يجب على كل مسلم ومسلمة أن يؤمن بقضاء الله ﷿ وقدره، فإنه لا يتم إيمان العبد إلا بذلك، كما أنه يجب أن يؤمن العبد أن الله ﷿ لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، ولا يظلم أحدًا، ولذا فلا يجوز الاعتراض على القدر، أو الاحتجاج به على فعل المعاصي.
[ ٩ / ١ ]
الإيمان بالقضاء والقدر
[ ٩ / ٢ ]
لا يكون شيء إلا بعلم الله ومشيئته
يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه (لمعة الاعتقاد) بعد أن ذكر فصولًا سابقة: [فصل: ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور] .
هذا هو لب القدر وأساسه؛ لأن الله ﷾ هو خالق هذا العالم، خلقه بإرادته، ولم يوجد هذا العالم رغمًا عنه كما يقول الفلاسفة: إنه آلة موجدة، تعالى الله عما يقولون، بل خلق هذا العالم وأوجده ﷾ بإرادته ومشيئته؛ لأنه ﵎ هو الأول الذي ليس قبله شيء.
ولما كان هذا العالم مخلوقًا له وحده لا شريك له، وخلقه بمشيئته وإرادته، كان هذا دليلًا على أن ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئته وإرادته ﷾، وهذه هي القضية الأولى في باب العقيدة، فإنها ترتبط بمرتبتين وأساسين هما صفتان كاملتان لله ﷾، ثبتت له كما يليق بجلاله وعظمته: الصفة الأولى: أن الله متصف بصفة العلم، قد أحاط بكل شيء علمًا، فهو علم أزلًا ما الخلق عاملون، وهو ﷾ يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما أخبر تعالى عن الكفار أنهم في يوم القيامة يطلبون الرجعة، ويقولون: لو أرجعتنا إلى الدنيا لآمنا واهتدينا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، وليس هذا من باب التقدير، وإنما هو من باب العلم اليقيني لله ﷾، فإنه يعلم أنه لو رد هؤلاء إلى الدنيا مرة أخرى لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والشرك، مع يقينهم باليوم الآخر؛ لأنهم شاهدوه مشاهدة عيان، فهذا من باب العلم الإلهي الكامل، فإنه ﷾ يعلم ما كان وما يكون، ويعلم ﷾ ما لم يكن لو كان كيف يكون.
والصفة الأخرى لله ﷾ هي: صفة المشيئة والإرادة الكاملة، فهو ﷾ ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، ومن ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى هنا: (ومن صفاته: أنه الفعال لما يريد)، والفعال لما يريد هو الذي لا يحد قدرته حاد، ولا يوجه إرادته موجه، فهو يفعل ما يشاء ويختار، ومن إرادته ﷾ أن خلق هذا العالم، ومن مشيئته وإرادته أن أوجد الناس على هذه الصفة وهذه الحالة، وابتلاهم واختبرهم، فهو ﷾ هو الذي خلق آدم، كما قال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، وهو ﷾ الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملًا.
إذًا: وجود هذا العالم على هذه الصفة ووجودنا نحن البشر على هذه الصفة هو بإرادته ﷾، ولو أنه ﵎ أراد غير ذلك لكان، أي: لو أراد ﷾ أن يجعل الناس كلهم مهتدين مستقيمين مؤمنين لا يعصون الله أبدًا لوقع ذلك، كما قال ﵎ مخاطبًا رسوله ﷺ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى:٨] .
إذًا: وجود الخلق على هذه الصفة وهذا الابتلاء والامتحان، واختلاف أعمارهم، واختلاف أرزاقهم، واختلاف ألوانهم، واختلاف أديانهم، هو بإرادة الله ﷾، وهذه هي قضية القدر الأولى، فإن الله ﷾ هو الذي أراد أن يوجد الناس على هذه الحالة، ولو شاء لما وجدوا، ولو شاء لأوجدهم وجعلهم كلهم مؤمنين مهتدين مطيعين.
[ ٩ / ٣ ]
لا يخرج شيء عن مشيئة الله تعالى
وجود الخير والشر، والطاعات والمعاصي، والمؤمنين والكفار، هو بإرادة الله ﷾، وهو ﷾ خلق ذلك وقدره لحكم عظيمة.
ولهذا يقول هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فكل ما يقع ويجري فهو بإرادة الله ﷾ ومشيئته الكونية، كما قال ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى:٨]، وقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩]، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] .
وكذلك أيضًا ما وراء ذلك من وجود المخلوقات، وإحيائهم، وموتهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وهذه الدنيا، وهذه الأكوان، والبعث بعد الموت، كل ذلك بإرادة الله، ولا يكون لمخلوق فيها إرادة أبدًا.
ولهذا نجد أن هذه القضية يسلم بها الجميع، وقلما يوجد إنسان ينكرها، حتى الكفار يسلمون بها، ولقد كان مشركو الجاهلية يؤمنون بالقدر، ويصدقون بأن هناك أقدارًا، وكذلك أيضًا الكفار اليوم يعلمون أن هذه الأمور مقدرة قدرها الله ﷾، وأكبر دليل على ذلك أنهم قطعوا الأمل في أشياء؛ لأنهم علموا أن الله ﷾ قدرها وكتبها على الجميع، فمثلًا: الموت كتبه الله على الجميع، والخلق مهما بلغ طبهم وتقدمهم العلمي إلا أنهم يئسوا عن أن يصلوا إلى جعل الإنسان يبقى مخلدًا، أو يبقى زمنًا طويلًا يختلف عن الزمن العادي بالنسبة لأعمار الناس، ونحو ذلك.
إذًا: هذا دليل على اليقين بأن هذا الأمر كتبه الله ﷾ على الجميع، ومن ثمَّ صاروا يفكرون بأمور أخرى.
قال: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره) .
فلا يخرج في هذا العالم شيء إلا وقد قدره الله ﷾، فوجود السماوات، ووجود الكواكب، ووجود هذه الأرض ببحارها بجبالها بحيواناتها بحشراتها بوحوشها برياحها بأشجارها بعبادها بإناثها بذكورها إلى آخره، كل ذلك بتقدير الله ﷾، ولا يخرج شيء عن تقديره الكوني السابق، ولا يصدر أحد إلا عن تدبيره ﷾.
ولهذا فإن الإنسان يفعل ويتحرك؛ لأن الله تعالى أعطاه إرادة، وأعطاه حرية، وأعطاه قدرة، لكنه لا يخرج في مجموع ذلك عن تدبير الله ﷾ وإرادته وقدرته.
ولهذا قال: (ولا محيد عن القدر المقدور)، وهذا صحيح؛ فكل إنسان لا يستطيع أن يحيد عما قدره الله ﷾ وكتبه عليه، وهذا يعلمه كل إنسان من حياته، فكم من أمور أراد الإنسان أن يمنعها فما استطاع؛ لأن الله ﷾ كتبها عليه وقدرها، وهذا الأمر يتساوى فيه المؤمنون والكفار.
[ ٩ / ٤ ]
كتابة الله ﷿ كل شيء في اللوح المحفوظ
قال المصنف ﵀: [ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور] .
أي: أن الله ﷾ كتب كل شيء في اللوح المحفوظ؛ فإنه سبحانه لما خلق القلم أمره أن يكتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذه هي المرتبة الثالثة من مراتب القدر، التي هي مرتبة الكتابة، فإن الله ﷾ كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ.
فكل ما نصنعه، وكل ما نعمله فهو مكتوب عند الله ﷾، بل كل ما يجري من حركات الجمادات وغيرها مكتوب في اللوح المحفوظ، حتى الشجرة إذا سقطت منها ورقة بسبب الريح أو بسبب جفافها أو غير ذلك، فإن سقوطها في كتاب مبين، كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، أي: أن أي حبة، وأي رطب، وأي يابس، وأي ورقة تسقط، فكل ذلك في كتاب مبين، فكيف بفعل العباد، وأقوالهم، وحركاتهم، ومجيئهم، وذهابهم إلى غير ذلك؟! كل ذلك مكتوب مسطر، وهذه هي المرتبة الثالثة.
إذًا: المرتبة الأولى هي العلم الأزلي المحيط بكل شيء: فالله يعلم ما أنت قائل أيها العبد! وما الذي ستختاره إذا أعطاك الله الاختيار؛ فإنه ﷾ يعلم سابقًا ما الذي ستفعله وتختاره.
والمرتبة الثانية: مرتبة المشيئة، وهي: أن الله ﷾ ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، ولا يخرج شيء عن مشيئته.
المرتبة الثالثة: الكتابة، وهي أن الله ﷾ كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ.
[ ٩ / ٥ ]
إرادة الله ﷿ الكونية
يقول رحمه الله تعالى: [أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه] .
وهذه قضية مسلمة، فكل ما يعمله العباد فإن الله أراده كونًا، والإرادة هنا في قوله: (أراد ما العالم فاعلوه) هي إرادة كونية، فكل ما فعله العباد، ووقع منهم فإن الله ﷾ أراده وقدره وشاءه كونًا، فأفعال العباد الواقعة منهم هي مرادة لله ﷾ إرادة كونية.
وقوله: (ولو عصمهم لما خالفوه) أي: لو أن الله ﷾ أراد أن يعصهم عن العصيان والمخالفة لما خالفوا، والدليل على ذلك أن الله ﷾ خلق الملائكة وجعلهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فصاروا هكذا كما أراد الله لهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، فيسبحون ربهم أبدًا، ويطيعونه ليلًا ونهارًا؛ لأن الله أراد منهم ذلك.
وكذلك أيضًا البشر لو أراد الله ﷾ منهم كونًا أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، ولم يبق منهم عاصٍ، كما قال ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥] .
[ ٩ / ٦ ]
خلق الله ﷿ لكل شيء ومنها أفعال العباد
قال المصنف: [خلق الخلق وأفعالهم] .
وهذه هي المرتبة الرابعة من مراتب القدر، وهي مرتبة الخلق: أي أن الله ﷾ خالق كل شيء، كما قال تعالى في أكثر من آية: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالله ﷾ خالق لجميع هذه المخلوقات، ولا شريك له ﷾ في خلقه، ويدخل في ذلك أفعال العباد، فالله خالق العباد وأفعال العباد.
وبذلك يرد على المعتزلة الذين يستثنون من خلقه أفعال العباد، فيقولون: العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والله لا يخلق أفعال العباد، ومن ثمَّ ضل المعتزلة في باب القدر حين أنكروا مرتبة الخلق بالنسبة لأفعال العباد، وأنكروا مرتبة الإرادة، وجعلوا للعبد إرادة مستقلة، حتى قالوا: إذا اختلفت إرادة الله وإرادة العبد فالتي تقع هي إرادة العبد! فقول المصنف: (خلق الخلق وأفعالهم)، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة هو ﷾ خالق أفعال العباد، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، فيدخل في ذلك أفعال العباد.
وبهذا يكون المصنف قد أشار إلى مراتب القدر الأربع التي عليها مدار القدر، وكلها مرتبطة بقضية الربوبية، فأولها: علم الله المحيط بكل شيء، ثم مشيئته الشاملة التي لا يخرج عنها أحد، ثم إنه تعالى كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ، ثم إن الله ﷾ خالق الخلق جميعًا، ومن ذلك أفعال العباد.
وهذا هو الذي يؤمن به أهل السنة والجماعة ويقررونه، ويقولون: إن مقتضى وجود الإيمان بالقضاء والقدر في مثل قول النبي ﷺ في حديث جبريل: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، الإيمان بهذه المراتب الأربع.
[ ٩ / ٧ ]
الأرزاق والآجال مقدرة من عند الله ﷿
قال المصنف: [وقدر أرزاقهم وآجالهم] .
فالله ﷾ كتب رزق كل عبد، كما في حديث ابن مسعود الصحيح: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد) .
قوله: (بكتب رزقه)، أي أنه لا يأخذ الإنسان في هذه الدنيا إلا ما كتب له من الرزق، (وأجله) فإذا جاء أجله لا يتقدم ولا يتأخر، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، فلكل إنسان أجل محدد، حتى الذي قتل ظلمًا وعدوانًا قد انتهى أجله، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إن المقتول لو لم يقتل لعاش.
فنحن نقول: بل المقتول قد انتهى أجله، لكن الأسباب مختلفة، فهذا أجله ينتهي على فراشه، وذاك أجله ينتهي بالمرض، وهذا أجله ينتهي بالكبر، وهذا أجله ينتهي بالسقوط من علو، وهذا أجله ينتهي بأن يعتدي عليه معتدٍ فيقتله، لكن الكل أجلهم محدد لا يتأخر أبدًا.
[ ٩ / ٨ ]
تنزيه الله ﷿ عن الظلم، وإثبات أن كل فعله لحكمة
قال المصنف ﵀: [يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]] .
وهذا لبيان قضية مهمة جدًا متعلقة بالقدر ألا وهي: أن الله ﷾ لا يظلم العباد؛ لأن الوهم قد يخطر أحيانًا عند الإنسان، فيقول: إذا أثبتنا هذه المراتب الأربع لله، وكان ما يفعله العباد مكتوبًا، فلماذا يعذب هؤلاء وينعم هؤلاء؟ ولماذا فرق بينهم؟ فنقول هنا: إن الله ﷾ يهدي من يشاء برحمته، فهو الذي يمن على عباده ويتفضل عليهم، فمن هداه الله ووفقه للهداية فهذه منة من الله، وقد يمن الله ﷾ بما هو أخص من ذلك، مثلما منَّ الله ﷾ على الرسل بإرسالهم، قال ﷿: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥٤]، فهو الذي اختار هؤلاء الرسل، فإذا منَّ الله على رسول فلا يجوز لإنسان أن يعترض، ويقول: لماذا اخترت محمد بن عبد الله ﷺ أن يكون رسولًا، ولم تختر فلانًا أو فلانًا، كما قال بعض المشركين! إذًا: اصطفاء الله لرسله منة، وهداية الله لعباده منة، ومن ثمَّ فإن الذي هداه الله ﷾ يجب عليه أن يعترف بهذه المنة، وأن يشكر ربه ﷾ عليها شكرًا عظيمًا، ولهذا فنحن نحمد الله ﷾ أن جعلنا مسلمين، فليس بيننا وبين الله نسب، فهاهي أمم الأرض تموج؛ فيها الملاحدة، وفيها اليهود، وفيها النصارى، وفيها عباد الأوثان وغيرهم، ويبلغون الملايين، وتفوق أعدادهم أعداد المسلمين.
إذًا: من منَّ الله عليه بالهداية فذلك برحمته.
قوله: (ويضل من يشاء بحكمته)، هذا هو الشاهد، وهو أنه ﷾ يضل من يشاء، لكن له حكمة في ذلك، فهو ﷾ لا يظلم العبد، فقد أقام عليه الحجة، وأعطاه الإرادة والقدرة، وأنزل إليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، حتى وضحت لديه المحجة، ووضح لديه الطريق.
ولهذا فإن مما يجب أن يقطع به أن الله ﷾ لا يظلم أحدًا؛ لأنه ليس بحاجة إلى الخلق، وهذه قضية ربما نشير إليها بعد قليل، لكن أشير هنا إلى أنه ﷾ يضل من يشاء بحكمته؛ فله الحكمة البالغة؛ لأنه هو الذي اختار أن يوجد أهل الضلال وأهل الإيمان، ولو شاء لجمعهم على الهدى، لكنه اختار أن يكونوا منقسمين هكذا لحكمة يريدها ﷾، فما هي هذه الحكمة؟ هذه الحكمة قد تكون سرًا من أسراره؛ فإن الله سبحانه له الإرادة المطلقة، كما قال عن نفسه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ونحن قد نتلمس شيئًا من حكم الله ﷾ في ذلك، والله ﷾ خلق الخلق وأوجدهم على هذه الحالة لتظهر آثار العبودية، وآثار الطاعة، ولهذا تجد أن الله ﷾ لا يمكن أن يخلق شرًا محضًا لا خير فيه، وإنما يخلق الله ﷾ الشر النسبي؛ حيث يكون شرًا لبعضهم، لكنه خير لبعضهم الآخر.
فمثلًا: إبليس شر، فقد يقال: لماذا خلق الله إبليس؟ فنقول: خلقه لحكمة أرادها، ونقول أيضًا: خلقه ليبتلي به عباده، فكيف يميز المطيع من العاصي، وكيف يكون الإنسان لربه مطيعًا، وكيف يكون أنين المذنبين، واستغفار المستغفرين، وعبادة العابدين، وتوبة التائبين لو لم يكن هناك ابتلاء وامتحان بإغواء إبليس؟! ولو نظرنا أيضًا إلى بعض مخلوقات الله لوجدنا أن لله فيها حكمة، فمثلًا: لو جاء واحد وقال: لماذا خلق الله الأفعى أو العقرب، وليس فيها خير أبدًا؛ بل إن ضررها كبير؟ فنقول: بل خلقها لحكم لا نعلمها، وإن كنا قد نلمس فيها شيئًا من الحكم، فقد يكون فيها أدوية وشفاء، وقد تكون سببًا للدغ إنسان فيكون شهيدًا، كما قال النبي ﷺ: (واللديغ شهيد) .
إذًا: لا يوجد شيء خلقه الله ﷾ إلا وله فيه حكمة، وأذكر أن أحد الوعاظ دخل على أحد خلفاء بني العباس، فلما دخل عنده وجلس أمامه تسلط ذباب على الخليفة، وصار هذا الذباب يقع على أنف الخليفة، ثم يخرج فيرجع مرة ثانية، ويخرج ويرجع، ويخرج ويرجع، حتى ضاق منه.
فقال هذا الخليفة لهذا الواعظ: لماذا خلق الله الذباب؟ فاستحضر الواعظ إجابة لطيفة قال له فيها: خلقه الله ليذل به أنوف الجبابرة! فأعطاه حكمة حاضرة لديه الآن أنه إن تكبر فهذا من أصغر المخلوقات يذله، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ﴾ [الحج:٧٣] .
إذًا: بنص القرآن أن الحكمة في خلق الذباب أن الله ﷾ جعله بلاءً، يبتلي به عباده المؤمنين، وهكذا في بقية ما خلقه الله ﷾.
إذًا: هو ﷾ يضل من يشاء بحكمة، لكنه لا يجبر العباد، ولذا فإن العبد هو الذي يختار ويفعل.
[ ٩ / ٩ ]
الأدلة من القرآن الكريم على القضاء والقدر
قال المصنف: [وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]] .
وهذه بعض الأدلة من القرآن على القضاء والقدر، فهو ﷾ يخلق المخلوقات ويوجدها حسب تقديره ﷾، فهو الذي قدرها سابقًا بعلمه أولًا، ثم بما شاء، ثم بما كتب ﷾، ثم تقع وتوجد حسبما قدره الله ﵎.
قال المصنف: [وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]] .
أي: أنه خلق الأشياء كلها، وخلقها إنما يكون بتقدير من الله ﷾.
وهذا أمر مشاهد فيما يخلقه الله ﷾ ويقدره من آيات في الكون، وفي الأنفس، وفي الأرض، وانظروا إلى كلام الأطباء -مثلًا- في خلق الإنسان، وفي كل جزئية من جزئيات الإنسان تروا عجبًا! وانظروا إلى كلام الفلكيين في هذه الأكوان، وبعدها، ومسافاتها تجدوا عجبًا! وانظروا إلى هذه الأرض، وتربتها، وما يتعلق بالزراعة فيها تجدوا عجبًا! وانظروا إلى البحار إلى آخره.
إذًا: الله ﷾ خلق كل شيء فقدره تقديرًا، ولذا فالعباد لا يملكون من الأمر شيئًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] .
وأقول: مع التقدم العلمي العظيم اليوم هل يملك البشر من أمر تدبير هذا الكون شيئًا؟
الجواب
لا يملكون شيئًا، بل إن أمورًا تجري وضعوا لها الرصد بالأدلة المادية، والأجهزة الدقيقة، ومع ذلك لا يعلمون، وأقرب مثال هذه الزلازل التي وضعوا لها شتى الأجهزة المتطورة الحديثة، ومع ذلك يفجئون بالزلزال يقلب عليهم بيوتهم وجسورهم ونحو ذلك! قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]] .
أي: إلا هي مسطورة في كتاب من قبل أن نخلقها، وهذا يعطي الإنسان الرضا بالقضاء والقدر، فما يصيب الإنسان من مصيبة في الأرض من جائحة، أو زلزال، أو عواصف رعدية، أو ما يصيبنا في أنفسنا من مرض، أو حوادث إلا والله ﷾ قد كتبها قبل أن يخلق الإنسان ويوجده.
إذًا: دل هذا على أن الإيمان بالقضاء والقدر يقتضي الإيمان بأن الله ﷾ قدر هذه الأشياء قبل أن توجد، والإيمان بهذا هو الذي يؤدي بالإنسان إلى أن يؤمن بقضاء الله ﵎ وقدره، ويسلم، فيتحول أمره إلى راحة نفسية؛ لأن الإنسان إذا علم أن القدر مكتوب ولن يتغير لا يتأثر.
ونحن أيها الإخوة! كم يمر علينا في اليوم من حالات نحزن فيها على فوات مقدور، بل يحزن الإنسان أحيانًا على إشارة المرور إذا أقبل عليها وقد صارت إشارة حمراء! فكيف إذا تعلق الأمر برزق الإنسان، وبأمور وظيفته، وبأمور أولاده، وبأمور معاشة! فكم يمر على الإنسان من أمور يريدها، لكن يقع ما أراده الله ﷾، فإذا علم الإنسان أن هذا مكتوب مقدر استراح، وإنما عليه أن يحضّر قلبه للإيمان بالمقدور وسوف يستريح، فلا يأسف على ما فاته؛ لأنه لو جمع الدنيا كلها، واجتمع الخلق كلهم على أن يغيروا هذا الأمر -ولو كان صغيرًا- فلن يستطيعوا؛ لأن الله ﷾ هو الذي أراده وقدره.
قال المصنف: [وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]] .
وهذه هي الإرادة الكونية الشاملة التي هي بمعنى المشيئة؛ فتشمل الخير والشر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وإذا شرح الله صدره للإسلام استجاب وآمن، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]، وجعل الصدر ضيقًا حرجًا إنما يكون بذنب العبد، كما قال تعالى عن الكفار: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] .
فالله سبحانه تعالى لا يمكن أن يظلم العبد، لكنه ﷾ يمنع عنه رحمته، وهذا عدل منه ﵎؛ لأنه لو رحم الجميع لما وُجد كافر أصلًا، ولا عاصٍ أبدًا، لكن لحكمة أرادها ﷾ جعل الناس فريقين.
إذًا: من يريد الله أن يضله فإنه يبتليه، فيجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء فلا يهتدي، وليس هذا إلا عدل منه ﷾، كما ذكرنا قبل قليل، وكما سنوضح -إن شاء الله تعالى- هذه المسألة بعد قليل.
[ ٩ / ١٠ ]
الأدلة من السنة على القضاء والقدر
قال المصنف: [روى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت)، رواه مسلم] .
وهذا دليل الإيمان بالقضاء والقدر من السنة النبوية؛ فإنه ﷺ جعل الإيمان بالقضاء والقدر ركنًا من أركان الإيمان، ولذا لا يستقيم إيمان عبد إلا بأن يؤمن بالقضاء والقدر، كما في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لا يؤمن أحدهم حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) أي: يؤمن بأن كل ما جرى فهو بقضاء الله وقدره.
وكذلك أوصى عبادة بن الصامت ﵁ في مرض موته ولده فقال له: (يا بني! إنك لن تجد طعم الإيمان؛ حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) .
فإذًا: الإيمان لا يكون إلا بالإيمان بالقضاء والقدر، والتصديق به، وأن الله ﷾ له الربوبية، وأن ربوبيته مقتضية لأن يكون هو المدبر الخالق الرازق، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
قال المصنف ﵀: [وقال النبي ﷺ: (آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره)] .
هذا الحديث رواه الطبراني وغيره، وهنا قوله: (خيره وشره) وردت هذه اللفظة في صحيح مسلم، فعلى العبد أن يؤمن بالخير والشر، وأن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره.
وقوله: (حلوه ومره) حلوه: ما يرضى عنه الإنسان ويريده، سواء كان من طاعة لله، أو كان من أمور الدنيا التي تحبها النفس وتهواها، ومره: ما سوى ذلك، فيؤمن أن كل ذلك بقدر من الله ﵎.
قال المصنف: [ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت)] .
وهذا الحديث صحيح، وهو في قنوت الوتر.
إذًا: كل ما قضاه الله ﷾ فهو بقدر، ومن ثمَّ يدعو العبد ويقول: (اللهم قني شر ما قضيت)، فهذا دليل على أن كل ما يجري من خير أو شر فهو بقضاء الله ﷾ وقدره.
[ ٩ / ١١ ]
لا تعارض بين القدر والشرع
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن، ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ونعلم أن الله ﷾ ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة] .
وهذا هو بيت القصيد فيما يتعلق بالقضاء والقدر في كل وقت، لكن في هذه الأيام خاصة؛ فإنه كثيرًا ما يقع الخلط في باب القضاء والقدر على وجه باطل، وأحب أن أقول: إن أكبر مشكلة في قضية القضاء والقدر هي: الزعم بأن هناك تناقضًا بين القدر وبين الشرع! فالمؤمن هو الذي يؤمن بقضاء الله وقدره، ويؤمن بأمره وشرعه، فهذه عنده قضية أساسية، قال تعالى ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالخلق هو القضاء والقدر، والأمر هو الشرع، فمن جعل بينهما تعارضًا وتناقضًا وتصادمًا فهذا هو الذي يقع في ورطة الاحتجاج بالقضاء والقدر.
أما المؤمنون الصادقون فعندهم إيمان بالقضاء والقدر، وعندهم إيمان بالشرع واتباع له، ولا يخطر ببال الواحد منهم أن بينهما تعارضًا، كما يقول البعض: إذا قدر الله علي المعصية كيف يأمرني بأن لا أعصي؟! فنحن نقول: القضاء والقدر والشرع مصدرها ربنا ﷾، وما كان من الله فلا يمكن أن يكون متعارضًا متناقضًا، وأكبر دليل على ذلك هو أنك لو تأملت حياة ملايين من المسلمين لوجدت أن هؤلاء الملايين يعيشون حياة مستقرة طبيعية دون أن يكون عندهم شعور بالتصادم بين القضاء والقدر، وتجد الواحد من هؤلاء مؤمنًا بالقضاء والقدر، وأن كل ما يجري ويقع هو بقضاء الله وقدره، ثم بعد ذلك تجده ممتثلًا لأمر الله وشرعه، وإذا فعل طاعة حمد الله وشكره وزاد في الطاعة، وإذا فعل معصية علم أنها معصية، وأنه هو الذي فعلها، وعلم أنه يستحق العقوبة، فتاب إلى الله واستغفر، وحاول أن يبدل تلك السيئة حسنة.
فهل وجدتم واحدًا من آبائنا أو أمهاتنا عنده مشكلة الصراع بين القضاء والقدر، وأمر الله وشرعه؟! وهذا يدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر والإيمان بالشرع لا يتولد عنهما ما يتوهمه البعض من مشكلة القضاء والقدر.
فهذه قضية أولية ينبغي أن نعلمها، وأن نسلم بها أولًا، لأن هذه يجتمع فيها أمران: الأمر الأول: تلازم وتوافق الأدلة التي أتت بالإيمان بالقضاء والقدر، وأتت بوجوب الطاعة في الشرع، وأيضًا من الناحية الواقعية فإن المؤمنين أتباع الرسل، وصحابة رسول الله، والتابعين لهم بإحسان، ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا يؤمنون بالقضاء والقدر، ويعلمون أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره، ويصدقون بالشرع، ولا يخطر ببالهم تعارض وتنازع بين القضاء والقدر، وبين الأمر والشرع.
[ ٩ / ١٢ ]
إلزام من يحتج على المعصية بالقدر
الأمر الثاني: أن جعل القضاء والقدر حجة على ترك الشرع والأمر والنهي شبهة شيطانية، والدليل على أنها شبهة شيطانية أن صاحبها يقع في تناقض عجيب! لأن الإنسان يوجب التعارض بين القضاء والقدر وبين الشرع فيما بينه وبين الله، لا فيما بينه وبين الخلق.
فمثلًا: الواحد من هؤلاء الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي إذا فعل المعصية قال: بقضاء الله وقدره، وإذا وقع في الفاحشة قال: بقضاء الله وقدره، والمفترض فيه أيضًا أن يجعل هذا أيضًا مستمرًا حتى في تعامله مع الخلق، لكن لا يفعل كذلك؛ فإن الواحد من هؤلاء لو جاء واحد وسرق ماله، فإن المفترض أن يقول: سرق هذا السارق بقضاء الله وقدره، إذًا هو مكتوب عليه، ومكتوب عليّ، فينبغي ألا نحاسبه.
لكن هل يصنع الإنسان الذي يُسرق ماله هذا؟ هل يحتج بالقضاء والقدر؟
الجواب
لا، وإنما سيبحث عن السارق، ويذهب إلى الشرطة، وإذا قبض عليه يريد أن ينزل به العقوبات، ولو جاء السارق، وقال: يا أخي ارحمني؛ أنا سرقت بقضاء الله وقدره، فإنه لن يقبل منه.
إذًا: دل هذا على أن الإنسان فيما يتعلق بمصلحة نفسه بينه وبين العباد لا يحتج بالقدر، وإنما يحتج به -نسأل الله العافية- فيما بينه وبين الله ﷾.
ولذا لو جاء إليه واحد وضربه فالمفترض أن يرضى ويسلم، ويقول: الحمد لله، هذا بقضاء الله وقدره؛ فهذا الذي ضربني ما ذنبه وضربه لي مقدر؟ وهكذا لو جاء واعتدى على عرض زوجته أو أخته، فالمفترض أن يرضى بالقضاء والقدر، ولا يعترض عليه ويقول: هذا مقدر! ولو جاء واحد واعتدى على ابنه أو أخيه وقتله عمدًا وعدوانًا، فالمفترض فيه أن يسلم، ويقول: مكتوب على القاتل أن يقتل، ومكتوب على هذا الابن أو الأخ أن يُقتل، فالحمد لله، أنت في أمان الله، اذهب لسبيلك، لكن هل يصنع الإنسان هذا؟ الجواب: لا، بل يعترض اعتراضًا عظيمًا.
ولو جاءه أهل القاتل يقولون له: يا أخي هذا مكتوب عليه، لما ققبل ذلك، فنقول له: لماذا لا تصنع هذا فيما يتعلق بمعصيتك؟! ولماذا إذا كانت المسألة بينك وبين العباد تحولت إلى قدري تنكر القدر، وإذا كانت بينك وبين الله تحولت إلى جبري، وهذا كما قال بعض السلف: أنت عند الطاعة قدري، تفخر على ربك، تقول: أنا فعلت وأريد الثواب، وعند المعصية جبري، تقول: يا رب! أنا مجبور، ما ذنبي؟ كيف أعذب؟ كيف أعاقب؟ إذًا: دل هذا على أن الذي يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي متناقضون تناقضًا عظيمًا، والذي دعاهم إلى ذلك شبهة شيطانية؛ يريد الشيطان بأحدهم أن يسرف على نفسه في الفسق والعدوان، وإلا فإذا كان عاقلًا فعليه أن يأخذ القضية من ناحية عقلية بحتة، فالمفترض فيه أن يحتج بالقدر فيما بينه وبين الله، ويحتج بالقدر أيضًا فيما بينه وبين العباد سواء بسواء.
أما أن يعامل الله بطريقة، ويعامل العباد بطريقة أخرى فهذا يدل على الهوى، ويدل على أن المسألة ما هي إلا شبهة شيطانية.
[ ٩ / ١٣ ]
قيام الحجة على الإنسان حتى لا يحتج بالقدر على المعاصي
وقوله: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه)، هذا هو الأصل، فمن فعل ما أمره الله ﷾ به، واجتنب ما نهاه عنه فإن هذا من توفيق الله، لكن من خالف فلا يلومن إلا نفسه، ولا يجوز له أن يحتج بالقضاء والقدر، ولله عليه الحجة.
ونحن نقول هنا: هذا الأمر الثالث، وهو: أن الحجة قد قامت عليك أيها العبد! من وجوه عديدة: أولًا: قامت الحجة على العبد بالتكليف، وهو البلوغ والعقل، فالإنسان المجنون لا يسأل ولا يكلف، وغير البالغ أيضًا لا يسأل ولا يكلف، وهذه رحمة من الله ﷾.
الثاني: أن الله ﷾ أعطاك -مع العقل والبلوغ- قدرة بها تفعل، وإذا عدمت القدرة فإنك لا تسأل، فلو أن واحدًا أرغمك على فعل وأكرهك فتكون مجبورًا ولا تحاسب.
الثالث: وأعطاك الله أيضًا إرادة بها تفعل.
إذًا: هناك إرادة، وهناك قدرة، ولهذا لا يمكن أن تأتي لإنسان يفعل معصية بإرادته إلا وهو يعلم يقينًا أنه يستطيع أن يفعلها، ويستطيع ألا يفعلها، ولو أجبر على ذلك لما حوسب، وهذا هو الواقع، فإن العاصي يذهب إلى المعصية بإرادته، ويترك الواجب بإرادته.
إذًا: قدرة الإنسان وإرادة الإنسان التي أعطاه الله ﷾ إياها هي مناط تكليفه ومحاسبته على فعله.
الرابع: أن الله ﷾ لا يعاقبك إلا بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الحجة، فالشخص أو الأمة الذين ما بلغهم رسول ولا كتاب لا يحاسبون، وإنما تقوم الحجة على العبد إذا بلغته الرسالة، قال ﷿: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فبإرسال الرسل وإنزال الكتب تقوم الحجة على العبد.
إذًا: قامت الحجة على العبد؛ فهو: أولًا: غير مكره.
وثانيًا: له القدرة.
وثالثًا: له الإرادة.
ورابعًا: قد بين له طريق الخير وطريق الشر.
ومن ثمَّ فما أعطاه الله من قدرة وإرادة مع البيان هي مناط التكليف، وما عدا ذلك لا يحاسب عليه، فمن كان مجنونًا لا يحاسب، ومن كان صغيرًا لا يحاسب، ومن كان مكرهًا لا يحاسب، ومن كان ممن لم تبلغه الرسالة لا يحاسب.
[ ٩ / ١٤ ]
لا يحاسب المرء على ما هو خارج عن إرادته
الأمر الرابع الذي يتعلق بهذه القضية هو: أن المتأمل بالنسبة لما يقع على الإنسان في هذه الحياة يجده ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يقع على الإنسان بلا إرادة منه.
والقسم الثاني: ما يقع من الإنسان بإرادة منه.
فالقسم الأول لا يحاسب عليه الإنسان، وذلك مثل أن الإنسان ولد في يوم كذا، وكونه قصيرًا أو طويلًا أو أبيض أو كونه أحمر أو على شكل كذا، وكذلك أيضًا ما يجري عليه في هذه الحياة بدون إرادته، مثلما يجري عليه من أمراض تمنعه من الطاعات، وما يجري عليه من مصائب أو نحو ذلك، كل ذلك لا يحاسب عليه الإنسان؛ لأنه يفعله بلا إرادة منه.
وأما القسم الثاني -وهو ما يفعله الإنسان بإرادته- فهذا القسم هو مناط التكليف، وعليه فإن الإنسان يحاسب على ما يصدر منه قولًا أو فعلًا.
[ ٩ / ١٥ ]
زعم التعارض بين القدر والشرع وهم
المسألة الخامسة هي: أن الزعم بأن هناك تعارضًا بين الشرع والقدر ما هو إلا وهم؛ وإلا فإن الإنسان لا يعلم المقدور قبل أن يفعل، فالإنسان قبل أن يفعل الطاعة أو المعصية هل عنده علم بما في قدر الله أو ليس عنده علم؟
الجواب
ليس عنده علم، فإذا لم يكن عنده علم فالواجب عليه أن يتبع الشرع، فمثلًا: إذا أذن المؤذن للعشاء فإنه لا يدري الذين مع الإنسان هل هو سيصلي أو لا؟ فبالله عليكم هذا الإنسان ما الذي يصنعه الآن؟ هو أصلًا لا يعلم الشيء إلا بعد أن يفعله، فأنت في مستقبل أمرك لا تعلم مقدور الله ﷾، لهذا فما الذي نفعله ونصنعه؟ وما الواجب علينا في مسألة الشرع والقدر؟ الواجب علينا أن نتبع الشرع؛ لأن الله أمرنا بذلك وكلفنا، وقال: ستحاسبون يوم القيامة على أفعالكم، ولا خيار لكم في هذا الحكم.
فلما بين الله الطريق، ووضح لنا ما الذي يأمر به، وما الذي ينهى عنه، وأنت الآن في مستقبل الأمر لا تدري، فالواجب عليك أن تفعل الطاعة، وأن تبتعد عن المعصية.
فإذا فعل الإنسان الطاعة فإنه يحمد الله، وإذا فعل المعصية فلا يحتج بالقدر، ولا يلومن إلا نفسه.
إذًا: أي إنسان قبل أن يفعل الفعل هو لا يدري ماذا في القدر، فالواجب عليه أن يتبع شرع الله، وهذا الأمر لا يمكن أن ينفك عن الإنسان أبدًا، ولهذا فإنني أقول: لو جاء إنسان بعدما وقع الأمر وقال: أنا قبل أن يؤذن ما كنت أدري ماذا في قدر الله، لكني فعلًا أنا ما صليت، فتبين لي أنني ما صليت بقضاء الله وقدره.
فنقول له: نعم، صدقت، فكونك ما صليت هذا بقضاء الله وقدره، لكن لا حجة لك لأمرين: الأمر الأول: أن تركك للصلاة كان بعد قيام الحجة عليك، وأيضًا أنت تركتها بإرادتك.
الأمر الثاني: هناك صلوات أخرى مقبلة، فماذا ستصنع؟ وهل تدري ما قدر الله؟ ولو جاءنا وقال: أنا منذ زمان وأنا لا أصلي ولا أصوم، وأفعل المنكر والفواحش، وهذا دليل على أن الله قد قدر أنني أفعل هذه الأشياء، فنقول: هل تعلم الغيب؟ وهل تعلم ماذا في قدر الله؟ ولماذا لا يكون في قدر الله أنك تكون مثل غيرك؟ وأنك تتوب وتعود إلى الله ﷾، وتفعل الطاعات، وتجد ربك قريبًا رءوفًا رحيمًا.
وعلى كل حال فإن الإنسان لا يمكن أن ينفك عن قيام الحجة عليه أبدًا، فحتى لو عصى أسبوعًا، وجاءنا يحتج بالقدر، فنقول له: هل تعلم ماذا في قدر الله؟ وماذا ستصنع الليلة وغدًا؟ فسيقول: لا أدري، فنقول له: إذًا: لماذا لا تتوب إلى الله، فإذا ما أصر وعصى فلا حجة له، فدل هذا على أن الله ﷾ أمر عباده باتباع شرعه، والتصديق بقدره، ولا تعارض بين الأمرين.
[ ٩ / ١٦ ]
الاحتجاج بالقدر على المعاصي مشابهة للمشركين
وهذه الشبهة ليست جديدة، بل هي شبهة قديمة؛ فهي شبهة المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام، فقالوا كما حكى الله عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، فنقول: صحيح أنه لو شاء الله ما أشركتم، لكن هل لكم حجة في هذا؟! ولماذا لا تؤمنون كما آمن غيركم ممن كانوا على الشرك؟! ولو جاء إنسان وقال: لو شاء الله أن يهديني لهداني، فنقول له: سبحان الله العظيم! إن طريق الهداية واضح.
أيها المشركون! هذا رسول الله يدعوكم ليلًا ونهارًا، وأنتم تقولون: لو شاء الله ما أشركنا! إذًا: هذه حجة باطلة، ولذا فإن الذي يحتج بالقدر على المعاصي هو شبيه بهؤلاء المشركين؛ لأنه يقع في المعصية، ويخالف أمر الله، ويقع فيها بإرادته، ثم يحتج بالقضاء والقدر! وهذه شبه شيطانية واضحة تمام الوضوح، والمؤمن هو الذي يعلم أنه لا حجة له على ربه، ولذا فإن من القضايا والأسس في باب القضاء والقدر: أن تعلم أن الله عدل لا يظلم أبدًا، قال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، فالله ﷾ لا يظلم العبد مثقال ذرة، وإنما أنت الذي تظلم نفسك، فأنت الذي فعلت المعصية، والله ﷾ غني عنك.
والآن لو نظرنا إلى العباد لوجدنا بعضهم يظلم بعضًا؛ لأن الظالم يحب السيطرة، أو يريد مالًا، أو نحو ذلك.
أما ربنا جل وعلا فليس بحاجة إلى العباد؛ كما قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]، وقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٨]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] .
ويقول ربنا ﵎كما في الحديث القدسي الصحيح-: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك مما عندي شيئًا) .
فالله غني عن العالمين، وهو ﷾ أيضًا لا يظلم، وقد حرم على نفسه الظلم، كما في الحديث الصحيح: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)؛ فكيف تخطر ببال الإنسان هذه الشبهة، بحيث تشغله في قلبه ونفسه؟! نسأل الله السلامة والعافية، وهكذا يوحي بعضهم إلى بعض بها؛ ليسهل وييسر العصيان والخروج عن طاعة الرحمن، فيجب أن تجزم وأن تقطع أن فعلك للمعاصي إنما هو بإرادة منك، فلا تلومن إلا نفسك، والله غني عنك.
وبهذا أيها الإخوة يتبين أنه لا حجة في القضاء والقدر لأحد أبدًا.
[ ٩ / ١٧ ]
منازعة القدر بالقدر
ثم أقول أخيرًا: إن الإنسان ينتقل من قدر إلى قدر، ولا يمكن لإنسان أن يسلم بالقدر ويسكت، وإلا عد مجنونًا، بمعنى: أن الإنسان إذا أصابه الجوع، فجوعه بقدر، فهل يمكن أن يعتمد على القدر ويقفل على نفسه الغرفة ويقول: إذا كتب الله لي أن أتعشى تعشيت؟! لا يمكن! إذًا: ما الذي يصنعه هذا الإنسان؟ الذي يصنعه هذا الإنسان أن يذهب ليأكل، وأكله بقدر، وسعيه بقدر، وإن عطش فعطشه بقضاء وقدر، فهل يسلم ويسكت، ويقول: إذا كتب الله علي أني سأروى رويت؟ لو قال هذا إنسان وأقفل على نفسه لعد مجنونًا.
إذًا: ما الذي يصنعه الإنسان بحسب طبعه وما قدره الله عليه؟ على الإنسان أن يذهب لينازع قدر العطش والجوع بقدر الري والشبع، وهكذا بقية الحياة، فلو جاء إنسان وقال: بعض الناس يقول لي: تزوج، لكن أنا مؤمن بقضاء الله وقدره، فإن كتب الله لي أولادًا فسيأتيني أولاد، وإن لم يكتب الله لي أولادًا فلن يأتيني أولاد! فماذا يقال عن هذا الشخص؟ أظن أنه سيقال عنه: إن عقله فيه نقص؛ لأن الله ﷾ أمر بفعل الأسباب.
ومثله المزارع لو ترك مزرعته أرضًا ليس فيها حب ولا بذر ولا سقاء، ثم قال: إن كان هذا العام سيكون في مزرعتي نتاج وزراعة فسيكون وإلا فلا! فنقول له: أنت مجنون، لا بد أن تبذر، وأن تسقي، وأن تفعل الأسباب، وقد يحصل لك ذلك، وقد لا يحصل.
ولهذا فإن الإنسان مأمور بأن ينازع القدر بالقدر دائمًا، ففي كل لحظة هو في قدر، فعليه أن ينازعه بقدر آخر، وهذه حياة الإنسان.
لكن الفرق بين المؤمن والكافر، وبين المطيع والعاصي: أن المؤمن بالله ينازع القدر بقدر على وفق الشرع، وذاك ينازع القدر بأي قدر، فمثلًا: لو أن إنسانًا أصابه قدر الجوع فلينازعه بقدر الشبع، لكن المؤمن هو الذي يشبع على وفق شرع الله بما أباح الله له، فلا يذهب ليسرق طعامًا حرامًا، ولا يأكل طعامًا حرمه الله، كخنزير أو خمر أو غير ذلك.
إذًا: المؤمن ينازع القدر بالقدر، لكن على وفق شرع الله، وهذا هو التلازم بين الشرع والقدر.
وبهذا تستقيم حياة الإنسان؛ لأنه بتسليمه بالقضاء والقدر والإيمان بحكمته ﷾، وبأن الله عدل لا يظلم، وأن الله غني عن العالمين، إذا تكاملت هذه الجوانب صار الإنسان خائفًا راجيًا، يفعل الطاعات ويرجو من الله ﷾ أن يتقبلها ويثيبه عليها، وإذا وقع في ذنب لا يحتج؛ لأنه لا حجة له على ربه، وإنما يعترف بذنبه وتقصيره، ثم يستبدل بتلك المعصية طاعة وحسن عمل، هذه هي حال الآمنين المستقيمين، أسأل الله ﷾ أن يجعلنا منهم.
وقوله: (ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك) وهذا كما بينا سابقًا، أما غير المستطيع مثل المكره أو فاقد الإرادة أو المجنون فهذا لا يحاسب، ولا يؤمر ولا ينهى، بمعنى: أنه غير مكلف.
قال: (وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة) وهذا مقطوع به؛ فإن الله تعالى ما أجبر أحدًا، كما قال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، فكل إنسان له مشيئة، لكن مشيئة العباد خاضعة لمشيئة الله؛ لأن الله لو شاء لجعل الناس كلهم مهتدين.
[ ٩ / ١٨ ]
مسألة تكليف ما لا يطاق
قال المصنف ﵀: [قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ﴾ [غافر:١٧]] .
لما كلف الله الإنسان وأمره بالأوامر لم يكلفه ما لا يطيق، وإنما كلف الله الإنسان ما يستطيعه؛ ولذا جاءت التكاليف الشرعية على أحسن نظام، ولذا تجب الصلاة بأركانها، لكن إن لم يستطع القيام فليصل قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب.
ومن لا يستطيع الحج لا يجب عليه الحج، والذي لا يستطيع الصيام يفطر ثم يقضي، أو إذا لم يستطع مطلقًا يطعم، وهكذا جاءت هذه الشريعة، فتكليفات الله وتشريعاته كلها على قدر وسع الإنسان، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، أي: كسبته هي، ومذهب أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد تنسب إلى العباد أنفسهم، وإذا قلنا: إن الله هو خالق العباد وأفعال العباد فلا ننسب أفعال العباد إلى الله، وإنما نقول: إن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد، لكن الله ﷾ قدر الأسباب والمسببات، فمثلًا: الشمس خلقها الله، وإذا تحركت الشمس وجرت فالذي خلق حركتها هو الله، فإذا تحركت الشمس لا نقول: إن الله هو الذي تحرك.
وهكذا أيضًا: الذي خلق العبد هو الله، والذي خلق فعل العبد هو الله، لكن إذا فعل العبد طاعة أو معصية فينسب الفعل إلى العبد، وهذا هو المعنى الدقيق الذي غفل عنه المعتزلة وغيرهم؛ لأن الجبرية ظنوا أن كل ما يفعله العبد ينسب إلى الله، وهذا باطل.
والمعتزلة ظنوا أن العبد مستقل بفعله، فهو الذي يخلق فعله، وهذا باطل.
وأهل السنة والجماعة قالوا: نحن نفرق بين قدرة تقوم بالله، وبين ما هو من مخلوقات الله ومفعولاته المنفصلة عنه، فأفعال العباد من مخلوقات الله المنفصلة عنه، فتنسب إلى أصحابها، والكل خلق لله ﷾.
قال المصنف ﵀: [فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره] .
وهذا هو المنهج الصحيح في فهم قضية الإيمان بالقضاء والقدر.
[ ٩ / ١٩ ]
الأسئلة
[ ٩ / ٢٠ ]
معنى قوله ﵇: (من أحب أن يبسط له في رزقه)
السؤال
قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، فهل يتعارض هذا مع حديث رسول الله ﷺ: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه)؟
الجواب
لا تعارض بين الأمرين، وإنما صلة الرحم سبب من الأسباب، وأنت مأمور بفعل الأسباب، فإذا فعل الإنسان السبب فقد يوجد المسبب، وقد لا يوجد، فلو وجد شخص وصل رحمه، ثم لم ينسأ له في أجله، فإننا نقول: قد يكون لم يقع هذا السبب موقعه؛ لوجود مانع من الموانع، فقد يكون وصل رحمه لكن بدون إخلاص، كما أن الدواء لهذا المرض المعين يعطى للمريض الفلاني فيشفى، ويعطى لمريض آخر بذلك المرض ثم لا يشفى؛ لوجود مانع، فالأجل مقدر، ولذا فنحن نقول: إنه في قدر الله وعلم الله أن فلانًا يصل رحمه، وفلانًا لن يصل رحمه؛ لأن علم الله ﷾ كامل، وعلى ذلك فنحن نقول: صلة الرحم من الأسباب، ونحن مأمورون بفعل الأسباب، وما دام طريق طاعة، فينبغي لك أن تفعل هذه الطاعة، وحينئذٍ إذا فعلت هذه الطاعة قد يقع المسبب، فينسأ لك في أجلك في الدنيا، وقد لا يقع ويحفظ لك أجر هذه الصلة عند الله ﷾ يوم القيامة.
[ ٩ / ٢١ ]
حكم نسبة الشر إلى الله ﷿
السؤال
هل ينسب الشر إلى الله؟
الجواب
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (والشر ليس إليك)، فلا ينسب الشر المحض إلى الله ﷾، وإنما نقول: الله خالق كل شيء، فهو يشمل الجميع، لكن الشر لا ننسبه إلى الله؛ لأن الله منزه عن الشر المحض الذي لا خير فيه، والله ﷾ لم يخلق شرًا محضًا لا خير فيه بوجه من الوجوه، وإنما يخلق أحيانًا شرًا، لكن لا يكون محضًا، وإنما يكون فيه خير.
ومن باب الأدب مع الله ﷾ لا ينبغي للإنسان أن ينسب إلى الله الشر، والله خالق كل شيء.
[ ٩ / ٢٢ ]
شرح حديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء)
السؤال
ما هو تعليقكم على حديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء)؟
الجواب
هذا حديث ثابت عن النبي ﷺ، واختلف العلماء في تفسيره، فمنهم من قال: إن الدعاء لا يرد القدر، وإن القدر لا يتغير، ومنهم من قال: إن الدعاء من الأسباب، وما دام من الأسباب فإن الإنسان مأمور بالدعاء، فقد يقع المسبب وقد لا يقع، كما قال النبي ﷺ (ما من عبد يدعو بغير إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث خصال: إما أن يستجيب له، أو يصد عنه من الشر مثله، أو يدخر له ذلك عنده يوم القيامة، قالوا: إذًا: نكثر يا رسول الله؟! قال: الله أكثر)، ومدلول هذا الحديث أن الله ﷾ أمر بالدعاء، فإذا دعوت فقد يستجيب الله، ويكون الدعاء بقدر، ووقوع هذا الأمر أيضًا بقضاء وقدر.
الاحتمال الثاني: أن يصد الله عنك من الشر مثله، فهذا الذي يصده هو الذي قصده بعض العلماء في قولهم: لا يرد القدر إلا الدعاء، أي أنه يرد أمرًا كان من المحتمل أن يقع فلا يقع، لكن كل الأمور مقدرة.
أو يدخر ذلك لك عند الله ﷾.
[ ٩ / ٢٣ ]
الفرق بين الإرادة والمشيئة
السؤال
ما الفرق بين الإرادة والمشيئة؟
الجواب
المشيئة كونية عامة، والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة دينية، وإرادة كونية، والإرادة الدينية هي الشرع، والإرادة الكونية هي بمعنى المشيئة.
[ ٩ / ٢٤ ]
وجوب تعظيم الله ﷿ وعدم قياسه بخلقه
السؤال
هناك شبهة قد يستغلها النصارى، وهي أنهم قالوا: إن عيسى ﵇الذي هو الرب عندهم- قد دخل في بطن أمه ثلاثة أيام، فرد عليهم بعض المسلمين وقالوا لهم: من كان يحكم العالم خلال هذه الثلاثة أيام التي بقي فيها في بطن أمه؟ فقد يقولون هم: إنكم معشر المسلمين تقولون: إن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل، فمن يحكم العالم خلال هذا النزول؟
الجواب
هذا السؤال غير وارد؛ والله ﷾ هو مدبر الكون، وهو ﷾ بيده الأمر، ولا يشغله شأن عن شأن؛ فهو ينزل في ثلث الليل الأخير، ولا يلزم من نزوله أن الباطل يخطر على بال الإنسان، بل الله ﷾ على العرش استوى، ولهذا اختلف العلماء: هل يخلو منه العرش إذا نزل أم لا؟ ولم يرد في ذلك نص كما سبق أن بينا، ولهذا نقول: إن الذي يترجح أنه لا يلزم خلو العرش منه؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء.
والخطأ نشأ من قياس الله بخلقه، والله ﷾ يقول: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، فإذا كانت السماوات والأرضون كلها في يد الرحمن مثل الخردلة في يد أحدنا، فكيف يأتي قائل ليقول: إذا نزل هل يلزم وهل لا يلزم؟! إن هذا الوهم وهذا السؤال ناشئ من ظنه أن الله تعالى مخلوق من هذه المخلوقات، والله ﷾ هو فوق هذا العالم، وهو عظيم جدًا؛ لأن السماوات والأرضين يقبضها الله ﷾ بيده، فنزوله ﷾ إلى سماء الدنيا هو كما يليق به، ولا يلزم مثل هذا الأمر أو مثل هذا السؤال الذي طرحه السائل.
[ ٩ / ٢٥ ]
حكم قول (لو) فيما فات
السؤال
ذكرت أنه لا يجوز أن يقول الإنسان: لو فعلت كذا لما حدث لي كذا، فإذا رسب -مثلًا- عن إهمال منه هل يجوز أن يقول: لو اجتهدت لنجحت؟ وما القول الصحيح في مثل هذا الموقف؟
الجواب
المشكلة هي فيما إذا كانت (لو) للاعتراض على القدر، وإلا فالنبي ﷺ لما ساق الهدي في الحج -ومعلوم أن من ساق الهدي لا يجوز له أن يحل حتى ينحر هديه- قال للصحابة الذين لم يسوقوا الهدي: (أكملوا عمرتكم، وحلو) يعني: تمتعوا بالعمرة إلى الحج، فالصحابة قالوا له: وأنت يا رسول الله؟! قال ﷺ: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، يعني: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما عقدت الهدي معي من هناك، ولجئت بلا هدي، ثم أكملت عمرتي، ثم يوم العيد أنحر هديًا بمكة، فالنبي ﷺ قال: (لو استقبلت أمري ما استدبرت ما سقت الهدي)، فـ (لو) الممنوع منها ما كان اعتراضًا على قدر الله ﷾، وذلك مثل إنسان أصيب بمصيبة فبدأ يتحسر ويقول: لو أنني فعلت كذا ما حدث كذا، ولهذا من رسب في الامتحان فقال اعتراضًا على القدر لم يجز، لكن إذا كان من باب العبرة والعظة فهو صحيح، كأن يقال له: لو فعلت السبب وذاكرت لنجحت.
[ ٩ / ٢٦ ]
حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
السؤال
قد يحتج بعض الناس فيقول: إن الله قدر علي بأن أذنب وأن أعصي، فلو لم يقدره لي لم أفعل، فكيف نجيب؟
الجواب
سبق الجواب على هذا، وذلك أننا نقول له: ما أدراك حينما تقول: إن الله قدر لي أو لم يقدر؟ فأنت الآن في لحظة لا تعلم ما في الغيب، ولا تعلم هل في قدر الله أنك تعصي أو لا تعصي، ولك إرادة، ولك قدرة، فالواجب عليك أن تتبع ما أمر الله ﷾، وألا تبحث عما في المقدور؛ لأن المقدور لا تعلمه أنت ولا غيرك إلا بعد أن يقع، وما دمت جاهلًا فالواجب عليك أن تصنع ما أمرك الله به، فإذا عصيت وذهبت إلى المعصية فأنت ذهبت إليها بإرادتك، ولم تجبر عليها، فأنت محاسب، فإذا ما وقعت منك واحتججت بالقدر فلا حجة لك، وصحيح أنها بعد وقوعها هي بقدر، لكن لا حجة لك.
ولهذا إذا جاءنا إنسان الآن وقد سبق أن عصى، وقال: إن معصيتي بقدر الله، فنقول: تعال، والآن ماذا أنت صانع؟ نحن نقول لك: إنك لا تعلم ماذا في قدر الله الآن؟ فاستبدل تلك المعصية بتوبة، وتكون التوبة بقضاء الله، واستبدلها بطاعة، وتكون الطاعة بقضاء الله وقدره.
وكما سبق في الدرس الماضي، فإنه لا يحتج أحد بالقدر إلا ولله الحجة البالغة عليه، وكما سبق أن ضربنا لكم مثلًا بذلك الذي يحتج بالمعصية لأنها فيما بينه وبين الله، فالشيطان هو الذي سول له، والشيطان يريد أن يغويه، فيأتيه بمثل هذه الشبهة، لكن هذا الإنسان نفسه لا يحتج بالقدر في أمور أخرى هي بقضاء الله وقدره، فلو أن أحدًا ضربه أو أخذ ماله أو اعتدى على عرضه أو نحو ذلك، واحتج له ذلك المعتدي بالقضاء والقدر ما قبل منه، مع أنه فعله بقضاء الله وقدره، لكن لم يقبله منه؛ لأنه في حظ نفسه، أما فيما يتعلق فيما بينه وبين ربه فإنه يحتج بالقدر، وهذا منهج يدل على ضعف الإيمان، وعلى أن وساوس الشيطان قد استحوذت عليه، وإلا فالإنسان إذا أطاع الله ثم إن الله ﷾ أثابه على ذلك بالجنة، فإنه لا يحتج بالقدر ويقول: أنا طاعتي بقضاء الله وقدره، وليس لي فضل فيها، فلماذا يثيبني الله عليها؟ فتجده يحتج بالقدر في القسم الأول وهو المعصية، ولا يحتج به في القسم الثاني وهو الطاعة، فهذا التفريق دال على أن المسألة وسوسة شيطان، ونفس أمارة بالسوء، تريد أن تزين للإنسان المعصية، وتقول له: افعل هذه المعاصي فإنها مكتوبة عليك، وهي مقدرة.
نعم، إنه لا يكون شيء إلا بقضاء الله وقدره، لكن احتجاجك باطل، وهو مثل احتجاج اللص أو القاتل، فاللص الذي سرق أو القاتل الذي قتل لو قيل له: كيف تقتل فلانًا عمدًا وعدوانًا وتزهق نفسًا مؤمنة؟ وقال: هذا بقضاء الله وقدره، فهو صادق أنه بقضاء الله وقدره، لكن حجته باطلة، واحتجاجه مردود عليه، فلا يقبل منه.
وقد جيء بأحد اللصوص إلى عمر بن الخطاب ﵁، وكان هذا اللص ذكيًا، وكان يعلم أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه رجاع إلى الحق حينما يذكر له الدليل، فلما جيء به وقد ثبتت عليه السرقة قال له: لماذا سرقت؟ قال: يا أمير المؤمنين! سرقت بقضاء الله وقدره، يريد أن يوحي لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه إذا كان فعلًا بقضاء الله فهذا مسكين، فسامحوه، لكن قال له عمر: (ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره)، فقطعت يده بقضاء الله وقدره؛ فكلامه صحيح أنه بقضاء وقدر، لكن احتجاجه باطل.
وهكذا يجاب عن كل من احتج بذلك.
[ ٩ / ٢٧ ]
حكم الحلف برب المصحف
السؤال
هل يجوز الحلف برب المصحف كالحلف برب الكعبة؟
الجواب
، لا؛ لأن الكعبة مخلوقة، والحلف برب الكعبة هو كما نقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] فالكعبة والناس مخلوقات، فأنت حلفت بربك، لكن المصحف ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله ﷾، فلا يجوز أن تحلف برب المصحف، وإنما يجوز أن تحلف بالرب تعالى، أو تحلف بالمصحف، يعني: بالقرآن؛ لأن الحلف بالله أو بكلامه أو بصفة من صفاته جائز.
[ ٩ / ٢٨ ]
القرآن كلام الله وإن كتب على الورق
السؤال
هل الآيات المكتوبة في المصحف من كلام الله؟
الجواب
نعم، القرآن هو كلام الله محفوظ في الصدور، مكتوب على السطور، متلو بالألسنة، لكن الورق والحبر الذي تكتب به مخلوق، لكن القرآن المكتوب به هو كلام الله ﷾ غير مخلوق.
[ ٩ / ٢٩ ]
نصيحة لمن يتخيل ذات الله ﷾ وصفاته
السؤال
عند الكلام على أسماء الله وصفاته قد يدور في الذهن تصور وتخيل لا شعوري، سواء في الذات أو في الصفات، وهو يدافع هذه التصورات، فما هي النصيحة؟
الجواب
هذه الأمور قد تخطر على البال، وهذا شيء طبيعي أن يخطر بالبال شيء من تصور الصفة أو نحو ذلك، لكن الذي ننصحك به أن تعلم أن كل ما خطر ببالك فالله بخلافه، وأن أي تكييف خطر لك إنما هو نابع مما شاهدته من المخلوقات، والله لا يقاس بالمخلوقات، فتكييفك نابع مما شاهدته أنت من المخلوقات.
[ ٩ / ٣٠ ]
القول الحق في دوران الشمس
السؤال
هل الذي تدور هي الشمس أم الأرض؟ وما حكم من يقول: إن الشمس ثابتة والأرض متحركة، مع العلم أن هذا الكلام يدرس في المدارس، ويلزم به الطلاب؟!
الجواب
بالنسبة لقضية إخضاع الآيات القرآنية للعلم هذا خطأ، فنحن نفرح حينما نجد شاهدًا من شواهد العلم يفسر شيئًا من كلام الله ﷾، وهذا دلالة على إعجاز كلام الله ﷿، لكن الخطأ أن نخضع القرآن للعلم الحديث، وأن نلهث وراء العلم الحديث لنعرف صحة القرآن.
والقضية بالعكس تمامًا؛ فنحن واثقون بالقرآن وبما في القرآن وأنه حق لا شك فيه، ثم بعد ذلك ننظر في العلم، فما وافق نص القرآن فرحنا به، وعلمنا أنه دلالة على الحق، وما خالفه نرفضه، ولا نركض وراء العلم لاهثين نتأول من أجله كتاب الله سبحانه.
وهذا من الأخطاء التي يجب أن يتنبه لها من يتصدى لدراسة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ فإن هذا باب عظيم، وفيه خير كثير، لكن بشرط أن يتدارك هذا الخطأ؛ لأن بعض الناس يلهث وراء العلم ليصحح القرآن به، وتجده أحيانًا يلهث وراء التأويلات البعيدة جدًا لبعض الآيات حتى تتوافق مع العلم الحديث! ومنها هذه القضية التي سأل عنها السائل، وهي قضية هل الشمس ثابتة أو متحركة؟ فالعلم الحديث والفلك وغيره يقول: إن الشمس ثابتة، والله ﷾ يقول: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، ويقول: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، فعندنا نص قاطع أن الشمس تجري.
إذًا: مهما جاءنا من العلم الحديث فإننا نقول: قد يكون ثباتها ثباتًا نسبيًا، يعني: أحيانًا لما تأتي بحركة شديدة وحركة أخرى بطيئة، ثم تأتي بحركة ثالثة، فإنها تتحول بين الحركتين كأنها ثابتة، بينما هي متحركة، لكن نظرًا لتوازنها بين الحركتين تصبح وكأنها واقفة، مع أنها متحركة، فقد يكون الذي في نظرية العلم الحديث في مسألة ثبات الشمس مرتبطًا بهذا، لكن الشيء الذي نجزم به جزمًا أكيدًا أن الشمس تجري، وأنها ليست ثابتة، ونقول لهؤلاء ولعلمهم: إن كان قد بلغ عندكم مثل هذا باليقين فقد بلغ عندنا كتاب الله تعالى يقين اليقين، وسيأتي اليوم الذي يتبين فيه صحة ما في كلام الله ﷾.
[ ٩ / ٣١ ]
أنواع الشهداء
السؤال
هل الذي يموت باللدغ أو الحرق أو الغرق أو أي سبب يكون موته موت شهيد؟
الجواب
ورد في الحديث عن النبي ﷺ تسمية بعضهم أنه شهيد: والغريق، والحريق، والمبطون، والمطعون، وأيضًا المرأة في نفاسها، فهؤلاء شهداء، لكن الشهداء ثلاثة: شهيد الدنيا والآخرة، وشهيد الدنيا دون الآخرة، وشهيد الآخرة دون الدنيا.
الأول: شهيد الدنيا والآخرة هو: المؤمن الصادق الذي يموت في معركة القتال، فهذا شهيد الدنيا، تطبق عليه أحكام الشهيد، فنكفنه بثيابه، ولا نغسله، ولا نصلي عليه، وفي الآخرة هو عند الله بمنزلة الشهداء.
الثاني: شهيد الدنيا دون الآخرة، وهو: الذي جاهد ولم يكن جهاده في سبيل الله، مثل المنافق الذي يحضر المعركة ولا يطلب وجه الله، فهذا إذا قتل في المعركة بين المسلمين يطبق عليه في الدنيا أحكام الشهيد، فيكفن في ملابسه، ولا يصلى عليه إلى آخره، لكنه في الآخرة ليس بشهيد.
الثالث: شهيد الآخرة دون الدنيا، وهو: الحريق والمبطون وميت الهدم ونحو ذلك، فهذا في الدنيا لا تطبق عليه أحكام الشهيد، فإن هؤلاء يعاملون مثلما يعامل الذي يموت على فراشه، لكن الرسول ﷺ أخبرنا أنه يكون يوم القيامة شهيدًا، وأما منزلة هذه الشهادة فدلائل النصوص -والعلم عند الله ﷾- تدل على أنها نوع من الشهادة، لكنها دون شهادة القتيل في المعركة، فالقتيل في المعركة له خصوصيات، منها: تنعمه في الحياة البرزخية، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران:١٦٩]، ففي الحياة البرزخية تكون روحه في حواصل طير خضر في الجنة، تمرح وتأكل منها، بينما روح الميت المؤمن في قنديل معلقة في الجنة، أي: ثابتة بهذا القنديل، لكن روح الشهيد في حواصل طير تمرح بالجنة، وأيهما أشد تنعمًا في الحياة البرزخية؟ روح الشهيد.
وأيضًا: منزلة الشهيد وكونه يشفع في سبعين من أهله، فالشهيد في المعركة لا شك أنه أعلى وأفضل من هذا الشهيد، لكن هذه بشرى من الرسول ﷺ، ولهذا جاءت هذه البشرى حينما سئل الرسول ﷺ: هل الشهيد هو من كان في المعركة؟ فقال: (إن شهداء أمتي إذًا لقليل، لكن الغريق شهيد، والهدم شهيد) إلى آخره، فهذه بشرى من الرسول ﷺ في هؤلاء الذي يموتون بهذه الطريقة أن الله ﷾ يكتب لهم أجر الشهادة.
[ ٩ / ٣٢ ]
مكان عقل الإنسان
السؤال
أين يقع عقل الإنسان؛ هل هو في الرأس أو في القلب؟
الجواب
لا أدري، لكنهم اختلفوا قديمًا في هذا، فبعضهم قالوا: هو في الدماغ، وبعضهم قالوا: هو في القلب، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، وبحثوا في هذا الموضوع علاقة القلب بالدماغ إلى آخره، وهي قضية لعلها سر من أسرار الله تعالى، وإلا فلو تأملنا لوجدنا أن الدماغ الذي في الرأس هو موطن التفكير والتحليل إلى آخره، والقلب من الناحية المادية ما هو إلا موطن ضخ للدماء، لكن هناك شعورًا يحسه الإنسان في قلبه، فعندما يحزن الإنسان يقول: أحس بوخزة داخل القلب، ولا يقول: أحس بوخزة داخل الدماغ، فهذا الإحساس سر من أسرار الله ﷾، فما علاقة هذه الروح وأين موضع هذه الروح من الجسد؟ والله تعالى يقول: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] والرسول ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، وهذا يدل على أن القلب له مكانة، لكن علاقته بالدماغ سر من أسرار الله ﵎، وقد يحتج محتج بقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]، لكن يحتاج الأمر -والله أعلم- إلى خبر صادق ينفي هذا ويثبت هذا، يعني: أن النصوص دالة على أن القلب له دور عظيم، ولهذا اختلفوا في الموت، متى يتحقق الموت؟ هل يكون بموت القلب، أو يكون بموت الدماغ؟ لأن بعض الأموات يموت دماغه، ولكن يبقى جسمه وقلبه بأجهزة معينة متحركًا، فهل هو يموت بموت القلب أم لا؟ في هذا كلام طويل، ولا أظن أن هناك فائدة فيه.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٩ / ٣٣ ]