأن تفتتن، فكان حقًا على أهل السنة أن يجتنبوا كتب المبتدعة على وجه العموم، لكن إذا دعت حاجة إلى أن يطالع إنسان كلامهم ليرد عليهم أو يبين باطلهم أو يكشف زيف قولهم فهذا لا بأس به.
قال: (والإصغاء إلى كلامهم) كذلك الإصغاء هو كمطالعة كتبهم، فإنه لا ينبغي أن يُصغى لكلامهم.
[ ١٩ / ١٠ ]
تعريف البدعة
قال: (وكل محدثة في الدين بدعة) بعد أن بين هجر المبتدع بين ما هي البدعة، والبدعة هي: كل محدثة في الدين، أي: كل محدثة في طريق التعبد لله ﷿، فالبدعة هي: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بها صاحبها مضاهاة الشريعة، هذه هي التي عنى المؤلف ﵀ أهلها بقوله: هجران أهل البدع.
[ ١٩ / ١١ ]
حكم الانتساب إلى غير الإسلام والسنة
قال المؤلف ﵀: [وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع] أي: كل من خلع على نفسه اسمًا خلاف ما رضي الله لأهل هذه الملة من الأسماء فإنه مبتدع، قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فالله ﷿ سمى أهل هذه الملة بالمسلمين، وقيل: إن الضمير يعود إلى إبراهيم فيكون هذا من تسمية إبراهيم التي رضيها الله ورضيها رسوله ﷺ، فكل من تسمى بغير هذا الاسم فهو مبتدع.
قال ﵀: (وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع) أما السنة فالتسمي بها جائز؛ لقوله ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) فالمستمسك بالسنة مستمسك بهدي النبي ﷺ، والانتساب إلى السنة مفخرة وفضيلة؛ لأنه انتساب إلى ما أمر الله ﷿ ورسوله بالانتساب إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وقال ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) أما ما عدا هذين الوصفين فإنه ينبغي للمؤمن ألا ينتسب إليه، حتى تلك الأوصاف التي يقصد بها شيء من التميز عن غير أهل السنة من الألفاظ الحادثة ينبغي أن يتجنبها الإنسان ويكتفي بما اكتفى به سلف الأمة، فالانتساب الذي هو فضل ومفخرة هو الانتساب إلى كتاب الله ﷿ وإلى سنة رسوله ﷺ.
[ ١٩ / ١٢ ]
بيان مذاهب بعض الطوائف المبتدعة
قال المؤلف ﵀: [كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم] .
مثل بأسماء من أسماء الطرق المبتدعة التي سلك أهلها طريقًا مخالفًا لأهل السنة والجماعة وانتسبوا لها.
[ ١٩ / ١٣ ]
الرافضة
قوله: (كالرافضة): هم الإثنا عشرية، الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، فإنهم سمو (رافضة) لأنهم سألوا زيدًا عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما وترحم عليهما فرفضوه، فسموا من ذلك الوقت (رافضة) .
وهم لا يرضون بهذا الاسم وإنما يسمون أنفسهم بـ (الشيعة) لكن هذا الاسم قد علق بهم، وعرفوا به فلا مناص لهم من التخلي عنه إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة الأبرار من أهل البيت وغيرهم، فإن الفضل والسبق لم يختص في أهل البيت، بل غير أهل البيت كـ أبي بكر ﵁ أفضل من كثير ممن هم من أهل البيت من حيث العموم، وإن كان أهل البيت لهم من الخاصية والسبق كونهم من بيت النبوة، لكنه ليس فضلًا مطلقًا يسقط كل فضل ويُغيب كل منقبة.
[ ١٩ / ١٤ ]
الجهمية
قال ﵀: (والجهمية): وهم الذين ينتسبون إلى الجهم بن صفوان، وهم أهل بدعة وضلالة، وهم درجات: منهم الغلاة، ومنهم دون ذلك، ويطلق هذا الوصف على المعتزلة؛ لأن المعتزلة في كثير من أقوالهم جهمية.
[ ١٩ / ١٥ ]
الخوارج
قال: (والخوارج): الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁ وكفروه وكفروا من معه، وكفروا من يقابله، فقد كفروا عليًا وعثمان وكفروا معاوية وسائر صحابة رسول الله ﷺ، وأهل الإسلام في ذلك الزمان.
[ ١٩ / ١٦ ]
القدرية
وأما (القدرية) فهم الذين قالوا بالقدر، وقالوا: إن الله جل وعلا لم يخلق أفعال العباد، بل العباد هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم.
[ ١٩ / ١٧ ]
المرجئة
(والمرجئة) هم الذين أرجئوا العمل عن الإيمان فقالوا: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
[ ١٩ / ١٨ ]
المعتزلة
قال: (والمعتزلة) والمراد بالمعتزلة: هم الذين عطلوا الصفات فلم يثبتوا صفة لله ﷿، وهم أتباع واصل بن عطاء.
[ ١٩ / ١٩ ]
الكرامية
وأما الكرامية: فهم أتباع عبد الله بن كرام، وهم من الممثلة الذين غلوا في إثبات الصفات حتى قالوا: يد الله كأيدينا.
[ ١٩ / ٢٠ ]
الكلابية
والكلاّبية: هم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلّاب ممن حاول أن يسلك طريقًا يرد به على المعتزلة فكان على طريق مخالف لطريق السلف وطريق المعتزلة، فلم يصب قول السلف فيما ذهب إليه، ومنه أخذ الأشعري كثيرًا من أقواله.
وهذه الفرق قد ألفت فيها مؤلفات، وتكلم عليها العلماء ﵏ كلامًا وافيًا واسعًا، والمقصود إعطاء لمحة عن أصول هذه الفرق، وإلا فالذي يطلب الزيادة يجدها في مظانها.
وقال المؤلف ﵀: [ونظائرهم، فهذه فرق الضلال وطوائف البدع، أعاذنا الله منها]: هذه المذكورات هي من فرق الضلال التي خالفت هدي سلف الأمة، وما كان عليه الصحابة ﵃، ونسأل الله أن يعيذنا وإياكم من البدع ما ظهر منها وما بطن.
[ ١٩ / ٢١ ]
الانتساب إلى إمام من أئمة أهل السنة في فروع الدين
قال: [وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم]: الانتساب إلى إمام في فروع الدين، أي: في مسائل الأحكام العملية، فالمقصود بفروع الدين الأحكام العملية التي تكون في الصلاة والحج والزكاة والمعاملات، فالانتساب إلى إمام من الأئمة في هذا (كالطوائف الأربع فليس بمذموم)؛ أي: كالذي ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة أو ينتسب إلى أحمد أو ينتسب إلى مالك أو ينتسب إلى الشافعي فإنه لا بأس بهذه النسبة، وهذه النسبة لا تخرجه عن أهل السنة والجماعة؛ لأن هؤلاء الأئمة هم أئمة أهل السنة والجماعة، فتقليدهم تقليد لإمام من الأئمة الذين أخذوا بقول من أقوال الصحابة أو بقول يسعه ويقبله مذهب أهل السنة والجماعة.
قوله ﵀: (كالطوائف الأربع) المراد بالطوائف الأربع المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعي ومذهب أحمد، وهل هذا محصور في هؤلاء؟
الجواب
لا، إنما هو على وجه التمثيل، فمن اقتدى في قول بإمام من الأئمة من الصحابة فمن دونهم فإنه لا بأس به، وإن انتسب إليه فلا بأس به، وإنما ذكر الطوائف الأربع لأنها الأشهر في الانتساب، وهي المذاهب التي بقيت واشتهرت وظهرت وأصبح لها أتباع ومؤلفات.
[ ١٩ / ٢٢ ]
حكم الاختلاف في الفروع
قال المؤلف ﵀: [فإن الاختلاف في الفروع رحمة]: وقد جاء ما يشهد لهذا في كلام المؤلف ﵀ فإنه قال: (واختلافهم رحمة) والاختلاف في الفروع العملية رحمة لما فيه من السعة، قال عمر بن عبد العزيز: (لم يسؤني أن أصحاب النبي ﷺ اختلفوا، فإن في اختلافهم رحمة) وقال غير واحد من السلف: (في الخلاف توسعة) .
والمقصود بالخلاف: الخلاف في مسائل العمل لما فيه من التوسعة ورفع الحرج عن الناس.
قال المؤلف ﵀: [والمختلفون فيه محمودون] يعني: هذا الاختلاف لا يلحق المختلفين فيه ذنب، بخلاف الاختلاف الذي يكون في أصول الدين فإن أصحابه مذمومون وهم الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩]، فإن هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا هم الذين فرقوه في أصل الاعتقاد، فتشعبت بهم الطرق وكانوا شيعًا قال الله ﷿: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] أي: ليس أتباعك، وقد برأ الله ﷿ رسوله منهم، فكل من فرق دينه ولم يعتصم بما جاء به الكتاب وما جاءت به السنة فقد دخل في الاختلاف المذموم، إذًا: عندنا اختلاف مذموم، واختلاف سائغ مقبول.
أما الاختلاف المذموم فهو الاختلاف الذي يكون في أصل الدين الذي يخالف به الإنسان طريق السلف الصالح.
وأما الاختلاف السائغ المقبول فهو: الاختلاف في مسائل الأحكام الفرعية.
وقوله ﵀: (والمختلفون فيه محمودون)، أي أنهم لا يذمون؛ لأنهم مجتهدون فيما وقع بينهم من اختلاف، فلا يخرجون عن الأجر والأجرين، فمن أصاب منهم فله أجران ومن أخطأ منهم فله أجر.
قال المؤلف ﵀: [مثابون في اجتهادهم] أي: سواء أصابوا أم أخطئوا، ثم قال: [واختلافهم رحمة واسعة] وهذا جاء في كلام كثير من العلماء، وأما حديث: (اختلاف أمتي رحمة) فليس له إسناد يعتمد عليه، وقد تناقله بعض العلماء في كلامهم واستشهدوا به، لكن ليس له ما يستند إليه، أي: من حيث السند، أما الذي جاء بسند ضعيف فهو ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس بلفظ: (واختلاف أصحابي رحمة)، لكن الحديث ضعيف فيه تطاعن، وأيضًا في سنده راو متروك.
وقوله ﵀: (واختلافهم رحمة واسعة) هل هذا باعتبار الاختلاف ذاته أو باعتبار ما حصل به من التوسعة على الناس؟
الجواب
باعتبار ما حصل به من التوسعة على الناس، وهل يعني هذا أن الاتفاق عذاب؟ الجواب: لا، فكون الاختلاف رحمة لا يعني أن الاتفاق عذاب، بل الاتفاق مطلوب ولذلك قال: [واتفاقهم حجة قاطعة] وإنما كان الاختلاف رحمة لما فيه من التوسيع على المجتهدين وعلى العاملين، أما على المجتهدين فالتوسعة عليهم أنهم إذا أخطئوا لا ينالهم ذنب باجتهادهم أو بخطئهم، بل ينالون الأجر لأجل اجتهادهم وإن كانوا لم يصيبوا الصواب.
وأما الناس الذين يقلدون ويسألون العلماء، فهؤلاء أيضًا يحصل عندهم سعة إذا أخذوا بقول أحد العلماء فيما ذهب إليه، ولذلك قال يحيى بن سعيد: (لم يكن الخلاف سببًا للهلاك فيمن كان قبلنا)، يعني: من الصحابة، فإنهم كانوا يختلفون فيحلل أحدهم أمرًا ويحرمه الآخر، فلا يرى من حلل أن المحرم قد هلك لتحريمه ولا يرى من حرم أن المحلل قد هلك بتحليله، فالخلاف فيه رحمة وتوسعة للناس، ولكن لا يعني ذلك أن اتفاقهم عذاب، فكون الشيء رحمة لا يلزم منه أن يكون المقابل عذابًا، ودليل ذلك أن الله ﷿ الليل رحمة لنا لنسكن فيه، فهل يعني هذا: أن النهار عذاب؟ الجواب: لا، فمقابل الليل النهار ومع ذلك لم يكن عذابًا، فالمقصود بالرحمة هو ما يحصل به من الرفق بهم والإحسان إليهم، ولا يعني هذا أن مضاده ومقابله يكون عذابًا.
قال ﵀: (واتفاقهم حجة قاطعة) يشير بذلك إلى الإجماع، فإن الإجماع حجة بكتاب الله ﷿ وبسنة رسوله ﷺ وبإجماع السلف، لكن الاتفاق الذي يكون حجة قاطعة هو ما اتفق عليه علماء الإسلام، والإجماع المعتبر المنضبط هو ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ.
[ ١٩ / ٢٣ ]
خاتمة الكتاب
ثم قال المؤلف ﵀ في آخر هذه العقيدة: [نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله، آمين.
وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا] .
ختم المؤلف ﵀ هذه الرسالة بالدعاء بسؤال الله ﷿ العصمة من شرين: البدعة والفتنة، والبدعة هي من الفتنة، لكنه ذكرها لما لها من الخطورة، والفتنة تكون بالبدعة وتكون بالمعصية وتكون بغير ذلك.
ثم قال: (ويحيينا على الإسلام والسنة)، والحياة على الإسلام رحمة وفضل، ويكمل ذلك باتباع سنة النبي ﷺ.
ثم سأل الله ﷿ مسألتين: المسألة الأولى في الدنيا وهي مقدمة ما يكون في الآخرة، فسأله أن يكون في الدنيا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة في ظاهر الأمر وباطنه، في عقده وقوله وعمله، ونتيجة ذلك ما سأل الله: (ويحشرنا في زمرته بعد الممات) أي: في جماعته وفي حزبه بعد الممات، فإن الحشر في حزبه من أسباب الفلاح والنجاة.
قال: (برحمته وفضله) يعني: لا بجهدنا وعملنا، إنما ذلك محض فضل الله ورحمته كما قال النبي ﷺ: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) .
قوله: (آمين) .
أي: اللهم استجب.
ثم قال: (وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسلمًا) .
ختم هذه الرسالة بالحمد لله ﷿ على التوفيق إلى هذا العقد وإلى كتابة هذا العقد لينتفع به من ينتفع، نسأل الله ﷾ أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه نافعًا لنا يوم العرض عليه.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذه العقيدة المباركة (متن لمعة الاعتقاد) تأليف الإمام الموفق ابن قدامة ﵀.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٩ / ٢٤ ]