شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - التسليم لله ورسوله
يجب على كل مؤمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ، سواء كان خبرًا أو إنشاءً، أو كان أمرًا أو قضاءً.
ومن ذلك حادثة الإسراء والمعراج وما وقع للنبي ﷺ فيها.
[ ١٥ / ١ ]
وجوب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
بعدما انتهينا من الكلام عن القضاء والقدر، ومن الكلام عن الإيمان والإسلام، سنتكلم هنا عن مسألة تخص الإيمان، وهي: لوازم إقرار الإيمان في القلب محض التسليم لأوامر الله جل في علاه، ومحض التسليم لأوامر رسول الله ﷺ، انطلاقًا من قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] سواء كان خبرًا أو إنشاءً، أو كان أمرًا أو قضاءً.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).
والشافعي ﵀ ورضي عنه ضرب لنا أروع الأمثلة في محض التسليم لله ولرسوله ﷺ حتى اشتهر عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي؛ ولذلك قال بعض المؤرخين: كان للشافعي على كل شافعي المنة، وكان للبيهقي المنة على الشافعي؛ لأنه عمل بهذه القاعدة: إن صح الحديث فهو مذهبي، فأخذ كل مسألة تكلم فيها الشافعي بغير دليل يدلل عليها، ثم نظر في الأحاديث التي علق الشافعي القول فيها على صحة الحديث ثم صححها، وبين أن هذا هو مذهب الشافعي؛ ولذلك قال الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله.
فهذا هو الرجل السلفي الذي يؤمن ويعتقد كما اعتقد صحابة رسول الله ﷺ، ويؤمن بكل ما جاء عن الله وعن رسول الله مسلمًا تسليمًا تامًا، وفي قوله هذا إشارة قوية إلى قوة الإيمان في قلبه، ولذلك فلا يعارض قول النبي ﷺ بقول فقيه، ولا تعارض سنن النبي ﷺ بهوى، ولا يقدم العقل على النقل كما سنذكر.
فهذه مقدمة أطرحها بين يدي هذه المسألة التي بينها المصنف، وهي الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ.
كأن المصنف يقول: لا تعترض على أحوال رسول الله ﷺ، سواء الصفات الخُلقية، أو الخَلقية، أو ما جرى من كرامات على يد أصحابه، أو معجزات على يده ﷺ، أو ما جرى من أمر الله جل في علاه، كل ذلك لا تعترض عليه بعقل خرب تصد به هذه السنن، كأن تقول: أمرر هذه السنن على عقولنا وفطرنا، فإن قبلها العقل أخذنا بها، وإلا رددناها على صاحبها، وهذا الذي جر كثيرًا من أهل البدع والضلالة أن يطعنوا في البخاري وفي مسلم وفي النسائي، بل يطعنوا في أبي هريرة ﵁ وأرضاه؛ لأنهم لم يقبلوا أحاديث جاءت عن النبي ﷺ بأهواء عفنة، وبعقول خربة صدوا بها أحاديث النبي ﷺ فردوها، ولذلك إذا أردت أن تختبر إيمان العبد فقل له: قد قال الله وقال رسوله، مدللًا على مسألة تخالف هواه، وتخالف ما عاش عليه مع آبائه، فإن رأيته قال: سمعت وأطعت لرسول الله ﷺ ولأوامر الله، فاعلم أن الإيمان في هذا الرجل قد تغلغل في قلبه، وإن رأيت الرجل يعترض باعتراضات لا تقوى أن تقف أمام حديث النبي ﷺ فاعلم أنه يتبع هواه كما سنبين.
[ ١٥ / ٢ ]
وجوب الإيمان بما أخبر به الرسول من حادثة الإسراء والمعراج
يقول المصنف ﵀: [ويجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ].
ثم أتى لنا بواقعة هي من أهم الوقائع في تاريخ البشرية، وهي واقعة فيها تسلية للنبي ﷺ، وهي واقعة الإسراء والمعراج، فبعدما اشتد الكرب على رسول الله ﷺ، وتكالبوا عليه، بل واتهموه بأكذب الأباطيل، فقالوا عنه: ساحر، وقالوا عنه: مجنون، وقالوا: إنه يفرق بين المرء وزوجه، ويفرق بين الابن وأبيه، ولم يكتفوا بهذه الاتهامات الباطلة بل إنهم أتوا بسلى جزور فوضعوها على ظهر النبي ﷺ بأبي هو وأمي، وهو يصلي في الكعبة، ولم يكتفوا بذلك أيضًا بل تكالبوا عليه وتآمروا على قتله أو طرده وتشريده وإبعاده، والله جل في علاه علم بالحزن الشديد والهم العميق في قلب النبي ﷺ، فأراد أن يفرج عنه الكرب رحمة من الله جل في علاه سبحانه الرحيم، فتنزلت رحماته تترا على عبده ورسوله ونبيه وخليله من خلقه ﷺ، فجاءه جبريل ذات ليلة فأخذ النبي ﷺ بالبراق فركب البراق، ثم ذهب به في هذه الليلة إلى بيت المقدس، فنظر إلى بيت المقدس وما فيه من بنايات، ثم بعد ذلك شرف الله سيد الخلق أجمعين أعظم تشريف، حيث أتى له بالأنبياء قاطبةً فأمهم وصلى بهم إمامًا بأبي هو وأمي، ثم لم يكتف التفريج إلى هنا، بل أخذه جبريل وصعد به معراجًا إلى السماء، وفي كل سماء يدق باب السماء فيقول الملك: من؟ فيقول: جبريل، فيقول: ومن معك؟ فيقول: محمد ﷺ، فيقول: أوبعث؟! فيقول: اللهم نعم، فيقول: مرحبًا بالنبي الصالح، إلى أن انتهى إلى صريف الأقلام، وفرض الله عليه وعلى أمته خمسين صلاة، ثم خففها إلى أن وصلت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.
ورجع رسول الله ﷺ إلى مكة فنام بقية الليلة عند البيت أو عند الحجر، فجاءه أبو جهل ومن معه من صناديد قريش، فقال لهم: أقص عليكم ما حدث لي: إني أسري بي إلى بيت المقدس، فوقف الناس موقفًا عظيمًا وقالوا: نهتبل هذه الفرصة، فهي فرصة السقوط وبيان كذب هذا الرجل -حاشا للرسول ﷺ أن يكذب- فأخذوها واهتبلوها فرصة وقالوا: إن أول الناس الذي لا يمكن أن يصدق هذا الكلام أبو بكر، فهو الذي يناصره بكليته، لكن هذا الخبر لا يصدقه، فذهبوا إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقالوا: أرأيت ما يقول صاحبك؟ قال: ما يقول؟ قالوا: يقول: إنه في هذه الليلة قد أسري به إلى بيت المقدس، فقال: أوقد قال؟ انظروا إلى الإيمان التام والتسليم التام من أبي بكر، فالذي نريده من كل مؤمن ومسلم أن يسلم لأوامر الله، ولأوامر رسوله ﷺ، وأن يسلم لقضاء الله وقضاء رسول الله ﷺ.
فقال لهم: أوقد قال؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، فاندهشوا فقالوا: نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس وهو في ليلة واحدة يذهب ويجيء! فقال: إني أصدقه فيما هو فوق ذلك، أصدقه أنه يأتيه الوحي من السماء؛ ولذلك لقب بـ الصديق من يومئذ ﵁ وأرضاه، فذهبوا إلى الرسول ﷺ مرة ثانية يجرون أذيال الخيبة، فقالوا له: صف لنا بيت المقدس؟ فقال النبي ﷺ: (فقد غابت عني نواح من بيت المقدس فاهتممت لذلك أو قال: اغتممت لذلك، فجاءني جبريل بصورة بيت المقدس)، وهذه لا تستبعد، فالفيديو الآن يمكن من خلاله أن تنظر إلى بيت المقدس بشريط الفيديو، فأخذ النبي ينظر فيه كأنه صورة في شاشة ينظر فيها بيت المقدس، ويقص عليهم: الناحية اليمنى كذا، وكانوا قد وصلوا إلى بيت المقدس وعرفوا دقائقه، فأتى بكل دقيق وجليل في بيت المقدس فاندهشوا جدًا، ثم قال لهم: إن عير فلان تأتيكم من خلف الجبل الآن، فوجدوا العير كما قال بأبي هو وأمي، لكنهم ختم الله على قلوبهم، ومن أراد الله أن يزيغ قلبه فلن ترى من يقيم قلبه مرة أخرى.
[ ١٥ / ٣ ]
الفوائد المستنبطة من حادثة الإسراء والمعراج
عند الحديث عن حادثة الإسراء لابد من استنباطات نتكلم فيها عن ذلك ومنها:
[ ١٥ / ٤ ]
تقديس الله ﷻ
أولًا: تقديس الله بهذا الإسراء، إذ حادثة الإسراء تلوح بتقديس الله جل في علاه، لأنهم يستبعدون على قدرة الله أن يأتي بالبراق فيأخذ النبي ﷺ في ليلة واحدة إلى بيت المقدس ثم إلى السماء السابعة ويرجع، يستبعدون ذلك على قدرة الله، وهذا قدح وتنقيص من قدرة الله جل في علاه؛ ولذلك صدر الله سبحانه الآية بقوله: «سُبْحَانَ» [الإسراء:١] أي: تقديسًا لله جل في علاه، فهو القادر العلي القوي القهار، الذي إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ﷾.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] إلى آخر الآيات.
[ ١٥ / ٥ ]
رحمة الله بعباده وحفظه لهم
ثانيًا: بيان رحمة الله بعباده، وأن العاقبة لا بد أن تكون للمؤمنين، وأن الله لا يترك عباده للشياطين، وقد جاء في الحديث: (إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني) وإن كان الحديث فيه ضعف.
فالله جل وعلا لا يترك عبده للشيطان أبدًا؛ لأنه كما وصفه النبي ﷺ بأنه أرحم بعباده من تلك المرأة التي وجدت ابنها فضمته إلى صدرها وأرضعته، يقول ﷺ: (أرأيتم هذه الأم ملقية بابنها في النار؟! قالوا: لا والله، فقال النبي ﷺ: فالله أرحم بالعبد من أم هذا بهذا)، يعني: الله أرحم بعبده من الأم بطفلها الرضيع، فمن رحمة الله ورأفة الله جل في علاه بنبيه وخليله محمد ﷺ أن أسرى به تسلية وتفريجًا للكربة التي عاشها.
[ ١٥ / ٦ ]
أشد الناس بلاء الأنبياء
كذلك من الفوائد: أن الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل، ونستنبط ذلك مما وقع للنبي ﷺ، فإنه عندما يأتي يقص هذه القصة لا بد أن التيار العارم سيكون عليه، وهذه نبراس لكل من يتمسك بالحق على قدم راسخة، فإن الأمة كلها تقف أمامه وهو بقدم راسخ يقول: لا، هذا هو الحق.
إذا تبنيت مسألة ووجدت أن الدليل يلوح لك في الأفق من كلام الله وكلام الرسول، فلو وقف الخط الخلفي كله أمامك، بل لو وقفت الأمة بأسرها أمامك فلا تتزعزع، فشخصية طالب العلم لا يمكن أن تتزعزع إن كان راسخًا في العلم، أما إن كان مهزوزًا أو إمعة يتبع كل ناعق فهذا الذي لا ترجو منه الخير، أما الذي يثبت بقدم راسخة مع العلم والدليل الذي يتبناه فهذا الممدوح.
ولذلك النبي ﷺ يعلم أن المسألة من الله جل في علاه، ويعلم أنه سيكذب بل ويتهم بالاتهامات الباطلة، وهذا فيه البلاء الشديد؛ ولذلك الله جل وعلا يسليه ويقول: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣].
إذًا: بهذه القصة تبين أن الأنبياء أشد بلاء؛ لأن الهمج الرعاع سيواجهونه مواجهة دامية، وهو يقف صامدًا على ما هو عليه من الحق؛ لأن الله جل وعلا أمره بذلك، وهو الذي أوحى إليه بذلك.
[ ١٥ / ٧ ]
الإسراء والمعراج بالجسد والروح معًا
من الأمور التي نتكلم عليها عند هذه القصة العظيمة: أن الإسراء والمعراج بالجسد والروح؛ لأن العلماء من أهل السنة والجماعة اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: إن الإسراء كان في المنام فقط، ومنهم من قال: بالروح دون الجسد وهذا لازم المنام، والصحيح الراجح الذي عليه أهل التحقيق من أهل العلم أن الإسراء بالنبي ﷺ كان بالجسد وبالروح، وهذا ثابت بالأثر وبالنظر: أما الأثر: فقد قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] والباء هنا للمصاحبة والإلصاق، وباء المصاحبة معناها: بكلية الرسول ﷺ، أي: بروحه وجسده، وكذا جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ: (أن جبريل أتاه بالبراق، وركب البراق -حقيقة- وأن البراق كان يضع رجله حيث ينتهي بصره) فغير متعذر أن يصل إلى هناك بدقيقة أو دقيقتين وأسرع من ذلك وعرج به إلى السماء.
وبين النبي ﷺ كما في الصحيحين: (أن جبريل جاءه وشق صدره، وأخرج قلبه ووضعه في طست من ذهب فغسله بماء زمزم ونزع منه حظ الشيطان) وهذه حدثت للنبي ﷺ مرتين: مرة في الصغر، ومرة عندما عرج به وملئ صدره علمًا وحكمة، وهذه كما قلت على الحقيقة، فيكون الإسراء بالجسد وبالروح، هذا من الأثر.
أما من النظر: فلو أن النبي ﷺ قال لصناديد قريش: قد رأيت في منامي أني تجولت في نواحي بيت المقدس، فلن تقوم هذه الحرب الشعواء على النبي ﷺ، بل سيقولون: رجل رأى رؤيا وهم يقبلون الرؤيا؛ لأنه لو تحدث أي متحدث عن الرؤيا فسيقبلونها، فهذه الحرب الشديدة على النبي ﷺ تدل على أنهم كانوا يستيقنون أن النبي ﷺ لما قال: (أسري بي) يؤكد أن الإسراء كان بالجسد وبالروح، ولم يكن بالروح فقط.
إذًا: الإسراء كان بالجسد وبالروح.
[ ١٥ / ٨ ]
تحديد زمن حادثة الإسراء والمعراج وحكم الاحتفال فيها
هناك بدعة بسبب الإسراء والمعراج ألا وهي: أن الإسراء والمعراج وقع في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب.
أولًا: نقول: من أين أتوا بهذا؟ بل لا بد أن يعلم أن هذه بدعة مضيئة، والعلماء المحققون اختلفوا في زمن الإسراء والمعراج: هل كان قبل الهجرة أم بعدها؟ وإن كان قبلها فهل كان قبلها بعام أم قبلها بثلاثة أعوام؟ ولم يعرفوا اليوم الذي أسري بالنبي ﷺ وعرج فيه إلى السماء، فالتحديد نفسه افتراء على الله وافتراء على رسوله ﷺ، فالجزم بأنه في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب جزم باطل، والأحاديث التي جاءت في ذلك أحاديث باطلة لا تصح.
ثانيًا: إذا قلنا بهذا التحديد فإن هذه البدعة المنكرة التي تحدث ليلة الإسراء والمعراج من الشوادر وقراءة القرآن والصلاة على النبي ﷺ، والأناشيد التي فيها الكفريات كـ بردة البويصري التي يقول فيها: ومن جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم إذًا: ليس هناك شيء لله جل في علاه، وإنما من جود النبي ﷺ الدنيا وضرتها، أي: الآخرة.
وقوله: (ومن علومك علم اللوح والقلم) أي: ليس هناك علم لله جل في علاه، وهذا الكلام بدعة منكرة مقيتة، فعلى كل إنسان يرى ذلك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وذلك بأن يبين أن هذه بدعة لم يرد فيها دليل من السنة، ولا دليل من سنة الخلفاء الراشدين، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، لو كان هذا اليوم يوم عيد لاحتفل به أبو بكر، واحتفل به عمر، واحتفل به عثمان، واحتفل به علي بن أبي طالب ﵃، ولاحتفل به الأفاضل كـ الشافعي ولقرره في كتبه مالك ولفعل ذلك أبو حنيفة ﵃ أجمعين، ولكن لم يفعل السلف هذا، فهذه فيها دلالة واضحة على أن ما يفعلونه بدعة خلفية وليست سلفية، والخير كل الخير في اتباع من سلف، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
[ ١٥ / ٩ ]
وجوب الإيمان بمجيء ملك الموت لقبض الأرواح على صورة بشر
المسألة الأخيرة التي تتعلق بمسألة السمعيات: وهي الكلام على مجيء ملك الموت.
معلوم أن ملك الموت يأتي كل إنسان، وأن الموت سيدور على كل إنسان، كما أن الرزق يدور على كل إنسان، انبثاقًا من قول النبي ﷺ: (نفخ في روعي الروح الأمين: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها) فقرن الرزق والأجل، فكأس الموت سيدور، وهذه العبودية تسمى عبودية أرباب العقيدة السليمة وأصحاب التوحيد السديد الذين تعلموا الربوبية والإلهية والأسماء والصفات، وتسمى هذه العبودية بالعبودية الخاصة، ومعلوم أنا كنا قد قسمنا العبودية إلى قسمين: عبودية عامة، وعبودية خاصة، فالعبودية العامة: هي عبودية المؤمن والكافر، فكل منهما يعبد هذه العبادة فهما مستويان فيها؛ لأن العبودية العامة هي عبودية القهر، وعبودية الإصابة بالبليات فلا يستطيع أحد أن يرد على الله أمره، فلو قضى الله بموت أحد فلا يستطيع أن يقول: لا، أنا لن أموت هذا اليوم، سواء كان كافرًا جَلْدًَا أو مؤمنًا؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] أي: الكل عبد بالربوبية لا عبد بالإلهية، فعبودية القهر هي العبودية العامة، فالكل خاضع لعبودية القهر، وكل إنسان لا يمكن أن يرد على الله جل في علاه أمره في الموت.
ومعلوم أن ملك الموت يأتي الأنبياء فيخيرهم بين الحياة وبين الموت، فقد خطب النبي ﷺ خطبة بليغة قال فيها: (خير عبد بين الدنيا والآخرة، فبكى أبو بكر وقال: فداك أبي وأمي، فقالوا: لم يبكي أبو بكر وهو رجل خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة؟ -أي: اختار ما عند الله جل في علاه- فلما علموا من المخير قالوا: كان أبو بكر أفقهنا؛ لأنه علم أن هذا دنو أجل النبي ﷺ) فما من نبي إلا ويأتيه ملك الموت فيخيره بين الدنيا والآخرة، وكان يأتي على صورة ملك، وتارة يأتي على صورة بشر، وهذه خصيصة للملك وللجان، فالله جل في علاه أعطى الملك قدرة على أن يتشكل ويتصور بصورة الإنسان، ودليل ذلك ما جاء في الحديث الذي يرويه أبو حفص عمر بن الخطاب حيث قال: (دخل علينا رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه إلى أن قال ﷺ: يا عمر ائتني به، فلما لم يجده قال: هذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم) فهذا فيه دلالة على أن الملك يتمثل بالبشر، وفي صريح السنة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أشد ما يكون علي الوحي حين يأتي كصلصلة الجرس، ويأتيني بصورة الرجل فأعقل عنه ما يقول) وكان دائمًا ما يأتي بصورة دحية الكلبي؛ ولذلك جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ دخل بلأمة الحرب على عائشة، فنظرت عائشة فوجدت دحية الكلبي يأخذ بعنان الفرس، فقالت: يا رسول الله! هذا دحية ينتظرك، فقال لها: يا عائش! أرأيتيه؟ قالت: نعم رأيته، قال: يا عائش! هذا جبريل ويقرئك السلام، فقالت: الله ورسوله أعلم، أقرئ جبريل السلام).
فهذا دليل على أن جبريل جاء في صورة بشر، كذلك يقول تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧] فجبريل ﵇ جاء مريم في صورة بشر، كذلك جاء ملك الموت ودخل على موسى ﵇ متمثلًا في صورة البشر، فلما دخل على موسى نظر إليه فوجده غريبًا في بيته، وظنه معتديًا، وموسى يخشى على حريمه وعلى نفسه، ولم يعلم موسى أنه جاء ليقبض روحه، أليس من جانب الشرع أنه إذا جاء رجل يريد قتلك أن تدفعه بالأهون ثم الأهون؟ وموسى ﵇ قد دفعه بالأهون وفقأ عينه، وكان هذا هو الأهون، وموسى ﵇ كان له قوة أربعين رجلًا، فقد قيل: إن البئر التي نزع عنها الغطاء وسقى للمرأتين كان لا يمكن أن يحرك غطاءها إلا أربعون رجلًا ولو كانوا أقل من ذلك فلن يستطيعوا تحريكه.
وموسى ﵇ لما استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ماذا فعل؟ لقد صور القرآن هذه الحادثة قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] أي: دفعه دفعًا هينًا فمات.
فموسى ﵇ نظر إلى هذا الغريب يدخل إلى بيته وعنده أهله فخشي عليهم وعلى نفسه فلطمه، وما أراد قتله بل لطمه ففقأ عينه، فرجع الملك إلى ربه فقال: إنك بعثتني إلى رجل لا يريد الموت، وكأنه ظن أن موسى لا يريد الموت، وهذا حد علم الملك؛ ولذلك الله جل وعلا بين له أن موسى يريد لقاءه، فقال للملك: قل له: يقول الله لك: ضع يدك على متن ثور ولك بكل شعرة تمسها يدك سنة حياة، فقال موسى: ثم ما يكون بعد؟ قال: الموت، قال: إذًا الآن، كما قال النبي ﷺ: (اللهم الرفيق الأعلى) فقبض روحه.
[ ١٥ / ١٠ ]
بدعة تقديم العقل على النقل وواجب العلماء والدعاة تجاهها
لقد ظهرت شمس البدعة وبزغت ولا متصدٍ لها؛ فطلبة العلم في ندرة وفي عزة وما يتكلم إلا الرويبضات، فظهرت شبهة تقديم العقل على النقل، فقد ظهر في عصرنا من يطعن في البخاري ومسلم ومن يتهم الإمام أحمد بأن فكره سطحي، ولكل مؤمن أن يتأمل هذه الحرب على الجبال الرواسي؛ لا لشيء إلا لأن الأحاديث تخالف أهواءهم، ولو سئلوا لِمَ لم يقبلوا الحديث الذي فيه أن موسى فقأ عين ملك الموت؟ مع أن هذا الحديث في صحيحي البخاري ومسلم وهما أصح الكتب بعد كتاب الله، لقال هؤلاء: لقد رددنا هذا الحديث لأكثر من علة: العلة الأولى: أن موسى لا يمكن أن يفقأ عين الملك؛ لأن الملك بصيحة واحدة يهدم قرية كاملة، وبجناح واحد يهدم قرية كاملة، كما أن طوله من السماء إلى الأرض فكيف يفقأ عينه موسى؟ العلة الثانية: أن هذا تفسير سطحي جدًا، كيف لا يرضى موسى بلقاء الله جل في علاه؟ فهذه شبه ترد بها الأحاديث التي ثبتت ثبوت الجبال الرواسي، هذا الفكر فكر المعتزلة، وإن لم يعرف الناس أن فكرهم فكر الاعتزال، لكن والله ما يفعلون وما يقولون هو فكر الاعتزال؛ ولذلك قال قائلهم: لو رأى البخاري ما تفعل تاتشر ما قال هذا الحديث! وهو قول النبي ﷺ: (ما أفلح الله قومًا ولوا أمرهم امرأة) فهو يرد حديث البخاري بهذه المقولة السخيفة، يغفر الله لنا وله، وما منا من أحد معصوم، فالمعصوم من عصمه الله وكلنا ذو جهل وذو خطأ، لكننا نقول: المخطئ الذي يتصدى لحديث النبي ﷺ لا بد أن يرجع إلى الصواب، فإن أصر على ذلك فلا بد من تحذير الناس مما هو فيه، وهذا الذي قال ذلك قد مات رحمة الله عليه، وأسأل الله أن يتغمده في رحماته، وكفى ببشريات الخير له أنه تمنى الموت في المدينة فأجاب الله له هذه الأمنية ومات في المدينة، وكفى فخرًا أن النبي ﷺ بين أن أفضل الموتات هي الموتة في البلاد المقدسة، حفظ الله مكة والمدينة وسائر بلاد المسلمين من كل شر، لكن لا بد أن نحارب من أجل سنة النبي ﷺ، ولا بد لزامًا أن نقول: الشيخ الغزالي حبيب إلينا، ولكن الحق أحب إلينا منه، فأفراخ الشيخ الغزالي رحمة الله عليه في هذا الزمن موجودة بكثرة، وهو صاحب قاعدة التسهيل على الناس كثيرًا، ولا بد أن يعلم أن في فكره اعتزالًا وتمييعًا للعقيدة؛ لأنه لم يكن ضابطًا لأمر العقيدة.
حتى الفتاوى التي أفتى بها مؤخرًا كلها فتاوى لا يؤخذ بها؛ لأنها ستضيع الأمة وتجعلهم يتخبطون خبط عشواء، ولذا لا بد أن يعلم أن الذي جاء به وأصحابه ما جاء إلا بسبب تقديم العقل على النقل؛ ولذلك سنجد عند الحديث عن أشراط الساعة أنهم يرفضون رفضًا تامًا حياة المسيح الدجال، ويقولون: إن الدجال ليس موجودًا حتى الآن، ولو سألتهم عن ذلك لقالوا: الأقمار الصناعية منتشرة، والنظر الدقيق بالتكنولوجيا لم يبين شيئًا حتى الآن، كما أن الأقمار الصناعية أظهرت كل دقيق وجليل في الأرض، ولم تظهر لنا الدجال.
فتجدهم يعارضون السنن بهذه النظريات العلمية التي تخطئ وتصيب، والجبال الرواسي من السنن تهدم أمام هذه النظريات، فهؤلاء الأفراخ أصحاب الفكر الاعتزالي لا يعلمون للسنة احترامًا ولا تقديرًا، وأفعالهم تدل على هذا، ونحن لا نلزم المرء بلازم فعله، ولكنني أحذر فقط من هؤلاء، ومن السماع لهم، أو السماع لفتاواهم؛ فإنهم ردوا أحاديث النبي ﷺ، وتجرءوا على البخاري وأحمد ومسلم وقالوا عنهم: إن نظر هؤلاء سطحي!!
[ ١٥ / ١١ ]
سبب تجرؤ المبتدعة على الدين وأهله
أقول: نحن ما أتينا إلا من ضعف العلم ومن ندرة طلبة العلم، وقد اتفق القاصي والداني على ذلك، لقد عز في هذا الزمن طلبة العلم الذين يحترمون الطلب ويحترمون العلماء، ويقدرون قال الله قال رسوله، والهمة العالية قد خارت، والأفاضل الذين كانوا كواكب في سماء إسلامنا نستنير بهم قد ماتوا ومات من معهم من أصحاب الهمم العالية، بعدما مات الثلاثة الجبال الذين كانت الدنيا بأسرها تستضيء بنورهم، كأنهم الشموس، لقد مات بخاري العصر محدث الشام الألباني، ثم الشيخ ابن باز الذي جمع بين علم الفقه وعلم الحديث وقد عز صنيعه في هذا الزمان، والقوة كل القوة في الجمع بين علم الحديث وعلم الفقه، والشيخ صالح بن عثيمين الذي لم يفقه مثله أحد في نظره الدقيق وتأملاته الفقهية في أحاديث النبي ﷺ، فهل لهم من خلف؟ ائتوني الآن بواحد خلف هؤلاء الثلاثة؟ لن تجد، إلا أن يشاء ربي شيئًا، وسع ربي كل شيءٍ علمًا.
ولذا أقول: هذه البدعة المقيتة وهذا الترفع الضائع من هؤلاء الرويبضات؛ ما جاء إلا عند عدم وجود طلبة العلم الذين يتصدون لهذه البدع ويحافظون على دين الله.
[ ١٥ / ١٢ ]
نماذج من فتاوى المخالفين للنصوص الشرعية
لعلكم قرأتم أو سمعتم ما احترقت له قلوبنا من الفتاوى المظلمة، فهذا الرجل الذي تتهافت النساء على سماعه وتميل قلوبهن لهذه القصص والعبر التي يأتي بها، وإن شئت قلت: إن هذه القصص فيها الطامات من الأحاديث الباطلة والموضوعة لكنه قصاص وما عنده إلا القصص، ثم بعد ذلك يبدأ في الفتوى ويدمر الدنيا بعدم اعتدال مسائل الدين، فيفتي بأن الختان للمرأة ظلم بين للنساء، وهذا القول لم يقل به أحد من علماء الأمة، على أن علماء الأمة كما بينت اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه على الوجوب، وهذا قول الشافعية.
القول الثاني: سنة مستحبة، وهذا قول الحنابلة وهم الذين قالوا بالسنية.
القول الثالث: أن الختان مكرمة للمرأة، فهو على الإباحة وليس مستحبًا، وهو قول المالكية.
والمقصود أنه لم يقل أحد من السلف بأن الختان للمرأة ظلم.
ومن تلك الفتاوى المظلمة: عندما قيل لإحدى المغنيات وهي تشتكي من أن أخرى غنت أغنيتها فقيل لها: ارفعي قضية عليها، وهذا ضمنًا فيه إباحة الغناء، وإباحة العري والسفور الذي يحدث، فهذا الرجل يفتي بهذه الفتاوى؛ لأنه ليس هناك طالب علم يبين للناس هذا الكلام الباطل المخالف لحديث النبي ﷺ، المخالف لنهج السلف.
وكذا الفتاوى الأخرى التي تطل علينا كفتوى جواز أن تصلي المرأة وهي عارية في مكان مظلم، والقول بأن الدخان حلال للأغنياء حرام على الفقراء، فأين طالب العلم الذي يتصدى لهذه الفتاوى المضللة؟! وأين الذي يدافع عن عرين السنة؟! أين أسد السنة الذي يقول: نذرت نفسي لربي، وأوقفت نفسي لربي؟ نريد طالب علم مجد في معرفة سنة النبي ﷺ بحيث يميز الصحيح من الضعيف، حتى يدافع عن دين الله جل في علاه ويرد على المبتدعة.
[ ١٥ / ١٣ ]
ضرورة التصدي لفكر المعتزلة وغيرهم من المبتدعة
أقول: إن الفكر المعتزلي هو السائد الآن، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تتصدى له إلا أن تكون طالبًا للعلم؛ لأن التعمية والتمييع أصبح أمرًا مروعًا؛ ولأن الهمج الرعاع لا يعرفون شيئًا، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: همج رعاع أتباع كل ناعق.
أي: يصفقون ويرددون: نحن معك، وكلامك دائمًا صحيح، وتراهم يقولون: ما أروع هذه الفتاوى، فهم دائمًا يسيرون خلف كل ناعق؛ لأنهم لم يستضيئوا بنور العلم.
إذًا: فلا بد من طالب علم يبين هذا الأمر، ويرد عن حياض هذا الدين بعلم ودقة وإتقان.
والمعتزلة يعتقدون ثم يستدلون، والقاعدة عند السلف: الدليل قبل الاعتقاد، أي: تستدل ثم تعتقد؛ حتى ينبثق اعتقادك من الدليل الناصع البياض، الذي هو أسطع من شمس النهار في الصحة.
[ ١٥ / ١٤ ]
واجبنا نحو من يرد الأحاديث الصحيحة بعقله الخرب
يوجد الآن من يردون أحاديث النبي ﷺ بهذه العقول الخربة، والصحيح الراجح أننا نقول: سمعنا وأطعنا، وكل حديث صح سنده من الجبال الرواسخ من العلماء لا بد أن نمرره على العقل والقلب بكل راحة ونقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.
وهنا أشير إلى أنه لا بد على الإخوة أن يتبنوا هذا المنهج؛ لأن أهل البدع قد بزغوا، وقد أخبرني ثقة أن الشيخ أبا إسحاق كاد يموت حين سمع أن رجلًا خرج علينا من الأزهر وضعف مائتين وثلاثين حديثًا في البخاري، مع أن الحافظ الدارقطني انقطعت أنفاسه وكاد يقتل حين انتقد خمسة عشر حديثًا أو ستة عشر حديثًا على البخاري، ولم يوافق على الأحاديث التي انتقدها على البخاري إلا أحرفًا يسيرة، وهذا يضعف مائتين وثلاثين حديثًا! وعندما جاء الرجل وسألناه: كيف ضعفت هذه الأحاديث؟ فلعل عندك علمًا بأصول السنة وفكرًا عاليًا بالمتون، فلم يكن عنده شيء من علم، فسألناه: هل عندك علم؟ فأجاب: لست وحدي الذي أتكلم لكي تعاتبني، بل كل الناس تتكلم!! إذًا: فهذه موجة الكل يركبها، ولا بد أنه سيتكلم طالما أن هناك أناسًا يسمعون.
فعندما ترى أن الأحاديث الصحاح ترد من أجل أنها تخالف العقل الخرب، فهذه دلالة على أن الدنيا آذنت بخراب؛ لأن الله جل وعلا أناط قيام القيامة برفع العلم وفشو الجهل، وفشو الجهل واضح جلي بين الناس، فعلينا أن نرجع إلى حديث النبي ﷺ، ونجليه بين الناس، ونبين أننا نحترم الأشخاص ونضعهم فوق رءوسنا، لكن لا نقدم أحدًا أبدًا على رسول الله ﷺ.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
[ ١٥ / ١٥ ]